الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
لطيفة الدليمي: سير الموت تحت طالع زحل
رولا حسن
لطيفة الدليمي: سير الموت تحت طالع زحل
لطفية الدليمي
ملاحظات عن رواية سيدات زحل –دار فضاءات في عمان-2010

."لأن طالع بغداد يشتبك بطالع نسائها ويقع فيه حيث يظهر في سماء المدينة ذلك الكوكب الأزرق الرهيب , أشفق من النظرة الثابتة إليه,لا أريد أن أصدق ظهوره في طالع المدينة "
زحل الذي من طبعه البرد والتيبس وهو الذكر النهاري النحس المظلم بسواده ونحس زحل يدوم ثلاثين عاما ِ.ثلاثون سنة منذ بدء الحرب مع إيران.فإلى متى سيدوم كل هذا الخراب الذي يتفاقم يوما إثر يوم...في العراق .
هكذا تنبأ الشيخ قيدار عم حياة البابلي التي تعمل في أحد المكاتب الصحفية في بغداد ..الشيخ قيدار الذي كان عاشقا لبغداد والذي بقيت حياة البابلي على طول الرواية تبحث عن أثاره لأنها كانت موقنة أن من يعشق بغداد على هذه الشاكلة لا شك سيكون على يديه خلاصها.

تحت أهوال سقوط بغداد ودخول الجيش الأمريكي إليها وتحت وقع الحرب الأهلية التي بدأت تدمر ما تبقى باسم الدين مصرة كل فئة على صوابها وتحت وقع الحروب المتواصلة لم يبق في بغداد غير النساء والرجال المقعدين الذين لاينفعون لحرب تعيش حياة البابلي في بيتها وحيدة بعد إعدام أخيها وفرار الآخر خصاء زوجها وطلاقها منه ،في سرداب داخلي يقع تحت المنزل اختبأ فيه يوما عمها قيدار ودون في كراريسه الموجودة هناك حكايات بغداد وخروجها كل مرة من الدمار إلى العمار. الكراريس التي تابعت حياة البابلي تدوين حيوات صديقاتها وتفاصيل حياتهن تحت قسوة الحرب والاحتلال والتصفية الطائفية والحرمان . الخوف من النسيان والموت وخراب الذاكرة جعل صديقات حياة البابلي يطلبن منها أن تدون حكاياتهن المؤلمة "تقول راوية :حياة لكي لا ننسى قبل أن نموت وتطوى حكاياتنا احفظينا في كراساتك"
وبين فوضى بغداد وانهيار الذاكرة تختلط الأحداث على حياة البابلي إذ نلاحظ تنقلها المفاجئ بين الحاضر الفاجع والتاريخ الذي يكرر نفسه بشكل من الأشكال فدخول هولاكو إلى بغداد
وحرقه للمكتبات وقتله الرجال وسبيه واغتصابه النساء والأطفال وحلول الدمار مكان الحياة الطبيعية.بشابه بطريقة من الطرق دخول الجيش الأمريكي إلى بغداد وحرق المكتبات ونهب المتاحف وتدمير المنشآت العامة وإن أوحوا للعالم أن ما حدث هو مايريده الشعب المضطهد والمحاصر والمنتهك حتى النهاية.
في السرداب حيث تختبئ حياة البابلي تفتح الكراسات تقرأ وتكتب ونحن هنا نتوه بين هذين الفعلين حتى يغدو كل منهما مرادفا للآخر وكأنه بمعنى ما فعل حياة نتلمس معها قصص الخراب الفاجعة ..الخذلان والخسارة ..حكايات خراب بلاد بأكملها وقعت تحت طالع زحل حكاية بغداد وسوء طالعها بغداد المنذورة للحرق والقتل والاغتصاب عبر التاريخ.
يتقاطع" في سيدات زحل" نوعان من الخطاب أحدهما تاريخي والأخر روائي وإن كان الخطاب التاريخي هنا موظف لخدمة الخطاب الروائي وهو إن صح التعبير استدعاء لإنشاء خطاب الرواية الراهن.
استخدمت الدليمي تقنية التبئير بتركيزها على شخصيات الرواية الرئيسية وعوالمها الجوانية ولاسيما حياة البابلي والشيخ قيدار ونساء أخريات يروين عبر سيرهن الخاصة سيرة بغداد التي تبدو في الرواية المرأة الأولى في الرواية وأولى سيدات زحل وأكثرهن تعرضا للأذى والخسارة فبغداد في الرواية وما تعرضت له أثناء السقوط من نهب وسلب وحرق واغتصاب هو بشكل من الأشكال مشابه ومعادل واقعي لما تعرضت له هالة ومنار وشروق ولمى وحياة وهو ماحدث أيضا لهالة في سجن أبو غريب ومعادل لما حدث لمنار وأمها على يد جماعات إسلامية متطرفة .
تتيح الدليمي في الرواية معرفة أسباب ما وقع وما يترتب عليه من نتائج لهذا تصبح الرواية أكثر صحة من التاريخ لأنها ليست مسورة بالقدسية مثله .
زاوجت الد ليمي في لعبتها الروائية بين شخصيات عاشت في زمن تاريخي وآخر مثل داوود باشا حاكم بغداد والمستعصم بالله وبين شخصيات الواقع حتى ليظن القارئ في لحظة ما أن حياة زبيدة التميمي هي شكل من أشكال حياة البابلي وكذلك ناجي الذي يظهر في زمنين تاريخيين مختلفين بنفس الاسم
قسمت الكاتبة الرواية إلى كراسات وكأننا نفتحها واحدة إثر أخرى لنلم أشلاء الحكاية وننفذ إلى البواطن والأسرار عبر تعدد الأصوات الذي يفضي إلى العوالم الداخلية للأشخاص ففي كل كراسة هناك صوت يتحدث مرخيا ظلاله على الأحداث التي تبدو كأنها تعنيه لوحده وبدا التاريخ متشظيا كما هي حياة الاشخاص .
لكن الكاتبة استطاعت أن تنتقل بخفة بين تلك الأصوات كما تنتقل بين الأماكن ما ظهر منها وما خفي, أزقة بغداد ،سجن أبو غريب ، حي الطاووس ،شارع اسكندرون ،شارع السعد ون الخ.
هذا التعدد والتنقل بين الأماكن والأشخاص أضفيا على الخطاب نسبية تشده إلى الفن الروائي مبعدة إياه عن أحادية التاريخ وتعلقه بالوقائع الخارجية دون النفاذ إلى قرار الشخصية وكشف هواجسها وأحلامها لذلك عمدت الكاتبة إلى السرد أو المونولوج فأطلقت العنان للشخصية تتحدث عما يعذبها ويقلقها وهنا يتداخل الماضي بالحاضر والظاهر بالباطن
يختلف زمن الكراسات فهو يذهب إلى التاريخ موغلا فيه ليصل إلى حاضر بغداد الفاجع الذي تعيشه زمن الاحتلال الأمريكي المصحوب بالمعارك والتفجيرات وعمليات الخطف والقتل على الهوية فلا يبقى الزمن أسير عموميته بل يسيل بذكاء داخل سير النساء .
تخلص الدليمي لقسوة الواقع وآلامه كما تخلص في نفس الوقت لشروط الكتابة فهي لا تجد حرجا في ذكر تفاصيل الصراع الطائفي المقززة وكأن المواطن العراقي أعتاد الترويع خلال العقود الأربعة الماضية وإلا كيف يمكن أن نفهم أن كل هذا الرعب لا يقود إلى نوع من الذها ن وفقدان الوعي .كما تخلص في نفس الوقت لشروط الكتابة ولا تكتفي الدليمي بسرد أحداث المرحلة الراهنة من الموت العراقي الروحي والمادي وإنما تتناوله من جذوره الديكتاتورية من إعدام أخيها إلى خصاء زوجها ..الخ. إلى ميتات أصبحت قي زمن الاحتلال تنفذ بالكثير من الخيال والسادية إذا صح القول.

كانت العودة إلى العراق لا الفرار منه كما حدث مع الكثيرين هو ما أرادت أن تقوله الدليمي وحبه كما أحبه قيدار وآخرون ممن رفضوا تركه وحده ينزف حتى الموت.


رولا حسن
شاعرة وكاتبة من سوريا
rolahasan@maktoob.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث