الأربعاء, 18 تشرين الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
البحث عن جملة2/ بييار الفيري
ترجمة: حسين عجة
البحث عن جملة2/ بييار الفيري
بييار الفيري

4 –
الفكرة الإستذكارية تلك هي بمثابة تشيّيد. فعندما يتعامل المرء مع الجمل التي تأتي مباشرةً بإعتبارها جملاً مستهلكةً، إنما يضعها بعيداً تماماً لكي تدور من حول جملة لم تلفظ بعد ولا يمكن لتلك الجمل إعاقتها : الحركة المتوجهة نحو الماضي إنكارية في المقام الأول. بيد أن الجملة التي يجري البحث عنها فيتم تناولها هي بالذات ضمن إسترجاع، تأكيدي هذه المرة. فالموضوع المفقود للبحث يوجهها، في الواقع، وكأنه يسبقها. وإذا كانت الجمل المعزولة تبدو وكأنها تنوعات على ذات الموضوع، فذلك لأن نتيجة وضعها في سلسلة ما تظهر بإعتبارها مبدأً. فبفضل الإسترجاع، ينتج الفكر، ويبدع مشابهة غير مرئية حتى تلك اللحظة. تستخرج الفكرة، إذاً، إمكانية مغمورة، يتقاسمها هذا المجموع أو ذاك، وذلك بأبعادها لجمل، ومن ثم لتعقبها ما هو مجرد إستشعار وكأنه ذكرى. (إبداع الغناء يمر عبر "الوسواس الموسيقية"). الأمر لا يتعلق بوسيلة أو توافق بين جمل مستهلكة، ولكن بإمكانية جديدة تحتفظ ببعض ملامحها النحوية، بإمكانية قصوى لا تستجيب لكل واحدة من تلك الجمل إلاً بصورة جزئية : نهايتها النحوية الدقيقة، إمكانيتها الحدية. (الإبداع شخصنة؛ الجملة الجديدة تُرسخ تلك الحالة المُشبعةِ للغة حيث تتدافع الجمل). عندما يتم التفكير حتى النهاية بمثل تلك الإمكانية، تتشكل جملة جديدة..
لا ينجح سوى إبداع هو في ذات الوقت بعيد الإحتمال ومخلص لمطالبة بعينها. لا ينبغي التخلي عن أي شيء من تلك الإمكانية الإستشعارية، ذلك هو شكل المطالبة. "عدم التخلي" يعني : أن لا يتوقف المرء عند الجمل المستهلكة التي تعرض نفسها، لكن أيضاً : عدم الإستسلام للـ "تصحيح". (الوفاء الحقيقي للغة هو ذلك الذي لا يتنازل بأي شيء للغة). ثمة أشكال نحوية لا يمكن إستبدالها بغيرها ولا يمكن "تصحيحها". يكمن "التصحيح" في وسيلة الجمل المتشكلة والموافق عليها سلفاً من قبل الإستخدام؛ إما إمكانية الحد المُنتقاة من قبل جملة جديدة فهي تكمن في تشابه لم تجر رؤويته حتى الآن. القواعد والإبداع متساوقين، لكن لا ينبغي طلب التنازل إلاّ من الأولى، وإلاّ ستتم خيانة الثاني..
بعمومية أكبر، إن خطر تقنيع أو نسيان الإمكانية الإستشعارية يكبر بقدر ما يطول فيه البحث. إذا لم يكن ممكناً دائماً إصلاح ذلك النسيان، فذلك لأنه محسوس به دائماً. لا يجب التخلي عن أي شيء : تحت هذا الشرط الوحيد، تظهر جملة جديدة، ضمن ضرورتها..
ضرورة الجملة الجديدة تجعلنا نشعر بها عند قراءتها. عندما نجدها تامة الصنع، نعتقد بداية بأنها شيئاً جانبياً. فنقوم بإبدالها بجمل مستهلكةً تَقدم، مُقادة بأصرة فيما بينها والجملة المقرؤة. يتعلّق الأمر بهذه الحركة الأولى، عندما يعلن المرء بأنه "يفهم المعنى". ثم نعثر ثانية، ضمن تشكيلة من الجمل المُتشابهة مع الجملة التي سبقت الإبداع، على ذلك التماثل المُتفرد، الدقيق، والذي يُشير على إمكانيتها الحدية. إذا ما تعرف المرء عند ذلك على الجملة المقرؤة، فذلك لأنها كانت ضرورية : (التأويل ليس حلقياً إلاّ في الظاهر؛ لولبي هو، من جديد، لكن قطعه قد تمّ من الطرفين وبسرعة أكبر، فمركزه ثابت بدءً). ويقول المرء : "لا يمكن قوله بطريقة أفضل". ثمة من أدب، عندما يتفوق النوع الثاني من التجلي ذاك، جلاء ضرورة الجملة، عندما يتفوق على الفهم، على وضوح معناه..
جملة ممكنة. الفكرة، إذاً، هي أيضاً إظهار تلك الإمكانية، الحركة الإستذكارية التي تستخرجها من مجموع الجمل المستهلكةِ. الأدب هو من نمط الفكر المحض، أي الحر. لكن، إلاّ نقول بأنه يستق قوته من "المتعذر قوله" الذي يخنقه؟ هذا العائق الإحادي المرصوص كالحجر هو عكس التمثيل. نقوم بفبركة "المتعذر قوله" وذلك بمواصلتنا للخلط ما بين القول والمحاكاة، ما بين الأدب والرسم التصويري. الجملة تقول الأشياء وليس لديها حاجة بمحاكاتها : أنها تسميها. والجملة تقول فكرة وليس لها أقل حاجة بتمثيلها : أنها تثبت الشكل النحوي الذي كانت الفكرة مدار بحثه. ليس للأدب من مهمة محاكاة أي شيء –ولا حتى "تمثيل نفسه"- (التقعير هو آخر معاقل المحاكاة : مأزق). أن مهمة الأدب الوحيدة هي توليد أشكال نحوية جديدة، وضع إيقاعات جديدة : تمديد اللغة. لا يترك القول، بهذا المعنى، أي مكان لشبح المتعذر قوله، فهو كالأفق، يتراجع أمام كل جملة. العائق الوحيد هو في كل مرة مجموع الجمل المُستهلكة والتي تحجب عن نفسها إمكانيتها الخاصة النهائية. لكل جملة عائقها، وكل واحد من تلك العوائق لا يمكن عبوره..

5 –
يميل الأدب نحو الوضوح. وواضح كل ما يُقدم نفسه مثلما هو عليه. لكن كل شيء يُقَدّم لنا عبر اللغة. اللغة إذاً هي منْ يَطال بصورة أكبر مباشرةً الوضوح-بفضل أفعال الكلام التي تمنح نفسها بما هي عليه. بيد أن الكلام يهب نفسه بمقاطع يتمتع كل واحد منها بإيقاعه الخاص : يتجمل (يصير جملة). الوضوح هو إذاً، قبل أي شيء آخر، خصوصية كل جملة حيث يعلن الكلام عن نفسه تحت هذا الوجه الإيقاعي أو ذاك، خصوصية البيان. أن هذا الوضوح الأولي، علاقة الكلام بنفسه هي بالكاد علاقة، يبدو من الصعب القبض عليه كلما إزداد وضوحه. ومع ذلك، لا نكف عن الشعور به : فالأدب غير قائم إلاّ بغية الشهادة على ذلك. (لا يتعلق الوضوح إلاّ في المرتبة الثانية بالتمثيل وما يمثله. ومع ذلك، إن لم تكن اللغة محل الوضوح الأول، قد يطرح فيتو ضد جميع إستخداماتها الأدواتية، وكل آثارها التمثيلية)..
لا يمتلك الوضوح مقامه الخاص ما بين الكلام وخارجه. ما بين الكلمات والأشياء، فالعلاقة بمثابة مرجع. لهذا الأخير محله عندما نستخدم الكلمات، لا مكانة له حينما يكتف المرء بالإستشهاد : فحتى عندما يتمازج الإستخدام والإستشهاد، لا تغدو تلك المكانة لا أكثر ولا أقل وضوحاً. كذلك فأن وضوح الكلام هو ليس وضوح الأفكار. فالأفكار، ذهنية "واضحة" أو "ملتبسة" ما هي سوى نتائج ثانوية للكلام، لكن أية جملة لا تقبل الإختزال إلى مصاف تركيبها. فإن يقول المرء أنه "يرى" عندما يفهم جملة، فذلك ما هو إلا كلام بالمجاز. ففهم جملة، هو إيقتفاء حركة مُوقعةً لا تُخَتزل إلى صورة : ليس هناك أية محطة وقوف، أي وجهة نظر بغية تأملها. (أن وضوح الكلام أعمى، فهو ليس مدان للنظر بأي شيء). وفي النهاية، الوضوح هو ليس التطابق ما بين جملة ونيّة بعينها، إذا كنا نعني بذلك إرادة-القول والتي هي بذاتها ليست جملة. إذا كانت النية تسبق الجملة في ذهن ذلك الذي يلفظها، فذلك لأنه هو وحده من سيحكم على تطابقهما؛ غير أن وضوح الجملة هو ما يكشف عن نفسه فيها أكثر من غيره، فهو يقدم نفسه للجميع. الوضوح هو قابلية الكلام على نشر، بسط ممكناته الخاصة : لا مكانة له إلاّ على السطح..
تكون الجملة واضحة إذا ما كانت وفيةً لإمكانيتها الخاصة في اللغة. وإذا ما كان ذلك الوفاء يتعثر أحياناً، فذلك لأنه لا يدع نفسه يختلط بما تبيحه القواعد وأيضاً لأن تلك الإمكانية ذاتها، بشكل خاص، غير واضحة. فإمكانية الجملة، بالقدر الذي تستحث به الفكر، مدفونة في غيرها من الجمل المُستخدمة سلفاً، لأنها تشكل قاسمها المشترك كإمكانية حَدّيةً. أنها لم تصبح بعد ذاتها، ومع ذلك، لا تُقدّم الجملة نفسها بمثلما هي عليه إلاّ إذا جعلت تلك الإمكانية تظهر إستذكارياً. يفترض وضوح الجملة عموماً، إذاً، جدته : لا تقدّم الجمل المستهلكة نفسها عموماً بمثلما هي عليه، إذ تنعدم حتى حركة صنع الجمل فيها. تكون الجملة واضحة عندما تلقي ضوءً جديداً على الجمل المستهلكة وتمنحها إمكانية مشتركة. لهذا، ينبغي أن تظهر الجملة بإعتبارها الشكل الوحيد الذي يمكن تخيله لتلك الإمكانية. وهكذا تظهر، ضرورية إستذكارياً، في مجرى الفهم، عندما تذكر جمل أخرى بغية تأويلها وعندما يجد المرء نفسه مرغماً بالعودة لها : "ما كان بالإمكان قوله بطريقة أفضل". ما دامت هناك أشياء لا يمكننا قولها ببساطة، لذا ليس ثمة من علاقة للوضوح بالبساطة. وبالرغم من ذلك فهي تجسد ما لا يقبل اللف والدوران، ما لا يتخلى عن أي شيء من إمكانيتة الخاصة، مستجيباً لإمكانية نهائية دون أية إضافة عليها أو إنقاصها. (الوضوح هو بلاغة الشكل النحوي، بالطريقة التي يتم فيها الحديث في الرياضيات عن البلاغة البرهانية). الجملة الواضحة هي التكثيف الإيقاعي لعدة جمل مستهلكة. الوضوح إذاً هو التبرير الإبداعي للجمل ضمن إقتصاد اللغة..
الكلام وحده من يتمتع بالوضوح حقاً، والوحيد أيضاً المُوضوع ضمن أيقاع متفرد، في جملة. لكن ألاّ يجعلنا الوضوح ننسى ما تم إنتاجه من أجله، الجملة في "شفافيتها"؟ صحيح أن الجملة الواضحة، الوفية لإمكانية غير مسبوقة، تمنح الأشياء والمراجع حضوراً مفاجئاً، وكأنها تنبثق للمرة الأولى. ذلك لأن الجملة تعلن عن نفسها، بالدقة، بإعتبارها غير مقيدةً، بعلاقة حرة بما هو خارج عنها، أي بلا رابط، وبدون شفافية. وإذا ما كانت تجعل نفسها تُنسى، فذلك لكي يتم التعرف عليها بجدتها، ولكي تجعلنا نتعرف داخل اللغة، عبرها، على إمكانيتها الخاصة، كالحروف التي تُنسى حتى تظهر عبر الكلمات التي تتشكل منها. يبقى الإيقاع في إختفائه، ليس ضمن شفافية، رؤوية للخارج، بل على العكس، ضمن وضوح كثيف ومقاوم، سطح محض : في الإنطباع..
6 -
يطرح الأدب صوتاً. ففي ضوء الإنطباع، يمكن للجمل المُبتدعة أن ترتبط بسلسلة إستدلالية، أو بضفيرة شكلية. أن سعة تنوعات الشكل، طيف الممكنات النحوية المُستغلة فعلياً في مجموع مَحْدود من الجمل هي نفسها مَحدودة، وإذا ما كانت تستجيب لضرورة داخلية، فذلك لأن الحد هو عملية ضفر. لذا فإن ما نسميه بالصوت يوفر مثالاً عن ضفيرة شكليةً من هذا النوع : عادات كلام، أصوات ومدارات متواترة، تشابك متفرد لملامح لغوية –مصطلح- ما تحت رنات الصوت، سرعة الكلام، رنة خاصة ولحن. (عدة أصوات إصطلاحية يمكنها المبادلة مع بعضها في صوت كل واحد منا، ويمكنها أيضاً أن تكون مشتركة بين عدة أصوات جهورية). فالتماسك الأدنى للنص لا يأتيه من الخطاب، بل من الصوت. إذا ما فُهم بهذا المعنى، لن يكون الصوت مجازاً، ذلك لأن المكتوب وحده من يقدر على طرحه : فضفيرة الأشكال النحوية، ووضع إيقاعات صامتةً، ما هي إلاّ صوت مكتوب. (في الكلام، الصوت الإصطلاحي هو صوت مكتوب من البدء، بمعنى أنه يفلت من الخصائص السمعية). يمنح الأدب للغة رنة جديدة في كل مرة لأنه يطرح في كل مرة صوتاً جديداً لا يمكن إلاّ كتابته : صوت دون رنين..
أن إرسال الصوت يستجيب لمنطق يختلف تماماً عن إبداع الجملة. فالمرء يبدع جملة عندما يكتشف مصاهرة بين بعض الجمل المستهلكة، ويقيم جملته على التماثل. يتعلق هذا الأخير ببعض الملامح فيما يبعد البقية وهو يعثر على مبدئه في شكل نحوي وحيد : الجملة التي يُبحث عنها. إذ يقوم المرء بإرسال صوت ومشابكته لعدد كبير من الملامح وذلك بغية ضفر عدد كبير من الجمل. الإواصر، التماثلات تتعاظم لكن ما عادت تتجمع في أية جملة؛ فالتماسك ليس شأناً يرتبط بالهوية، ولكن بالكثافة. (عندما يتحجر صوت أدبي ويعجز عن توليد جملة حاسمة، يجهل حينئذ طبيعته النصية الخاصة). لا رييب أن ملامح صوت ما تتولد عن النحو بمعناه الواسع، أي من الإيقاع : بناء، ولكن أيضاً ملامح معجمية، بلاغية، سمونتيكية. كذلك تتشكل الضفيرة من إعادة تناول جميع هذه الصيغ والمبادلة القائمة بين هذه الجملة وتلك : صدى لإستدارة بعينها، لإستعارة معينة، لقطعة ما من سلسلة تداعي عبر النداء المتواصل من هذه الكلمة على تلك، الخ... ومع ذلك، لا يفترض ذلك الضفر أي شكل مشترك لكل الجمل أو يفرض نفسه بإعتباره تنسيقها الوحيد؛ فتشابك تلك الملامح النحوية ليس بحد ذاته خاصية أو طبيعة نحوية. (النص أكثر من مجرد جملة طويلة أو شكل كبير، فمصطلحه، ضمن عملية تنسيق الجمل، يقدم نفسه كونه قادراً على إنتاج تنسيقات وجمل أخرى). لهذا ليس هناك من عينة تمثيلية للصوت : فالضفيرة التي تحدده لا نموذج لها. بإعتباره صوتاً مسموعاً، يطرح الصوت المكتوب نفسه عبر تنوع لا يمكن إختزاله إلى نبرات، إنعطافات، أشكال، أو تدفقات. (إذا كان للصوت من سر، فسوف لن يكون قادراً على قوله). فهو لا يبلغ مستوى من العمومية في اللغة، لكنه يقتفي الخطوط الإيقاعية، وينسج الخطوط النحوية للجمل وفقاً لقرابة لا تني عن التعاظم. أنه هو ذاته مثلما يكون الوتر وتراً، من دون أن يخترقه خيط من طرف إلى آخر..
الصوت هو ما يُنشىء النص. فالعلاقات النحوية لمجاورة الجمل تخضع لضرورة الربط وحسب : سرد، محاججة، حوار، الخ... أنها لا تفعل سوى تأسيس نظام الخطاب. وإذا ما كان النص بحاجة لصوت، فذلك لأنه أولاً شبكة علاقات بين جمل غير متقاربة. وهذه الشبكة ثابتةً، تحوم من فوق الإنتشار الإفقي للنص. الصوت هو تماسكها الخاص، فهو إذاَ من يشييدها كنص، كنسيج أو سلّم إنغام. (تماسك الشعر أكبر من تماسك السرد، الإستدلال، وحتى اللغة عموماً-لأنه يتمتع بحرية أكبر-؛ فالصوت بالدقة نصيّ. كل جملة فيه تتخلى عن قرينتها المباشرة- فالحلقات التي تربطها بجيرانها لا تشير إلاّ على إستقلالية طريقتها المتفردة والتجريدية في الربط - وكل جملة تعثر على مكان في مجال لامكاني، كجزئية تؤثر على غيرها عن بعد. بفضل الصوت الذي يستخدمه، يعرض النص نفسه بوضوح كامل بإعتباره مجموع متزامن لجمل تتمتع بعلاقات قرابة في المجال اللحظوي للكلام. الإنطباع هو ما يكشف عن الطبيعة التزامنية للنص تلك، وتعادل جميع تلك العناصر تشكل إستقراره؛ فالصوت وحده من يعوض عن قصر النظر الإستدلالي للقراءة. (حضور الكتابة كتلة لا صورة مُعطلةً عن الإنتشار). الحضور الذاتي، الوحيد الممكن، للصوت.
ضمن عملية إرسال الصوت هذه، التشييد هو الإستذكار. الضفيرة التي تنشىء الصوت بلا نموذج. لا يتقدم الصوت، إذاً، بأي شكل من الأشكال على النص، فهو غير موجود قبل تشكل مجموعة من الجمل. إذ لا بد من أن تنفصل عنه بعض الملامح الإيقاعية المُتكررة، حتى يظهر الخيط الضعيف للصوت. آنئذً، يمكن إطالة الضفيرة، وأن نتركها توجهنا داخل الشبكة ومن ثم ترك هذه تتوسع لتشمل ما يحيط بها. (في الأدب، التيمات الحقيقة ليست الأفكار أو الأشياء المُستحضرة. فهي كخيوط التينة خيوطاً نحوية قبل أي شيء آخر). حينئذ، ومن جديد، يميز الصوت نفسه-أو ينطفىء- إستذكارياً، فالمرء أما أن يواصل، أو يبدء ثانية، الخ... مرافعة الصوت حرةً إذاً : تشيّيدية، وضرورية : أنها إستذكار.(ذهاب وإياب الكتابة لا تنعكس في نتيجتها الساكنة والتي هي النص، ولكن في ردة الفعل المعاكسة والتي هي القراءة. فهذه تبدء عند إنتهاء الكتابة- (في الإنفداع الذي يمسك على التينة، في الإضطراب). على عكس إبداع الجملة، يمكن لهذه المرافعة الإنطلاق. إذ لا بد من عدد كبير من الجمل من أجل القيام بعرض واضح للضفيرة التي لا تدع نفسها تُختزل إلى نموذج نحوي : نص، أو حتى عدة نصوص. فالنص نفسه لا يستنفذ كل علائق القرابة التي ينشؤها بين الجمل؛ فمهما كانت فرادته، ينفتح على نص آخر.(إمتلاك المرء لصوت بعينه مرةً وإلى الأبد، يعني خلاصه). تلك الـ "إلى آخره" في الصوت، ضرورة مرافعته، لذا فهي ضرورة النص، ولكن أيضاً ضرورة الأدب..
إذا كان التجديل يمنع الصوت من الإنغلاق ضمن تحديد معين، بالمقابل، فأنه يجعلنا نتعرف عليه من الوهلة الأولى. (الصوت يطبع نفسه كالوجه). فتماسك الصوت المكتوب كالنص الأدبي يظل بشكل عام صوتاً واحداً، حتى وإن كان مُرسلاً، بهذه الطريقة أو تلك، لعدة أصوات شبحية – لـ "شخوص" مثلاً. وإذا كان "شاعر" ما أو "كاتب" يعيد ذلك من نص إلى آخر، حينئذ لا يحيل اسمه على شخصية "المؤلف" المتغيرة، ولكنه يسمي صوتا راسخاً ينبغي عليه التمتع بالعديد من أعضاء التنفس، وكذلك أنواعاً عديدة من التجديل. لهذا، وبالرغم من حقيقة أن أية واحدة من تلك الجمل لا تقبض على السر، يكفي أحياناً جملة أو جملتين لتضع اسماً بعينه على ذلك الصوت الذي له علاقة بنا. بيد أن مسلمة الصوت هذه تصبح سوقية في مسلمة "الإسلوب"، أي ضمن وهم الصوت الشخصي أو التجميلي. والحال الصوت ليس إنعكاساً سيكلوجياً، فهو ليس صفةً لأحد. (لا يكتب إلا ذلك أو تلك اللذان يخونهما الصوت). كذلك لا يترك الصوت نفسه يتفتت على قائمة تجميلية. فالمعجمية، البناءات، البلاغة، والعروض تُلحق بالصوت : فهو الذي يُحدد دورها الإيقاعي ضمن النحوية العامة لكل جملة. مهمة الأدب إذاَ ليست إنتاج "تأثيرات الأسلوب" مثلما تقرر نزوة "المؤلف"، لكن محاكاة صوت يعثر عليه شيئاً فشيئاً، على مسافة، كصدى، في اللغة..
محاكاة صوت : يمكننا تسمية ذلك بالمهمة الغنائية للأدب. لكن إلاّ تكمن الغنائية قبل كل شيء في التعبير عن المشاعر؟ وحينما ترجع إلى نقطة إنطلاقها، تجد نفسها خالية من كل فخفخة تعبيرية. إذا كان الأدب يحاكي صوتاً وكأنه ضفائر شكلية ممكنة، فأن موقع ممكناته الخاصة ليس محلاً لسر الروح، ولكنه، من البدء، موقع الأدب. فبدلاً من أن تكون تراجعاً بإتجاه وهم الصوت الشخصي، الداخلي، أو طابع ماوراء-لغوي، الغنائية هي محاكاة صوت مجهول، لا يُسمع، لا يمكن إلاّ أن يُكتب وبالتالي يحض النص على الجديد، تفرده الحقيقي. (الصوت الأدبي بحد ذاته ليس أبيضاً، ولا ناعماً، ولا مبحوحاً : أنه صوت غير مسموع). ففي الصوت المكتوب، في ذلك الصدى الأول، يلتقي الإستذكار بتشييد النص مثلما هو. يكتفي الأدب، حينئذ، بالتأكيد وبالقطيعة النهائية مع المحاكاة. ذلك لأن محاكاة صوت، هي ببساطة إرساله..


*النص مترجم عن كتيب لـ"بييار الفيري" Pierre Alferi
والعنوان الاصلي للكتيب هو:
A la recherche d’une phrase
وهذا هو الجزء الثاني من النص وكنا قد نشرنا الجزء الأول قبل بضعة أيام


حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث