الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
محمود سعيد في محاورة قديمة/2
د. فاروق أوهان
محمود سعيد في محاورة قديمة/2
محمود سعيد
وجهان لمحاورة واحدة هو ما ارتآه الأديب محمود سعيد في هذه المحاورة؛؛ لهذا لسوف أقدم المحاورتين كما جاءتا من محمود نفسه بالنص، وعلى قسمين اثنين؛؛؛ وهذه كلمات محمود سعيد بقلمه التي تقول:
من محمود سعيد إلى الدكتور فاروق أوهان حول الاستجواب : ما يلي جزءان الأول عام والثاني خاص بالأسئلة، فاختر ماشئت، وإن أشكل عليك شيء فاتصل بي وشكراً.


الجزء المختص بالرؤية الخاصة لمسيرة محمود سعيد الأدبية


عزيزي فاروق:
ربما هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن تجربتي، بالرغم من أنني لا أراها مهمة بقدر ما أشعر بالعجز لعدم مقدرتي على التعبير المضبوط لما حدث معي ولي، ولهذا فإني أعتبر ما ستقرؤه محاولة لا أكثر.
ج 1:
أ- العنصر الرئيس فيما أكتب هو محاولة إحياء التجربة التي مرت بي، محاولة إعادة الحياة، وصف تلك التجربة بحلوها ومرها، بؤسها وسعادتها، لذا أعتبر نفسي ناجحاً إن وفقت إلى تشخيصها، وتصويرها كما أبغي، وفاشلا إن لم أوفق.
محاولة إعادة الماضي برؤى جديدة يعني حياة جديدة بعد الموت، فاللحظة التي تمر تموت، إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء مستحيل واقعاً، ممكن تخيلاً، إنه ولادة جديدة، بمدلولات جديدة، ووعي جديد، وعقلية جديدة، وهذا يعني إعادة تشكيل الواقع بمعمار متطور، وهذا يعني أيضاً بالضرورة تطوير التجربة، تطوير الحياة.
وبتجربتي المتواضعة فإنني أرى أن عيني الطفل هي المرآة الحقيقية التي تعكس الواقع بصدق، وبقدر ما تكون وما تزال حادة تكون صادقة حتى لو بلغ المرء من زمانه نهايته، وأصبح قاب قوسين من الموت، وقمة التمتع عندي هي الرجوع إلى حياة الطفولة بمرحها، بنظرتها العفوية إلى المحيط.
ج -2 :
أ- حكايا الأمهات والجدات والمتكلمين السماعيين الموهوبين عن الوحوش القاتلة وقصص الظلم والانتصارات التي تسرد سير الأبطال والأنبياء والأحداث التاريخية العظمى والأساطير، والتي تكون الخزين الأكبر الذي يمتح منه الحاكي أحداث حكاياته وقصصه ورواياته، والمعين الذي أستمد منه مقدرتي على إعادة تشكيل الواقع.
ب - تأثير الأهازيج عليّ يكاد يكون معدوماً.
ج - تأثير القراءة والتلاقح الحضاري الذي زرعت بذوره المدارس والكتب الحديثة.
ج -3:
اخترت أبطالي من الواقع، ومن الناس الذين عشت معهم، ودرجت وإياهم.
ج -4:
لا أستقدم أي أحداث في أي رواية بل الواقع يفرضها علي.
ج - 5:
لم تثرني الذاكرة الدينية أو القومية أو الإثنية بأي شكل من الأشكال، كنت ومازلت أمقت أي نوع من أنواع التعصب، ولا أعتقد أن أي دعاية إثنية أو قومية أو دينية تستهويني، لكني أنحاز إلى قضية أي حق، أنحاز إلى صاحب الحق، حتى لو كان عدواً تاريخياً، فبالرغم من أن عائلتنا متدينة وبالأخص والدي، لكني ربيت نفسي على التسامح مع كل المبادئ والمذاهب والأديان، فأنا مستعد للوقوف مع أي مظلوم حتى ينال حقه ولو كان الظالم أخي، إنني أومن بحق كل البشر بالعيش والحياة الكريمة مهما كانت معتقداتهم وانتماءاتهم الوطنية والقومية، ولذا فلن ترى شخصاً متعصباً محترماً في رواياتي.
ج -6:
الغربة نوعان، نوع مادي سهل بسيط، تعارف عليه الناس بأنه البعد عن الوطن، سهل في نظري لأن العصر الحديث اختزل الأبعاد والمسافات بين البلدان والقارات، لم تعد أي مسافة مهما بعدت بقصيّة، في خلال يوم أو بعض يوم يقطع المرء نصف الأرض، أما النوع الثاني فهو المعنوي، وهو مرض وبيل كالسل أو السرطان أو نقص المناعة المكتسبة، ولا يصيب غير المفكرين وعميقي التفكير، إنه مرض النخبة الراقية، إنه يمثل الغربة الحقة، الغربة القاتلة، ومن ابتلي به يعيش غريباُ بين أهله، يعيش الغربة كاملة موحشة قاتلة شقيّة وهو في وطنه، ولعل هذا ما عناه أبو حيان التوحيدي عندما قال: الغريب من ليس له في الحظ نصيب..وقد كان يقصد بكلمة الحظ السعادة، ولعل هذا ما قصده المتنبي أيضاً في قوله:
ذو العقل يشقى في الحياة بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم
ولعل حرق أبي حيان كتبه وهو في أرذل العمر كان رد فعل لشقاء الغربة المرضيّة الذي تكلمنا عنه، ولابد أن ذلك الشقاء نفسه هو الذي أنهى حياة همنكوي وميشيما وهما في عز تألقهما ومجدهما.
ج -7:
كانت روايتي الأولى :الإضراب، كتبتها سنة 60.
ج -8:
الرواية عن إضراب القصابين - الجزارين - في الموصل، وكان أقوى إضراب في أي بقعة من الوطن العربي نجح في فرض أهدافه، استمر أسبوعاً كاملاً، أما السبب فكان قراراً اتخذته بلدية الموصل آنذاك بفرض ضريبة جديدة على القصابين رؤوا أنها تعسفية ، أضرب القصابون، وتضامن معهم كل أهل المهن في المدينة، وأدى الإضراب إلى سقوط الحكومة، وإلغاء الضريبة، قدمتُ الرواية إلى اتحاد الأدباء العراقيين بوساطة عبد المجيد الونداوي، وكان علي الشوك مسؤولاً عن القصة، فقال لي إنهم لا يستطيعون نشرها لظروف البلد السياسية، الثورة وليدة ومحاطة بأعداء أقوى منها، وبأنها ذات صبغة يحاربها الجميع، وهي متهمة بأنها شيوعية على غير حق، والرواية طبقية، ولا سبيل لنشرها في مثل هذه الظروف، ونصحني بكتابة أخرى، أقل تطرفاً، والحقيقة أنني لم أكن أفكر بهذا المنحى، ما يهمني هو معاناتي شخصياً ومعاناة الآخرين لا أكثر، أما إن كان الواقع الذي أصوره متطرفاً أم لا فليس ذلك من شأني، كنت ضحية الواقعية التي تعنى بتصوير الحدث لكني جعلت مفاهيمي في الإنسانية تتسلل إلى أعمالي.
ج - 9:
عندئذ كتبت رواية: (قضية قديمة) عن الهاربين من الاغتيالات في الموصل إلى بغداد الجديدة، الاغتيالات التي كان يخططها عبد الحميد السراج وتمولها ال C I A ودولة خليجية، إغتيالات طالت الآلاف من الأبرياء الذين لم يكن لهم أي علاقة بالسياسة، قدمت الرواية للاتحاد نهاية 61 ثم نقلت إلى الرقابة، وكان المسؤول المقدم لطفي طاهر شقيق المرحوم وصفي، فظلت في الرقابة مدة ثلاثة أشهر تقريباً وأجيزت بعدئذ، وطبعت، وكان من المفروض أن توزع في 15/شباط /63 ، لكن انقلاباً عسكرياً دموياً حدث في 8 شباط، أحرقت الرواية مع أختها رواية الإضراب ومئات المخطوطات المودعة في اتحاد الأدباء العراقيين بعد اقتحام الاتحاد ومصادرة ما فيه، وفي رسالة من المرحوم هادي العلوي تدل على ذاكرة جبارة لا يتمتع بها إلا العباقرة وصلتني في تموز 1998 يتذكر الحادثة، يقول إنه أوصى بإجازة نشرها عندما كان مستشاراً لإجازة المطبوعات آنذاك، ولقد ذكر علي الشوك أخبار الروايتين في كلمته عن زنقة بن بركة والتي نشرها في جريدة الحياة اللندنية 94 ثم تكلم عن الأولى في مجلة المدى عدد: 21-2-1998.
ج - 10:
أما الرواية الثالثة فكانت الإيقاع والهاجس وهي عن معاناة الأكثرية الساحقة من المفكرين والأدباء والمثقفين العراقيين الذين وجدوا أنفسهم على قارعة الطريق أو في السجون بعد 63، وكنت واحداً منهم، سجنت سنة، وفصلت من الوظيفة ثلاث سنوات، كتبت الرواية سنة 68 ومنعتها الرقابة، وكان الخبير آنئذ عبد الرحمن الربيعي الذي كانت تربطني به معرفة بسيطة لم تشفع لي، ثم منعت شقيقتها زنقة بن بركة التي كتبتها سنة 970 وهي عن حياتي في المغرب، وكان الخبير حسبما قيل لي الربيعي نفسه، وعندما طبعتها بعد 23 سنة التقيت الأديب باسم عبد الحميد حمودي الذي كان معجباً بها جداً، اقترح تقديمها لمسابقة الرواية السنوية، وعندما أخبرته أنها ممنوعة، قال لي: كل شيء تغير، تبدل المسؤولون عدة مرات.
وبالفعل فازت بالجائزة الأولى، وكان المحكمون محايدين برئاسة المرحوم جبرا الذي أصر على أن يراني بعد نحو سنة من فوز الرواية، فذهبت مع القاصة لطفية الدليمي والشاعرة دنيا ميخائيل لزيارته، وربما كنت أخر شخص رآه إذ سمعت خبر وفاته في الأردن بعد أقل من أسبوع، أما باقي المحكمين فلم يكن فيهم من الحزبيين سوى سامي مهدي الذي أبدى مخاوفه على نقطة بسيطة وردت في الرواية تتعلق بعبارات تمس الملكية في المغرب، لكن الناقد عبد الإله أحمد طمأن مخاوفه بدفاعه الحار عنها، كان عبد الإله كما سمعت منه لاحقاً قد تحمس لها كثيراً هو والروائي الشهير مهدي عيسى الصقر، والناقد فاضل ثامر.
أحدثت الرواية ضجة كبيرة، وبالرغم من أنها لم توزع في العراق، وأنها ممنوعة في الأردن والمغرب والكويت إلا أن عدد النقاد الذين أطروها بلغ واحداً وعشرين واحداً منهم كتاب ونقاد في القمة مثل: علي الشوك الذي يعتبرها أفضل رواية عربية، ومحمد خضير، علي جواد الطاهر، وأشاد العشرات بها في رسائل شخصية منهم الدكتور سهيل إدريس والتكرلي وإبراهيم أحمد وجنان حلاوي.
وكتبت راوية المجذومون 1975 عن معاناة الناس في السبعينات، فبالرغم من أن أسعار النفط بلغت مستوى قياسي إلا أن البعثيين كانوا يمارسون تعذيب الناس عن طريق التحكم بغذائهم، وسكنهم وملبسهم وكل شيء مهم لديهم، فقد أمموا الانتاج الزراعي والصناعي وسيطروا على التجارة، وبهذا تحكموا بمقدرات الشعب، فعلى سبيل المثال كانوا يخفون مادة غذائية مهمة كاللحم أو السمك أو الرز أو الطماطة أو البصل، أو مادة تتعلق بالبناء كالاسمنت أو الطابوق أو الجص، أو مادة تتعلق باللباس أو التدفئة أو التبريد، يخفونها لمدة طويلة في مناطق معينة ويظهرونها في مناطق أخرى فترى المواطنين يقضون جل نهارهم في الركض للحصول عليها، يقفون ساعات طويلة للتزود بالخبز والخضار والبيض والزيت والصابون واللحوم ووو..ثم تبين لي بعد تقصي الأمر أن كل تلك الأزمات كانت مفتعلة، فلقد أخبرني أحد المسؤولين في هذا الحقل أنهم كانوا يكدسون المادة الغذائية المطلوبة في مكان غير ملائم حتى تفسد ثم يتخلصون منها، وعندما أردت التأكد من الموضوع سألته عن الخطوات التي كانوا يتبعونها فذكر لي مثلاً مئات الأطنان من الطماطة التي كدست في تموز تحت حرارة تزيد على الخمسين في الظل، فسدت وسال عصيرها حتى كاد يقطع الطريق الترابي على المارة.
ثم كتبت رواية أنا الذي رأى سنة 980 وهي عن سجون العراق، وكنت سجنت لسبب لا أدري ما هو، وبعد إطلاق سراحي ذهبت إلى سوريا، وقدمتها لاتحاد الكتاب العرب، وكان الخبير محمد بوخضور، فوافقوا على نشرها، لكن بو خضور نقل إلي شروط الاتحاد: أن أحذف من الرواية كل ما كتبت عن الشذوذ النوعي المنتشر عند بعض السجناء، وكل ما ورد في الرواية عن عائلة صدام، وعندما استجبت له، طلب مني أن أعمل مع المخابرات السورية فرفضت، فمنعت الرواية في سوريا، ولولا جهود الصديق فخري كريم لما تيسر لي طبعها في سوريا بعد 15 عاماً.
وقبل أشهر من بدء الحرب العراقية الإيرانية (وكنت في البصرة آنذاك) انتقلت إلى بيت جديد فاكتشفت أن رواية المجذومون قد ضاعت، وفشلت جهودي في العثور عليها، وفشلت كذلك في إعادة كتابتها، وحزنت لذلك حزناً عظيماً.
أما رواية نهاية النهار التي فزت بها بجائزة نادي القصة في القاهرة فكانت عن حرب الخليج، وكانت رواية الموت الجميل عن الغربة بنوعيها، أما رواية قبل الحب بعد الحب- تحت الطبع- فهي عن قصف البصرة في خلال ثماني السنوات التي عاشتها المدينة تحت رعب الحرب العراقية الإيرانية.
ج - 11:
لست أدري لماذا ذكرت هؤلاء الأربعة ولم تذكر غيرهم، لم يكونوا رواداً مؤسسين أو متميزين حققوا تقنية متقدمة يشار إليها باستثناء التكرلي، فالمؤسسون هم سليمان فيضي الموصلي1909 محمود أحمد السيد 1921وأنور شاؤول وجعفر الخليلي، وسليم بطي، وعطا أمين، وشالوم درويش،لم يكن لأي واحد من هؤلاء الأربعة الذين ذكرتهم تأثير علي، فلقد كان جعفر الخليلي أول من قرأت له قصصاً قصيرة، لكن أول رواية عراقية قرأتها فكانت لذي النون أيوب - الدكتور إبراهيم، واستمتعت كثيراً بقراءة (مجنونان) لعبد الحق فاضل ولذا لم تعجبني رواية يوسف الصائغ- اللعبة- التي كتبها بعد نصف قرن تقريباً، وكانت تطرق إلى موضوع مشابه تقريباً، ويتملكني العجب كثيراً لعدم استمرار عبد الحق في كتابة الرواية؟ واستمتعت كذلك برواية غانم الدباغ ضجة في الزقاق بجزأيها، وأعتبرها من أفضل الروايات العراقية، وأفضلها على روايات غائب طعمة فرمان والتكرلي، وأظن أن غانم الدباغ لو لم يتوفَ في عز شبابه لأتحفنا بروائع أخرى، وأعجبني إلى حد الجنون قصص المرحوم عبد الملك نوري، الذي لم ينل حقه من التكريم والاحتفاء والشهرة كغانم الدباغ فهو في نظري أهم كاتب قصة قصيرة ظهر في الوطن العربي في الخمسينات والستينات قاطبة، وقصصه أجمل وأقوى من قصص زكريا تامر ويوسف إدريس وكلاهما اشتهرا أكثر منه، ولعل ضعف الدعاية في العراق ومحاربة السلطة للمفكرين والكتاب في العراق بتلك الصليبية القذرة هي السبب في خمود شهرة العباقرة منهم، ولو كانوا في غير العراق لتجاوزوا النجوم.
وكنت وما أزال من المعجبين بأعمال مهدي عيسى الصقر، إنني أعتبر الشاهدة والزنجي واحدة من أفضل الروايات في النتاج العراقي والعربي في هذا القرن،كما أعتبر محمد خضير بالرغم من نتاجه القليل من أفضل كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي إلى جانب عبد الملك نوري.
أ-
أما الأربعة الذين ذكرتهم فلم أكون منهم موقفاً محدداً غير ما ورد أعلاه، ولذلك لا أعرف إن كان هناك عنصراً مشتركاً بينهم.
ب -
ولنفس السبب فلا أظن أن هناك عنصراً مشتركاً بيني وبينهم.
ج -
لا..لم أستفد منهم في مشروعي الروائي…وأرى نفسي بعيداً عن التجاوب مع تجارب الطاهر وطار وجمال الغيطاني، لكني تأثرت ببعض روايات نجيب محفوظ، مثل رواية زقاق المدق، واللص والكلاب والكرنك وأولاد حارتنا، ولست أدري لماذا لم أستطع أن أكمل قراءة السراب والثلاثية وبعض الروايات الأخرى، وبكيت كثيراً وأنا في مراهقتي لقصص عبد الحليم عبد الله، واستمتعت ببعض روايات عبد الحميد جودة السحار، وعلي أحمد باكثير، أما الطيب صالح فلم يعجبني من أعماله سوى مواسم الهجرة إلى الشمال، ولم أستطع كذلك أن أكمل الكثير من روايات حنا مينا، لكن من التجارب العربية التي أعجبتني كثيراً رواية الليبي أحمد الفقي بالرغم من قلة أعماله، بينما لم أستطع هضم أي رواية من روايات إبراهيم الكوني، وأعجبتني كثيراً رواية الفلسطينية سحر بركات: الميراث، ورواية السورية حميدة نعنع واللبنانية حنان الشيخ.
ج - 12:
هناك بعض الكتاب يحاولون أن يتخيلوا أنهم ينافسون شخصاً ما أو يصارعونه، لكني لست منهم، لست ممن يخلق لنفسه حلبة صراع من منافسين وهميين أو حقيقيين، فبالنسبة لي أحاول أن أصارع نفسي أولاً، أن أتجاوز ما تمكنت من إنجازه في الماضي، أن لا أكرر نفسي، أن أقدم شيئاً جديداً في كل رواية أكتبها.
وبذلك يكون ندي هو نفسي في المقام الأول، أما الشيء الثاني الذي أصارعه فهو قضية تنتج عن خلل مبدأي أراه جديراً بالصراع، فأنا على سبيل المثال أرى بأن الرأسمالية بشكلها الماثل الآن، وبالنظام الذي تحاول أن تروج له، وتخطط لتطبيقه في كل العالم أمر يمثل نقطة جديرة للصراع، للتضحية، للمجابهة.
وربما يكون هذا الاختلاف الفكري هو النقطة التي يمكن أن يتقاطع عندها المفكرون والأدباء على العموم، وأعتقد أن ذلك يمثل دافعاً مهماً للكتابة، وهو بشكله العام دافع إنساني.
ج -13:
لم أكتب عن المحنة القومية، فالقضايا القومية لم تكن شاغلاً لي بأي شكل من الأشكال، لا لأني لم أتأثر بها، بل لأني كنت مصدوماً وما أزال من الفئات التي ترفع شعارات قومية منذ حركة الاستقلال في العشرينات وحتى هذه اللحظة لتوصل المنطقة إلى ما وصلت إليه من هزيمة وبؤس وانحلال. هذه الفئات طرحت شعارات جذابة ومثيرة وثورية كالوحدة العربية وتحرير فلسطين، لكنها كلها من دون استثناء كانت مرتبطة بالأجنبي في وقت ما، ومما يؤسف له أن أبرز قادتها كانوا قد نشؤوا تحت ظلال الأسياد، وأنهم كانوا موجهين من قبلهم، وأن أشرس فئة منهم جاءت إلى الحكم بقطار أمريكي عفن وما زالت حتى الآن مسيطرة على مقدرات العراق، أما أهم نقيصة تميز الفئات القومية في العراق فهي خيانتها لمبادئها، فهي أول من تخلت عن الوحدة العربية، وهي أول من أهدرت الثروات القومية، وهي أول من احتقر الجماهير العربية واضطهدها بصور من التعذيب والإهانة والتجويع و..
ج - 14:
إن أحد أهم المبادئ في كتابة القصة والرواية هو الصراع بين نقيضين اثنين، وربما يكون بين ثلاثة، ومعظم أفلام الرعب والأفلام والروايات البوليسية والتاريخية مبنية على هذا النوع من الصراع، وفي الغالب يجسم أحد أبطال الرواية الشر بينما يجسم الآخر الخير، وبالنسبة لي لم أعتد تحديد هذين النقيضين قبل الكتابة مطلقاً، فالصراع يظهر في كتاباتي عفوياً غير مفروض، فعلى سبيل المثال يرى أفراد عائلة بطل رواية الإيقاع والهاجس أنفسهم في مأزق لا فكاك منه مهما بذلوا من جهد، أما أطراف الصراع في زنقة بن بركة فكانت بين انتهازي صاعد وبين مناضل أصيل على قضية مبدأية من جهة، وبين سي الشرقي وبين صديقه الحميم على فتاة من جهة أخرى، وبين الشرقي والانتهازي من جهة ثالثة، ولذلك يكون جوابي:
أ -
نعم.
ب -
نعم.
ج -
نعم
د -
نعم
ه-
قليلاً.
و-
نعم.
ز-
نعم.
ج - 15:
يصعب إرجاع الأسباب إلى أصولها، فلا يمكن معرفة مدى العناصر الخيالية أو الواقعية بأي قصة من القصص، فعلى سبيل المثال لا يمكن حتى لسرفانتس أن يحدد كمية الخيال فيدون كيخوتيه، بالرغم من أن الجميع يتفقون على أنها خيالية مئة بالمئة، فلم يوجد مثل ذلك البطل دون كيخوتيه في الواقع، لكن عبقرية سرفانتس جعلته يبدو وكأنه واقعي مئة بالمئة لكي يضحك المؤلف الناس على ظاهرة الفروسية الكاذبة التي سادت قروناً طويلة في أوربا، وكانت تحمل تناقضات تحتم القضاء عليها.
وكذلك روايتا روبنسن كروزو وموبي ديك فكل ما فيهما يمكن أن يقعا في الحياة، ولهذا عرّفت الواقعية في الأدب بأنها التي تروي ما يمكن وقوعه من حوادث، وبهذا تختلف عن التأرخة التي تسجل ما وقع فعلاً.
معظم رواياتي تستند على واقع ممكن الحدوث، لكنه يقوم على خيال صرف، لكن أنا الذي رأى وحدها واقعية في مجملها، إنها عبارة عن تسجيل لما حدث فعلاً، وتكاد تخلو من الخيال إلا بنسبة خمسة بالمئة، وهو خيال اقتضاه العمل الروائي.
ج - 16:
يظن الناس كلهم كتاباً وعاديين أنهم عادلون، حتى المجرمين الذين يرتكبون أفظع الجرائم، يظنون أنفسهم فرسان العدالة، ولولا القانون وصرامته لما أعترف أي مجرم، وما تصرف الحكام المستبدين الجبارين إلا من هذا النوع الذي يظن أنه مخول للتصرف من قبل الناس أو القوى الغيبية التي وضعته في مكانه المناسب، ولذلك فإن الموقف من الأحكام على الآخرين يثير خلافاً كبيراً بين المثقفين والمفكرين.
أما ما يرد في رواياتي من محاكمات لشخص أو قضية ما فهي للتعبير عن المبدأ الذي أومن به لا أكثر.
ج - :17
أطمح إلى نظام ومجتمع تسود فيه العدالة والمساواة ولا يكون سائداً فيه غير القانون ومؤسسات دستورية في نظام ديموقراطي.
ج - 18:
لا أحاول أن أشكل أي نوع من اليوتوبيا في رواياتي، فأنا كاتب واقعي لا خيالي، الكتاب الذين يحاولون أن يشكلوا يوتوبيات هم كتاب الخيال العلمي والفلاسفة وأنا لست منهما، ولكني أطمح إلى كتابة رواية عن المستقبل فكرت بها منذ زمن طويل، وربما أحققها فيما بعد.
ج- 19:
لما كنت من النوع الرافض للاستبداد في كل أشكاله فإني أرفض الحكم على الآخرين بأي شكل من الأشكال، سواء أكان الحكم أخلاقياً شخصياً أم عاماً لأن إصدار حكم ما على الآخر ينبع من حالة استعلاء وترفع غير إنسانية، وفي نظري لا يوجد أي مخلوق في الدنيا أو الكون يتمتع بحق إصدار الأحكام، ولهذا بالضبط شكلت الدول المتطورة مؤسسات ديمقراطية تصدر الدساتير والأحكام العامة وتحدد الحريات الخاصة، ومن هنا جاء موقفي الرافض للرقابة بكل أشكالها وأنواعها، ولهذا بالذات أشعر بأني أعيش حالة محاكمة دائمة للذات.
ج - 20:
ما جرى من محاكمات في رواياتي تم بشكل عفوي غير مقصود، ينسجم مع إيماني بالإنسان وحريته وحقه بالعيش في أمان واطمئنان.
ج- 21:
لم أرضَ على قسم مما كتبت وأشعر بأن مستواه غير جيد، وأتمنى أن أغيره وأتمنى أن يكون ذلك بمقدوري، وقد أنقح بعض الشيء منه في طبعة ثانية لكني لا أستطيع أن أعيد كتابته مرة أخرى، وعندما سمعت أن التكرلي أعاد كتابة الحوار في الفصحى لروايته -الرجع البعيد- غبطته على تلك المقدرة التي أفتقر إليها، إن العمل الأدبي كالطفل يولد كما هو، ولا يتحمل من التغييرات إلا القليل القليل، فقد يستطيع اليابانيون أن يجملوا عيون الوليد بعملية جراحية، والمسلمون واليهود بتطهير أطفالهم، وذوو القتاة أن يعدلوا أنف ابنتهم القبيح لكنهم لا يستطيعون مهما فعلوا أن يستبدلوا بصمات الأصابع، أو يغيروا الشخصية، أو أن يضيفوا إلى طول الوليد بضع سانتيمترات أو يقصروا من طوله مثلها، الرواية الفنية تولد هكذا ولا تتحمل إلا القليل من التغييرات، سواء أكانت جيدة أم لا..
كتبت زنقة بن بركة سنة 70 ونشرتها سنة 93 وفي خلال تلك المدة نشأت عندي رغبة بتغيير أشياء كثيرة لكني لم أستطع، كان يكمن في ثنايا النص هيبة تصدني عن أي محاولة للعبث فيها، وحدث مثل ذلك مع الإيقاع والهاجس التي نشرت بعد 27 سنة من كتابتها.
أما الرواية الواقعية فاعتقد أن بإمكان المؤلف أن يحذف أو يضيف إليها، فلقد اضطررت إلى حذف فصول تمثل أكثر من ثلث صفحات رواية أنا الذي رأى وأنا غير راضٍ.
محمود سعيد أبوظبي الشارقة 1998



د. فاروق اوهان
فنان وكاتب من العراق
drfohan@gmail.com
الموقع هو: https://sites.google.com/site/faroukohan/
وبالإنجليزية: https://sites.google.com/site/sinjarandapple/
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث