الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
"بنت الخان" حين يتحول الوطن إلى صندوق
رولا حسن
"بنت الخان" حين يتحول الوطن إلى صندوق
هدية حسين



على خلفية الحرب العراقية في تسعينات القرن الماضي تكتب الروائية العراقية هدية حسين روايتها "بنت الخان"وكأن الحرب صارت شكلا من أشكال الحياة التي اعتادها الشعب العراقي فبات الموت اليومي والمجاني والخوف وصفارة الإنذار جزءاً من روتين الحياة اليومية للعراقيين في تلك المرحلة
تحكي هدية عبر صفحات الرواية كيف تآلف العراقيون مع الحرب وألفوها مثلما ألفوا أحزانها واستكانوا لأهوالها كما لو أن ماردا لعب معهم ونومهم مغناطيسيا. فالذي يحكي حكاية موت غيره من الناس سيصبح في الغد حكاية الناس والحكايات تتكاثر وتتناسل وتصبح زاد الناس، الموت على الجبهات لا يفاجئ أحدا وإنما الموت تحت سقوف المنازل يرعب أكثر بالرغم من تظاهر الجميع باللامبالاة وهنا يصبح الحب مجرد حلم يظن الإنسان أنه اختلقه من لا شيء ..حلم يفقد بريقه في صحوة الأحداث فلم تعد خيبات القلوب تعني شيئا إزاء ما يحدث في الحرب ..الحرب التي تعمل بجد على شطب الحياة وحرقها .
تبدأ الرواية بمشهد احتضار الأم التي تترك لابنتها صندوقا من خشب السيسم مليئا بالصور والذكريات عبر هذا الصندوق وبمجرد فتحه تبدأ شهرزاد حكاياتها ....حكاياتها الملبدة بدخان المفخخات وصرخات الضحايا وتستعيد الكاتبة المتماهية مع شخصية الساردة حكاية الأم التي ربيت في الخان (خان الشيخ محسن) وتفاصيل حياتها الغائبة عن أبنتها لندخل شيئا فشيئا في حكاية محاسن وتفاصيل حياتها مرورا بالحب الذي خسرته مرة ثم جاءت الحرب لتقضي عليه مرة أخرى حين حاول المجيء.
هكذا تبدو علاقة محاسن بالصندوق علاقة حياة على خلفية وحدة فرضتها الحرب فهي تختلق علاقات جديدة مع صور الصندوق تضخ الدم إلى حياتها من جديد .كولاج هائل تبرع الكاتبة في تشكيله مستفيدة من كل معطيات الحرب وأشكال الموت التي تفرضه جسديا وروحيا لتزيد من حدة الوحدة في حياة امرأة وحيدة لم يتبق لها سوى ذلك الصندوق بكل حكاياه .
فالحرب لم تفعل بمحاسن ما فعلته بالأمهات والزوجات,إذ لا زوج لها ولا ولد غير أنها عاشت تفاصيلها بهواجس الأمهات وخوف الزوجات ورعب امرأة وحيدة من لحظة موت فجائية ربما تأتي إثر سقوط صاروخ يهدم سقف بيتها فلا تجد من يسحبها من تحت الأنقاض هكذا تمارس الوحدة حربها الضروس, الوحدة في ذلك العالم المرعب الذي لا يدركه إلا من يعيش كابوسه.
فبين البقعة الجرداء التي كانت يوما خانا وهو خان الشيخ محسن )يواجه نهر دجلة ويعج بساكنيه وحكاياه وبين الصندوق التي تركته الأم لابنتها وصور الموتى المركونة فيه بأفراحها وأحزانها وبين الحاضر حاضر العراق أثناء حربه مع إيران تحكي هدية حسين حكاية ذلك الوطن الذي تحول إلى صندوق مغلق بمسامير صدئة الذي يتحول بدوره إلى حكاية من حكايا الصندوق المؤلمة .
فتعود إلى أزمان أولئك المنسين في الصور الذين عاشت جزءا من ذكرياتهم والتي دفعتها وحوش الوحدة إلى الاستئناس بحكاياتهم فتعيش أحزانهم ..كوابيسهم أحلامهم ..انكساراتهم ..وهزائمهم تنشطر روحها بينها وبينهم وتبرد روحها في انكساراتها
تشعر أن أمها لم تمت وإن حكاياتها تحدث للتو ..(شخوص قصصها تعيش معي تندس في كل زاوية في البيت لتعلن حضورها فكوثر مازالت على علاقة بأبي وخان الشيخ محسن ينهض من الركام والحياة تعود وتتنفس في أزقته ودكاكينه وبيوته )ص120.
الصور بحكاياتها أصبحت زادا لأيام محاسن التي باتت تعتقد أن الحياة تحت الحصار والحرب هي موت سريري للجميع لذا أضافت إلى صور الصندوق صورة الطفلة رنا ابنة جيرانهم كما أضافت صورتها في تعبير غير مباشر عن ذلك الخوف على الحياة بكل ما فيها فالموت يسكن الأشخاص كما يسكن حكايا الناس في الصندوق .فالعيش على توقيت صفارة الإنذار يجعل الخوف أعمق على الكنوز الصغيرة ..ولا سيما حين تكون في صندوق كصندوق محاسن ..فصارت تخاف على ذكرياتهم من صاروخ طائش يبطش بهم ..صارت تخشى على حكاياتهم أن تضيع وأرواحهم اللائذة بخشب السيسم أن تتعذب.
تنتهي الرواية بقصف حي محاسن أثناء وجودها في الملجأ ودمار صندوق حياتها وموتها أيضا تحت القصف حيث تومض الوجوه أمام بصرها وتنطفئ قبل أن تترك ملامحها..طائرات تتشظى في الفضاء وصواريخ تدك الأرض والبشر ...ورجل بملامح قاسية يحمل سيفا طويلا يسوق الأطفال والرجال والنساء إلى صندوق عميق ينغلق بابه.
تفكك هدية حسين في (بنت الخان)تفاصيل يوميات الحصار والحرب الذين وقعا على العراق قبل غزوه واحتلاله وتبحث عن الإنسان في ركام الحرب محاولة أن تلملم شتاته المبعثرة وتركز على المرأة نموذجا شديد الشفافية والدقة في نقل ضياع الإنسان واتساع وحدته ووحشته تحت وقع حرب وحصار قاسيين فتخط جانبا من سيرتها الذاتية التي كتبت الحرب صفحات كثيرة منها فتعيد إن وإنتاج الحرب من وجهة نظر أنثوية تعطي الحرب طعمها المر الذي لا يمكن أن يميزه سوى المرأة.والسيرة الذاتية هنا ليست حكاية وليست رصدا لمسيرة مضت أو سيرة مستمرة من الماضي إلى الحاضروإنما هي تأمل يفعل عمل الذاكرة التي تفعل ما ترسخ فيها لتعيد تشكيله من جديد.

رولا حسن
شاعرة وكاتبة من سوريا
rolahasan@maktoob.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث