الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مدينة الصور/مع الناس والملائكة ودفاتر الأيام
ميسلون هادي
مدينة الصور/مع الناس والملائكة ودفاتر الأيام
غلاف الرواية

قبل ان أبلغ سن الرشد، كنت أحتفظ بدفتر سميك من دفاتر المختبر ذات الأوراق البيضاء (السادة) ألصق عليه ما أقتطعه من المجلات الفنية العربية والأجنبية من صور الفنانين والفنانات التي كنت أكتب تحتها تعليقات طريفة تخص (البوز) الذي يأخذه الفنان أو (الكشخة) التي تبدو عليها تسريحته أو سيارته أو بدلته الأنيقة.. تطور الأمر بعد بلوغي سن الرشد إلى دفاتر أخرى أنيقة هذه المرة أكتب فيها كلمات العظماء والفلاسفة والشعراء وأقوالاً مقتبسة من حواراتهم ومؤلفاتهم وخواطرهم.. وإلى وقت قريب كنت أعتقد أن الأولاد لا يحتفظون بمثل هذه الدفاتر الجميلة إلى أن قرأت (مدينة الصور) للؤي حمزة عباس فعرفت منذ صفحاتها الأولى أنني إزاء رواية غير تقليدية وغير مسترجلة.. جريئة بدخولها إلى عوالم الرجال من خلال حضور النساء وتمثلها بحساسية عالية هذا الحضور والتماهي مع تفاصيله، وبالرغم من انها مكتوبة بلا وعي رجل، فإنها تُخضع حتى عالم الأولاد الأشقياء لسطوة عوالم النساء.
تتم الاستفادة في ما وراء القص (الميتافكشن) من كل ما يقع في متناول يد الكاتب من القصاصات والصور والوثائق وقصص الأطفال والمخطوطات القديمة، فتقوم هذه الرواية بسردنة الماضي واستعادته بأشكال جديدة دون الانفصال عن الواقع. وفي مدينة الصور فإن ما يتوفر عليه الراوي هو مجموعة من الصور القديمة التي تشكل بانوراما مصغرة لجانب من مدينة البصرة هو ميناء المعقل تحديداً وما يتضمنه من شوارع وبيوت ومسافن وأسواق لبيع الدجاج والسمك والحيوانات الأليفة... إلخ. تلك الصور، كما تقول الرواية، (سقطت عن جلود أصحابها مثلما تسقط شعرة.. ينفخ عليها الزمن نفخته القاهرة فتسقط دون ألم)- ص40. قد تكون الصورة ذكرى يستعيدها الراوي ويعيد حكايتها من جديد مثل أية حكاية يكررها الشيوخ عشرات المرات لشدة ما تتركه من أثر مستتب، أو تكون بعض تلك الصور حلماً من أحلام الفجر الخادعات، كطيف عبد الحليم حافظ الذي ينزل في فندق بميناء المعقل ثم يمشي في شوارعها وكأنه يعرفها شاًرعا شارعاً، أوصورة الإيطالية المخمورة التي تنزل إلى رصيف الميناء ليلة رأس السنة فيغطيها الحاج حميد البيضاني بعباءته. عبد الكريم قاسم أيضاً سيهيم كالطيف بعيداً عن دار الإذاعة.. بعيداً عن لعلعة الرصاص وتحليق الطائرات فوق وزارة الدفاع... وصورته جالساً بقرب مزهر الشاوي متوجهاً الى الرصيف أو مترجلاً من السيارة للدخول إلى المطعم، هي التي يجب أن تبقى.. وليس صورته التي تسيل منها بركة الدماء بعد لحظات من إعدامه.. (هل كنت أخشى أن يسيل دمه من جديد.. ينزل من البركة السوداء الممتدة من أسفل صدره حتى فخذيه.. يغرق الصور ويبلل الدفتر)- ص49.
هذه الصورة ستوضع وحدها نهاية الدفتر ومن منصبها الرفيع ذلك سيمنعها الكاتب من أن تجعل الآخرين يجهشون بالبكاء.. مثلما صورة عبد الحليم حافظ الذي يحلق في سماء المعقل كالحلم هي التي ستبقى وليست صورته بشعره (السرح) وهو على فراش الموت..
ومثلما يحضر مزهر الشاوي في زيارة عبد الكريم قاسم للبصرة، سيحضر شفيق الكمالي وسعدون شاكر في زيارتهما الخميني، ولكن بطريقة مختلفة تفضي إلى مغادرته البلاد.... بعدئذ ستوثَّق الصور حادثة طارق عزيز في الجامعة المستنصرية وما جرى قبلها وعقابيلها من أحداث سبعينيات وثمانينيات التاريخ المعاصرللعراق . يسرد لؤي تلك الحوادث المذهلة على عجل، وهي التي كانت تحتمل أن تتشبع بين يديه الماهرتين بالمزيد من التشويق الضروري للكتابة التاريخية دون أن يكون التشويق على حساب الحقيقة، ولكن تلك المواقف المشوقة التي توقعت وتمنيت التوقف عندها والتوسع فيها، لما مثلته من أهمية استثانية في تاريخ العراق المعاصر، يمر لؤي بها خطفاً وكأن حاجته منها لا تزيد عن تأطير عشرات الصور المتناثرة هنا وهناك وعلى طول صفحات الرواية المئة والأربع والخمسين: الخميني.. صدام.. طارق عزيز..مزهر الشاوي ..أنديرا غاندي..شفيق الكمالي.. عبد الحليم حافظ...... كانوا الإطار المستغني عن الزخارف لصور شخصيات ملائكية تركض إلى مصائرها المحتومة: سعود حنش ويوسف حنش وهلال زوج كريمة وأمها وكومار الهندي والخال الذي يتمشى على الكورنيش وعمال السفن ذات الأسماء الجميلة والأم المتمركزة في بيتها وأم داود العدادة وكريمة ذات الحضور التراجيدي وصفاء الملاك والكلب كيكي.
(ولكن الصور تكذب)؟؟ لازمة تكررها الرواية في عدة مواضع ولا نعثر لها على جواب محدد، إلا من خلال تقلب أحوال أولئك الذين خلدتهم الصور من الاندثار، وفي الوقت نفسه أبّدتهم هذه الصور في لحظات زائفة، زيفها متأت من زوالها الفوري... فهل هي كاذبة في هذه الحالة أم الوحيدة التي تصدق؟.. (لن يدرك ياسين إنْ كانت صورة خالي وهو يسير على الكورنيش هي صورة الحلم)- ص 79...ويطرح السؤال نفسه بعدد المرات التي تطرحها الرواية.. حقا لماذا الصور تكذب؟.... ألأن السؤال الأساس الذي طرحته الثقافة الوجودية وهو الفرق بين (الموت) وبين (أنا أموت) هو السؤال الوجودي ذاته الذي طرحته الرواية عن المصائر التي يلقاها أصحاب تلك الصور المزمنة والمختطفة من حياة عبثية لأشخاص تراجيديين كبطل الرواية (سعود حنش) الذي أصابته القذيفة في رأسه ولم تُبقِ منه شيئاً.
تكاد تكون عائلة سعود وإخوته يوسف وصفاء وحبيبته كريمة هي محور الرواية الذي انطلقت منه إلى عدة شوارع فرعية كانت تنبع منه وتصب فيه لتنتهي تحت سقف كريمة مع طفل وكلب.. رمزين من رموز البراءة المطلقة التي كان النكوص إليها ضرورياً بعد كل هذه الحياة القاسية المليئة بالخطايا والأخطاء.. وربما هنا كان يجب أن تنتهي الرواية التي مجت سخافة الواقع.. بعد موبي ديك وليس قبله.. لكي يكون ناتج القسمة الطويلة صحيحاً وموازياً لبشاعة ذلك الواقع، وعند صفاء الملاك ورفيقه الكلب كيكي يكتمل الاحتجاج على ذلك الواقع .
من خلال هذه الخريطة البشرية الزمكانية ستضاف صورة (سعود)، بسبب موته المأساوي، إلى دفتر الصور... ألهذا تكذب الصور؟، ألأن صورته متلاشياً بأول قذيفة اطلقتها إيران على ميناء المعقل.. (قذيفة خاصة به) هي ليست صورته الحقيقية على امتداد الرواية دارجاً حيوياً وعاشقاً..
إن هذا النسيج الذي تصنعه الصور المتواترة قرب بعضها البعض قد يبدو مليئاً بالعلامات اللونية الفارقة، ولكن هذه العلامات هي التي تجعل من النسيج المهمل مستحقاً للنظر لأن الخيوط المتشابكة لم تختلف ألوانها إلا لكي تتجاور فوق قماشة واحدة هي حكاية سعود وحبيبته كريمة.
في ميناء المعقل.. في المدرسة.. في سوق الجمعة.. يمشي الراوي مستخدماً الفعل المضارع بطلاقة لكي ينثر علينا الصور... جميلة مفزعة جذابة خلابة مجنونة عاقلة، عامداً إلى استخدام مفردات حسية في غاية الإمتاع والإبداع حتى رقصت المفردة في بعض الأحيان وجعلتنا نرى من خلالها الصورة تتحرك بخفة .. كما ويعمد الروائي لؤي حمزة عباس إلى استخدام المفردات العامية ببراعة (يضحك علو حسه)، و(يخطف رجله)، و(من طرة الفجر)، و(ماتعرف الجك من البك).
هذه الرواية الممتعة المكتوبة بدون حواجز ولا عثرات أو تصنّع، هي ربما أقرب إلى تيار من تيارات الوعي الذي يتدفق دون إرادة منا ولكنه دائماً الأقرب الى روح الوجود بعد تقشيرها من سخافة الواقع.. الخيط رفيع كالشعرة بين الاقتراب من تلك الروح السحرية وبين الهذيان أو العبث أو الغثيان. ولكن لؤي حمزة عباس نجح في الانطلاق من ذلك الواقع لكي يحتج عليه سواء بإغماض العينين من أجل (طبع) صورة في طريقها إلى الزوال وجعلها بمنجى من الاندثار.. أو بمسح حلاوتها من الواقع، واستبدالها بانتباهة أخرى هي مرارة هذا الواقع...
تقطيع الرواية كان جميلاً، ويخيل لي أنه عُمد إليه لاحقاً بعد الانتهاء من الرواية.. فإذا كان الأمر كذلك فقد نجح الروائي في مهمة شاقة، ولكن أكثر ما يلفت النظر فيها هو لغتها الحسية الملمومة والقوية بالندرة لا بالكثرة، وهذا يُحسب بقوة للرواية التي نبذت الفخامة في اللغة ولم تبذر في عدد الكلمات على حساب جريان العمل، ولكنها أقتصدت أكثر مما يجب مع بعض الحكايات التي انكتبت عنها تلك الكلمات..


* مدينة الصور: لؤي حمزة عباس، الدار العربية للعلوم ناشرون- أزمنة 2011.


ميسلون هادي
روائية عراقية
maysaloonhadi@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث