الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ملاحظات حول إشكالية المعرفة في الرواية
عدنان المبارك
ملاحظات حول إشكالية المعرفة في الرواية
عدنان المبارك- الروائي في صورة متخيلة



- على الحقيقة الوحيدة المتاحة لنا أن تكون الإختراع invention, fabrication … وفي كل حقل.
خوليو كورتاثار


لغاية الآن كتبتُ سبع روايات رحت فيها مع سبل مختلفة في الكتابة وطرح المعرفة بشتى أصنافها من شخصية ومتخيلة وعامة ومجتزأة من أكثر من واقع واحد. أكيد أن إشكالية (المعرفة في الرواية) يصعب تبسيطها أو المجازفة بحصرها داخل هذا التنظير وذاك. والسؤال ، سؤالي ، الدائم يخص ، هنا : بأيّ معرفة يتعلق الأمر في هذه الرواية أو تلك ؟ إن كل جملة ، وليس في الرواية وحدها، هي طرح للمعرفة. مثلا هي معرفة حين أقرأ في الرواية : “ رغم ألم الساق اليمنى أسرعتُ بالدخول الى البار إتقاءا للمطر الغزير”. أو في الشعر : “ من أيّ رئة / من أيّ قيثار / تنهلّ أشعاري”. في كلتى الحالتين نحن نتلقى معرفة معينة ، والقاريء النبيه يتفق مع سخريتي من هذا وذاك حين يضغطان الواقع في قالب واحد عائد الى ما يسمى بواقع الحواس أو الموضوعي ، أو المباشر ، أو المألوف إلخ. الفرضيات كثيرة عن المعرفة في الفن ، وكانت شائعة واحدة تجزم بأن الرواية كفن ، شأن العلم ، تملك إمكانيات تعرفية بالغة الكبر ، فهي قادرة على كشف الحقائق المتعلقة بالواقع الكائن موضوعيا. لكن الكثير يوميء الى أنه لم يبق اليوم سوى القليل من هذه التوجهات التفاؤلية. ففي عصرنا ، عصر الألعاب التناصية ، وأزمة التقديم أوالتمثيل يبدو وحتى تناول موضوع الحاجات والأمكانيات التعرفية للرواية ، أمرا مباغتا وكأنه سقط من زمكان آخر. وفي الحقيقة لا تتعرف الرواية على أيّ شيء ، وخاصة الواقع ، فهي أفعال ومناورات مع النصوص الأخرى. عدا ذلك لاعالم هناك ، فهو أصبح نصا...
إلا أن كل هذا لايعني إلغاء الإقتراب من البعد الأبستمولوغي للرواية ، بل أن يكون إقترابا لإشكاليات معينة كإشكاليتي التعرف الرئيسي. وهناك عدد من الباحثين يجد أنه إذا كانت الرواية تكتشف شيئا فإنما يحصل هذا عبر العمل الشاق للكلمة ، وأن لاشيء يبقى من الرواية إذا تجاوزنا لغتها، وأن التعرف يتم فقط عبر صياغة الجمل. لكن المهم أيضا بأيّ عينين ينظر القاريء الى العالم المقدَّم وأيّ وعي قام بالتنقية أو الفحص العابرأو المتأني للطروحات. ولاحاجة الى القول بأن لاشيء يبقى من الرواية إذا حصل تجاهل الجهد الفني ، فبدون فن اللغة يمكن درج الرواية في خانة أخرى للكتابة. وآمل أن يعترف الكل بأن الروائي لا يكشف عن الحقيقة بل يخترعها في ما يسمى هيئات الوهم الأدبي ، ومنطلقه هنا قاعدة التماثلanalogy. لكن مع أي شيء هذا التماثل ؟ مع الفعلية العارية أم مع صورتها الشائعة ؟ وقد يكون الجواب هكذا : الفعلية أي الواقع المباشر ، وفق مصطلح برغسون ، يقود الى مختلف الرؤى الخاصة به. ولماذا ؟ لأنه بمكنتنا القول إن القاريء يشارك في خلق النص عبر الذائقة ومستوى الوعي وحصيلته المعرفية ، الثقافية خاصة. بالطبع ليس القاريء هو المشارك الوحيد إذا تذكرنا بوليفونية باختين حين تناول ( الجريمة والعقاب ) وكشف عن أهليات الراوية حيث تكون كلمته ومركز رؤيته في حالة تعارض وحتى مع كلمة البطل ، وكيف تختلط في خطاب السرد تلك الأصوات الغريبة من ( الداخل ) و ( الخارج ) وكما في البوليفونية الشهيرة التي تلاحق كل الأصوات ( الدخيلة ).
هناك عدد ليس بالصغير من الباحثين المتفرغين للعلاقة بين المحاكاة ( الميميسيس ) والتعرف. ويكفي هنا ذكر مؤلف أريخ أويرباخ من عام 1946 ( المحاكاة . تمثيل الواقع في أدب الغرب
E.Auerbach,Mimesis.The Representaion of Reality in Wesren Literature ) حيث تكرس المؤلف للنصوص الأدبية على مستوى العالم المقدَّم مع التأكيد على البعد الأيدولوجي. وهناك من يعترض على أويرباخ : الأيدلوجيا تلقى تعبيرا أكثر صلادة لها من خلال البنية وليس العالم المقدَّم وعلاقته المباشرة بالواقع خارج النصي. مثلا في ( أبسالوم ، أبسالوم ) يطرح فوكنر تغطيات للأحداث غير متلاحمة بل متعارضة في أغلب الأحيان. ولماذا ؟ لأن فوكنر لايروي قصة ما ، وهو لا يقتصرعلى ذلك بل يظهر شروط نشوء مثل هذه القصة - الوهم - “ الإختلاق السردي” fiction ومن ثم التقديم الإيحائي للذين يؤمنون بأن الأدب هو إنعكاس للحقيقة لاغير. لكن أيَّ حقيقة ؟ ففي فنون هذا الأدب لاشيء هناك غير طرح وجهات نظر وعقائد ووعي أوإنعدامه لدى الكل بدءا بالأبطال وإنتهاء بالرواة. بعبارة أخرى ، وجاءت على لسان أحد الباحثين : لقد أُحرِق كثير من الجسور بين العالم المُدرَك كواقع سياسي أو إجتماعي ...
إن واقع أدب القرن العشرين وقرننا هذا ، يكشف عن تلك النزعة التي صارت أقوى فأقوى ، نزعة الإنصراف عن تناول الوضع التعرفي للأبطال أو الراوية ، فبالأحرى صار المقصود إمكانية التعرف على عملية الخلق وحدها. وبهذه الصورة يحصل التحول البحثي : من التعرف على الواقع في الرواية الى التعرف على الرواية كخطاب عن التعرف. وكان بيكيت أحد القائمين الرئيسيين بمثل هذا التحول. فقد كرس الإهتمام لعملية الكتابة نفسها ، للوعي نفسه ، الوعي بالكتابة وخلق ذلك ( الصوت الوهمي ) ، ومن ثم دفعنا الى نبذ ذلك النثر التبسيطي ، الواقعي الذي لا ضرورة له في الفن. أكيد أنه ليس من السهل ، والحكمة أيضا ، تجاهل الإعتماد المتبادل بين الواقع وما يسمى بالوهم الأدبي ، أي بين الفعلي وماهو مُتخَّيل. وإذا تعلق الأمر بتصوّري لعالم ما يسمى بالواقع ككل ، لا تفارقني تلك الفكرة اللحوح : ما الذي يعني هذا كله لمراقب من الخارج غير الأرضي ، بل من الأرضي ( أمازوني معزول عن الحضارة يستفيق من النوم في مانهاتن مثلا وكله وثوق من أنه لايزال يحلم,,,) ؟ أو مثال آخر هو هيرونيموس بوش الذي عاش في أوج عصر النهضة الذي عبدَ الطبيعة وقام بأمثلة الإنسان : إقترح بوش عالما وهميا كما لو أنه ينحدر من كوكب آخر فيه الكثير مما يناقض ، لكن في الظاهر حسب ، الحياة على الأرض بمخلوقاتها وعقائدها إلخ. وهكذا أخذ الوهم ، في حالة بوش ، يعّبر بدقة وصدق عن ذاك الواقع الزمكاني ، وهما أكبرين من دقة وصدق فن كبار النهضة والباروك.
في كتابه القيّم ( النظرية والإدراك الأ ستيتيكي Theory and Esthetic Perception ) من عام 1966 ، يفرّق عالم الأستيكيكا الفرنسي الكبير أبراهام مول Abraham Moles بين إعلامين : الخاص بدلالة اللفظ semantic والأستيتيكي. الأول هو جزء من الطرح الذي يتلقاه الإنسان ، ومن الممكن تحليله بالصورة المنتظمة. فله ( منطق شامل يخص بنية معينة و
يتاح صوغه ونقله الى لغة أخرى ، إنه يخدم ، وفق مفاهيم السلوكية behaviorism ، الإستعداد للفعل ) . أما الآخر الأستيتيكي فيجده مول (غير قابل للتفسير، وله إحالته الى منطقة المعرفة المشتركة بين طارح ومتلق معيّنين. ومن الناحية النظرية لايمكن ترجمة مثل هذا الإعلام الى أيّ لغة أخرى ونظام للرموز، إذ لاوجود لمثل هذه اللغة التي يمكن مقارنتها بمفهوم الإعلام الشخصي لاغير ). ومول يربط هذه الأستيتيكا بالظاهراتية لدى هوسيرل وهايديغير وميرلو – بونتي ، إلا أنه يضيف القول بأن العمل الفني هو أكثر تعقيدا ويبدو ظاهريا حسب ، بأنه عفوي. و في كتابه المثير (االسرد السبرنيتيكي The Soft Machine. Cybernetic Fiction ) من عام 1985 ، يذكر دافيد بورشD. Porush أنه يمكن دفع الإعلام الى أقصى حد عند خلق وضع شبيه بالفوضىى المقصودة والهيمنة المطلقة للمصادفة تماما كما في أعمال وليم بوروز William Burroughs التي تلجأ الى طريقة القطع ،أو عند توماس بنتشون Thomas Pynchon حين يُدخل الفوضى على النص الروائي، ويختارعناصرالفجاءة ويغيّر الأبعاد والأصوات والمجازات ، لكنه يدفع القاريء الى إدراك حضور نظام مخبوء و( عقدة ) في فيض من ( اللغو ). ومثل هذه المفارقة قائمة بالطبع رغم أنها تجذب وتحبط في الوقت نفسه.
يرى بورش أن هناك قطبا آخر في الإشكالية المتعلقة بالتعرف / الإعلام ، وهي تلك الطروحات التي تملك قدرا ضئيلا من الإعلام لكنها تملك قيمة كبيرة لدى المتلقين. والمثال هنا الحكايات الشعبية والأساطير التي تبقى تقليدية في بناها ، أو أقوال مأثورة تتكرر الى ما لا نهاية لغاية تحجرها في اللغة. ويخلص بورش الى القول بأن الإعلام لايرتبط بالمعنى والأهمية رغم أن هذين مترابطان عادة. وفيما يتعلق هنا بالإطناب أو الفيض redundance من الإعلام أو التعرف ، في العمل الفني يذكر بورش أن هذا الفيض يزداد مع تطورهذا العمل مما يكون حالة خاصة للعملية التي يسميها منظرو الإعلام بعملية ماركوف ، والمقصود هنا سلسلة ماركوفMarkov Chain أي ذلك المصطلح في الرياضيات والذي يُقصَد به عملية عشوائية تحمل خاصية ماركوفية حيث يكون تكهن المستقبل إنطلاقا من الحاضر ، وإنتفاء الحاجة الى معرفة الماضي. كما يرى بورش أن الأمر شبيه بما يحصل مع سلوك الجينات التي مهمتها الحفاظ على الخصائص phenotypes . بعبارة أخرى يُخفض شكل العمل ، الفني هنا ، الإعلام َ لكنه في الوقت نفسه يعرض كل ما هو مهم ومتكون من الإشارات.
من كل هذا يمكن الوصول الى إستنتاج منطقي معيّن ، وبورش يؤكد عليه ، وهو أن القراءة بحد ذاتها هي مصدر الأهمية. وعلى هذا الضوء يكون النص أثرا لمجموع الشفرات ولو أن المؤلف قد جمّد بعضها ، إلا أن الأخرى هي المرشد للقاريء. وكان ميرلو – بونتي قد أوحى بأن النص ( يقول أكثر من خلال عدم قوله عن شيء ما ) ، وعند القراءة نحاول أن نعمل على أن يكون هناك ما هو غير كائن. ويرجع بورش هنا الى رولان بارت القائل بأن النص يبحث عن ( درجة الصفر ) للتفسير/ التأويل ، أو حين يكشف جيل ديلوز في تحليله لبروست عن هذا الشيء : ( قبل كل شيء يكون العمل الفني المعاصر ما يمكن أن يبدو ، بل من خصيصته يكون أيّ شيء نريده أن يكون، و كذلك الإفراط في وصف أي شيء نريده ، ومنذ اللحظة التي يعمل فيها : العمل الفني المعاصر هو ماكنة و يعمل كالماكنة ). وعن ( في البحث عن الوقت الضائع ) يكتب دولوز : ( إنه عمل فني يفك جميع شفرات لغاتنا ، الإجتماعية والدبلوماسية و الستراتيجية والإيروسية والأستيتيكية ، وإذا أردنا أن يعمل الكل … ولماذا الماكنة ؟ لأن العمل الفني المفهوم بهذه الصورة هو مثمر productive في جوهره إذ يولد حقائق معيّنة ).
ومن دون الإبتعاد عن موضوع هذا النص يمكن إيراد ملاحظات أخرى عما يسمى بالأدب السبرنتيكي الذي يبدو بالفعل ساحة معركة تتقاتل فيها شتى الأفكار لكن كلها تتكاتف في أمر واحد : الدفاع عن الفوارق بين ذكاء الإنسان والماكنة. وفي واقع الأمر ليس أدب بوروز وبيكيت وبنتشون وبارث وغيرهم سوى مراقبة الشراك الغادرة للوعي الذاتي لدى أبطالهم. لقد شيّد هؤلاء الكتاب أعمالهم التي تبدو كمكائن لكنها تصعّب كثيرا توفير المعنى. إن أحوال التفسير والمشاعر المتناقضة تتصاعد ولكي تنفجر بعدها في أيدينا ، على حد تعبير بورش ، وكل ما تمنحه للقاريء هو الوعي بوعيه الخاص... وبالضبط هكذا هي الحال في رواية اليوم : تركت المتاع القديم الذي حرصت عليه أجيال كثيرة ، وإكتشفت ، من جديد ، أن هذا الفن أخذ بمهام مختلفة تماما حيث نبذت القديم الذي كان يعني لزمن غير بعيد ( بقاء الكاتب في الظل حسب ) أو كما الملقن في المسرح ، أوالراوية سواء أكان شعبيا أو من ( البرج العاجي ). بعبارة أخرى أصبح الكاتب ، وهو الروائي هنا ، مشغولا بطرح عواقب ( الوعي بوعيه الخاص ) مما يعني أيضا أنه في كل لحظة يكتشف زاوية مجهولة في مملكة الذات العجيبة التي ليست هي كاملة السيادة والإستقلال عن الأخرى والعالم الخارجي ، بل يخص الأمر تلك القنوات التي تربط تلك المملكة بالممالك الأخرى والتي لا تزال مجهولة رغم التخمة فيما يتعلق بالإكتشافات التي حققها ويحققها عصرنا ، عصر ما بعد الحداثة ، وما أنا قادر على تسميته بالواقعية الهستيرية وتفجيرما يسمى بالواقع الموضوعي والإبقاء على أشلائه لكن بمسميات أخرى ...
أعود الى إشكالية الإعلام : ليس هناك من إعلام تام / كامل . يحضرني هنا ماقاله مرة مالكولم كاولي عن الرواية عند فوكنر والتي شبهها بالعمل النحتي. فبوسع المرء أن يدور حولها كما يدور حول تمثال لكن في كل مرة يقف أمام مشهد مختلف من الكتلة الصلدة ذاتها. وأنا فهمت الأمر هكذا : كل رواية لفوكنر قطعة من فسيفساء / إعلام يتحقق تكامله عند جمع كل القطع وتنظيمها في مكان واحد.
أكيد أن كل هذه الإشكاليات تزيد من التعقيد والجهد عند تلقي الفن ، أيّ فن ، و الرواية المعاصرة قلبت الموازين أيضا ، وعلى أكبر إحتمال كل الموازين ، تماما كما فعل جويس حين أغلق نهائيا - برأي إليوت، الصائب بالطبع - باب رواية القرن التاسع عشر . مفهوم أنه أغلق الباب أيضا أمام القاريء التقليدي. وقد يتفق الكثيرون مع واقع أن هناك مجموعة من الناس السعداء في العالم والذين ينبذون كهراء ٍ كل ما لايقدرون على فهمه للوهلة الأولى. فهم يطالبون الفن بالمهارة الأكبر في إستنساخ ماهو الأقرب منهم والمعروف أكثر من غيره ، أي يطالبون بماليس عليهم تعلمه وفهمه من دون الجهد الذي يعمل على تطوير وإتقان ذلك الجهاز الداخلي الدقيق القائم بخدمة الإنسان في خلق الإنفعالات. معلوم أن جويس ، في إنقلابه المعروف ، كان هدفه الكشف الأكمل عن الإنسان كما هو في الواقع حيث أنشطة الوعي واللاوعي والحدس والهاجس الخفي بغرابة الوجود وعبثه ووعيه بعالم الجينات الملغز وتلك الزوايا الصغيرة من الذاكرة التي توقظها التداعيات الحرة ، وفي الحقيقة يأتينا كامل الإعلام الجويسي من الجسد نفسه وأن ليس هناك أيّ إبتعاد عن واقعنا الفسيولوجي ، ليس هناك من هواجس شخصية لدى هذا الكاتب الإيرلندي ، وعلى العكس من نابوكوف ، مثلا ، المليئة رواياته بالنماذج التي تعاني من هواجس معينة بسبب الهوية المزدوجة وذلك الإنمحاء للفاصل الزمكاني في السرد المتابع للواقع الخارجي والآخر اللافعلي على السواء. ففي روايته ( النار الشاحبة ) يحصل التشكيك بمصداقية الراوية وبمعزل عن مسألة أن الوقائع التي كان يتكلم عنها هي مُحرَّفة عن قصد أو بدونه ، فالإشكالية في هذه الرواية هي العلاقة بين الوجود ( الموضوعي ) لعالم الوهم الأدبي وطريقه إخضاعه للوصف أي جعله ذاتويا الأمر الذي يجهد كتاب ما بعد الحداثة في إضاءته. هناك أيضا ( إعلام ) عن هدم الزمن التقليدي وإبداله ، كما فعل جويس ، بآخر له دلالالته لكنه فعلي تماما ونتيجة لذلك ينشأ نظام للتحسس التواقتي والتغلغل المتبادل للمشاعر التي تعود الى الأزمنة الثلاثة. كل هذا معناه أن الأدب حصل على أدوات أكثر دقة كي يحصل الإعلام / المعرفة عن الإنسان بشتى أبعاده. أكيد أن لكل هذا جذورا قديمة وبينها مشكلة التلقي الحسي للعالم : طالما أن الحواس ليست بالمسبار السليم تماما عند فحص العالم وكسب المعر فة عنه والوصول الى حقائق الوجود ، كان ينبغي إلقاء مثل هذه المهام على العقل كي يكون الحكم في قضية التعرف. وهكذا فعل بارمينيديس حين فصل التعرف الحسي عن العقلي. بالطبع يخص هذا قضية الوجود وليس العالم المادي المحيط بنا ، أي الواقع الفينومينولوجي. واضح أن العلم الحديث وضع علامة إستفهام كبيرة على مثل هذا الفصل القديم . فآليات عمل العقل / الدماغ لا يمكن عزلها التام عن آليات بيولوجيا الإنسان. ومن هنا لا نملك أي ضمانة في صحةالإعلام الذي يأتينا به العقل.
واضح أن التجريب الروائي، مابعد الحداثتي خاصة ، لايكترث كثيرا لمسألة توفير الإعلام / المعرفة وفق التعريف التقليدي ، بل قام هو بقلب العلاقة مع ( مؤسسة ) القاريء الذي أصبح لديه إما مشاركا فعّالا في التجربة لكن وفق أصول أخرى ، وإما دفعه في خانة الغياب التام...


باندهولم – تشرين أول / أكتوبر 2011



عدنان المبارك
روائي وكاتب ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
adnan1935@gmail.com


أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث