الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
متاهة الترجمة في رواية "دلشاد" لسليم بركات
د. محمد بوعزة
متاهة الترجمة في رواية "دلشاد" لسليم بركات
غلاف الرواية


يتابع "سليم بركات" في روايته "دلشاد،فراسخ الخلود المهجورة* (1) " استراتيجيته السردية التي أكدها في روايته السابقة "الأختام والسديم" والمتمثلة في اتخاذ الخطاب الصوفي نسقا تخييليا على مستوى التشييدات الاستطيقية والدلالية. وإذا كانت "الأختام والسديم" بحكم خطابها السردي الذي يقوم على بنية المناظرة، تحتل فيها المجادلات مركز الصدارة، حيث يتراجع محكي الأحداث والأفعال لصالح محكي الأقوال والمجادلات كنتيجة لهيمنة بنية المناظرة، فإننا نلاحظ في "دلشاد" استمرار الخطاب الصوفي في تشكيل جمالية ودلالية النص الروائي. ويتمثل الاختلاف الفارق بين الروايتين في تفعيل محكي الأحداث في "دلشاد" وإعادة الاعتبار لعناصر الحكاية التي لمسنا خفوتها في "الأختام والسديم (2) " لفائدة عناصر المناظرة.
الحكاية/ صراع الرغبات
تنطلق الحكاية من نواة سردية صغيرة تتمثل في تكليف الأمير "مهران إيفاردر" لشخصية "دلشاد" بترجمة مخطوط "المختصر في حساب المجهول" من السريانية إلى الكردية لمؤلفه "جيرجيس سالوحي". وهو كتاب ميتافيزيقي يتناول موضوعات تندرج في المجال الغيبي مثل بدء الخليقة والنشأة وقصص في المنطق ومناظرات في الغيب . توقع هذه الترجمة "دلشاد" في مسارات دلالية معقدة تغير مصائر وجوده وكينونته.لإنجاز هذه الترجمة يغادر "دلشاد" أهله في بلدة "سياسيل" ويسافر إلى بلدة (كلاس، بين كركميش على الفرات وجبل الكرد) (ص13) حيث يقصد الأمير"مهران"، الذي يأمره بالسفر إلى بلدة "كوما جينا" ليتعلم السريانية على يد آمر مكتبتها الشيخ "جرجو" الذي يتقن عدة لغات (التركية، الكردية، العربية، الفارسية، اليونانية). شيخ يتكلم بلسان بابلي متعدد. بعد هذه العتبة يعود "دلشاد" إلى قصر الأمير ليشرع في ترجمة المخطوط.
في القصر يتعرف "دلشاد" على "أكيسا" زوجة" دينان" وتنشأ بينهما علاقة حب ملتهبة وعنيفة. يكتشف "دينان" خيانة زوجته، غير أنه يتغاضى عنها مقابل أن تضيف حكاياته إلى المخطوط الذي يترجمه "دلشاد". ينزعج الأمير من تسرب خيال "دينان" إلى الترجمة فيدبر مكيدة له باتفاق مع "أكيسا" تذهب ببصره.
هكذا، تتشكل مدارات القصة من مكائد وخيانات ورغبات وأهواء واختلاقات تدور حول الترجمة، وهذا ما جعل علاقات الشخصيات تتسم بالتوتر والمواجهة والعنف. في هذا الفضاء من المكائد والمكائد المضادة تموت "أكيسا" غرقا في النهر. ويقرر "دلشاد" العودة نهائيا إلى بلدته، إلا أن الأمير يقرر بقاءه في قصره، حيث يبني له منزلا ويزوجه من "زلفو" ابنة "أكيسا"، بعد أن يدبر مكيدة ضد زوجها ويطلقها منه عنوة. يموت الأمير ولا تنتهي الترجمة، حيث ينتقل مجلسه إلى عهدة أحد أبنائه، ويكرر تجربة أبيه في الترجمة بسرد حكاياته على "دلشاد" ليضيفها إلى مخطوط الترجمة،ثم يعيد هو سردها على جلسائه في مجلسه منسوبة إلى "سالوحي" مؤلف الكتاب الأصلي.هذه هي المسارات المدارية للحكاية، غير أنها لا تروى بكيفية خطية أحادية الاتجاه، ذلك أن الانتقال من فضاء إلى فضاء يتضمن بالضرورة انتقالات في الزمان سواء بالرجوع إلى الماضي أو باستباق الأحداث. كما أن كل فضاء جديد يمثل تدشينا وترهينا لحكاية جديدة. ففي انتقال "دلشاد" من مكان إلى آخر يتعرف على شخصيات جديدة. وكل شخصية تشرع في سرد حكايتها مدشنة بذلك مسارات جديدة في الحكاية الإطار.

الترجمة/ ميتافيزيقا التيه

إذا كانت الترجمة نواة السرد، فإنها على المستوى الدلالي تمثل موضوع صراع ومكائد بين الشخصيات، يزج بها في شبكة علاقات عنيفة. لا أحد يريد أن تنتهي الترجمة، أو ينافسه شخص في اقتحام فضاء الترجمة. إنه صراع من أجل امتلاك الحكاية والاستحواذ على خيالها. من يستولي على الحكاية يستولي على المكان. الأمير يستولي على مجلس المسامرة في القصر لأنه يملك ذخيرة من الحكايات. هو يحكي والجلساء يستمعون ويكتفون بالتعليق إذا تصادم مضمون الحكايات مع عقيدتهم. من يملك الحكاية يملك سلطة الكلام. "هناك قوى الكلام بكل تأكيد، شريطة التأكيد على أن الكلام مرعب، يورط حياة من يتلفظ به بل وحياة العالم. يمكن لهذا الكلام، عند الطلب، أن يحيي أو يميت، أن يدعو الأموات لإسماع صوتهم وأن ينتقل إلى شخص آخر يستغل، على التو، بعضا من خصائص بل ومن مصير الشخص الذي يذكره." (5)
تورط الترجمة "دلشاد" في شبكة علاقات تغير كينونته. يغادر أهله ومسقط رأسه في سبيل الترجمة. يمثل هذا الانفصال لدلشاد خروجا من أسطورة الأصل نحو المتاهة، متاهة الترجمة، حيث يجد "دلشاد" نفسه مورطا في دائرة مسارات سديمية تتحكم في صيرورتها رغبات لاعقلانية. الكل يرغب في اقتحام عالم الترجمة وتملكه، ولا يتوانى في التآمر على منافسيه في فضائه الأصلي كان "دلشاد" يحيا بلسان واحد، وباجتيازه عتبة السفر وأسطورة الأصل ينشق لسانه إلى ثلاثة ألسنة، كردي وعربي وسرياني. الانفصال عن الأصل يعادل التعدد اللساني. في البداية، أي في الفضاء الأصلي كان دلشاد يتكلم لسانا واحدا، مع انتهاك عتبة الأصل، صار يتكلم ألسنة متعددة. و"دلشاد" نفسه عندما يلتقي بالشيخ "جرجو" معلمه السريانية يتعجب من إتقان هذا الشيخ لألسنة متعددة: ( المعذرة، يا سيد قاديشا، لو سألتك لماذا تعلمت التركية، والكردية، والعربية، والفارسية، واليونانية؟". "أحببت تقبيل الدنيا بأكثر من فم".) تحيل هذه الاستعارة الايروتيكية في جواب الشيخ على إيحاءات المتعة والتعدد. فالترجمة إغناء للفرد ولتجاربه. وهي أيضا صيغة للوجود تمكن الكينونة من ممارسة الوجود بغنى وتعدد ومتعة، وبإشباع نهمها من الوجود بأكثر من لسان واحد. الترجمة تعادل الوجود المتعدد المنفتح اللامتناهي، في مقابل الوجود الأحادي المألوف الرتيب. إذن مبرر الترجمة هو شعرية الانفتاح.
واستجابة لأهواء حبه، يقبل "دلشاد" أن يضيف حكايات الأمير إلى مخطوط الترجمة. يضحي بأصل الترجمة من أجل حبه رغم معارضته لهذه الإضافات.
لكن، لماذا الترجمة؟ خاصة وأنها تقود "دلشاد" إلى جرح الانفصال عن الأصل. إنها تدمير لميتافيزيقا الواحد واليقين، ومسار تحولات في الكينونة والهوية. يسأل "دلشاد" الأمير عن أسباب اختياره له للقيام بهذه الترجمة :( "ولماذا أتعلم السريانية؟"، عاد دلشاد إلى سؤاله… "عندي لك ما تختبر به يقين لسانك"، قال مهران. "أتعني أن أترجم عن السريانية؟"، ساءله دلشاد. "نعم " رد مهران.) (ص14) لكن "دلشاد" يتعجب من هذا الاختيار، ويسأل الأمير لماذا لا يكلف الشيخ "جرجو" الذي يتقن السريانية والكردية بترجمة هذا المخطوط، ويوفر عليه تعلم السريانية، ويختصر الوقت: ( لماذا لا تعهد بالترجمة إلى ذلك السيد ـ آمر مكتبة كوماجينا؟ " أريد كرديا يعيد المعاني تائهة مثله"، قال مهران.) (ص14)
إواليات الترجمة هنا مرتبطة بالهوية. الأمير يريد أن ينجز الترجمة فرد كردي وليس الآخر الأجنبي ، فالشيخ "جرجو" وإن كان يتقن الكردية إلى أنه يظل سريانيا غريبا عن اللغة الكردية. اللغة هنا ليست مجرد أداة للتعبير والتواصل. إنها نسق معرفي أنطلوجي يحدد رؤية الذات للعالم. لهذا السبب يقع اختيار الأمير على "دلشاد. إنه الأقدر على تكييف معاني الترجمة مع هوية الكردي التائهة. الترجمة إذن، كما جاء في الحوار هي أولا اختبار ليقين اللسان الكردي. فالأمير كان واضحا في جوابه، لقد استعمل مصطلح اللسان بدل اللغة، لأن اللسان له حمولة رمزية ثقافية وميتافيزيقة أكثر إيحاء من مصطلح اللغة. لذلك نتساءل مع عبد الفتاح كيليطو: "لكن أي لسان؟ أهو اللغة أم الجارحة؟ عن اللسان واسطة للتواصل داخل فئة اجتماعية، أم عن اللسان الذي تذوق الثمرة المحرمة؟ الالتباس أصيل: يمكن أن نرقى به إلى الشجرة الموجودة وسط الفردوس، شجرة المعرفة. حول هذه الشجرة تلاسن حواء الحية، ثم تستلذ عرف الثمرة مع آدم، كلاهما يتذوقان لذة الانتهاك ويعرفان تمييز الخير والشر. وهكذا لا تنفصل المعرفة عن العرف." (6)
اللسان الذي يقصده الأمير يتجاوز اللغة باعتبارها واسطة للتواصل. إنه اللسان الكردي باعتباره نسق تمفصل articulation يحدد رؤية الذات للعالم. فاللسان هنا يطابق الهوية. وهذا مبرر اختيار الأمير لدلشاد. إنه باعتباره كرديا هو الأقدر على تكييف معاني الترجمة مع الروح الكردية التائهة (" أريد كرديا يعيد المعاني تائهة مثله"، قال مهران) (ص14) فالترجمة هنا ليست مجرد نسخ للمعاني. إنها إعادة تأويل للمعنى داخل الأفق المعرفي الأنطلوجي للجماعة المتلقية. على أن نفهم أن هذا الأفق ليس مجرد نسق استطيقي بنيوي يكتفي دوره بإحداث تغييرات لسانية في بنية اللغة الأصلية بما يتوافق مع نظام اللغة المترجم إليها ومعاييرها اللسانية، ولكنه أفق ثقافي أنطلوجي يكثف تجربة الكينونة في العالم، أي أنه غير منفصل عن تجربة الذات في الوجود، ما يسميه "هيدغر" بالآنية (الدازاين). الترجمة هنا ـ كما بينا سابقاـ تجربة أنطولوجية، تؤشر على نمط من الوجود هن الوجود المتاهي السديمي. الأصل وهم واليقين أسطورة. إن الترجمة استعارة للثمرة المحرمة في الفردوس. عندما يتذوق "دلشاد" ملذات الترجمة يغادر بلدته وأصله، يستقر في بلدة كلاس ويتزوج وينجب أولادا. الزواج والأولاد إرساء للجذور في المكان. إنه مثل آدم الذي يخرج من الفردوس بسبب انتهاكه لعتبة الثمرة المحرمة. الترجمة خروج من فردوس الأصل نحو متاهة المعاني المختلقة. والترجمة انتهاك للمحرمات والأصول. ينتهك "دلشاد" أسطورة الأصل، وينتهك أصل الترجمة بالإضافات، حيث يضيف إليها حكايات الأمير وقصص "دينان". و في سياق الترجمة تنتهك "أكيسا" حرمة الزواج و تخون زوجها مع "دلشاد". وتتواطأ مع الأمير في خديعة "دلشاد"، لأن من مصلحتهما عدم انتهاء الترجمة. هكذا تشخص الترجمة تجربة تصدع ومكائد وانفصال وانتهاكات. وهي دلالات ترشح بإيحاءات ميتافيزيقية. فاللسان الميتافيزيقي الأول، لسان آدم،و بسبب خطيئة انتهاك الثمرة المحرمة يعاقب بالتصدع إلى لسانين. " والحال أن هذه العملية مرتبطة حميميا بشق، وصدع، وحز، وفصم في اللسان، لسان الحية بالطبع. اللسان مزدوج، ولا يمكن أن يكون إلا مزدوجا. سنرى أنه بعد الخطيئة الأصلية، سيحدث انشقاق وانقسام في اللسان باعتباره لغة، لكننا منذ الآن، نستطيع الحديث عن الشق الذي يظهر في اللسان باعتباره جارحة. أجل تصاب الحية بصدع لما يتم أكل ثمرة المعرفة." (7)
في قصر الأمير، ورشة الترجمة، تشكل الترجمة الفضاء الثالث (8) الذي يوفر لدلشاد وأكيسا الخلوة لممارسة الحب بعيدا عن أع ين زوجها "دينان". يعرف الأمير هذه الخيانة لكنه يساوم "أكيسا" في التستر عليها مقابل أن تجعل "دلشاد" يضيف حكاياته إلى مخطوط الترجمة. تنجح "أكيسا" في إقناع "دلشاد" بهذا الأمر على الرغم من معارضته . إن ما يرغب فيه الأمير هو المحافظة على طقس المسامرة الذي يقيمه في قصره كل مساء أمام جلسائه. في هذه الطقس المسائي يسرد على جلسائه حكاياته منسوبة إلى "سالوحي" صاحب كتاب "المختصر في الحساب". من أجل هذه اللحظة الشعرية يتغاضى على ما يقع في قصره من خيانة. إن ما يهمه هو طقس "المسامرة الأنيسة" لأنه يوفر له عتبة الخروج من كآبته: ( الأمير مهران زازا إيفاردر يقرر أن يحيد بالتاريخ، قليلا، عن سياقه السائر على سكة ملله ـ ملل جسده وخياله من الاتفاق على قانون الانحدار من الأليف إلى الغامض… ثم يرتب لنفسه إقامة، بما تبقى له من ملكية الهواء، في الأوراق القليلة التي يتسلمها من ترجمة "المختصر في حساب المجهول" عن الأصل،أو الإضافات إلى الأصل، بتواطؤ رحيم بينه وبين دلشاد) (ص125) . الحكي من أجل تفادي الكآبة هو قانون المسامرة الأنيسة. لذلك لم يكن الأمير يرغب في انتهاء الترجمة، لأنها تعني انتهاء طقس المسامرة. يمثل طقس المسامرة بالنسبة للأمير بديلا للواقع. المسامرة هي الخفة والنشوة في مقابل الواقع باعتباره استعارة للثقل والإكراه. فعالم المسامرة باعتباره عالما تخييليا (أي عالم الحكاية) يمثل ملاذا للأمير من واقع المرارة والكآبة. أمام خيانة التاريخ وثقل الواقع تقوم الحكاية بصيانة هشاشة الذات من الانهيار والاختلال. الخفة في مقابل الثقل، إنه القانون الذي يحكم شعرية المسامرة.
"أكيسا" أيضا لم تكن ترغب في انتهاء الترجمة، لأنها تعني نهاية حبها والانفصال عن "دلشاد"، لذلك تتواطأ مع الأمير على خديعة "دلشاد". كلما اقتربت الترجمة من النهاية تختلق له حكايات جديدة ليضيفها إلى النص. "دينان" زوج "أكيسا" هو الآخر يرغب في تذوق ملذات الترجمة، لذلك حينما يكتشف خيانتها له يساومها على فضيحتها مقابل أن تجعل "دلشاد" يضيف حكاياته عن المعادن إلى مخطوط الترجمة. غير أن الأمير ينزعج من دخول خيال "دينان" إلى الترجمة فيدبر له مكيدة تعمي بصره بالاتفاق مع "أكيسا" .
مكائد ومكائد مضادة للاستيلاء على فضاء الترجمة. ورغبات متعارضة تعصف بعقل الشخصيات، وتدفعها إلى مواقف لاعقلانية عنيفة. يموت الأمير، الآمر بالترجمة، ولا تنتهي الترجمة. ينتقل مجلس الأب إلى إحدى أبنائه. يفكر "دلشاد" بعد موت الأمير في العودة إلى مسقط رأسه.لكن ابن الأمير يعترض عليه بحجة أن الترجمة لم تنته: ( ولد كتاب سالوحي لنترجمه حتى فناء أهل هذا البيت، يادلشاد… من منكما يقنع الآخر بانتهاء الترجمة، يا دلشاد؟ أنت أم سالوحي؟) (ص156) وتبدأ متاهة الترجمة من جديد مع الابن في صيرورة دورية تحيل على ميتافيزيقا الدائرة. الابن يعيد تجربة أبيه في الترجمة. يطلب من "دلشاد" أن يضيف إلى مخطوط الترجمة حكاياته ليلقيها في مجلسه منسوبة إلى "سالوحي" على رواده. تعود الترجمة إلى نقطة البداية، أربعين سنة ولا تنتهي الترجمة. لم يعد "سالوحي" السرياني هو صاحب الترجمة، لقد تسللت أصوات الأمير وابنه و"أكيسا" و"دلشاد" و"دينان" إلى مخطوطه. من يتكلم الآن في الترجمة: هل سالوحي أم الأمير أم دلشاد أم أكيسا أم دينان أم الابن؟ الأصل وهم والنقاء أسطورة. أصوات متعددة تقتسم فضاء الترجمة. لقد مات المؤلف "سالوحي" وحلت محله أصوات متعددة. تحولت الترجمة إلى هجين من الأصوات والحكايات والخيال. إذن فالترجمة لا تكرر الأصل ولا تتطابق معه ، إن ترجمة دلشاد تتشيد بتعبير "دريدا" في نسق السيمولاكر simulacres . و"إذا كانت الأيقونة تقوم على الشبه والوحدة مع النموذج، أما السيمولاكر فهو يقوم على الاختلاف وينطوي على اللاتشابه، الأيقونة تكرر النموذج، والسيمولاكر يخونه ويتنطع بالنسبة إليه" (9) .لقد ظل "دلشاد" يتصرف في الترجمة بالزيادة، لذلك يعبر عن انزعاجه من هذا التشويه لسياق النص الأصلي، الذي يبدو من منظوره الأفلاطوني نوعا من "الغدر" و "التنكيل" بالمؤلف الأصلي. "ذلك أن مفهوم النموذج عند أفلاطون، وكما بين دولوز، لا يتدخل هنا كي يقابل عالم النسخ ويتعارض معه في مجموعه ولا تقف مهمته عند هذه المقابلة والتعارض، إنه يتدخل كي ينتقي النسخ الجيدة التي تشبه الأصل في صميمه وباطنه، أي الأيقونات، ويستبعد النسخ الرديئة أي السيمولاكر." (10) بينما يطلب جلساء مهران من "دلشاد" أن يأتي لهم بقصص حتى ولو كانت مخالفة للسياق الأصلي، وأدت إلى تدميره:
( "هات شيئا منها"، قالوا متوسلين الطرائف، والمعاني المقشرة بأنامل الحكمة الإلهية.
"ستأتي في سياقها"، رد دلشاد. "اقطع السياق من حيث تشاء، لن يشكوك السالوحي،هذا، إلى السلطان"، قالوا محرضين) (ص110) إن ما يهم من منظور جلساء الأمير هو سياق المتلقي (سياقهم) وليس سياق المؤلف الأصلي "سالوحي". هم الذين يحددون للمترجم "دلشاد" مسار الحكايات التي يرغبون في سماعها، كي تأتي موافقة لأفق انتظارهم وتوقعهم حتى ولو أدت إلى تشويه سياق الترجمة . غير أن "دلشاد" ينزعج من هذا التحكم في سياق الترجمة وما ينجم عنه من تشوه في سياق الترجمة يصل إلى حد التنكيل بالمؤلف الأصلي( فرد دلشاد: "هذا تنكيل بكتاب جيرجيس". "نكل به"، قالوا.) (ص110).
في هذه المناظرة بين المترجم "دلشاد" وجلساء الأمير المروي لهم، يتواجه منظوران مختلفان لاستراتيجية الترجمة. المنظور الأول، يمثله "دلشاد"، وهو منظور أفلاطوني حرفي يرى الترجمة عملية نقل للمعاني ( عادت الأسئلة: "ما معنى الترجمة؟" قالوا جادين …"معناها..، تمتم…" معنى الترجمة أن أنقل مرامي لغة إلى لغة أخرى") (ص110)
تقوم هذه الأطروحة على نظرية نقل المعنى "التي تقوم على أساس الأطروحة القديمة التي ترى أن العالم منقسم إلى مقولات. وهذه المقولات هي ما يدعى بالمقولات الكلاسيكية التي ترى أن العالم منقسم إلى مجموعات رياضية موجودة باستقلال عن تصورات الكائن البشري. ولذلك فإن اللغات تعبر ـ على اختلافها ـ بموضوعية عن مقولات العالم. ولذلك فهناك تطابق في المبادئ الكلية التي تعبر عنها اللغات." (11)
يعترض جلساء الأمير باعتبارهم المروي لهم، على هذا المنظور الحرفي الذي يختزل عملية الترجمة في مفهوم النقل والنسخ ويفصلها عن تصورات الذات ورؤيتها للعالم : ( وتنفس راضيا، فعادوا إلى تطويقه: "أيبقى شخص ما هو نفسه إذا نقلته من لغة إلى أخرى".) إن منظور الجلساء يربط الترجمة بالهوية. فالترجمة من منظورهم التأويلي هي عملية تأويل تمكن الذات من إعادة تأويل النص المترجم داخل ثقافتها بما ينسجم مع تصوراتها وهويتها:
(لنفترض أنك نقلت جناب الأمير إلى اللغة التركية، أيبقى كرديا"، قالوا، فأبدى تبرما" "ماذا تظنونه يصير". "يصير تركيا"، قالوا بلا تردد… إذا صار الأمير يتكلم بالتركية، ويجلس بالتركية، ويقوم بالتركية، ويقرأ لنا بالتركية، فكيف يبقى كرديا؟.) (ص110)
في هذا المنظور التأويلي لجلساء الأمير اللغة ليست أداة للتعبير والتواصل. إنها نسق تمفصل. بمعنى أن كل نسق لغوي هو نسق معرفي وثقافي يمفصل ويقسم العالم بطريقته الخاصة، أي بما يتوافق مع معايير وآفاق الجماعة اللغوية. وما دامت كل لغة تصوغ تصوراتها ومقولاتها للعالم بشفرتها الخاصة، فإن ترجمة النص من لغة إلى أخرى تستلزم تأويل النص المترجم في أفق شفرة اللغة الجديدة،لأن الشفرة اللغوية " تطرح بشكل مسبق بعض الاختيارات التأويلية" (12)، بحيث تخضع الترجمة لعملية تحويل من الغربة إلى الألفة، ذلك أن الجماعة تنزع عن النص الأصلي غربته ليصبح مألوفا داخل ثقافتها. هكذا، تصبح ترجمة كتاب "سالوحي" من السريانية إلى الكردية عبارة عن صيرورة تعديلات وإضافات في نسق اللغة الكردية تنتهي بامتلاكه هوية جديدة: (ضحك الشاب الصاعد سلالم الترجمة: "صار جرجيس كرديا، أيضا، فأكدوا مبتسمين: " هو كذلك) (ص111)
الترجمة التأويلية، إذن، ترجمة حرة ومفتوحة، لأن ما يهم في استراتيجيتها هو حقوق المتلقي وليس حقوق المؤلف الأصلي، يقول الجلساء: (وحقنا عليه، مذ صار كرديا، أن نستغني عن ملائكته التي بلا مهمات) (ص111) . ما إن يتحول سالوحي من السريانية إلى الكردية حتى يفقد هويته ويكتسب هوية جديدة، هي هوية المستمعين في مجلس الأمير.

هكذا، يبدو "دلشاد" ضحية أهواء ورغبات الآخرين ( أكيسا، الأمير وأبناءه، دينان، جلساء الأمير). وتتحول الترجمة إلى متاهة لا نهاية لها. ترجمة لامتناهية تعكس مفارقات الوجود. ينتصر المنظور التأويلي للجلساء والأمير، ويعلن "دلشاد" تواطؤه مع منظور الجلساء: ( " ليست المسألة ما أشاء أو ما لا أشاء. إنه الكتاب يا جناب مهران. لكنني سأتواطأ معكم في الغدر بجيرجيس" قال دلشاد.) (ص11) كل تعديل أو تغيير للنص الأصلي في منظور "دلشاد" الأفلاطوني يعتبر من الناحية الأخلاقية غدرا بالمؤلف الأصلي.
تقع الترجمة في صيرورة دينامية، مركز جذبها رغبات متعارضة: الحب باعتباره "استحواذا عنيدا" (13) على المحبوب :(سأذبح هذه البلدة فردا فردا على ركبتي إذا أنهيت الترجمة. الانتهاء منها ملكي، وحدي، يا عرق كبدي يا دلشاد " قالت أكيسا) ( ص26)، قوى الكلام باعتبارها سلطة على المكان ورواده :( أحكم راوية الترجمة، الأمير ذو اللقب الأزرق، حصاره على الأسماع مذ نطق الهيكل العظم) (ص114)، الانتقام باعتباره تعويضا عن الخيانة: ( " اسمعي أكيسا"، قال دينان … " لن أثير عاصفة في عمرنا هذا… عندي ما أساومك عليك: ستنقلين خواطري إلى دلشاد يقحمها في فقرات من ترجمته، منذ الغد") (ص82) ،تحكم المروي له في مسار الترجمة : ( فأكدوا مبتسمين : هو كذلك، وحقنا عليه، مذ صار كرديا أن نستغني عن ملائكته التي بلا مهمات.) (ص111) . رغبات متعارضة تجعل الترجمة عرضة لمراكز جذب متصارعة، وهذا ما يفسر سلسلة المكائد والمكائد المضادة بين الشخصيات من أجل السيطرة على فضاء الترجمة، حيث أن كل شخصية تحرص على توطيد موقعها في هذا الفضاء الثالث، وتعتبر أي دخول لشخصية أخرى هو تهديد لموقعها، ومن ثمة تجب محاربته بالعنف الرمزي والمادي، وقد لاحظنا كمية العنف الذي مارسه الأمير من أجل الاستحواذ على ما يسميه "حصن الترجمة".
هكذا، تقود الترجمة إلى اختلال في البنيات وتوتر في العلاقات، وتورط الشخصيات في شبكة عنيفة لاعقلانية من المكائد والمؤامرات. فكأن الترجمة استعارة للثمرة المحرمة في الفردوس من يمسها يتعرض للعقاب. إنها ورطة "دلشاد"، حيث يبدو في هذه المسرحية المرعبة خاضعا لقوى خارجة عن ذاته، قوى الآخرين، يستجيب دلشاد لرغبة أكيسا، وينفد أمر الأمير، ويخضع لرغبة المروي لهم في مجلس الأمير . والنتيجة من وجهة نظره هي "التنكيل" و"الغدر" بالمؤلف الأصلي "سالوحي".

*المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 2003

محمد بوعزة
كاتب وناقد من المغرب
bouazzamohammed@yahoo.fr
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث