الروائي - مجلة تعنى بشؤون الرواية
د. معن الطائي وأماني أبو رحمة
الأدائية أو نهاية ما بعد الحداثة (2/1)
07/11/2011
1

في عام 2008 صدر عن مجموعة ديفيس للنشر كتاب بعنوان (الأدائية أو نهاية ما بعد الحداثة) لمؤلفه الأمريكي الألماني السلافي راؤول ايشلمان. يحاول ايشلمان في كتابه تحديد بعد ما بعد الحداثة بوساطة مصطلحات جمالية. نحت ايشلمان مصطلح الأدائية أو performatism في العام 2000 , ليبين أن الأعمال في الحقبة الجديدة قد بنيت على نحو يؤدي إلى خبرة السمو والتعالي بطريقة موحدة في وسط جمالي. تقوم الأدائية بهذا العمل بوساطة خلق اشتغالات فنية مغلقة تساعد المشاهدين على التماهي مع شخصيات , أو مواقف بسيطة ومبهمة وأن يختبروا الحب، والجمال، والصدق، والإيمان، والسمو في أُطر خاصة وفي ظروف مصطنعة. ويطبق ايشلمان هذا النموذج على الأدب، والسينما، والعمارة والفلسفة، والفن، منتقيا مختارات بعينها لدراستها ومقاربتها على ضوء مفهومه الجديد.
وضع المؤلف الفصل الأول من الكتاب كاملاً على الشبكة العنكبوتية (1) فضلا عن مجموعة مقالات ودراسات هامة سنوظفها في هذه الدراسة وسنعرض جملة اقتباسات وتعليقات تساهم في توضيح المفهوم وتبين دلالته، مع عرض أمثلة معاصرة شرحها ايشلمان لاشتغالات أدبية وفنية ومعمارية تنطبق عليها رؤية الأدائية البعد ما بعد الحداثية.
يقول ايشلمان في مطلع الفصل الأول من كتابه:" يمكن تحديد الأدائية ببساطة على أنها الحقبة التي ابتدأ فيها التنافس المباشر بين المفهوم الموحد للعلامة واستراتيجيات الغلق من ناحية، والمفهوم المتشظي للعلامة واستراتيجيات انتهاك الحدود المميز لما بعد الحداثة من ناحية أخرى. كانت النهاية أو الغلق الشكلي لأي عمل فني يُقوَض باستمرار في ما بعد الحداثة بوساطة الأدوات السردية أو المرئية التي تخلق حالة متأصلة لا مفر منها من اللا-قدرة على الحسم بخصوص"حالة الحقيقة" في بعض أجزاء العمل".(الكتاب: 1).
ويتابع ايشلمان قائلا:"أما ما يتعلق بفن العمارة فإن بناء ما بعد الحداثة يمكن أن يخلق تأثيره المعماري الفريد عندما يجاور بين الدوامة المعمارية ما بعد الحداثية والزاوية الحادة الحداثية بتهكم ليبين التزامه بكلا الأسلوبين، وفي الوقت ذاته تقويضهما والانقلاب عليهما وهو أسلوب مميز أيضا لما بعد الحداثة تماما كما في القصة والرواية ما بعد الحداثية التي تعرض حبكتين متوازيتين جديرتين بالتصديق، ولكنهما تبقيان بلا حسم ضمن حدود الرواية. لن يساعدنا اللجوء إلى سلطة المؤلف العليا في حل هذه الورطة بسبب أن رغبة المؤلف في اللا-حسم هي التي توجه العمل نحو اللا-حسم والتشويش في المقام الأول: إنه يتعمد أن يعود بنا إلى الخلف من حيث انطلقنا. ولحل هذه الأحجية فإننا مضطرون للالتفات نحو سياق مفتوح خارج السيطرة. يسقط المؤلف والعمل والقارئ جميعا في هوة الإحالة إلى مرجعيات لا تمتلك نقطة محددة ثابتة أو هدفا أو مركزا. ويوجد لهذه الإستراتيجية مقابل نظري في تفكيك دريدا لفكرة كانط، والتي تتعلق بمركز أو جوهر العمل المفترض. يرى دريدا (2) أن أي حديث عن قيمة جمالية ذاتية يعتمد على كون تلك القيمة متحررة من السياق الخارجي المحيط بها بوساطة إطار ما. يبدو الإطار لأول وهلة ملحق زخرفي للوحة يكشف عن نفسه بوصفه اشتغالا حاسما غير مقرر، انه ذلك المكان الداخلي الخارجي حيث يلتقي النص والسياق بطريقة حاسمة لتركيب وترتيب العمل يستحيل تحديدها مسبقاً. ويمكننا أن نراهن على أن الادعاء بأن اللوحة أو النص أو البناء الموحد والمغلق سيسقط في الفخ ذاته. ومن خلال الإطار فإن الغلق المفترض للعمل يعتمد دائماً على السياق من حوله، والذي لا يمكن أن يكون كلا متماسكا بأي حال من الأحوال. وتبعا لذلك فحتى لو تمكن مبدع العمل من ابتكار تأثير موحد بطريقة أو بأخرى، فإنه، ومن خلال الإطار مرة أخرى، يعتمد دائماً وبالفعل على بعض جوانب السياق المحيط به. وبذلك فإن آفاق خلق جماليات مستقلة جديدة واحدية ستكون معدومة أيا كانت الزاوية التي ننظر للعمل من خلالها ـ على الأقل من وجهة نظر عقلية ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية المهيمنة".(الكتاب:1-2).
احتل الشخص (subject) مساحة واسعة من المناقشات والرؤى المتباينة في مرحل الحداثة وما بعد الحداثة. في هذا الإطار يقول ايشلمان" تعرض ما بعد الحداثة فخا محكما استثنائيا لا مفر منه أمام الشخص. وأي محاولة يبذلها للعثور على نفسه بوساطة البحث عن المعنى تذهب أدراج الرياح لأن كل علامة تَعِد بنوع من المعرفة الأصيلة تكون متضمنة في سياقات يتطلب شرحها تحديد علامات أكثر. وفي محاولته تحديد نفسه من خلال المعنى فإن الشخص في ما بعد الحداثة يغرق في طوفان المرجعيات المتقاطعة التي تتزايد في الاتساع أكثر من أي وقت مضى. ومع ذلك فإنه حتى لو تشبث بالشكل فلن تكون النتيجة أفضل بحال من الأحوال، لأن ما بعد الحداثة لا ترى في الشكل ترياقا للمعنى، بل انه أثر يقودنا إلى الوراء نحو سياقات موجودة بالفعل ومثقلة سيميائياً. كما أن أي محاولة لتثبيت المعنى تتبعثر على أشكال متداخلة وكل توظيف لشكل يرتبط بمعان موجودة بالفعل وكل مقاربة للأصالة تعود بنا إلى علامة مغايرة. تنتهي رحلة الشخص الباحث عن المعنى من حيث بدأت: فضاء ما بعد الحداثة الذي يتوسع إلى ما لا نهاية" (3).
يرى ايشلمان أن الخروج من ما بعد الحداثة لن يحدث بوساطة تكثيف البحث عن المعنى من خلال إدراج أشكال جديدة مدهشة أو من خلال العودة إلى منبع الأصالة , ولابد ـ بدلا من ذلك ـ أن نسلك آلية منيعة تماما ومستعصية على نموذج التشظي والتفكيك والتضخم ما بعد الحداثي. هذه الآلية التي بدأنا نشعر بها مع القوة المتزايدة للأحداث الثقافية في السنوات القليلة الماضية , يمكن أن تُفهم على نحو أفضل بتوظيف فكرة الأداء أو الإنجاز (performance).
الأداء بحد ذاته ليس ظاهرة جديدة أو غير معرفة. ففي نظرية الحديث- الفعل لأوستن يشير الأداء إلى فعل اللغة الذي يحقق ما يعد به. أما بخصوص الحدث الفني في ما يسمى بـ"القصص الكبرى"في مرحلة الحداثة فإن الأداء يبرز أو يُغَرِّب الحد الفاصل بين الفن والحياة, أما في ما بعد الحداثة فإن الأداء يدمج جسد الإنسان أو الشخص ضمن سياق فني في ما يطلق عليه الفن الأدائي أو الحدوثي أي الفن الحدث. غير أن مفهوم الأداء الذي يقترحه ايشلمان مختلف. لا توظف فكرة الأدائية حسب ايشلمان لإبراز أو لسيقنة الشخص ولكنها توظف للحفاظ عليه:"يُقدم الشخص أو (يقدم نفسه) بوصفه وحدة كلية غير قابلة للاختزال مما يعطى القارئ أو المراقب انطباعا بالإلزام.
هذا التجسيد الكلي للشخص غير ممكن إلا عندما لا يمنح الشخص سطحا متمايزا سيميائيا يمكن استيعابه وبعثرته على السياقات المحيطة. لهذا السبب فإن الشخص الجديد يظهر للمراقب مختزلا ومتواصلا بوصفه مفردا وحيدا أو بسيط الفكر ومتطابق إلى حد ما مع الأشياء التي يمثلها. هذه الكليَّة المغلقة البسيطة تتطلب فاعلية لا يمكن تحديدها إلا بمصطلحات ثيولوجية. لهذا فإنه يخلق ملاذا تلتجئ إليه تلك الأشياء التي اعتقدت ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية أنها قد انحلت نهائيا: الغايات, والمؤلف, واليقين, والحب, والعقيدة, وأكثر من هذا بكثير" (4).
لم تكن صياغة نموذج الشخص المختزل والكلي على يد الكتاب والفنانين هذه المرة وإنما جاءت من النقاد الذين وقفوا بالضد من (النظرية) أو توافقوا مع ما بعد البنيوية بالحد الأدنى. ففي مقالتهما الموسومة (ضد النظرية) والتي نشرت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي دعا الناقدان ناب وميتشل إلى وحدة أو عدم انفصال جوهريfundamental inseparability)) بين الحالات الأساسية الثلاث: التأويل بمعنى نية المؤلف, والنص, والقارئ. وبهذه الدعوة إلى الوحدة يعارض الناقدان (النظرية) (5). وتمنح النظرية، حسب ناب وميتشل" امتيازا لهذا الجزء أو ذاك من عملية التأويل الكلية بينما تًهْمِل أو تقوض الأجزاء الأخرى (النقد التأويلي يعلي من قيمة نية أو قصد المؤلف , أما التفكيكي فإنه يميز العلامة فيما يهتم النقد النسبي بالقارئ)، كما أنها لم تنتق أو تحسن التطبيق التأويلي ولكنها مثلت , بدلا من ذلك , محاولة غير مقبولة لأخذ موضعا خارج التأويل (6). إن (النظرية) يقتبس ايشلمان من مقالة الناقدين:" هي مسمى لكل طريقة يحاول الناس من خلالها الوقوف خارج ممارسة ما من اجل التحكم فيها والسيطرة عليها دون ممارستها. لا يمكن لأحد الوصول إلى مكان خارج الممارسة وان على المنظرين أن يوقفوا محاولاتهم وتبعا لذلك فإن المشاريع النظرية قد وصلت إلى نهايتها"(7). هذا الإصرار على الوحدة المطلقة بين المؤلف والعلامة والقارئ له تأثير غير مباشر وان كان بعيد المدى على إعادة خلق الشخص. لن يحدث التأويل بعد الآن بوساطة الأحداث السيميائية المتضخمة الزائفة التي لا تتصل بالقص والتي تواصل التملص من سابقاتها, ولكنه سيحدث هذه المرة من خلال التنافس بين البيانات الفردية الكلية التي يصنعها أشخاص متفرقون. و"سيعبر الشخص عن نفسه بوساطة الإنجاز الكلي بمعنى تحقيق ما يؤمن به، في حين يستجوب أشخاص منافسون أفعال الأيمان هذه" (8). إن الأشخاص المضادين للنظرية مبهمون (ليس لديهم مجموعة صفات وخصائص مميزة) , ولكنهم حاضرون دائماً ويمتلك القارئ سبيلا عمليا يوصله إليهم على قاعدة الأداء التأويلي المنفصل والمتماسك.
في سياق مختلف يقارب هذا المعنى، يجادل والتر بن مايكلز في كتاب صدر عام 1995 بعنوان (الأهلانية، الحداثة، والتعددية الأمريكية) معارضا البحث عن الهوية الثقافية في الماضي، أو في العرق أو في جذور أجنبية، حيث يقول:"الهوية الثقافية هي الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم في وقت معين، أنها غير مُنْتَجة، بل انه من مستحيل في الواقع، تأسيس هوية خارج هذا الإطار التجريبي. تعمل النظرية وإيديولوجية التعددية الثقافية على حد سواء بوساطة فصل جزء عن الكل(الدال عن العمل التأويلي , العرق عن الثقافة) وجعل هذا الجزء المفصول ضمن آخر متقلص لا يمكن تحقيقه" (9).
يعرض ايشلمان أمثلة من الفن والأدب والسينما والعمارة يُطبق فيها المفهوم الأدائي الجديد. يتناول ايشلمان في كتابه فيلم (الجمال الأمريكي)، وفيلم (الحمقى:عودة الأحمق والأعزب)، ورواية (حياة باي) ليان مارتل، وقصة أولغا توكارتشوك القصيرة (فندق الكابيتال)، وفيلم (السفينة الروسية) لألكسندر سوكوروف وأمثلة قصصية وروائية أخرى. كما انه يتناول فيلم عالم إيميلي (Amélie' World) وهو فيلم فرنسي لاقى نجاحا كبيراً ليس في فرنسا فحسب، وإنما في أمريكا ودول القارة الأوربية. وقد رأيت أن مقاربة هذا الفيلم ربما توضح المعنى المقصود لمفهوم الأدائية بسهولة أكبر.
يقول ايشلمان في مقدمة مقاله أخرى تتحدث عن هذا الفيلم تحديدا" دعونا نأخذ أربع أو خمس خصائص نعدها الأكثر توظيفا في تحديد ما بعد الحداثة ويمكن القول أننا سنتفق على المحددات التالية: غياب الموضوع , وإحلال الافتراضي محل الحقيقي أو الأصلي في ما يطلق عليه مصطلح الواقعية المفرطة , والتهكم من العالم وطريقة تسيره، والتشكيك المتطرف بكل ما يتعلق بالمخططات الميتافيزيقية" (10). ثم يتابع ايشلمان" لو طبقنا هذه المحددات على أربعة أفلام عالية الجودة والتقانة عرضت في الفترة الأخيرة وتساءلنا: ترى هل يتوافق أي منها مع المحددات السابقة ؟ أعتقد أن الإجابة ستكون لا, أو على الأقل إذا كان أيا منها يتوافق مع محددات ما بعد الحداثة التي ذكرناها أو غيرها فإن أمر تقصيها في الفيلم لن يكون سهلا أو واضحا" (11).
يحلل ايشلمان فيلم (عالم إيميلي) من زاوية ما بعد الحداثة وبعد ما بعد الحداثة على ضوء محدداته السابقة ويقول" فيلم إيميلي ـ لمن لم يشاهده ـ هو قصة نادلة صغيرة في حانة فرنسية اكتشفت أن بإمكانها جعل الناس سعداء بتنفيذ معجزات صغيرة تغير حياتهم وباختصار , تمارس إيميلي دور مانح السعادة على نطاق صغير وشخصي. لقد جعلت شابا سعيدا حين دلته على مخزن العاب طفولته. وأغرت والدها المتنسك المعتزل بالخروج إلى العالم مرة أخرى بعد خطف تمثال حديقته والطلب من صاحبة نزل صديقة أن ترسل صورا للتمثال منتصبا أمام معالم سياحية أجنبية وبذلك حققت له رغبته في السفر والترحال" (12).
أسكتت إيميلي صاحب العمل المستغل عندما تسللت إلى شقته خفية وغيرت أماكن الأشياء فيها لدرجة أقلقته وجعلته غير قادر على الانتظام في العمل، الأمر الذي أدى إلى منح مخدومه المعوق فرصة الراحة والتقاط الأنفاس. وأخيرا نالت إيميلي جزاء ما قدمته , الحب, لقد عثرت على الحب الحقيقي عندما حاولت أن تمنح السعادة لشاب يجمع ويلصق قصاصات صور ممزقة من أكشاك التصوير في محطات القطارات.
الصورة في الفيلم سريعة ونلاحظ أنها تركز على انف إيميلي في اللحظات الحاسمة كما انه لا يخلو من الدعابة السوداء أو السوداوية التي كانت كافية لإبعاده عن الأسلوب الكوميدي الأمريكي العاطفي. يطبق ايشلمان الخصائص التي حددها لما بعد الحداثة على الفيلم ليجد:
(1) أن للفيلم موضوعا. مثلت إيميلي صيغة خاصة للموضوع وحددت موضوعات أخرى لجعلها سعيدة ولم تحاول إخفاءها على الإطلاق. لقد أصبحت إيميلي نوعا من المبدأ العام الذي يحتك بكل ما حوله.
(2) يمكن القول أن إحلال الافتراضي محل الحقيقي ينطبق على الفيلم ولكن بطريقة أخرى مغايرة لما هي عليه في ما بعد الحداثة، ذلك أن إسعاد الناس على طريقة إيميلي هو نوع من الفعل التركيبي الافتراضي ولكن الناتج وهو السعادة هي حقيقية بالفعل على الأقل بالنسبة للناس الذين تورطوا معها وتمكنت هي من تغيير حياتهم.
(3) أما النقطة الثالثة فهي التي تتعلق بالتهكم, فعلى الرغم من أن نغمة الفيلم كوميدية وشبه وثائقية، إلا أنه يأخذ ما تقوم به إيميلي على محمل الجد لدرجة انه يجعلنا نتماهى مع أفعالها.
(4) يفترض ايشلمان أن هناك تهكم موقفي متضمن لأن إيميلي لا تستطيع أن تطبق المخططات التي تجعل الناس سعداء على نفسها، ولكن عندما التقط الآخرون فكرتها وطبقوها عليها نجحت. وإذا ما افترضنا أن هذه مفارقة تهكمية فهي تختلف عن تلك السخرية المميزة لما بعد الحداثة كونها ايجابية ومفيدة.
تبقى خاصية النزوع إلى التشكيك المتطرف التي تطرح قضية مثيرة. فإذا ما كنا شكاكين ـ على طريقة ما بعد البنيوية ـ فإننا سنشكك باحتمالية جعل الآخرين سعداء، ومن المحتمل أننا سنفترض أن فكرة جعل الناس سعداء، كما تمارس في الفيلم، هي تركيب أو خداع. ولكن إذا كنا نفكر بهذه الطريقة، فإننا لم نستوعب الفكرة الأساسية للفيلم. ذلك أن ما تقوله أحداث الفيلم هو انه ليس مهما ما إذا كانت السعادة تركيب أو خداع , ما يهم هو النتيجة فحسب. المهم هو أن تكون سعيدا والطريقة غير مهمة على الإطلاق وبالطبع فإن هذه لعنة مطلقة على ما بعد الحداثة التي تعتمد فيها الكينونة دائماً على شيء آخر يرتكز بدوره على مجموعة متشابكة من أشياء أُخر لم نتمكن يوما من السيطرة عليها أو فهم ماهيتها. وأفضل ما يمكننا فعله في ظل هذه الظروف ـ على الأقل بوصفنا ما بعد حداثيين ـ هو التظاهر بالتهكم والسخرية من الموقف لنوضح إدراكنا ووعينا بهذا الوضع بما يكفي لوصفه أو ربما لتخريبه بمكر ولكن ليس لإحداث تغيير جوهري يدوم إلى الأبد.
المشكلة الآن ـ يقول ايشلمان ـ" أن الفنانين والكتاب والسينمائيين والمعماريين قد توقفوا عن إمداد الموقف الساخر والتهكمي، وعكفوا الآن على بناء شخصيات (ونحن من ضمنها) لتكون سعيدة ,ولتحب , ولتؤمن , ولتختبر أشياء جديدة ومتجددة , ولتكون قادرة على السمو والتجاوز. ولأن هذه التراكيب والبناءات تتضمن مواقف تتحمل فيها الشخصيات صعوبات أو تواجه مواقف تتطلب أداء وانجازا فقد أطلق ايشلمان على هذا التطور مصطلح الأدائية أو الإنجازية(performatism) (13).
تمثل الأدائية قطيعة جذرية مع ما بعد الحداثة , على الرغم من أنها لا تزال ملتزمة بها في بعض جوانبها. ولكن عهدا جديدا قد بدأ من مكان ما. وفي الوقت نفسه، فإن الأدائية ليست مجرد إعادة صياغة للحداثة, فهي على عكس الحداثة، لا تدعو إلى إنشاء أصالة أو لتجربة الأشياء مباشرة.
و كما شاهدنا في حالة إيميلي، فإن الحالات العاطفية (السعادة، والشقاء، والعشق، أو أي إحساس آخر) قد تم إعدادها أو بناءها، بمساعدة وسائط معينة. وعلى عكس ما بعد الحداثة، فإن الأدائية تريدنا أن نجرب الحالات العاطفية التي تم تركيبها بطريقة لا إرادية على نحو ما. وبعبارة أخرى، فإن الشخصيات تشيد بطريقة تبدو معها أنها تجرب شيئا جديدا وعميقا ومتوفرا. ونفس الشيء، بطبيعة الحال، ينطبق علينا نحن المشاهدين. لقد وضعنا في موقف لا خيار لنا فيه إلا التماهي مع الشخصيات.
وغني عن القول، أن ما بعد الحداثيين ينظرون إلى الأدائية على أنها محض هراء , لأنهم فقط ينظرون إلى زاوية واحدة من الموضوع وهي المعرفة المفارقية التي تعتبر الحياة (أو الكائن أو الوجود) مشروطا وطارئا.
تجرد الأدائية هذا الموقف من أسلحته من خلال إظهار أن المعرفة ليست هي أهم جزء من التجربة الإنسانية. وبعد فترة من الزمن، لا يهم إذا كانت الشخصيات تعلم أن الحيل الصغيرة التي نفذتها كانت خداعاً، وبالتأكيد لا يهم إذا كان المشاهد يعرف (في الواقع، هذه هي حبكة الفيلم باختصار).
ومن وجهة نظر ما بعد الحداثة , فإن الاشتغالات الأدائية في الفن والأدب تبدو غبية أو حمقاء , لأن نجاح الإنجازات لا يعتمد على معرفة الاشتراطات والظروف التي تحيط بها. وفي المقابل، فإن الاشتغالات الأدائية تستنفر مطالبات ما بعد الحداثة بالمعرفة التهكمية المفارقة حين تضع المتخلفين عقليا أو محدودي الذكاء في بؤرة الاهتمام. هذا لا ينطبق تماما على حالة إيميلي، لأن أميلي ليست غبية , بالمعنى الدقيق للكلمة. مع ذلك، فإنه ليس من قبيل المصادفة أنها تساعد بائع الخضار لوسيان المتخلف عقليا في الحصول على حقه، ومن المؤكد أيضا انه ليس من قبيل المصادفة أن يحرر لوسيان الفنان ـ جار أميلي ـ من حالة الهوس الأحادي. الجار، الذي لا يكف عن رسم لوحة اوغست رينوار نفسها مرارا وتكرارا، ولكنه في نهاية الفيلم يبدأ الرسم بأسلوب لوسيان، البدائي المثير -- لا تزال أعماله الجديدة نسخا عن أعمال أخرى، ولكنها(على الأقل) أصبحت ترتكز على سذاجة طبيعية غير واعية ذاتياُ.
تنتقل بنا الأدائية من الأجزاء إلى الكل، بعد أن تعلمنا ما بعد الحداثة أن نبقى على مسافة من السياق، وان نفكك الأجزاء نتفحصها ونحاكمها ونفضح جوانبها الخفية ونتماهى مع السخرية والتهكم ونحدد العثرات والأخطاء. أما الأداء فإنه يضعنا في موقف الاتصال المباشر مع الموضوع الذي هو كلا معقدا , أي الشخص الذي لا ينفصل المعنى عنده والرسالة عن بعضهما البعض فيما يعمل الوسيط بوصفه ناقل الرسالة وليس الرسالة ذاتها على الإطلاق: إنه امتداد للموضوع / المؤلف المفارقي الذي يشير إلى ماديته الذاتية وقابليته للخطأ.
و بعبارة أخرى، يدرك الموضوع الأدائي القيود لكنه يتصرف على أي حال. أما ما بعد الحداثة فإن الموضوع يمكن أيضا أن يدرك القيود، ولكن مقاربته للحياة من المرجح أن تكون مليئة بالشك والسخرية.
لا تعرقل الأخطاء والنقائص من قبيل (محدودية المعرفة، والافتقار إلى المهارات الملائمة أو سمات الوهن) الأدائي , لأنه اختار أن يتصرف بفضل إيمانه أن الفعل في حد ذاته يتطابق في المعنى مع قناعاته وجملة أفعاله الشخصية (الفعل لم يعد علامة تخلق أو تولد المعنى لقد أضحى المعنى في الأدائية هو الفعل ذاته).
الأدائيون أقل وعيا وأكثر تواضعا، وكثيرا ما يظهرون حمقى أو مغفلين، ولكنهم تحت السيطرة ومنضبطون بشكل يثير الدهشة. إنهم يعملون لصالح الغير، ولا يتمركزون حول أنفسهم، لكنهم يجدون أنفسهم في دوامة من الخيارات الحقيقية التي تتطلب منهم مخاطرات ومغامرات. هنا يتوافق الشخص مع أفعاله فيما تخضع المعتقدات للأفعال. يلاحظ ايشلمان بهذا الصدد أنه" على الرغم من الاختلاف الكبير في المصادر الدينية , فإن كل المؤلفين الأدائيين يتشاركون في منظور لاهوتي ثقافي وهو: أن التقوى والصلاح سيحل في كل مكان عندما تخلق أفعال الأفراد الشخصية الصالحة الكليات" (14).
يتبع ...


*فصل من كتاب ( الفضاءات القادمة : الطريق إلى بعد ما بعد الحداثة ) . د. معن الطائي وأماني أبو رحمة . دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر. القاهرة .2011.


أماني أبو رحمة
ناقدة وشاعرة ومترجمة فلسطينية مقيمة في غزة
amani.khalaf3@gmail.com
...النص كاملاً
http://www.alrowaee.com/article.php?id=955