الثلاثاء, 22 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
"الحلم العظيم" شهادة عن مرحلة الآمال والخيبات
سعد محمد رحيم
"الحلم العظيم" شهادة عن مرحلة الآمال والخيبات
احمد خلف


في رواية ( الحلم العظيم/ للروائي العراقي أحمد خلف دار المدى 2010 ) تتخلل وقائع السيرة الذاتية نسيج النص الروائي مانحة إياه نكهة التاريخ.. فهذه الرواية هي من ذلك النمط الذي يتأسس إبداعياً في إطار تاريخي/ واقعي. من هنا يمكن قراءتها نصاً أدبياً عمادها التخييل. والتخييل كما هو معلوم قاعدة الفن الروائي الأولى. كما يمكن قراءتها ( أي الرواية ) شهادةَ مثقف عن حقبة من التاريخ الوطني وحياة جيل في خضم أمواجها المضطربة الصاخبة، هو الجيل الستيني بآماله العريضة وخيباته وصراعاته ومنجزه. ويتجلى التنافذ بين الفنين ( السيرة الذاتية والرواية ) من خلال طريقة الكتابة وأسلوب البناء واستخدام اللغة.
يسعى الروائي في عمله هذا إلى الإمساك بتلابيب زمن فارق، يتشكل فيه الوعي، وتتبلور المواقف، وتنضج الرؤى، وتتوضح الآفاق.. ولم يكن ذلك الزمن استثنائياً في حياة شخصيته المحورية ( الذي أطلق عليها الروائي اسم مؤلف القصص والروايات ) وحسب، وإنما في حياة جيله الذي سيُعرف في المدونات الثقافية العربية بالجيل الستيني.. كان الهاجس الأكبر عند ذلك الجيل، وكذلك في ذهن وحلم بطلنا هو التميز والتجاوز وتحقيق الذات: التميز عن الجيل السابق وتجاوز عقابيل وآثار مرحلة تاريخية، واحتراف الكتابة.. وذلك كله في بيئة معادية، قاهرة، وظرف غير مؤاتٍ.
تتحدر الشخصية الرئيسة في الرواية من الشريحة الدنيا للطبقة الوسطى العراقية في العاصمة/ بغداد.. تخرج من الهامش الاجتماعي وتقف عند ذلك الخط الذي يجعلها في تماس ,وإن لم يكن قوياً، مع المتن، في اللحظة التي توجِّه فيها فوضى السياسة مسار التاريخ.. شاب يجد نفسه قريباً من حالة فوران صراع القوى والأحزاب على كسب الشارع والاستحواذ على السلطة، لاسيما ذلك الذي كان يجري بين القوميين والشيوعيين. وذلك في مرحلة الجاذبية الثورية المسلحة التي عمت العالم حيث القاموس المتداول يعج بأسماء جيفارا وكاسترو وريجيس دوبريه وجمال عبد الناصر وبتسميات الثورة الجزائرية والكوبية والقضية الفلسطينية والاشتراكية والتحرر الوطني وغيرها. فتداعب تلك الكلمات الكبيرة أحلام الشباب الغضة وتشعل حماسهم، وتوقظ فيهم روح المشاركة في الحدث والسعي لصناعته، بوسائل شتى يصل بعضها حد التهور والديماغوجية. وبطلنا يرى ويراقب من غير أن يحسم أمره في الانتماء لهذه الجهة أو تلك.. يقول: "ينبغي لي أن أعرف مع من أقف وضد من؟". فنراه يحبِّذ، غالباً، دور الشاهد الذي يهيئ نفسه ليكون كاتباً، على دور الفاعل المناضل. لكنه في اللحظات الحرجة يتخذ قرارات جريئة مثل قراره في إخفاء أسلحة نارية في غرفته، عائدة لجماعة ثورية يسارية، بعض أعضائها من أصدقائه. تلك الجماعة التي قادت كفاحاً مسلحاً بطولياً ينتهي بالإخفاق، في منطقة الأهوار جنوب البلاد. وفي هذا يقع البطل ( مؤلف القصص ) تحت وطأة مخاوف غامضة كأنه يتحسس بمجسات وعي مبكر هول الكارثة المقبلة.
يعتمد الروائي وجهة نظر واحدة في بنائه السردي هي وجهة نظر الولد/ الشاب ( مؤلف القصص والروايات ) حتى وإن لم يستخدم ضمير المتكلم. فنحن نتنقل مع السارد الذي يتلبس وجهة نظر هذا الشخص طوال صفحات الرواية فنتعرف على الوقائع كافة من خلال منظوره الخاص وأفكاره ورؤيته. فيما النسق المعتمد في معظم الفصول هو النسق التتابعي الذي يكسره السارد أحياناً في تخيلات يريد من خلالها تعزيز عنصر التغريب لضرورات فنية ـ جمالية من جهة، ولاستبار الكون النفسي للبطل من جهة ثانية. وهو العنصر الذي ينتشلنا من رتابة الواقع ويلقي بنا في عالم أكثر إثارة وإبهاماً، ناهيك عن أنه يضعنا، أيضاً، عند ذلك الفالق بين الواقع والحلم.. أو بين ما هو تاريخي وما هو افتراضي. وكنت أتمنى أن يلجأ، بين الحين والحين، بهذا الصدد، إلى ضمير المتكلم، ليمنح حيوية وتنويعاً أكبر لبنية السرد. وإنْ كان السارد يستخدم ضمير المخاطب، أحياناً، موجهاً خطابه للبطل. حتى يتهيأ للقارئ أن السارد هو البطل نفسه وقد انفصل عن ذاته مؤقتاً ليدون مرويته/ شهادته عما رأى وعاش. فيما يتلاشى الحد الفاصل بين الحقيقة والمتخيل حتى نكاد نصدّق أن البطل في لحظة طيش ارتكب جريمة قتل مروّعة وخرقاء من أجل عشيقته ( الجارة السمراء ) التي لم يكن متعلقاً بها كثيراً سوى أنها كانت تطفئ، في لحظات شبقه، شهوته الجسدية.
رؤية السارد للحياة والعالم والآخرين جنسانية في جانب مهم منها. أشياء وحالات ومشاهد كثيرة تظهر من خلال تلك العدسة الجنسية.. فكل شيء يمكن أن يغدو ذات طابع جنسي أو دلالة جنسية. كما لو أن العالم كله يتحول، في لحظات ما، إلى محض موضوع جنسي ليس إلا. لنقرأ الجمل الأولى.. ما يبدأ به الروائي روايته؛ "ذات ليلة باردة، اكتشف الولد، أن همس المتزوجين في غرف النوم يُسمع بعد الحادية عشرة..". وهذا الدخول الاستهلالي لعالم الرواية سيلقي بظلاله على مسارات السرد الروائي فيما بعد. وفي كل مرة تأخذ بطلنا "موجة من حنين إلى عالم النساء الجميلات، إلى دانوب المرح كما اعتاد أن يسمّي ذلك العالم، ساعتها يهتف في نفسه: هنا مصرعي ومثواي".
ثمة غربة مركبة يعاني منها البطل ( شخصية مؤلف القصص والروايات ) غربته في غرفته البائسة، ومنزله الفقير، وحيه المتواضع، وعلاقته المأزومة مع أخيه الشرطي، وأبيه. ووجوده في محيط لا يُشبع حاجاته العاطفية والإنسانية الأخرى. وصداقاته المتشعبة التي لا تكاد تبدو راسخة، لكنها ضرورية، في النهاية، ليواصل البطل حياته، ويطّلع على ما يجري في وطنه ومدينته. فالنقاشات التي تحصل بين بطل الرواية وأصدقائه تعكس طبيعة المرحلة الستينية وهمومها الاجتماعية والسياسية، والثقافة السائدة في حينها. فيما وجود الولد الفلسطيني بين شلة أصدقائه يجعل المضمون الفكري للرواية يتجاوز الهمّ المحلي.. هكذا يقفل الروائي نصه في الصفحة الأخيرة؛ "وفوجئ في داخله، قد ارتفعت بعض المصدات والحواجز تمنع دخول الحمراني أو عبد العال ( أصدقاء المؤلف ) إلى صميم قلبه، كان الفلسطيني وحده يقترب رويداً، رويداً من عصب القضية كلها".
تتداخل، في رواية ( الحلم العظيم ) السياسة والجنس إلى حد بعيد.. وهنا تكمن أزمة البطل الشخصية والوجودية، وأزمة جيله كذلك. والرواية بكليتها هي صراع ضد ذلك التابو المزدوج المتمثل بالحرمان العاطفي في مدينة شبه محافظة هي بغداد، والقمع الممارس من قبل سلطة سياسية مستبدة.
يرتبط البطل بعلاقة جنسية محتدمة مع جارته السمراء المتزوجة من بائع جوال.. وهي العلاقة التي ستقوده للتفكير باقتراف جريمة قتل من أجل المال، وليس الحب، بعد أن تقنعه المرأة بأن زوجها يخفي أموالاً طائلة في مكان ما من البيت.. أما حبه لشيماء شقيقة صديقه جلال كريم فيتجلى في مشاعر قلقة غير مستقرة، هو الذي يقع تحت تأثير غواية زوجة الأب الشابة فيخون من خلال علاقته بها حبه لشيماء، ووفاءه لصديقه جلال في آن معاً.. ولعل هذا الهاجس، مع ما يرافقه من شعور بالذنب، هو الذي وارى الفتاة وزوجة أبيها عن المشهد في الربع الأخير من الكتاب. أما شخصية جلال فهي الأكثر التباساً وغموضاً في الرواية.. إنه الغائب أبداً، السياسي المناضل، المطارد من قبل الأجهزة الأمنية، والذي ينخرط في العمل السري وعملية الكفاح المسلح. ولن نتعرف عليه إلا من خلال كلام الآخرين عنه. وأعتقد أن هذه الشخصية لم تُعط الفرصة الكافية في الرواية للتعبير عن نفسها. وحتى تصوير الآخرين لها كان مبتسراً. والشذرات القليلة عنها في شكل تعليقات وأخبار غير مؤكدة، لم تكن لتشبع فضول القارئ للتعرف عليها بعدِّها ذات صفة إشكالية ولها فعلها المباشر في الواقع. وكان يمكن إعطاء فرصة أوسع لظهور جلال كريم أن يغني مضمون الرواية ودلالاتها، ومن ثم يقدّم صورة أوضح عن طبيعة الجيل الذي تتحدث عنه الرواية، وعن طبيعة ذلك الكفاح المسلح الذي سينقل تفاصيله السارد كما ترد أخباره، والشائعات المصاحبة له. وهو مثل كل فعل سياسي غير مدروس بدقة ويعتمد العنف ويواجه رد فعل السلطة الأكثر عنفاً فإنه يغدو مروية تحكي عن مواقف متباينة: الشجاعة، التضحية، الإخلاص، الجبن، الانهيار، الخيانة، الخذلان، المكابرة، الاعتراف بالفشل، الخ.
كان الحلم عظيماً بحق، لكنه بقي محض حلم يرفرف بأجنحته في الرؤوس لأن شروط تحققه في الواقع لم تكن قد نضجت بعد. وذلك الحلم الواسع والباهر سيتحول فيما بعد إلى عبء يثقل كاهل من يؤمن به. وتحت ضربات الواقع المتلاحقة ومصدّات التاريخ سيتسبب في تكريس عُقد في نفوس حامليه، وتشوشاً في وعيهم، واضطراباً في محيطهم الاجتماعي والسياسي. وسيفضي، لاحقاً، وبالتراكم، إلى هزيمة مروعة ( حزيران 1967 ) لا بالمنظور العسكري وحده، وإنما بمعايير الثقافة والحضارة والتاريخ كذلك. وما فعله أحمد خلف في روايته هذه هو محاولة رصد، بمعونة التخييل وأحابيل اللغة، بعض تفاصيل وتداعيات ذلك المنعطف التاريخي الصعب، لينجز لنا رواية، تعدُّ في وجه منها وثيقة وشهادة، وفي وجه آخر عملاً فنياً يستحق القراءة.

سعد محمد رحيم
روائي وناقد من العراق
saadrhm@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث