الثلاثاء, 22 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ماتريوشكا
سعد هادي
ماتريوشكا
غلاف العدد الخامس من مجلة الجديد

فتحتْ الكيس الذي لا يزيد حجمه عن قبضة يد وأفرغتْ المسحوق في وعاء زجاجي صغير ثم سكبتْ قدحاً من الماء فوقه وحرّكتْ المزيج ببطء حتى بدأ بالتماسك، لم تكن بحاجة لقراءة التعليمات المكتوبة على الكيس ثانية، انها عملية سهلة جداً، أشبه باعداد كوب شاي أو فنجان قهوة أو قدح عصير، بعد أن يبدأ المزيج بالتخثّر ستضيف له بين لحظة وأخرى قطرة من السائل الموجود في القنينة الصغيرة المرفقة بالكيس وتستمر في تحريك المزيج لربع ساعة ثم تضع الوعاء في الثلاجة لعشر ساعات لتجد فيه بعد ذلك رجلاً صغيراً، عليها أن ترفعه بعناية وتغسله تحت حنفية المطبخ وتجففه وتذهب به الى غرفة النوم وتضعه بهدوء على طرف وسادتها، عليها أن تطفيء أضواء الغرفة تماماً، لا ينبغي أن يكون هناك أي بصيص ضوء ثم تخرج وتغلق الباب. بعد بضع ساعات ستجد على السرير رجلاً كاملاً بالمواصفات التي أرادتها أو حددتها من قبل. ها هي تفعل الأمر نفسه هذا اليوم، كررت الخطوات التي حفظتها عن ظهر قلب ثم جلست على المقعد الوحيد في المطبخ، الساعة الآن هي العاشرة صباحاً، سيكون الرجل في شكله الأول جاهزاً عند الثامنة مساءً حين ستخرجه من الثلاجة وتذهب به الى غرفة النوم وعند الفجر أو بعد ذلك بقليل ستحظى منه باللمسة الأولى أو بالقبلة الأولى أو ربما بأكثر من ذلك اذا كان المزيج من النوع الممتاز. ولكنها تذكّرت بقلق أنها اشترت بسبب نقودها القليلة مسحوقاً متوسط الجودة، وضعت النقود في الآلة الموجودة في البار الذي تذهب اليه بين حين وآخر في عطلة نهاية الأسبوع فظهرت لها خيارات محدودة، أقل بكثير مما كانت تتوقع، لم تجد بينها ما يخص لون البشرة ولا طول القامة ولا محيط الصدر ولا الوزن ولا حجم العضو الجنسي ولا مدة انتصابه، اختارت من بين رأته: لون أسود للعينين، أظافر قصيرة، قامة متوسطة، شعر أكرت، رائحة عرق اعتيادية، بشرة نحاسية، شعر كثيف فوق الصدر وفوق العانة ثم ضغطت زر الموافقة، بعد بضع لحظات هبط من خزان في الأعلى مسحوق حليبي فيه حبيبات زرقاء وخضراء وبنفسجية واستقر في كيس بلاستيكي رفعته عتلة معدنية ووضعته في علبة كارتونية كما امتدت العتلة نفسها الى فجوة في الخلف وسحبت قنينة صغيرة وأدخلتها في العلبة ثم أغلقتها ودفعتها لتخرج من فتحة أسفل الواجهة الزجاجية التي شاهدت المرأة كل ما جرى من خلفها.
أعدت لنفسها كوب شاي ودخّنت سيكارة ثم فتحت المذياع، سمعت خبراً عن سقوط طائرة في مكان ما ثم خبراً عن بقرة ولدت عجلاً بثلاثة رؤوس وخبراً آخر عن سرقة تمثال من متحف في البرازيل، حرّكت مؤشر المذياع فانبعث صوت موسيقى صاخبة، أغلقت الراديو وذهبت الى الحمام، جلست على مقعد المرحاض للحظات ثم خلعت ثيابها واستحمت وخرجت عارية الى غرفة النوم، تمددت على السرير قليلاً ثم نهضت وارتدت أفضل ما لديها من ثياب وتعطّرت وحملت مظلتها وخرجت، لم تكن تعرف الى أين تذهب، دخلت أولا الى متجر كبير وتجولت في ممراته وبين طوابقه، اتصلت بصديقة لها من تلفون عمومي ولكنها لم تجدها، ظلَّ التلفون يرن في الجانب الآخر دون رد. جلست على مقعد في موقف للباص ثم في حديقة صغيرة، رأت أوراق الأشجار تتساقط من حولها وكانت ريح الخريف تنقلها من مكان لآخر، مضى الوقت بطيئاً، ذهبت الى بارها المفضل، جلست وحدها في احدى الزوايا، كانت هناك مرآة أمامها، نظرت وهي ترتشف ببطء قدح البيرة بالليمون الى وجهها الشاحب فيها، شعرها الرمادي، عينيها الذابلتين خلف النظارة الطبية الغامقة، رقبتها النحيلة الضائعة في ياقة قميصها الوردي، التفتت فرأت الآلة التي أخذت منها مسحوق الرجل قبل أيام، قالت لنفسها: أي نساء سعيدات أولئك اللواتي يذهبن الى الآلة بين يوم وآخر ليضعن النقود ويخترن رجلاً بالمواصفات التي يرغبن بها ثم يفعلن معه كل ما يردن أو يشتهين وحين يتهالك ويوشك جسده على الذبول، يحملن ذلك الجسد ويحشرنه في كيس قمامة ويتخلّصن منه أو يتركنه في الثلاجة عسى أن ينهض ثانية أو يحنطّنه داخل علبة ماتريوشكا الى الأبد. طلبت قدحاً آخر من البيرة، جاء به النادل العجوز وقال لها وهو يضع القدح على المائدة المدورة عبارة ما لم تنتبه لها أو لم تسمعها، حين ابتعد قالت لنفسها: ربما اراد أن يغازلني أو يتودد اليّ، لا بأس هو يفعل ذلك مع كل النساء. فتح هو مسجل الصوت واختار أغنية قديمة تعشقها، نظرت اليه بامتنان وابتسمت ولكنها لم تقل شيئاً، دخل رجل وامرأة وجلسا في الجانب الآخر من البار وأعقبهما رجل وامرأتان جلسوا الى مائدة قرب الواجهة الزجاجية، فكّرت أنها بحاجة الى أحدٍ ما لتتحدث معه، لا يهم ماذا ستقول، تريد أن تفتح شفتيها وتحرّك لسانها وتقول أي كلام، هل سيكون بمقدورها أن تأتي بمخلوقها غداً الى هنا؟ تجلس معه في احدى الزوايا، تتركه ليتحدث وتصغي له أو تتحدث هي وتجعله يصغي لها، هل سيصمد جسده بمواصفاته المتواضعة الى الغد أم سيتداعى ويتلاشى؟ ستحاول أن لا ترهقه كثيراً، ماذا عن الرجل الذي يجلس في الجانب الآخر من البار؟ هل باستطاعته تلبية رغبات المرأة التي تجلس أمامه مهما كانت جامحة أو غريبة؟ هل هو حقيقي أم مجرد كائن مؤقت صنعته بيديها؟ لديه على أية حال كل ما يعجبها: وسيم وأنيق وله نظرة عميقة ساحرة، ترى كيف هي نبرات صوته؟ هل هي عميقة أيضاً؟ لم يكن بامكانها أن تسمع تلك النبرات، كان يتحدث بصوت منخفض وهو ينحني على المائدة طوال الوقت، حاولت أن تجذب انتباهه ولكنه لم ينظر اليها ولا مرة، لا شيء يلفت الانتباه في هيئتها، هي بقايا امرأة أو ظلال لتلك البقايا، شربت ما تبقى في القدح ثم خرجت، ظلّت تتخيل وهي تنظر الى وجوه الرجال الذين يمرون بها شكل الكائن الذي ستمتلكه هذه الليلة، الرجل الذي صنعته بيديها، الذي دفعت من أجله ما ظلت توفره منذ شهور، لم تكن ثملة، سارت ببطء نحو البيت، سلكت شوارع فرعية لتقتل ما تبقى من الوقت، حين وصلت نظرت الى الساعة، نصف ساعة أو ربما أقل تفصلها عن الموعد، استبدلت ثيابها وذهبت الى المطبخ، نظرت من خلال النافذة الى الخارج، الشارع مظلم وثمة ظلال متعجّلة لأشخاص يمرون على الرصيف المقابل، فتحت قنينة نبيذ وصبّت لنفسها كأساً صغيرة، ظلّت تأخذ رشفات صغيرة منها وهي تنظر بقلق الى الساعة. عند الثامنة تماماً فتحت الثلاجة واخرجت الوعاء المستطيل ووضعته على المائدة، رأت كائناً صغيراً في حجم فأر يستلقي في اسفله محاطاً بسائل جلاتيني غامق، انتابها وهي تنظر الى ذلك الجسد الغريب شعور بالمهانة، هل يرتبط ما تفعله بالخطيئة؟ كيف ستحتمل وجود هذا الكائن بعد سنوات طويلة من الوحدة، كيف ستتعامل معه خارج السرير؟ كيف سيتعامل هو معها؟ كيف ستفسر له وجوده، انبثاقه من اللاشيء؟ هل ستخترع له تاريخاً، ما الذي يعنيه التاريخ لكائن مؤقت؟ كائن بلا ملامح يضطجع داخل الوعاء فاتحاً ساقيه وبينهما نتوء يشبه الدبوس، بطنه منفوخة ورأسه المجعد يتدلى على صدره المبقّع بالسائل الجلاتيني، أخذت الوعاء الى الغرفة، وضعته على الوسادة وأطفأت الضوء ثم عادت لترتشف ببطء كأس النبيذ وتواصل أحلامها الجسدية: ستفعل كذا وكذا معه، ستتخذ وضعيات ظلت تتخيلها منذ سنين، ستهمس في أذنه بكلمات لم تقلها لأحد، سترتشف قطرات العرق فوق رقبته، ستمرر لسانها فوق ذراعيه وتمرغ أنفها فوق شعر صدره، ستدعه يفعل ما يريد، ربما ستتولد لديه رغبات جامحة هو الآخر، تبدأ تلك الرغبات من الصفر ثم تصل الى الذروة خلال دقائق كما تقول التعليمات على غلاف علبة المسحوق، ينبغي فقط أن تعرف المرأة كيف تحرّك غرائز مخلوقها. أخذتها تلك الأحلام بعيداً، تجوَّلت في غابات مظلمة، هبطت الى أعماق قصية وحلّقت مع ملائكة صغار لكل منهم أكثر من وجه، فرغ كأس النبيذ، لا معنى لكأس آخر، لا تريد أن تثمل تماماً، هي الآن عند حافة اللذة، لا تريد أن تنزلق الى ما هو أبعد منها، وقفت لدقائق قرب باب الشرفة، استنشقت هواءً نقياً ثم ذهبت وهي تترنح الى غرفة النوم، وقفت أمام المرآة، وضعت قطرات من العطر تحت أذنيها ومررت قلم الحمرة على شفتيها ثم خلعت ملابسها وارتدت قميص نوم قصير واستلقت على السرير، ظلت تنظر لدقائق الى الكتلة الغامضة التي تتمدد بموازاتها، هل هي حقيقية أم متخيلة؟ هل كان تسلسل الخطوات صحيحاً؟ ربما أخطأت، ماذا سيحدث اذا كانت قد ارتكبت خطأ ما؟ هل سيتحول الرجل الى رماد أم الى وحش؟ من يدري؟ لا جدوى من الأسئلة الآن، ستكتشف كل شيء حين تستيقظ.
فتح الرجل عينيه، لم يعرف أين هو، حاول أن يتذكر متى جاء أو من أين جاء ولكنه لم يستطع، كل شيء غائم في ذاكرته، أدرك فقط أنه في غرفة مظلمة، يضطجع فوق سرير ضيق والى جانبه جسد ينبعث عنه صوت تنفس يشبه الصرير، أزاح الملاءة عن قدميه وجلس عند حافة السرير، مدَّ يده في الفراغ فوجد علبة ثقاب، أشعل عوداً واستدار، رأى وجه امرأة في البصيص الضئيل، كان مجعداً، ملطخاً بالأصباغ، تغطي جبهته خصل بيضاء، بدا مثل كتلة من الشمع تذوب فوق غطاء الوسادة، نهض وفتح باب الغرفة وذهب الى المطبخ، شعر كأنه يخرج من كابوس طويل، مرَّ جسده خلاله بأنابيب لا نهاية لها، ظلَّ يتحلل الى كريات زجاجية تتغير ألوانها، تتكسر ثم تتماسك وتتلاحق في الظلام حاملة كائنات مجهرية تشبهه، وجد قنينة وكأساً على المائدة التي تتوسط المطبخ، صبَّ لنفسه كأساً وشربها بسرعة، شعر بالاسترخاء بعد وقت قليل، كان المطبخ نظيفاً ومرتباً ولكن ثمة رائحة غريبة تنبعث من مكان ما أشبه برائحة طعام فاسد، اكتشف بعد قليل أنها تنبعث من علبة كارتونية موضوعة على المائدة، رأى على غلاف العلبة صورة رجل عار يشبهه ورأى كتابة بلغة لم يفهمها، أراد أن يأكل شيئاً، فتح دولاباً الى جانبه فوجد علباً زجاجية لكل منها شكل رأس أنثوي، فتح العلبة الأولى فوجد في داخلها علبة أصغر، فتحها فوجد علبة أصغر ثم علبة أصغر وهكذا وصولاً الى لا شيء، وتكرر الأمر نفسه مع العلب الأخرى، في دولاب آخر وجد علباً ذات رؤوس رجالية لها عيون حمراء جاحظة، استمر بفتحها علبة بعد أخرى فلم يجد شيئاً، فتح الثلاجة فوجد دوارق ملونة فارغة وصحوناً مستطيلة ترقد فوقها كائنات صغيرة في سوائل تشبه الدم المتخثر.
ذهب الى الشرفة، توقف لدقائق هناك، نظر الى الشارع في الأسفل فلم ير أحداً، رأى أشجاراً تشبه رؤوساً سوداء عملاقة، أدرك أنه وحيد، لم يكن يعرف ماذا سيفعل لاحقاً، عاد الى غرفة النوم، أشعل الضوء، رأى فوق السرير جسداً صغيراً بحجم دمية، يشبه جسد المرأة التي كانت تنام هناك حين استيقظ، رفع الجسد بأناة، كان مغطى بسائل لزج له رائحة تشبه الرائحة التي كانت تنبعث من العلبة الكارتونية، سار الى المطبخ، وضع الجسد في إناء أبيض مستطيل رآه على المائدة، جلس أمامه، قال لنفسه بعد لحظات من الصمت: هل يمكن أكل جسد كهذا؟ تكرر حفيف الأشجار في الخارج، بدا أشبه بنواح حزين.

* نشرت القصة في العدد الخامس من مجلة الجديد- حزيران- يونيو 2015.
القائمة الرئيسة
البحث