الروائي - مجلة تعنى بشؤون الرواية
ترجمة: حسين عجة
الجزر/ جان غرنيَيه - مقدمة :البير كامو
11/12/2011
كنتُ في العشرين من عمري عندما قرأتُ هذا الكتاب في الجزائر للمرة الأولى. الخضة التي تلقيتها منه، التأثير الذي مارسه عليَّ، وعلى العديد من الأصدقاء، لا يمكنني مقارنته حقاً إلا بالصدمة التي أحدثها "قوت الأرض" Les Nourritures terrestres لأندريه جيد على جيل بكامله. لكن الكشف الذي حملته لنا "الجزر" هو من نمط آخر. كان متوافقاً معنا، فيما جعلتنا الإثارة الجيديةِ معجبين بها ومرتبكين حيالها في آن معاً. ففي الحقيقة، لم نكن بحاجة للتحرر من يافطات الأخلاق، ولا التغني بثمار الأرض. كانت في متناول أيادينا، في النور. يكفي للمرء قضمها.

بطبيعة الحال، كان هناك البؤس والألم بالنسبة للبعض منا. لكننا كنا، ببساطة، نرفضهما بكل ما في أرواحنا الشابة من قوة. فحقيقة العالم كانت تَكّمن في جماله وحده، وفي الأفراح التي يقدمها. هكذا كنا نعيش بحسيةٍ، على سطح العالم، في وسط الألوان، الأمواج، ورائحة الأراضي الطيبة. لذا كان وصول "قوت الأرض" متأخراً، وكذلك دعوته للسعادة. فالسعادة كنا نحن منْ يصنعها، بغزارة، وبلا مبالاة. على العكس من هذا، كنا بحاجة لما يبعدنا قليلاً عن شراهتنا، يقتلعنا في النهاية من بربريتنا السعيدة. أمّا إذا ما تجولَ بعض المبشرين الساخطين على سواحلنا لكي يلقوا بلعنتهم على العالم وعلى الكائنات التي تغدق بفرحه علينا، فمن الطبيعي أن تكون ردة فعلنا حيالهم عنيفة، ومتهكمةِ. كنا بحاجة إلى معلمين أكثر رهافة، لرجل كان قد عاش، على سبيل المثال، فوق سواحل أخرى، وعاشق هو أيضاً للنور ولسحر الأجساد لكي يقول لنا، بلغة لا تُحاكى، بأن هذه المظاهر كانت جميلة، لكنها محكومة بالفناء ولهذا ينبغي عشقها حد اليأس. حينها سيشرع موضوع كل العصور هذا بالصدح داخل أرواحنا وكأنه الجمال المُقلقِ. فالبحر، النور، الوجوه التي فصلها عنا بغتةً نوع من الحاجز اللامرئي، وأبتعدت عنا، لم تكف، بالرغم من ذلك، من جعلنا مفتونين بها. بإختصار، جاءت "الجزر" لكي تدعونا للتحرر من ذلك السحر؛ معها أكتشفنا الثقافة. في الحقيقة، كان هذا الكتاب، الذي لم يتنكر للواقع الملموس، مملكتنا الوحيدة، قد أضاف إليهِ واقع ثان فسرَ لنا عبره حالات قلقنا الفتيةِ. ففورات الفرح، لحظات نعم التي كنا نعيشها بغموض، والتي ألهمت عدداً من أجمل صفحات "الجزر"، كان غرنييَه قد ذكرنا ثانية بمذاقها الخالد وسرعة زواله أيضاً. وهكذا أدركنا بغتةً حالات كآبتنا الفجائية. فذلك الذي كان يكدح من فوق أرض جاحدة وتحت سماء معتمة يمكنه الحلم بأرض أخرى تكون السماء والخبز فيها خفيفين. أنه يأمل. أمَا أولئك الذين يغمرهم النور والروابي بالفرح في كل ساعة من النهار، فما عادوا يأملون. ليس بإمكانهم سوى الحلم بمكان آخر مُتخيلِ. هكذا يهرب رجال الشمال نحو ضفاف البحر الأبيض المتوسط، أو نحو صحارى النور. لكن أين يهرب رجال النور إن لم يكن نحو اللامرئي؟ أن الرحلة التي يصفها غرنيّيه هي رحلة عبر المُتخيل واللامرئي، بحث متواصل من جزيرة إلى جزيرة ثانية، كذلك البحث الذي قدمه ملفل Melville، عبر وسائل أخرى، في رواية "ماردي" Mardi. يتمتع الحيوان ويموت، فيما يُخلَبْ الإنسان ويموت، لكن أين المرفأ؟ ذلك هو السؤال الذي يتردد عبر صفحات هذا الكتاب كلها. لكنه لا يحصل منها، في الحقيقة، إلا على أجابة غير مباشرة. فغرنيَيه، كملفل، ينهي في الواقع رحلته بتأمل من حول المطلق والإلاهي. فعند كلامه عن الهندوس، يحدثنا عن مرفأ لا يمكن تسميته، ولا تحدّيده، في جزيرة أخرى، تظل نائية بدورها إلى الأبد، ومهجورة على طريقتها الخاصة.

هنا أيضاً، ربما كانت هذه المقاربة المتواضعةِ، بالنسبة لشاب لم يعش في كنف الأديان التقليدية، الطريقة الوحيدة لتوجيهه نحو تأمل أكثر عمقاً. شخصياً، لم أكن بعوز للآلهة : الشمس، الليل، البحر... لكنها آلهة للمتعة ذاتها؛ فهي تملأ المرء ثم تعيد أفراغه. فلو كنت أرافقها وحدها، لنسيتها حتى أتفرغ كليةً للمتعةِ. كان لا بد من أن يذكرني أحدهم بما هو سري ومقدس، بمحدودية الإنسان والحب المُستحيل، حتى أتمكن في يوم ما من العودةِ إلى آلهتي الطبيعية بقليل من الغرور. لذا، أنا لا أدين لغرنيّيه بتطمينات ليس بمقدوره ولا يرغب في تقديمها. لكني مدان له، على النقيض من ذلك، بشك دائم يمنعني، على سبيل المثال، في أن أكون إنسانياً بالمعنى الشائع اليوم للمفردةِ، أي إنسان تعميه تطمينات قصيرة النفس. وعلى أي حال، لقد أُعجبت، منذ اليوم الأول، بتلك الهزةِ السارية في "الجزر"، كما كنتُ أرغب في محاكاتها.

"كثيراً ما حلمت في الوصول إلى مدينة غريبة، وحدي وبلا أي عون آخر. ربما كنتُ سأعيش بطريقة متواضعة، بائسة حتى. لكني أكون قد أحتفظت، قبل أي شيء، بالسر". تلك هي الموسيقى التي جعلتني أعيش في حينها وكأني ثمل، عندما كنتُ أكررها مع نفسي، بتجولي في الأماسي عبر شوارع الجزائر. لقد بدا لي الأمر وكأني دَخَلْتُ فوق أرض جديدة، وقد فَتَحَتْ لي في النهاية أحدى فراديسها المُسيجةِ بالجدران العالية، التي غالباً ما مشيتُ بمحاذاتها، عبر مرتفعات مدينتي، والتي لم أكن أقبض منها إلا على عطر وردة دائمة الخضرة لا مرئية، كان يحلمُ بها فقري. لم أكن أخدعُ نفسي. ففي الواقع، أنفتحت أمامي واحدة من تلك الحدائق، بثرائها المُتفردِ؛ أكتشفت تواً الفن. ثمة شيء ما، شخص ما تحرك في داخلي، بغموض، وكان يرغبُ في الكلام. فهذه الولادة الجديدة كان بإمكان قراءة بسيطة، أو حتى نقاش ما توليدها عند شاب مثلي. تنفصل أحياناً صفحة عن كتاب مفتوح، كلمة تصدح ثانية في الغرفة، وإذا بالتناقضات تنتظم من حول مفردة صحيحة، أو نوطة مضبوطة، وتنتهي الفوضى. في الوقت ذاته، ترتفع بصورة خرقاء أغنية في العتمة، كتجاوب مع تلك اللغة الكاملة، أنشودة خجولة.

عندما أكتشفت "الجزر"، كنتُ أرغب في الكتابة، كما أظن. بيد أني لم أتخذ قراري إلا بعد أن أنهيت قراءتي لها. هناك كتب أخرى قد ساهمت في اتخاذي لقراري. لكن ما أن كانت تقوم بدورها ذاك ، حتى كنتُ أنساها. على العكس من هذا، لم تكف "الجزر" عن العيش معي، منذ أن قرئتها قبل عشرين عاماً. إذ ما زلت حتى اليوم أكتبُ، أو انطقُ ببعض الجمل الموجودة في هذا الكتاب أو في غيره من كتب نفس المؤلف وكأنها عباراتي الخاصة. وأنا لست آسفاً على ذلك. كل ما يمكنني قوله هو أنني أحسدُ نفسي على ذلك الحظ الذي جعلني، أنا الذي كان بحاجة، أكثر من أي شخص آخر إلى التطويع، أعثر على معلم، في اللحظة المناسبة، وفي أن أكون قادراً على الاستمرار في حبه والإعجاب به عبر السنوات والأعمال.

ففي الحقيقة، سيكون المرء محظوظاً إذا ما استطاع، ولو مرة واحدة في حياته، تحمل ذلك الخضوع الإنفعالي soumission enthousiaste. من بين أنصاف الحقائق التي يتغنى بها مجمتعنا المثقفِ هناك تلك المقولةِ، المؤثرة، والتي مفادها بأن كل شعور يتعقب موت الآخر. وإذا بنا نتحول جميعنا إلى سادة وعبيد، منذورين لقتل أحدنا الآخر. لكن لمفردة معلم معنى ثان غير ذلك الذي يجعلها في مواجهة مفردة تابع أو طالب، ضمن علاقة أحترام وعرفان بالجميل. حينئذ، لا يعد الأمر متعلقاً بكفاح المشاعر بعضها ضد البعض الآخر، بل بالحوار، الذي لن يتوقف أو يموت ما أن يشرعُ بالإنطلاق، ومن ثم يملأ حيوات بكاملها. فهذه المواجهة الطويلة لن تؤدي لا إلى العبودية ولا الطاعةِ، ولكن إلى المحاكاة وحسب، بالمعنى الروحي للمفردة. ففي النهاية، يغتبط المعلم حين يتركه طالبه وقد حقق اختلافه عنه بصورته الكاملة، فيما يظل الطالب يحتفظ دائماً بحنينه لذلك الزمن الذي كان يتلقى فيه كل شيء من معلمه، عارفاً بأنه لن يتمكن في يوم ما من مجازاته أو رد جميله بالمثل. وهكذا يُنجب العقل عقلاً، عبر الأجيال، فيما يظل تاريخ البشر ينافحُ، لحسن الحظ، من أجل الحب والإعجاب بذات القوة التي يواجه بها الكراهيةِ.

غير أن غرنيَيه لن يختار ذلك الصوت. فهو يفضل أن يحدثنا عن موت قطة، عن مرض قصاب، عن عطر الزهور، وعن زمن الماضي. لم يقل هذا الكتاب أي شيء. فكل ما فيه قد جرى الإيحاء به بقوة ورهافة لا تضارعان. فلغته الخفيفة، الدقيقة والحالمة في ذات الوقت، تتمتع بتدفق وسيولة الموسيقى. أنها تجري، بسرعة، بيد أن صداها يتواصل. وإذا ما كان المرء يميل إلى المقارنات، فعليه مقارنة غرنيَيه بشاتوبريان وباريز Barrès، اللذان أستخلصا من الفرنسية لهجة جديدة. لكن ما نفع تلك المقارنات! فإصالة غرنيَيه تتجاوزها. أنه يحدثنا عن تجارب بسيطة ومألوفة بلغة تخلو من الإستعداد الظاهر. ثم يتركنا لكي يترجمها كل واحد منا بالطريقة التي تتلائم معه. ضمن هذه الشروط وحدها، يكون الفن عطيةً un don، لا تجبر أحداً. بالنسبة لي، أنا الذي تلقى الكثير من هذا الكتاب، أعرفُ سعة تلك العطيةِ، وأعترف بديني حيالها. فالكشوفات العظمى التي يتلقاها المرء في حياته نادرة، واحد أو اثنين في الغالب. لكنها تغير وجهه، كما يفعل الحظ. فأنا أعرفُ بأن هذا الكتاب يُقَدم، عبر منعطفات صفحاته، كشفاً عظيماً للكائن المنفعل بالعيش والمعرفةِ. لقد وضعَ "قوت الأرض" عشرين عاماً لكي يعثر على جمهورٍ ينفعل ويتأثر به. ولقد حان الوقت لقدوم قراءات جديدة "للجرز". بودي أن أكون وسط هذه القراءات، فأنا أرغب في العودة إلى ذلك المساء الذي فتحت فيه، في الشارع، هذا المجلد ثم أغلقته ما أن قرأتُ سطوره الأولى، ومن ثم شددته إلى صدري وركضتُ نحو غرفتي حتى التهمه أخيراً، دون أن يكون هناك شاهداً عليَّ. أنني أحسد، بلا مرارة، بل يمكنني القول، إذا جاز لي هذا، بأني أحسد بحرارة ذلك الشاب المجهول الذي سيقترب، اليوم، من هذه "الجزر" للمرة الأولى...




الجزر
يصف تعاقب الرموز هذا رجلاً مسلوباً من كل ما بإمكانه تشكيل حكاية في حياته، ديكوراً، أو تسليةً...
ومع ذلك، فإن أموراً واقعية كالأيمان، الشفقة والحب؛ وكذلك المعابد القديمةِ، الكنائس والقصور، والمصانع اليوم هي بمثابة ملاذات ضد اليأس. لا يتعلق الأمر هنا بمثل هذه المكتسبات والكشوف.

جاذبية الفراغ
يوجد في كل حياة، لاسيما في فجرها، لحظة يتقرر فيها كل شيء. يَصعبُ العثور على تلك اللحظة؛ فهي مطمورة تحت رُكام الدقائق التي مرت بالملايين من تحتها والتي يُثيرُ عدمها الفزعِ. هذه اللحظة ليست دائماً برقاً. إذ يمكنها أن تشغل حيز الطفولة أو الفتوةِ ومن ثم تلون بألوان قزحيةِ الأعوام الأكثر مجانية في الظاهر. ذلك لأن الكشف عن كينونة ما يمكنه الحدوث بالتعاقب. هناك أطفالٌ مطمورين بعمق داخل أنفسهم حداً لا يبدو معه بأن الفجر سينهض يوماً من فوقهم، وسوف يندهش المرء حين يراهم ينهضون، كالعازر، ثم ينفضون أكفانهم التي لم تكن سوى قطع قماش. ذلك ما حدث لي أنا : أولى ذكرياتي هي ذكرى مُلتبسةٌ، حلم مشوش تَمَدّدَ عبر أعوام بكاملها. لم أكن بحاجة لمن يكلمني عن غرور العالم : لقد شعرتُ بما هو أكبر من ذلك، فراغه.

لم أعش لحظة متميزةً قد يحصل منها وجودي على معنى ما؛ لحظة منْ تلك اللحظات التي قد أتحدث فيما بعد عما تمَّ لي الكشف فيها عن نفسي. لكني عرفت منذ الطفولة العديد من الحالات الروحية المتفردة، التي لم تكن وعوداً، بل إنذارات. في كل واحدة منها، بدا لي (هل يمكن للمرء إستخدام تعبير آخر غير هذا) وكأني ألمس شيء ما موضوعاً خارج الزمن. ربما كان ينبغي أن يكون أهتمامي الأكبر هو السؤال عما كانت تعنيه تلك التواصلات، والعمل على خلق همزة وصل فيما بينها، أي بإختصار القيام بما يقوم به أولئك الأفراد الذين يرغبون في معرفة ما يحدث في نفوسهم، ومن ثم وضعه على محك العالم، أي تحويل حدوساتي إلى منظومة أفكار- منظومة لينة بما فيه الكفاية حتى لا تصاب تلك الحدوسات بالعقم. على العكس من هذا، تركت تلك الورود تذبل الواحدة بعد الأخرى. لقد عَدَوْتُ من واحدة منهن نحو الثانية – عبر رحلات لم يكن لها من هدف آخر غير ذلك.

كم كان عمري؟ ستة أو سبعة أعوام، كما أعتقد. كنتُ ممدداً تحت ظل زيزفونة، متأملاً سماء خالية تقريباً من الغيوم؛ ثم رأيت تلك السماء تتراجعُ وتغور في الفراغ : كان ذلك أول إنطباعتي عن العدم، وكان حاداً لأنه أعقب الإنطباع عن الوجود الثري والممتلأ. من حينها، شرعتُ بالبحث عن سبب تعاقب هذين الإنطباعين، وفكرت، بإزدراء لكل أولئك الذين كانوا يبحثون بواسطة ذكائهم، بدلاً من بحثهم بأجسادهم وأرواحهم، بأن الأمر يتعلق بما يُطلق عليه الفلاسفة "مشكلة الشر".

والحالة هذه، كان ذلك أكثر عمقاً وخطورة. فما حدث أمامي لم يكن مجرد زلةً، ولكن فجوة. ففي تلك الثغرة الفاغرة، كان كل شي، كل شيء على الإطلاق، معرضاً للإبتلاع. منذ ذلك اليوم لم أكف عن التفكير بضآلة واقعية الأشياء. لا ينبغي عليَّ القول "منذ ذلك اليوم"، ما دمت أنيَّ مُقتنع بأن حوادث حياتنا –على الأقل الحوادث الداخلية- ما هي إلا تعاقب كشوفات أكثر عمقاً عن أنفسنا. لذا فأن مسألة توثيقها لا أهمية له. كنتُ واحداً من أولئك الأفراد المنذورين للتساؤل لمَ عاشوا من قبل أكثر من تساؤلهم عن عيشهم الآن. وعلى أي حال، العيش على الهامش.

لقد تعززَ في داخلي الطابع الوهمي للأشياء بحكم مجاورتي وبقائي المستمرة بالقرب من البحر. بحر مضطرب دائماً بمده وجزره، كما هو في منطقة "البريتانيا" حيث تظهر خلجان لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة ضمن ذلك الإمتداد الواسع. أي فراغّ! صخور، طين، مياه... فمادام كل شيء يظل مُعلقاً ما بين الحياة والموت كل يوم، ليس ثمة ما هو موجود. لقد تخيلتُ حلول ليل المياه وأنا في زورق صغير. لا نقطة دليل هناك، وسأكون مُضيعاً بطريقة لا رجوع منها؛ ليس ثمة من نجومٍ أستدل بها على دربي.

لم تكن تلك الإنشطاحات مريرة؛ ذلك لأني كنتُ أحملها معي بتعاطف. لم تكن "ألماً أدبياً" ما دمت لم أقرأ أي شيء له علاقة بها. كان ألماً فطرياً صَنعتُ منه ملاذتي. فعاطفة اللامتناهي لم يكن لها اسم بعد عندي، وكذلك كان الأمر بالنسبة للعدم. لقد تولدت عندي، نتيجة لذلك، حالة من اللامبالاة الكاملة تقريباً، موت هاديء للشعور –حالة نوم يَقَضةً. لقد قطعتُ يوماً بعد آخر تلك الحقول الكأيبةِ، السواحل التي لم يتبرعم أي شيء فيها. خطوت إلى الأمام محمولاً بموجةٍ خلفتني في النهاية، بتقدمها وتراجعها، في المكان ذاته، وكأني منطاد منفوخ ومعلق بحبل قوي، في عمق البحر. من الصعب على المرء إقتلاع نفسه من حالة الخدر هذه. لا يمكنني القول بأني كنت أحبها؛ لقد خضعت لها، بنوع من اللذةِ. إلى ماذا يؤدي هذا؟ إلى لا شيء. فكله يقود إلى نتيجة ما لا مخرج منها. ولأن الموت كان رابضاً في الطرف الآخر، لذا كانت حياتي تماثله إلى حد بعيد، بشكل لم يكن بمقدوري فيه رؤية أي فارق بينهما، لو لم تكن هناك هذه الطفرة الغرائزية الحيوانية.

كيف كان بمقدوري أن أكون مُبالياً مع مزاج كهذا؟ والحالة هذه، كان كل شيء يجرحني، مادام أن كل يحدث خارج عني كان يميل لجعلي أشعرُ بقشرةِ قيمته، مقارنة بما يحظى عليه من أهمية عندي. تحليلي الأول غير كافٍ : كان لدي مثالاً idéal. بمقدور المرء مقاومة الأشياء التي تحيط به ومن ثم ينغلقُ في ميدان محايد يعزله ويحميه : وذلك معناه بأنه يحب نفسه ويمكنه أن يكون سعيداً بإنانية. لكن إذا ما وَضْعَ نفسه بمصاف أي شيء آخر، وكان يشعر بفراغ العالم، فسيكون مهيأً للشعور بالقرف من آلاف الحوادث الحياتية الصغيرة التي تعاكسه. فالجرح يندمل ويتعلم منه المرء، لكن وخزات الدبوس في كل يوم لا تطاق. لا ريب أن الوجود شيئاً تراجيدياً، إذا ما تعاملنا مهه بعظمته، لكن إذا ما نُظرنا إليه عن قرب، فما هو إلا شيء بائس بطريقة عبثية. أنه يدفع المرء نحو فكرة حتمية مقاومته، وبالتالي يسقطه ضمن عواطف ما كان ليرغب في معرفتها. إذ يحدث للمرء تفضيل هذا الشيء على ذاك؛ بل وينبغي عليه أيضاً الإختيار ما بين هذا وذاك، أي أن عليه التخلي كليةً عن أحدهما من أجل إمتلاك الآخر. والحال، هل يساوي هذا ذاك؟ كان بمقدوري قول كلا، بيد أنيّ مرغماً على قول نعم. أليس هذا بالأمر القاتل؟ أعبرُ مُرغماً من لحظة اللامبالاة إلى لحظة الإختيار. وها أني أسقط في الفخ، فأنا أبحث في ما هو عابر عن المطلق الذي لا يمكن أن يكون هناك؛ وعوضاً عن الصمت والترفع، احتفظ بالصخب في نفسي. من القسوة أن يوضع المرء في موقف يتحتم عليه الإختيار فيه ما بين علامتين من أقلام الحبر : الأجود منهما ليست بالضرورة الأغلى؛ وقد تكون الأقل جودة ذات إستخدام أكبر لأنها مختلفة؛ ليس هناك ما هو أفضل وما هو أقل جودة : ثمة ما هو جيد في لحظة بعينها، وما هو جيد في لحظة ثانية. فالكمال ليس من هذا العالم، أعرف ذلك، لكن ما أن يدخله المرء، ما أن يوافق على أن يصبح فيه شخصاً، حتى يكون خاضعاً لإغواء أكثر الشياطين رهافة، ذلك الذي يهمس في أذنه : ما دمت حياً، فلمَ لا تعيش؟ لمَ لا تحصل على ما هو أفضل؟ حينئذ، تشرع المبارات، والرحلات... لكن أية لحظات جميلة تلك التي تشارف فيها الرغبة على الإشباع؟

ليس من الغرابة أن تقود جاذبية الفراغ المرء نحو المباراة، وبأنه سيُهنجل تقريباً على قدم واحدة من شيء إلى آخر. فالخوف يمتزج بالجاذبية –يتقدم الواحد في نفس الوقت الذي يهرب فيه؛ ذلك لأن المراوحة في نفس المكان مستحيلة. ومع ذلك، سيأتي اليوم الذي تُكافأ فيه هذه الحركة المتواصلة : يكفي التأمل الصامت لمشهد طبيعي لسد فم الرغبة. يَحْلُ الإمتلاء مَحْلَ الفراغ. عندما أعيد النظر في حياتي السابقة تبدو لي وكأنها لم تكن سوى ذلك الجهد الذي بذلته بغية الوصول إلى لحظات ربانية كهذه. هل تَحَدّدتُ فيها بفضل تذكري لتلك السماء الصافية التي عشتها منذ أمد بعيد في طفولتي، ممدداً على ظهري وأنا أنظر من خلال الأغصان للنهار وهو ينمحي؟

حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr
...النص كاملاً
http://www.alrowaee.com/article.php?id=959