الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الحفيدة الأميركية/الوجه الآخر للمنفى
حسن السلمان
الحفيدة الأميركية/الوجه الآخر للمنفى
غلاف الرواية


يعرف الفيلسوف الاميركي ( جون ديوي ) الفلسفة الذرائعية او البراجماتية بانها : فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج، فهي تدعُ الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع . ويصفها ( ويليام جيمس ) بانها : تعني الهواء الطلق ، وإمكانيات الطبيعة المتاحة، ضد الموثوقية التعسفية واليقينية الجازمة والاصطناعية وادعاء النهائية في الحقيقة بإغلاق باب البحث والاجتهاد. وهي في نفس الوقت لا تدعي أو تناحر أو تمثل أو تنوب عن أية نتائج خاصة، إنها مجرد طريقة فحسب، مجرد منهج فقط .. وبأنها لا تعتقد بوجود حقيقة مثل الأشياء مستقلة عنها.فالحقيقة هي مجرد منهج للتفكير، كما أن الخير هو منهج للعمل والسلوك ، فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ الغد ، فالمنطق والثوابت التي ظلت حقائق لقرون ماضية ليست حقائق مطلقه، بل ربما أمكننا أن نقول : إنها خاطئة. مما تقدم نجد انفسنا في منظومة من المتردافات التي تتناغم وتتماهى مع الذرائعية مثل طروحات مابعد الحداثة التي تنسف وتقوض كل الاصول والمرجعيات وانساق الحقائق المطلقة القائمة بحد ذاتها ساعية لترويج مفاهيم السرد بوصفه تخييلا واختلاقا وفبركة واعادة تحبيك حرة لتسود النسبوية والهجنة والانشطار والعمومية كل مفردات الحياة وتفاصيلها . كما ان الذرائعية هي القاعدة او الموجهات المعرفية للأمركة او ظاهرة الأمركة بتعبير ادق بوصفها هيمنة ً سوسيوـ ثقافية وسياسية واقتصادية للنسق الاميركي / الغربي على العالم بماديته وتمظهراته التقنية . كذلك ترادف الذرائعية العولمة والكوننة وكل مايشاكل توجهاتها . وبناء على ماتقدم ، تصبح الكثير من المفاهيم قيد المراجعة والتامل . فالهوية لم تعد بتلك الهوية المتماسكة بخصوصيتها وتمايزها وجوهرانية ماهيتها ، بقدر ما اصبحت هوية ( سردية ) اي نتاج التخييل والاختلاق وفق صيغة ما يحددها اجماع شريحة بشرية لاتحكمها الضرورة بقدر ماتحكمها المصادفة الاتفاق على انشاء ( هوية ) . وينسحب الامر على التاريخ بوصفها ( سردا ً ) والامم ( جماعات تخييلية ) لتصبح كل ( اصالة ) موضع تشكيك ، وكل حقيقة نتاج تجربة وواقع بعد تجريدها من اطارها الاطلاقي المقدس . وعلى ذات الوتيرة تصبح مفاهيم الوطن والوطنية والمباديء والتقاليد والقيم عرضة للطعن والمراجعة وتغيير زاوية الرؤية من قبل الانسان الغربي ببعده الاحادي ، أي المادي الذرائعي / الاستهلاكي . في روايتها الموسومة بـ ( الحفيدة الاميركية ) تقدم الروائية العراقية المغتربة ( انعام كجه جي ) صورة مغايرة للمنفى وللمنفيين الذين غالبا مايقدمهم كتاب المنفى بصورة من يعاني الاغتراب وانشطار الهوية والحنين الجارف للوطن الذي يتحول تحت الضغط الى شعور مرضي يتسم بالاحباط والتهافت ، نتيجة لاختلاف الثقافات بين الوطن الام ، والوطن الجديد / المنفى ، مايجعل التكيف ، والتالف ، والاندماج مع المحيط الجديد بالغ الصعوبة . بيد ان المنفى لدى بعض المنفيين ، وبفعل تخلصهم من السياسات القمعية الجائرة ، ومن سطوة التقاليد والاعراف التي عفا عليها الزمن ، يصبح ، أي المنفى ، مجالا ً رحبا ً لإعادة النظر في الكثير من المفاهيم والقيم والافكار مثل الهوية والتاريخ والوطنية والانتماء والمباديء الاخلاقية والى غير ذلك من تلك المفاهيم التي ترسخت بفعل التثقيف والتلقين المتواتر عبر التاريخ وتحولت الى انساق مهيمنة . في ( الحفيدة الاميركية ) ، نجد إن البطلة ـ وهي مجندة من اصول عراقية هاجرت مع اسرتها الى اميركا بعد اعتقال والدها المذيع المثقف من قبل السلطات الصدامية بدافع الشبهة والافراج عنه بعد التعذيب ، ترافق الجيش الامريكي لغزو العراق بصفة مترجمة ومستشارة وتلتقي هناك بجدتها واخوتها بالرضاعة ـ تتجاوز وبلا ندم او تأنيب ضمير ، الكثير من المفاهيم والقيم . فمن منطلق ذرائعي / نفعي بعيد كل البعد عن الولاء والانتماء والمثاليات ، تنطلق مع الجيش الغازي بدافع المادة لاغير حيث تقول : ( سبعة وتسعون الف دولار في السنة . ماكل شارب نايم . تلك كانت هي العبارة التي تسلب العقول وتبلبل الافكار ... سبعة وتسعون الف دولار تكفي لان يدفع الابناء اباءهم وامهاتهم الى ساحات الحرب ... وشوية خردة من هنا وشوية من هناك ويصل المبلغ الى مئة وستة وثمانين الف دولار في السنة . مبلغ يكفي لوداع حي ( سفن مايل ) البائس ويكفي لدفع مقدم بيت فسيح .. واقتناء سيارة جديدة .. كما يكفي لارسال اخي يزن .. الى مصحة لعلاج الادمان ) الرواية / ص 16 . وعندما تتعامد مشاعر الوطن الاول الذي عاشت طفولتها فيه مع مشاعرها وعقلها الذي تغلب عليه النزعة الاداتية / الذرائعية الخالية من العواطف والقيم والقائمة على المنفعة المجردة ، فإنها تحسم الأمر قائلة : ( كيف تكون المشاعر الوطنية ؟ . خزعبلات لم تكن تعني لي الكثير ، لافي طفولتي العراقية ولا في شبابي الاميركي ) . ويصل الامر في احد الفصول الميتا سردية القائم على حوارية بين المؤلفة التي تمثل صوت الضمير المفترض ، ونقيضه الذي تمثله البطلة ، الى نعت مفهوم الوطنية بالفساد والتحجر والسذاجة بدلالة قولها : ( كيف اقول لها بانني اقوى منها ؟ ، وبانني اشفق عليها من سذاجتها ، وارثي لوطنيتها التي ولى زمانها وتحجرت ، بل تمومأت قبل ان تتحول الى هلام عفن ) الرواية / ص 36 . ولقطع الطريق على المزايدات ، ومن خلال الفصل الميتا سردي ذاته ، تقول بلهجة ساخرة ، هي في القلب من اليات اشتغال الرواية العراقية الجديدة وخطابها النقدي : ( ازعجتني المؤلفة منذ ان رايتها تدور وتناور وتفتعل المواقف لكي تكتب رواية وطنية على حسابي ) الرواية / ص 34 . اما الوطن بحد ذاته فيجري تجريده تماما من اية ابعاد معنوية او روابط وجودية : ( كيف ستكون ايامي المقبلة في البلد الذي لم يعد يعني لي اكثر من انه حاوية لعظام الاجداد ) الرواية / ص 49 . وبما ان التاريخ لم يعد مقدسا او محصنا ضد التاويل والمراجعة النقدية واعادة التحبيك ، فلا مفر من الاختلاف والتقاطع معه : ( يا الهي كم نتقاطع انا وذلك التاريخ وكم نختلف ) . وعلى مستوى اشباع الحاجات الحسية الغرائزية فلا يوجد شيء يقف في طريقها سواء كانت قيما ً اخلاقية ام اعرافاً ، وذلك هو ديدن ثقافة الغرب بشكل عام المتحرر من كافة القيود والتابوات . فالبطلة تقع في غرام اخيها بالرضاعة وترغب فيه ، وعندما يذكرها باستحالة انشاء هكذا علاقة ، تسخر من ( شفطة الحليب ) التي تحول بينها وبينه : ( يفتح مهيمن عينيه فزعا عندما يسمعني اقول انني لااؤمن بالحليب الذي يؤاخي بين الغرباء ، ولابعقود الزواج الابيض ، ولا بالاستحرامات التي تفسد الصبوات . لايفهم امراة حرة مثلي لاتحتاج الى اكثر من ان يقرب جمر عينيه منها فتتقد الشرارة ، ويتهاوى التابو ) الرواية / ص 134 . اما على مستوى الذات اوالهوية الذاتية فثمة تمزق وانشطار او فصام يساعد البطلة على التخفف من الانتماء الاحادي والوحيد ، وفي نفس الوقت يمنحها القدرة على تمثيل الادوار ، وتقمص الحالات المختلفة : ( كنت اريد ان اتباهى امامهم بأنني منهم ، اتكلم لغتهم ... لكن ذلك كان مخالفا ً للتعليمات .. والتعليمات تريدني خرساء . لذلك تضايقت للمرة الاولى من بزتي العسكرية التي تعزلني عن الناس كأنني في خندق وهم في اخر . بل انني بالفعل في خندق وهم في اخر . ولي مثل الممثلين البارعين في التقليد ، القدرة على التقمص وتغيير الشخصيات ، وعلي ان اكون ابنتهم وعدوتهم في آن ، وان يكونوا هم في الوقت عينه ، اهلي وخصومي ) الرواية / ص 15 . ولكي تكتمل الصورة ، اي صورة الوجه الآخر للمنفى ، بوصفه فرصة فريدة للمراجعة المفتوحة والتحول المضطرد وانتاج المعاني والدلالات الجديدة اللانهائية فان ( انعام كجه جي ) ، تجعل من الخطاب السردي على مستوى البنية الزمنية المتلازمة بالمكان ضرورة ، متأرجحا ً مابين ثلاثة ازمنة ، ليتماهى ، ويتشاكل مع الحالة المعنوية للبطلة ، وهي حالة دينامية خارج السيطرة وبعيدا عن مجمل المعايير والمقاييس ، وخطاب الرواية بشكل عام ، القائم على اعادة تحبيك الكثير من القيم والمفاهيم والمباديء والتقاليد والاعراف واتخاذ المواقف منها حسب الموقع وزاوية النظر الجديدة . فثمة زمن اول يتمثل بسرد ماضي الوطن الام من خلال ذكريات طفولة البطلة ، وذاكرة امها وابيها واجدادها وجدتها المشاركة الفعلية في ارساليات النص . وزمن ثان يتمثل بسرد حياة البطلة في المنفى / اميركا ، حيث الحياة المتحررة من القيود والتابوات في وسط بشري هجين من مهاجرين ومنفيين عرب وصينيين وهنود وبورتوريكيين ، ضمن ثقافة استهلاكية وايقاع حياتي سريع . وزمن ثالث يتمثل بمعايشة وقائع واحداث الحرب في العراق ومارافقها من ماس وويلات . لنخلص في التحليل الاخير ، من أن رواية ( الحفيدة الاميركية ) ، نص جدلي ، نظرا لتعدد مستوياته الدلالية ، وانساقه الجمالية ، ولتناوله تمثيلييا ، ًقضايا ومفاهيم هي حديث الساعة ، مثل اعادة تعريف الهوية ، والتاريخ ، وحقيقة العولمة ، وطبيعة السياسات الدولية القائمة على المصالح الصرفة ، وشرعية الحملات العسكرية ، واعادة النظر في حقوق الانسان على ضوء المتغيرات التاريخية ، وغير ذلك من القضايا الساخنة .

حسن السلمان
ناقد عراقي
hassan_salman9@yahoo.com


مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث