الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
محمد خضير في "السرد والكتاب"... كل شيء في أوانه
عبد الستار ناصر
محمد خضير في "السرد والكتاب"... كل شيء في أوانه
محمد خضير
محمد خضير واحد من أبرز وأهم( صرعى الكتب) بحسب ما جاء من وصف قاله محمد رضا الشبيبي، وبعد خمسين سنة في كتابة القصة والنقد تمكن أن يكون ( هو) الناقد بامتياز و( هو) القاص بامتياز، يذكرني بالشاعر الكبير فوزي كريم وكتابه( ثياب الامبراطور) و( تهافت الستينيين) هو الآخر صريع الكتب مذ عرفته وأهديته أول كتاب لي عام 1969 الرغبة في وقت متأخر.
ماذا فعلت الكتب التي ( تنبت كما تنبت الكمأة) ؟ انها اعجوبة ثانية ان تتكرر العبارة في فصل( الكتاب والخطاب) بعد خمسين صفحة، حتى نرى الكتاب يمشي مع مؤلفه متخطياً بقية كتب الأرض، أتذكر أيضاً كما لو أن الأمر حدث الآن: سلسلة كتب الهلال الواصلة بالطائرة بسعر عشرة قروش، كان يبذل جهوداً( أبذل جهوداً) شاقة كي يغادر البيت( أغادر البيت) وفي جيبه ثمن الكتاب.
الغرائز والبدايات متشابهة، كتب( الهلال) وعطر الورق القديم وكتب الأرصفة، الى آخر الذكريات، لا فرق بين البصرة وبغداد، اللذة نفسها والخيال المعتق هو نفسه، يبدو( ان لذة انتظار المطبوع تسبق عنده/ عندي لذة الهجوم) هو يقرأ( صوت الأحرار) وأنا أقرأ( اتحاد الشعب) وكذلك الحال مع بقية المجلات التي( يقشعر) الجسد قبل رؤيتها و( يكزبر) بعد امتلاكها.
دخلت مكتبة عامة في المدينة التي أسكنها( هاملتون) وفوجئت بكراسة كانون، أنا الذي جئت الى كندا مع آخر مؤلفات محمد خضير( السرد والكتاب) وهو الكتاب الوحيد مع( موسم الهجرة الى الشمال) للطيب صالح، مع نسخة واحدة من رواياتي وقصصي وهجرتي نحو الأمس في حقيبتي، طائراً عبر البحار والجبال والمحيطات حتى أرى( كراسة كانون) تبتسم على رفوف المكتبة الكندية، هل رأيتم كتاباً عراقياً يضحك؟
سأعترف بأن الخوف لطالما جثم على قلبي وأنا أواكب عن بعد أحداث البلاد المميتة، أن يكون محمد خضير- حتى أنني لم أتمكن من قولها وكتابتها- ونخسر هذا الرجل المبدع، الصانع الماهر، الكبير في إنسانيته، المعلم الذي قال وأعطى، ماذا سيكون المشهد القصصي يومذاك؟ راودتني الظلمة في عز النهار، أهلكني الخوف مع أنني كنت أحقق حلمي يومها في الذهاب الى( شلالات نياغرا) على الحدود الفاصلة مع أمريكا الجنوبية، هل جئت أكتب عن محمد خضير أم جئت أعلن عن رعبي مما يحدث في بلادي، الكتب تملأ العالم، هل نحن بحاجة الى مزيد من الكتب أم بحاجة الى المزيد من( محمد خضير)؟
ها هو الصديق البصراوي في مشغله الخيالي يشترك مع عمالقة الفكر والأدب والفلسفة في حوار عميق، والمكان هو( الجمجمة) أو المسرح، والمشاركون هم محي الدين بن عربي وكولرج وشكسبير وجول فيرن( الخيال العلمي) وبليك والسهروردي، حتى غدت الجمجمة(صورة مرآتي، وحقيقة شهودي، وشبح حلمي، وشاخص وجودي) ص 66.
كتاب لا يمكن *اختصار صفحاته، لأن الأفكار العظيمة لا يمكن ايجازها، اما ان تذكرها جميعها أو تعتذر عن الكتابة عنها، يقول طه حسين على الصفحة 127 ( ان مقتل ابن المقفع بأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور لم يكن بتهمة الزندقة التي شاعت بحقه، وانما بسبب تأليفه رسالة الصحابة، وهذه الرسالة امثولة في اسداء النصح لذوي السلطان وصحابته، لكنها امثولة مزدوجة الدلالة يؤدي فك رموزها واعادة انتاج دلالاتها الى مفعول مضاد في مرآة الرسالة. فقد يأتي الدور على الناصح ليتجرع مرارة النصيحة من كأس المنتصح، وتصبح الرسالة المحضورة فخاً قاتلاً لمن يخطىء ارسالها).. وكذلك الحال مع بقية أفكار الفصول( تمتمة الغابة والكتاب المحجور ومعجم 2084).
محمد خضير مجموعة ألقاب سيادية باذخة في ذاكرة جمعية مصنفة، فهو ذاكرة المطابع وذاكرة السوق وذاكرة الفهارس وذاكرة الصورة وذاكرة المكتبات وذاكرة المؤلف وذاكرة السرد، إنه ذاكرة جيل وذاكرة وطن وذاكرة مدينة اسمها البصرة، حتى أنني رأيته هناك في رواية( أماكن حارة) للروائي الرائع جنان جاسم حلاوي، وبهذا يدخل ذاكرة الآخر بقوة ومحبة.
مرة واحدة وقفت حائراً رافضاً ما رأيت، عندما قرأت( السرد التشكيلي) ص 68 ولم يكن الفصل سوى أربع صفحات، إذ فوجئت بشرح لبعض قصص محمد خضير من اختبار تصوري وتفاعل واندماج وتأويل وعمليات بطيئة في التمثيل والتحوير الى كومة مصطلحات وعناصر وزقورات وأبراج وأهرامات تجعلني أسأل نفسي : لو كنا نفكر( هكذا) في تشكيل القصة وهندستها وتصميمها كما فعل محمد خضير مع قصة( رؤيا البرج) لما استطاع جليل القيسي كتابة قصة بمستوى( صهيل المارة حول العالم) ولما استطاع محمود جنداري كتابة قصة رائعة بمستوى( الدغل) ولما استطاع يوسف ادريس من كتابة قصة مذهلة بمستوى(مسحوق الهمس) أما( الصرخة) وهي من قصص محمد خضير المتميزة فهو نفسه يقول( غاب عن قراء الصرخة الأصل التصويري المؤلف من لوحتين لهنري روسو وديفيد سيكيروس اضافة الى تماثيل جياكوميتي، وصورة لقرود محبوسة في قفص هيجها خوفاً من خطر مجهول) ص 68 .. فإذا غاب عن القراء هذا كله، كيف يمكنهم اكتشاف الكتلة الحجمية والعمارة الأسطورية والحقيقة البلاستيكية( وكلها من أقوال محمد خضير) حتى نصل الى(رؤيا خريف) ليتسع مجال الرؤية في مختبر محمد خضير القصصي بحيث يصبح ميسوراً كما يقول ان تلتقطه عين نملة أو عين كائن أصغر منها مئات المرات؟!
إن( السرد التشكيلي) أكثر فصول الكتاب إشكالاً وأكثرها انحناءاً نحو الذاتية والتقليل من ابداع الآخر منذ انطون تشيخوف الى وارد بدر السالم. وأسأل نفسي أيضاً: هل يفعل الكبار كل هذا مع أعمالهم؟ سارتر على سبيل المثال، أو غارسيا ماركيز، أو أندريه جيد، أو امبرتو ايكو، فأنا على يقين ان الكاتب العربي لا يرسم ولا يخطط ولا يهندس ولا يصمم ولا حاجة بي الى ذكر نماذج منهم.
حسناً، لنقرأ هذه الحكاية التي نقلها محمد خضير على الصفحة 151( حلم شوانج تسو بأنه فراشة، وحينما استيقظ لم يعد يعرف اذا ما كان تسو هو الذي حلم بأنه فراشة، أم أن فراشة هي التي كانت تحلم بأنها تسو).
هل تحتاج حكاية كهذه الى هندسة وتخطيط حتى اذا طالت وصار لها اكثر من بداية واكثر من نهاية؟ لا اظن ذلك، وحتى المجلدات الاثنين والخمسين من رواية سولنجستين( العجلة الحمراء) والتي ذكرها محمد خضير، ليس من تخطيط أو جدولة أو هندسة لها باستثناء كتابة معلومات لابد منها لئلا ينساها المؤلف من أسماء الابطال والزمان والمكان، فكيف الحال ومحمد خضير لا يكتب روايات وانما قصص قصيرة هندستها( المكتوبة) اكبرمن عدد صفحاتها!
**
لم يكن محمد خضير قاسياً في الرد على مقالتي المنشورة في مجلة آفاق عربية العدد 5/6 عام 1996، أنا الذي اختلت موازيني مع القصة القصيرة ما بين الصنعة والابداع وكان ينبغي معرفة الوهم الذي ذهبت اليه، ذلك ان الصنعة هي أساس اشتغال المبدع في مشغله، وبعد، ربما تليق بي العبارة التي اقتبسها محمد خضير( عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش) والا ماذا أقول عن العقل الذي ارغمته على النوم قبل ذهابي الى شلالات نياغرا؟
يعكس لنا القاص محمد خضير في مرآة ذاكرته وفي أوراقه المتفرقة روايات العصر الواقعي التي نرى فيها( بطلاً) منشطراً على نفسه يصارع اغترابه من أجل توحيد شطريه، ورأيت في شخصية( راسكولينيكوف) مثالاً وإن لم يتطرق اليه، يقول( ان أفضل الروائيين أولئك الذين يفكرون وهم يتقدمون مع شخصياتهم، أي وهم يسردون الخيالات كأنها حقائق، والحقائق كأنها خيالات، في منطقة مشتركة بين التصور والتخييل) ص 44 وبما أن الكتاب لا يمكن إيجازه كما أسلفت، فقد وقفت أمامه اشربه حتى الثمالة، أعني حتى نهاية الروايات الملعونة التي عادة ما تكون مملة برغم أنها روايات عظيمة، وتلك هي الطريقة الوحيدة في اختصار( السرد والكتاب) متذكراً أن الروائي العراقي هو أقل الروائيين إنتاجاً في العالم، يعمل كما يقول محمد خضير في داخل نطاق مفخخ بالهواجس المميتة، تحوم حول رأسه الطائرات الحربية، وتدجج أحلامه الاسلحة المنظورة وغير المنظورة ص 49
بعد أن انتهيت من قراءة( السرد والكتاب) أصابني شيء من الألم والاستفزاز، لماذا يغرق العالم في محيطات من الكتب غير الصالحة للقراءة والبقاء، ولماذا تطفو على زبد البحار أكداس من الكتب التي لا قيمة لها مطلقاً، بينما العالم مايزال بحاجة الى كتاب صغير منمنم كما( السرد والكتاب) حتى نكبر به ونتباهى بمؤلفه؟ .
حقاً، كل شيء في أوانه.

*السرد والكتاب/ محمد خضير/ الاصدار 36 لمجلة دبي الثقافية/ الطبعة الأولى/ دبي 2010

عبد الستار ناصر
روائي عراقي مقيم في كندا
hadiya3000@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث