الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مزرعة العظام/ فصول من رواية
جلال فتاح رفعت
مزرعة العظام/ فصول من رواية
جلال فتاح رفعت
في السنتين اللتين قضاهما (ناظم) كطالب في مدرسة الصنايع أولع بالمكائن حتى وصل به ذلك الولع الى حد الهوس، ولكنه لم يكمل سنته الأخيرة لتعطل الدراسة فيها بسبب الحرب ووصول الانكليز إلى مشارف المدينة. وفي أثناء دخولهم إلى المدينة في الرابع عشر من آيار 1918 بدأ الغوغاء بنهب الممتلكات العامة، حينئذ تيقن من شعور غريب تولّد لديه، مفاده أن جميع المعدّات والمكائن التي جاءت بها الدولة العلية من حليفتها بروسيا العظمى من أجل التدريس العملي في مدرسة الصنايع هي ملكه، لأنه هو وحده من يعرف قيمة تلك القطع. وبات يؤمن بفرية أبتدعها هو لنفسه، وهي إن مدرسة الصنايع هذه بمجمل مبانيها ومرافقها قد صارت ملكا مشاعا له. ونظراً لأنه لا يستطيع حمل الممتلكات غير المنقولة فقد اقتنع بمدى أهمية حيازة ما تحتويه تلك الأبنية من معدات نادرة غير مبذولة في الأسواق أصلاً. فكان أول شاهدٍ على عمليات السطو الخفية على المعدات من قبل بعض الصنايعيين في السوق، ثم مشاركا علنياً لا نظير له في النهب والسلب. كما انبرى مفتتحا طقوس النهب الفاضح للصناديق التي كانت تحتوي على عُددٍ لم تر نور الشمس بعد، ولم يكن أحد من النهّاب يعرف أماكن خزنها غيره. أخذ يسرق كل ما تقع عليه يده من عُدد يدوية رصينة الصنع ، ويساوم السّراق الآخرين على بعض القطع المهمة لكي يبادلها بقطع أخرى تافهة في نظره، أو يرغم الأولاد على التخلي عن القطع المسروقة التي بحوزتهم ، ويقول:
- حرام يا أولاد! أين ستخفونها إذا انقلبت الأمور؟ هيه! سيأتي الجنود الروس ويقتادون أمهاتكم إلى مواخيرهم! ويفعلون بآبائكم كذا وكذا.. فيرمي الأولاد ما سرقوه ثم يطلقوا سيقانهم للريح. كانوا يتلفتون وراءهم خائفين ظنا أن الجنود الروس يطاردونهم، فيتعقبهم (ناظم) ويلملم ما يرمونه.
بعد ذلك عثر على حمار تائه ليحمل غنائمه عليه، ويذهب بها إلى المقابر ليدفنها هنا وهناك في قبور دارسة، يساوي عليها الأتربة ويضع قطعا مكسورة من رخام الشواهد كعلامة ليستدل بها فيما بعد. وعندما مُنيت القوات الغازية بخسائر جسيمة، واضطرت على أثرها إلى الانسحاب أمام الضربات المدفعية الماحقة من فوق تلال (البارودخانة) أخذ ناظم يطوف الأزقة مع حماره الأجرب ويبحث في مزابل الحارات عن العُدد والآلات، ويجمع القطع المسروقة التي تخلّى عنها الناس مخافة إنزال العقاب بهم، ويأتي بها إلى مقبرة التكية الكبيرة (*) ليدفنها. ولعله كان ينظر إلى الأماكن الأخرى بوصفها مواقع غير آمنة لإخفاء العدد التي سرقها لذلك اختار المقابر ، لأنها في الأقل لاتخطر ببال أحد حتى الشياطين. فأخذ ينقلب بين المقابر لدفن غنائمه وتوزيعها في مقبرة التكية (مقبرة المصلى) مقبرة (سيد علاوي) أو مقبرة (تعليم تبه).. فصارت كل مقابر المدينة أماكن مشاعة له ، يحفر فيها أينما شاء ومتى شاء ، ليودع فيها ما سرق من عدد يدوية وآلات صناعية.
كان قدر المدينة يترنح على كف عفريت ومصيرها لم يزل مجهولا ، إذ لا أحد كان بوسعه التكهن فيما إذا كان الانكليز سيعودون إليها بعد أن تقهقروا عندما حاولوا دخولها، أم سيستميت المدافعون عنها؟ وفي الحقيقة ان الانكليز كانوا قد تمركزوا في مواقع قريبة من المدينة ، على قاب قوسين أو أدنى منها، وجواسيسهم يمرحون ويسرحون في أزقتها. ويبدو للعيان بوضوح أن المدافع العمياء التي نصبت على تلالها لاتبصر مواقعهم لدكها أو ايقاف زحفهم نحوها. وليست هناك من علائم على سقوط المدينة بأيديهم، بيد أن فصائل الإعدام مابرحت تطوف في الأزقة وتنشر الموت والرعب في الأرجاء. هذه الفصائل قد تشكلت حسب فرمان سلطاني بعد اعلان (السفربرلك) (**) مهمتها تصيّد الذين يشتبه بأنهم جنود فارين من الحرب ، وقنص اللصوص والمشتبه بهم ممن يثبت بحقهم الجرم المشهود في نهب ممتلكات العامة أو الخاصة. وكان لها الأمر المطلق في اصدار أحكام الاعدام بحق الجواسيس وتنفيذها فيهم على عجل. حينها كان (ناظم) يتجول بكل حرية مع حماره ويدفن غنائمه في هذه المقبرة أو تلك ، وقد تيسّر له دفن قسم كبير من عُدده في مقبرة التكية ، ولم يكد يواري بالتراب آخر كمية من تلكم الغنائم حتى صادف رهطاً من الجنود على رأسهم عريف ضخم الجثة ، دميم الخلقة مخيف الهيئة. شارباه مفتولان مثل الكرنب يصل طرفاه إلى شحمتي أذنيه. أحاط به الجنود وجاء العريف ليفتش في جيوبه. ألقى نظرة على أوراقه. كان يحمل ورقة كبيرة مطوية أربع طويات ، زُود بها من قبل ادارة المدرسة تثبت أنه مازال طالبا في مدرسة الصنايع ، أُرخت في سنة 1334 رومية ووثيقة أخرى أستلها من السجلات التي كانت موجودة في بيت المختار. ألقى العريف نظرة الى الأوراق، بدا أنه لا يتقن القراءة أو ليست له دراية بحساب السنين حسب التقويم الرومي، ثم سأله:
- ماذا تفعل هنا؟
قال :
- بحثت عن حفّار للقبور لدفن أحد أقربائي فلم أجد، لذلك توجّب عليّ أن أحفر القبر بنفسي.
كان العريف على عجلة من أمره، وجنوده يقتادون رجلاً أشعث حافي القدمين ضعيفاً كأنه فزاعة. ألقوا القبض عليه في حالة تلبس. على كتفيه قميص عسكري ممزق سابغ يصل إلى حد ركبتيه، لايخفي هزالته وانحناء ظهره، أو الأطمار التي يرتديها من تحت القميص. كان يثني كتفيه ويطوي كشحه بينما يقتاده الجنود، ويقوم بحركات تنم عن مدى يأسه في استدراج الرأفة في قلوبهم لكي يعطفوا عليه ويخلوا سبيله. أُلقي القبض عليه وهو يحمل قِدراً ذي مقبضين كبيرين من النوع المستخدم في مطابخ العسكر السلطاني، فيه بعض الأشياء التي تبدو كأنها نفايات أكثر من كونها لوازم عسكرية مهمة يستحق أن يعدم سارقها. أوقفوا الرجل عند حائط المقبرة المتاخمة للتكية الكبيرة، وأنشأ العريف يقرأ عليه نص الفرمان السلطاني. تراجع العريف الى الخلف ونادى بصوت جهوري أراد به أن يبث الرعب في قلوب سامعيه، فتقدم رهط الجنود الى أمام، ثم صاح العريف بهم :
- إملأ البنادق!
سمعت قرقعة أسلحتهم، ثم وجّهوا فوهات بنادقهم إلى الرجل.
عندئذ أخفى ناظم نفسه في الحفرة ودفن رأسه بين كفيه. ولم يكد يسمع الاطلاقات حتى سرت في بدنه قشعريرة مفاجئة. تحسس أنحاء جسمه ورأسه ليتأكد أنه لم يكن هو من تلقى تلك العيارات النارية. ثم رفع رأسه ببطء من مكانه في الحفرة فرأى الحمائم والعصافير في السماء ترفرف وتطير هنا وهناك مذعورة. أما أفراد الرهط و بايعاز من عريفهم استلأم كل واحد منهم سلاحه وسار في مشية عسكرية وكأن شيئا لم يكن. مروا بالقرب من ناظم المستلقي في حفرة القبر، فمال عليه العريف إلى الحفرة ولمس كتفه بالحربة الطويلة ليجلب انتباهه إلى فوق. كانت حنجرته يابسة، لايكاد يسيطر على ارتجاف شفتيه. نظر إلى وجه العريف بعينين أصطنع فيهما البله لكي يستدر عطفه، ولم يستطع أن ينبس ببنت شفة بالرغم من أنه حاول بلع ريقه ، وجاهد ضد تيبس لسانه والنطق بأية كلمة ولكن دون جدوى. حدّق العريف في وجهه ملياً وقال:
- هي! أيها اللص! عليك أن تحفر لهذا الحرامي أيضا وتدفنه! إنه إبن ديرتك! قالها العريف وتوارى مع فصيله عن الأنظار.
لم يجرؤ ناظم على توجيه السؤال إلى العريف: (وأنت من أية ملة؟) لأن قواه كانت قد خارت تماماً. وما كان منه إلا أن ألقى بنفسه داخل الحفرة مستلقيا على ظهره. إذن فقد مرت العاصفة وأفلت من فصيل الإعدام. هذا أمر لايصدق. لم يصدق أنه حقا تخلص من العقاب الذي يُدفع في مواقف كهذه، هكذا على الأقدام، بسرعة ودون مقدمات أو محاكمة. فالفصائل من هذا النوع ليس لها صلاحية اعتقال المشتبه بهم وليس لها الوقت الكافي لتفحص أوراقهم لمعرفة المزور منها من الحقيقي ! انها تنفذ أحكام الإعدام بحق الجواسيس ، وكل من تثبت معصيته في تنفيذ الأوامر العسكرية.
كيف تخلص من آلة الموت هذه؟ ألأنه كان يحمل أوراقاً مزورة سرقها من سجلات المدرسة؟ أم بسبب تلك الورقة التي استلها من سجلات المختار، تثبت أن حاملها مازال قاصرا لم يبلغ بعد سن التجنيد في الجيش. وفي الحقيقة فان ناظم لم يكن جنديا بالمرة، ولكنه كان قد تخطى السن القانونية للتجنيد حسب التأريخ الرومي. إذن بفضل حذاقته وحمله أوراقا ثبوتية تمكن من الإفلات منهم. وقد تسنى له أن يتخلص من فرق إعدام أخرى كانت تجوب أرجاء المدينة ، وبفضل تلكم الأوراق أيضا أتيحت له فرصة جمع المعدات بحرية تامة وأمام الأنظار.
كان يقول لكل من يصادفه : أنا مكلّف بجمع هذه المعدات وتسليمها الى الإدارة الحربية، في حين كانت تلك الادارة مثخنة بالجراح تتآكل في أغلب الجبهات وتعصف بها الهزائم، وهي ليست بحال يحمد عليه لكي تضع عدداً تافهة نصب عينيها. أما ناظم الغير مكترث بكل تلك المسائل كان ينوي الاحتفاظ بما استحوذ، لأنه يرى أنه هو بالذات أحق من الآخرين بامتلاك تلكم العُدد، على الرغم من شعوره بتأنيب الضمير أحيانا، على أن ما يقوم به هو سرقة فعلية.
لما أعاد الانكليز الكرّة ودخلوا المدينة بعد شهرين أخذ يسأل نفسه قائلاً : بم سأتحجج بعد هذا إذا تقهقر الانكليز مرة أخرى ، وعاد جنود السلطان ليدخلوا المدينة من جديد؟ كان يجلس في ظل حماره بعد جولات متعبة من النهب والحفر والتنقيب، ليأخذ قسطاً من الراحة وليتداول مع نفسه ما تخطر بباله من أفكار شتى، يظل يرتبها في مخيلته، ويرددها مع نفسه ويكررها أحيانا ليخاطب الحمار. ثم يقوم باختلاق غيرها عندما لا يقتنع بقوة الحجة في فكرة ما، ثم يبدأ بتمحيصها وتداولها مع نفسه. وهكذا أخذ يستنبط حججا أقوى ليسوقها إذا انقلبت الأمور ثانية. هو نفسه كان يدرك أنه يبدأ بالثرثرة حينما يشعر بالخوف، وكان يهرف بكلامه موجها نظراته إلى شريكه الحمار :
- هيه كما ترى.. هذا هو الحال يا شريكي! فعلى المرء أن يلفق أكذوبة تكون أخت الصدق! كذبة يهتز أمامها الصدق خجلاً.. حسنٌ سأقول لهم بكل بساطة، هذه المعدات من عمل الألمان الكفرة! وليس فيها مفك صُنع في الباب العالي! ومع ذلك ها أنا ذا أعيدها إليكم لإعادة هيبة الدولة! وإذا تمكن المدافعون عن المدينة من تثبيت أقدامهم فيها، وتمكنوا من المحافظة على ماء وجوههم، فانني لن أنسى نبش جميع المقابر لاستخراج العدد المسروقة والذهاب بها الى المدرسة لينصبوا لي تمثالا لكوني بطلاً منقذاً، وسأقول لهم: هاكم فأنا من جمع كل هذه المعدات وخلّصها من عبث أولاد الأبالسة.. وها أنا أعيدها إليكم. أما إذا انهزم المدافعون عن المدينة إلى غير رجعة، عندئذ ستكون كل تلك الأشياء من ضمن ممتلكاتي، وسيكون لي الحق في التصرف بها أو بيعها واستخدامها في الاختراعات.
ظل سؤال واحد يدور في ذهني ولم يتسن لي أن أسأل ناظم. أردت أن أسأله: هل دفنت ذلك الرجل؟ قال أما الفتى الذي ثقبوا جسده بالرصاص ، فقد دفنته مع الكنز في مقبرة التكية، بين عشرات العدد الصناعية! ليكون حارسا عليها. ولابد أنه سينام إلى جانبها كخازن أمين يحرسها. وحينما أرجع للبحث عنها سيدلني عليها فهو ابن مدينتي ولا يفشي سري. ثم أود أن أفيدك بهذه المعلومة.. لقد كان الفتى أخرساً وفيه مس من الجنون.. أردت أن أتوسل بالعريف وأقبل يديه لئلا ينفذ الاعدام فيه لأنه أخرس وبائس، إلا أن يدا ما أمسكت بخناقي ، ولم أستطع أن أتفوه. أعرف عائلته فهم إلى هذه الساعة لم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عن مصير ولدهم. لعلهم يقولون الحمد لله فقد تخلصنا منه.
وفيما كان عائدا إلى بيته مساء ذلك اليوم رأى أن الجو أخذ يخيم عليه ظلام مبكر والمدافع التي كانت ترمي حممها بعيدا صوب خارج المدينة قد سكتت. عندما أرعدت السماء ظن أنها هي المدافع ذاتها بدأت تدوّي ثانية، إلا أن تلبد السماء بغيوم سوداء كالحة اللون واندلاق الأمطار بغزارة جعله متيقنا أن السماء قد تدخلت أخيراً ، ولابد انها ستحسم الأمر.
ظل يجرجر حماره من رسنه ويحثه على المشي السريع ليصل إلى منزله. وكم من مرة صعد على ظهر حماره لكي يجتاز برك المياه التي صارت تتجمع هنا وهناك في الأزقة. وبدلا من المرور عبر السوق يمم صوب داره في (جقور) ، وفضّل أن يسلك الأزقة الضيقة المتعرجة. عندما بلغ عطفة الزقاق التي تفضي إلى داره كانت كل المرازيب ترسل ما يتجمّع على السطوح من مياه الأمطار كخراطيم متقابلة وتتساقط من الأعالي في الزقاق الضيق. لم يستطع الافلات من أي واحد منها حتى تبلل من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.
رفع رأسه إلى أعلى وقال كفى! على رسلك! لم نعد نحرز ما أنتِ مقدمة عليه. تارة تتمنعين وأخرى تغرقيننا مثل قوم نوح.. ألا يكفى؟ ولكن خطرت بباله كم أن هذه الأمطار ستكون وبالا عليه ، وسوف يصاب بخسارة جسيمة لأن عُدده التي أخفاها في المقابر ربما لن يجدها بعد هذا إلا بشق الأنفس، لأن معالم الحُفر ستتغير لامحالة ، وسيكون من الصعب عليه أن يستدل على تلك الأماكن. قال في نفسه : غداً سأذهب لتفحص الأمر ولا بد لي أن أجد سبيلا آخر لإنقاذ ممتلكاتي.
حين بدأ الصبح يتنفس خرج إلى حافة المقبرة قبالة طريق (ليلان) كان حماره نشطا يحمل صاحبه بهمة ويمشي مسرعاً. توقف لدى البوابة التي تفضي إلى ضريح السيد (أبو علوك) وترجل ليقرأ الفاتحة على روح السيد (أبوعلوك) وجميع المشايخ الكبار وأرواح الموتى. هنالك تناهت إلى سمعه أصوات منتظمة كأنها أنشودة يرددها جمع غفير من الرجال يصاحبها نفخ على الأبواق وقرع على الصناجات. فانبطح على بطنه وراح يزحف مثل سحلية إلى جدار المقبرة المتهدم. كان يتوقع أنه سيجد فصيلا آخر من فصائل الاعدامات تجوب الطريق حول المقبرة. ولم يكد يرفع رأسه تماما حتى رأى بأم عينيه أرتالا من جنود ملتحين، ذوي عمائم مبرومة، يمشون في نسق منتظم، يتنكبون أسلحتهم وقد شكّوا فيها حراباً طويلة. تتقدمهم رايات فيها خطوط زرقاء وحمراء. رتل طويل من الجنود ليس له آخر ، يمشون بنسق واحد، يدوسون الأرض الرخوة التي ويتطاير حصى الطريق من تحت أعقابهم. تتبعهم مجنزرات كأنها حصن ربانية جبلت من حديد، تزمجر وتنفث دخانا من جنباتها. أراد أن يهرب منهم إلا أنه ظل متسمرا ينظر في وجوه الجنود ويصغي لنشيدهم. وكان انشادهم متناغما في ضربات موحّدة مع وقع أقدامهم التي كانت تضرب الأرض بنسق واحد. أحد الجنود نظر باتجاهه دون أن يدير رأسه تماما وغمز له بطرف عينه. فارتاحت نفسه لهذه الغمزة وانشرح صدره ثم تبددت مخاوفه نهائياً، فقال لحماره :
- بشراك يا حماري ! الانكليز يلبسون العمامة أيضاً..هل تصدق أن هؤلاء هم انكليز حقاً؟ ولما لم يأته الجواب من الحمار أردف قائلاً.. وماذا في الأمر.. فكلها عمائم!
استيقظت المدينة على وقع أقدام الجنود البنغاليين والهندوس، ولم يدر بخلد أحد من أهل المدينة أن مباني الولاية وديوانها وثكنة القشلة ومبنى البلدية كانت قد احتلت منذ ليل البارحة. وهكذا كانت ترفرف فوقها أعلام المملكة العظمى منذ الفجر.
في الأسابيع اللاحقة تمكن (ناظم) من نبش بعض المواقع التي أخفى فيها المعدات المسروقة من مدرسة الصنايع ونقلها إلى الدار، وصارت من نصيبه حلالاً طيبا كأنه ورثها من أبيه أو مثلما كان يقول إنها حلال مثل حليب أُمي.
ملأ بها غرفة كبيرة من غرف البيت اتخذها كمخزن لتجميع الأدوات والعدد، ثم اتخذها ورشة لتنفيذ اختراعاته ، وكتب بخط عريض على قطعة من الورق المقوى (ورشة الصنائع العجيبة) وعلّقها في أعلى الباب. إلا أن الكثير من معداته وعدده اليدوية التي أخفاها هنا وهناك ظلت مدفونة في بعض المقابر البعيدة مثل مقبرة التكية ومقبرة (تعليم تبه) ومقبرة (سيد علاوي) طواها النسيان إلا أنها كانت تخطر على باله بين الحين والآخر. ولم يشأ استخراجها من مكامنها.
***
شُيدت في المدينة دار وحيدة للسينما سميت بـ (سينما غازي) تيمنا باسم الملك، وبدأت أول الأمر بعرض أفلام قصيرة صامتة، ثم تحولت الأفلام الصامتة إلى عروض فيها صوت وموسيقى. وبعد ذلك صار الأبطال رجالاً ناطقين، يوجهون فوهات مسدساتهم نحو رواد السينما ويطلقون النار من دون أن يصيبوا أحداً. وبدأ البعض من رواد السينما الشباب بتقليد حوار بطل ما فيلوون حلوقهم ويرطنون بطريقة جادة لمحاكاة البطل الممثل من دون أن يعرفوا معنى الكلام الذي ينطق به. أول كلمة انكليزية تعلمها (ناظم) من الأفلام هي (هنز آب).. كان البطل يهتف بها شاهراً مسدسه، فيرفع جميع أفراد العصابة أيديهم ويستسلمون له. رجال عصابات أو هنود حمر ورعاة بقر يتراشقون بالأسلحة وتتقافز أحصنتهم حتى تكاد تسقط على الناس في صالة العرض. ثم تأتي القاطرات البخارية قبلاً وتمر من فوق رؤوس الحاضرين. ترعد السماء و تهطل أمطارها فيما الناس جالسون على مقاعدهم لا يتبلل أحد منهم، لائذين بصمت مشوق تحفّ بهم نشوة عارمة، لم يدفعوا سوى مبلغاً ضئيلا ليس إلا من أجل أن يشهدوا كل هذه المعجزات. إن السينما حقا معجزة و أيما معجزة! فالعالم كله يكون بين يديك بأقل من درهم واحد.
ثم افتتحت بعد تلك الدار صالتان جديدتان لعرض الأفلام السينمائية، إحداها شيدت على أرض للبلدية كانت موقعا يضم إسطبلات الحكومة الغابرة. قسم منها كان مخصصا لخيول ديوان الولاية والقسم الآخر للحمير المستخدمة في أشغال البلدية. فديوان الولاية في العهد الجديد لم يجبر أحداً من الموظفين كبارهم وصغارهم على استبدال الطربوش الأحمر بعمامة مثل عمامة الجنود البنغاليين، ولا بالقبعة الكولونيالية التي كان يعتمرها البريطانيون ولكنه استبدل الدواب بسيارات حديثة انكليزية. كما سرحت حصن ديوان الولاية واحيلت على المعاش وبيعت في سوح بيع الحمير بدراهم معدودات. كان ذلك ايذان بأن العصر الذهبي لبراذين البلدية قد ولى. فأخليت اسطبلات البلدية وبيعت الحمير والبراذين، وأدخلت إلى الخدمة العامة بدلا عنها سيارات انكليزية و أمريكية مستوردة. وبدلا من الاستعانة بجهد الحمير في أداء الخدمات صارت البلدية تستعين بشاحنات من نوع (عنترناش) لذلك بقيت تلك الإسطبلات خاوية. ولكن رئيس البلدية ورئيس ديوان الولاية ظلا على ما جبلا عليه في أداء وظيفتيهما فأستأجرا عربات أم الحصن للذهاب والاياب.
اثنان من التجار أحدهما يدعى (علي أكبر) بائع سجاد تعود أصوله إلى إحدى البيوتات المعروفة في (تبريز) جاء جده الأول مع حملة نادرشاه إلى المدينة وتزوج فيها ورزق بأبناء امتهنوا التهريب لأنهم كانوا كثيري التجوال يعشقون السفر وخاصة بين المدينة حيث كانت تعد مسقط رأسهم وبين تبريز التي كانت بمثابة مسقط رأس جدهم الأول غلام شاه. (علي أكبر) وأخوه (علي أصغر) أقلعا أخيرا عن عادة التطواف والسفر لأن الحدود أضحت غير آمنة ، حيث رسمت هنالك حدود واستحدثت دول جديدة و وضعت عقبات كثيرة لا تعد ولا تحصى تقيد المتنقلين بين الحدود. فقرر الأخوان أخيرا أن يمكث كل واحد منهما في مدينة ما، وينطلق منها بتجارته. فصارا يتاجران في أي شيء، سجاد، أقمشة، عطور هندية، تبغ، تحف قديمة وحتى أسلحة.. وأخذا يسيّران بانتظام قوافل غير مرخص بها بين المدينتين. عرف (علي أكبر) في المدينة على انه مهرّب للسجاد. يشتري التحف القديمة من السجاد الكاشاني أو يقايض القديم منه بنماذج جديدة مبهرة للعين بألوانها يرسلها له أخوه. يقال أنه كان يعيد السجاجيد والفرش القديمة إلى إيران، لذلك كان معظم الناس يصفونه بالحمق وبخفة العقل. أما التاجر الآخر شريكه فقد كان (قنطرجي) صنع ثروة كبيرة جراء اشتغاله كمقاول في الأعمال التي كانت تنفذ لصالح الجيش البريطاني وفي معسكراتهم. كانت تربطهما صلة صداقة مع أحد أولاد الذوات ممن كانوا متنفذين في الحكومة ، كانا قد التقيا بصاحبهما في ملهى من ملاهي بغداد.
خطرت ببالهما فكرة افتتاح دار للسينما في المدينة فراجعا ديوان الولاية ثم مبنى البلدية إلا أنهما اصطدما بجيش من الموظفين ذوي الطرابيش الحمر الذين كانوا يعتبرون السينما بدعة من بدع آخر الزمان، وبسلسلة جبلية رصينة ومملة من الروتين. لم يبقيا على باب لم يطرقاه ، ولم يدعا ثقبا ولا خرما إلا وأولجا أصبعيهما فيه من أجل استئجار أرض حكومية لكي يشيدا عليها دارا للسينما حتى انقطعت أنفاسهما من كثر المراجعات المكوكية بين ديوان الولاية والبلدية، و فقدا الأمل نهائيا في مسعاهما حين أوصدت كل أبواب الولاية بوجهيهما. كانت محض مصادفة ليس إلا عندما تذكرا صاحبيهما. جلسا لتناول الفطور الصباحي في البيت فجاء لهما الخادم بطبق من الجبن الأبيض والريحان والزيتون. فهتف علي أكبر: (صديقنا البغدادي!) فتعجب صاحبه القنطرجي.. فسأله (علي أكبر) : صاحبنا البغدادي أليس هو صاحبنا قال: بلى: ماذا نأخذ له في كل مرة نذهب إليه إلى بغداد ؟ قال: نأخذ جبنا ولبناً!فقال له هيا هيا اشرب شايك على عجل.. سنذهب اليوم إلى بغداد.
وهكذا سافرا إلى بغداد محملين باللبن والجبن المالح الشمالي.
كانت هنالك قلة قليلة ممن كانوا يعرفون ما هي السينما. وقد اصطدم هذان الشريكان بالكثير من الحواجز والمتاريس التي كان الموظفون الحكوميون يضعونها كعراقيل أمام تطلعاتهما. ولشدما كان هؤلاء يظهرون عداءهم لانتشار دور السينما في المدينة. كما كانا يخشيان صغار الموظفين وبالأخص اولئك الذين أكملوا تحصيلهم في الكتاتيب، ممن كانوا يشتركون في سمات موحدة تميزهم عن الآخرين وهي معاطفهم السابغة التي يرتدون ، والطرابيش الحمراء والشوارب المشذبة باعتناء. أما صاحبهما الشاب فكان ابن رجل متنفذ في الحكومة ، تتوزع حياته بين بغداد ولندن، يصطحبه والده في زياراته المتكررة إلى عاصمة الضباب. هنالك كانت دور السينما اللندنية قد بهرته وخلبت لبه. طلبا اليه أن يتوسط لدى والده فابدى تعاطفه لتنفيذ رغبة هذين المتحمسين لافتتاح دار سينما. أخذهما فورا إلى والده واستحصل لهما موافقة رسمية لاستئجار أرض الاسطبلات لمدة خمس وسبعين سنة. فباشرا على الفور بإنشاء دار للسينما بصالتين ، واحدة صيفية والأخرى شتوية. وأطلقا عليها تسمية سينما العلمين. دلالة على شراكتهما. وقبل أن تنتهي أعمال البناء في هاتيك الصالتين بوشر ببناء دار أخرى غير بعيد عنها.
افتتحت (سينما العلمين) بفيلم عن رعاة البقر حضره جمهور غفير لم تر المدينة مثيلا له. وبعد ذلك بأيام شاع خبر بأن أعمال البناء التي كانت ماضية على قدم وساق منذ عدة أشهر على أرض مساحتها تربو على الستمائة متر مربع في بداية شارع الأوقاف إنما هي انشاءآت مشروع لبناء دار أخرى للسينما. يقال أن صاحب هذا المشروع جمع ثروة طائلة في لبنان ، واشترى دارين ملاصقتين في بداية العطفة المؤدية إلى شارع الأوقاف، ثم تحايل على القانون وبمساعدة محام مرتشي تمكن من الاستيلاء على مقبرة كانت تقع تماما خلف الدارين وضمها الى أملاكه الخاصة. وفي أثناء ذلك أبرم اتفاقا مع شركة خوري وعبيد اللبنانية لتوريد الأفلام وترجمتها، ووقع معها عقداً بتوريد الأفلام المترجمة منها ليكون هو الوكيل الوحيد في البلد. وبعد أيام من اكتمال صب الأعمدة الخرسانية وأعمال التسقيف سارع الى كتابة يافطة كبيرة ، أوصى بتعليقها في مكان عال مناسب في زاوية المبنى لكي يتسنى للغادي والرائح أن يقرأها.. كتبت عليها بخط عريض جملة قصيرة : ترقبوا افتتاح سينما الحمراء ..
فكانت تلك هي دار السينما التي أطلق عليها اسم سينما (الحمراء) وبذلك احتدم التنافس بين أصحاب دور السينما حتى بلغ أشده حين أمسى امتلاك دار للسينما في المدينة بمثابة لطف الهي لأي امرئ، وطريقا للثراء السهل والسريع. ففكر التبريزي (علي أكبر) صاحب السينما، لأنه كان هو صاحب الشأن ويمتلك حصة أكبر في المشروع وله ثلاثة أرباع الحصص، بالسيطرة على السوق من جانب آخر. يبدو أن السماء قد ألهمت قلبه حين توصل إلى ابتداع أسلوب حاذق في غاية الجدة للترويج عن الأفلام. قال :
- إما أن ننقل السينما إلى السوق، أو نأتي بالسوق إلى هنا.
فسأله شريكه القنطرجي:
- كيف؟! هذا مستحيل!
فقال :
- نقتحم السوق برجال يشتغلون لصالحنا وينقلون الأفلام إلى أبعد المناطق..
- .... !
لم يفهم الشريك ما كان يرمي اليه شريكه التبريزي فظل فاغرا فيه.
آنئذ ظهر المنادون أو المروّجون للافلام. المنادون هم أُجراء بدأوا يعملون على ترويج الأفلام والدعاية لها لدى أصحاب دور السينما،. فأينما وليت وجهك في السوق وجدت واحدا من المروّجين يدفع عربة خشبية ذي ثلاثة دواليب صغيرة ، في واجهتها أفيش كبير ملون. ينادي الرجل على بضاعته ويروّج لها، والناس يستمعون اليه ويحفظون عناوين الافلام وأسماء الابطال. ولم يكد يخرج هؤلاء للعمل حتى صار ظهورهم في الأسواق كباعة من نوع جديد أمراً مألوفاً، واعتاد الناس رؤيتهم وسماع أصواتهم في كل مكان. وعلى الرغم من تقولات بعض المتزمتين كانت غالبية الناس تنظر اليهم بنظرات ملؤها التقدير لأن أغلب هؤلاء سلكوا هذا المسلك بسبب العوز ، ولتوفير لقمة العيش لأبنائهم. وهم يقولون: الشغل شغل! بعد ذلك اجتذبت هذه المهنة أناسا آخرين وازدادت أعدادهم، ولم تمض مدة طويلة حتى صار لكل واحد من هؤلاء اسلوبه الخاص الذي يعرف به.
والحال هكذا أخذت دور السينما ترسل منادييها إلى الأسواق والساحات العامة فكانوا يزاحمون باعة الخضار والباعة المتجولين بالصياح وإثارة الهرج والمرج. ثم ظهر نوع من التنافس بين المنادين أنفسهم. وأخذوا يتماحكون فيما بينهم أحيانا وينافس أحدهم الآخر بالصياح والعياط، ويقذّع بعضهم البعض بالسباب والشتائم وبالأشعار البذيئة أحيانا. فترى المنادي المروّج لفيلم ما يصيح بأعلى صوته، يدفع عربته الخشبية ويدور بها في الأسواق، حاملاً في مقدمتها إعلاناً ملوناً عن الفيلم وبمقاسات كبيرة. ويختار أكثر الأماكن المكتظة بالناس ليرفع عقيرته بالغناء وليزخرف أفضل الكلمات وأجملها وقعاً في كيل المديح لأبطال الفيلم. ولا ينسى أن يطرب مسامع الجمهور بمداعبة مخيلتهم وإلهاب حماسهم بذكر بعض أحداث الفيلم. ويعتني أيما اعتناء بموسقة أسماء مشاهير الأبطال جون واين ، كلارك كيبل ، جون ويسمولر ، ألان لاد، كاري كوبر، ويتفنن في وصف بطلة الفيلم وصفا في غاية الدقة. لا لشيء إلا لكي يجذب أكبر عدد ممكن من الناس لكي يصطفوا أمام شباك التذاكر ولينتهوا من ثمة الى الجلوس على مصاطب السينما. يحدث كل هذا والمنادي يوزع على المارة مجاناً قصاصات ورقية طبعت عليها لقطة من الفيلم إياه ، وكتب عليها بالخط العريض اسم السينما والفيلم وأوقات العروض. غالبية الشباب الحالمين كانوا رواداً دائميين في تلك المواقف، يتحلقون حول المنادين للحصول على ورقة إعلان، وكذلك لإلقاء نظرة متفحصة عن كثب على الأفيشات الواحدة تلو الأخرى. وهي إعلانات ملونة مطبوعة في الخارج تأتي مع الفيلم نفسه. صور كبيرة إما لرعاة بقر وهنود حمر، أو لرجل أدغال معلق في الجو يطير بواسطة الحبال لينقذ حبيبته التي ترتدي زياً مهلهلاً يظهر الكثير من مفاتنها، أو لرجل يركب ظهر فيل عظيم، أو يصارع تمساحا وهو يعض بأسنانه على سكينة، أو منظراً لطائرات حربية ترمي حممها وتفجّر قنابلها وسط جنود تتطاير أشلائهم بين ألسنة اللهب.
ناظم اجتذبته تلك الأفلام على اختلاف أنواعها وخلبت لبه، حتى بدأ يستمتع بلذة الانتظار لساعات عديدة أمام شباك التذاكر للحصول على تذكرة من دار السينما هذه أو تلك. كان يتساءل في سره:
هل يمكنك أن تخترع مثل هذه السينما يا ناظم؟
في صالة العرض وبينما يكون معظم رواد السينما قد شخصوا بأبصارهم صوب الشاشة العملاقة كان (ناظم) يتعقب حزمة الأشعة الموجهة من تلك الغرفة الصغيرة في نهاية الصالة. وفي فترات الاستراحة وتبديل بكرات الأفلام يحاول التلصص على ما يدور هناك، حتى طرده المراقبون مراراً ومنعوه من الاقتراب إلى غرفة التشغيل ظناً منهم أنه مندس مكلف من أحدى دور السينما المنافسة بتخريب ماكنتهم أو اعطابها.
كنت أذهب إلى السينما لمشاهدة الفيلم الذي يشدني ، بينما كان ناظم يرتاد السينما كل يوم. في احدى تلك المرات التي جمعتني المصادفة مع ناظم على مصطبة قريبة فوجدته شغوفا بالأفلام ، يتلذذ أيما تلذذ بما يشاهده على تلك الشاشة الساحرة من أفلام عن الحرب يموت فيها الناس بالآلاف ويستبسل بعضهم، وتحترق مئات الطائرات وتهوي على الأرض. ذات مرة في فترة الاستراحة المخصصة لتبديل بكرات الأفلام قال ناظم: إذن الطائرات تسقط ويتعرض من فيها للموت. لم يكن على دراية تامة بهذا الاحتمال ذلك أن الطائرة قد تهوي وتحترق ، وتتحول إلى رماد في لمح البصر! الأمر الذي دفعه إلى إرجاء فكرة الطائرة التي كان يحلم بصنعها، وهو الذي قضى نحو عشرة سنوات من حياته حالماً بالطائرات، واهماً نفسه أنه باستطاعته صنع واحدة مثلها. أما هذه الطائرات الحربية التي تفزع القلوب فإن صنع واحدة مثلها ضرب من المحال، قياسا إلى ذلك النموذج التافه الذي تمكن من صنعه قبل سنوات. وكان نموذجا لطائرة صغيرة لا تطير. بدت تافهة في نظره بعدما تمكن من الانتهاء من صنعها. تراءت له أنها لعبة يمكن لطفلة أن تلهو بها، فحطمها ولم تطاوعه نفسه أن يقدمها لأبنته (صافية) لتلهو بها. ولأنه مخترع مرموق حسبما وصفه كتاب الأخبار الاجتماعية في بعض الجرائد المحلية، فقد خشي على سمعته، وكانت هي خشيتي أيضا، في أن يرى الناس تلك اللعبة بيد ابنته، فيكون موضع استهزائهم ، ويذهب أدراج الرياح كل ما حققه من شهرة.
كان ذلك حينما تجاوزت ابنته (صافية) سن العاشرة وأكملت ربيعها الثاني عشر، عندما وجد نفسه قد شفيت من هوس الطيارات، وأن فكرة الطائرة لديه قد بليت تماماً، ناهيك عن تيقنه بما لا يقبل الشك بأن صناعة طائرة واحدة، حتى وان كانت صغيرة، تفوق قابلياته وامكانياته. فعملُ طائرة كبيرة تطير طيراناً حقيقيا يحتاج إلى مبالغ طائلة. فإذا أراد أن يصنع واحدة بالفعل في المستقبل فما عليه إلا أن يسرق جميع محلات الصرافين اليهود في المدينة، لأنهم وحدهم من يملكون تلالا من الأوراق النقدية. وهم احتكروا هذه المهنة. كان يقول في نفسه لو كنتُ أملك تلا واحداً من تلك النقود لأقلعت عن الاشتغال في الصرافة، ولباشرت رأساً بصناعة واحدة من تلك الطائرات.
في البداية كان يتصور أن صناعة طائرة واحدة بتلك المبالغ ستدر على صاحبها أموالا كثيرة أكثر مما لو استثمرها في الصرافة، ولكنه لم يكسب من كل اختراعاته تلك غير الأذى والاستدعاء المتكرر إلى مركز الشرطة ، و اتخم من كثر ما تلقى من تبليغات تطلب اليه المثول أمام المعاون في المركز ، وفي أغلب الأحيان كانوا يقتادونه عنوة. أما تجاربه الفاشلة في صناعة الصواريخ التافهة فقد أودت بوقاره كمخترع مشهور وأوقعته في مواقف مزرية ، اضطر على أثرها إلى دس بعض النقود خلسة في جيب عريف الشرطة البدين (أبو شوكت) من أجل إغلاق محضر التوقيف وتمييع القضية ومن ثم إخلاء سبيله. كانت ثمة فكرة ما تدور في الجانب المظلم من رأسه ، ولم يكلف نفسه عناء البت فيها أو الشجاعة ليسأل نفسه : حسنٌ ماذا أفعل إذا سقطت طائرتي واحترقت مثلما تهوي وتحترق في الأفلام؟
في الحقيقة كان يمتعض من هذه المهنة. مهنة الصرافة هذه يقول عنها أنها تجعل الإنسان بخيلاً. أما عالم السينما فهو عالم البذخ ، وهي مهنة العمالقة والدهاة من أمثاله. كانت علاقته مع السينما مثلما هي علاقة الحصان براكبه، يحثه بلكزات موخزة من مهمازه ليدفعه إلى الجري متى ما شاء.. فكان هو الحصان والسينما هي الفارس. أما الأفلام فكانت بمثابة المهماز من الفارس. ويا لها من وخزة جميلة تجعل روح المرء تهيم سابحة في عوالم مسكرة.
السينما أصبحت كل حياته، فصار يرتاد الفيلم ذاته مرتين في اليوم الواحد. مرة في الدَور الصباحي ومرة في الدور المسائي، ولا يفوّت أي فيلم مهما كانت الأسباب، حتى ارتوت روحه تماماً، وأمست السينما شغله الشاغل. لا يفكر بشيء آخر سوى بالبطل الذي يراه في الفيلم ، ويعود إلى البيت لينزوي في حجرته (ورشة الصنايع العجيبة) من أجل تمثيل الدور بين جدرانها، ويتصور أعمدة الحجرة وهي تتحول إلى أشجار استوائية ذات أوراق كبيرة كبر أذني الفيل. وتلك العُدد يتصورها فسائل أو نباتات فطر كبيرة أو ثماراً استوائية.
كان ذلك إيذان منه بأنه اختار طريقه بين تلك الأفلام ، وانه سيستقر أخيرا على شخصية طرزان ، بالرغم من تنوّع الأبطال الذين شغف بهم، وبرغم تقلبه السريع من فيلم إلى آخر.
لقد ظل ردحا من الزمن يتقلب ما بين اعجابه برعاة البقر وبين حبه الذي بات يكنّه للهندي الأحمر الذي يحزّ فروة رأس عدوه، وبين ذهوله لمرأى الرجل القرد طرزان. صحيح أنه أُغرم بشكل القبعة والمسدسات وأزياء رعاة البقر، ولكن طرزان بشجاعته وخرسه شدّه إليه شداً عنيفا. فهو وطرزان يتشابهان في الشكل ويتقاسمان الجهل باللغة الانكليزية. طرزان يعيش في أدغال الأمازون ، أما هو ، فقد أُبتلي بهذه المدينة كما كان يقول دوماً. يعيش فيها نسياً منسيا ، ولا أحد يقدّر إمكانياتي، حتى مواهبي في الاختراعات لا أحد يكترث بها. ولا أملك شروى نقير ولم أكسب منها سوى وجع الرأس والتوقيف في النظارة في مراكز الشرطة. في حين كنت أعتقد أنني سأجني الكثير من المال بعد أن كتبوا عني في الجرائد.
بعد أن بدأت أكتب عنه في صفحة اجتماعيات في الجريدة ، وبدلا من أن ينتبه الناس إليه كونه مخترع وداهية ، إلا أنه صار موضع سخرية من قبل بعض المتزمتين الذين لا يتوانون عن الاستهزاء بأي شيء. أحيانا كان يستغرق في التفكير وأعرف أنه كان يقول في نفسه :
آه ليتني كنت راعي بقر في الغرب الأمريكي! أو قردا في أدغال أفريقيا مثل (شيتا).. ثم يتدارك نفسه ويقول : لا لا فالقرود كثيرة وتجدها في كل مكان ، أما طرزان فهو مخلوق نادر ولن تجد نظيرا له في أي مكان.
فقد أزرى ولعه هذا بكل ما يمت بالعقل فيه ، فراح يقلد طرزان تقليدا تاماً، في الملبس والحركات، ثم أخذت روحه تتشرب بأحداث أفلام الغابة ويرى نفسه طرزانا حقيقياً. ولم ير ضيراً في أن يجسد خصلتي الشجاعة والفطرة السليمة المتمثلة في هذا البطل. فامتزجت في بودقة واحدة شجاعة طرزان جنبا إلى جنب مع هوس الاختراع في نفسه. ولم يكن هدفه الأساس من وراء ارتياد (مقهى المصلى) هو لتقديم نمرات بهلوانية وحسب، بل كان يتوق ليكتشف أي واحد من جمهور الحاضرين وجه الشبه بينه وبين رجل الأدغال (طرزان)، ومن دون تدخل مباشر منه. كان يزجي وقتا طويلا من أول النهار قبيل الخروج إلى المقهى في تمشيط خصلات شعره إلى الخلف، وإغراقها بمراهم لمّاعة ذات رائحة نفاذة ليتشبه بطرزان.
وفي ذات يوم مشهود كان على موعد مع تحقيق أمنيته المنتظرة . فبعد أن أدى إحدى نمراته البهلوانية في مقهى المصلى اقترب اليه أحدهم وقال :
- هل تدري يا ناظم انك تشبه طرزان؟
فرد عليه على الفور :
- أعرف، ولكن العكس هو الصحيح! فطرزان هو الذي يشبهني!
كان قد أوغل في تقمّص شخصية طرزان تماماً، وأخذ يرتدي زياً مشابهاً لزي طرزان حينما يذهب لتلبية دعوات من يطلب إليه تأدية عروض بهلوانية في المقاهي الأخرى في المدينة. كما توصل إلى ابتكار حركات بهلوانية لا يستطيع حتى طرزان نفسه الإتيان بمثلها، مثل القفـز من فوق الكراسي و أداء حركات جمبازية.. حتى بدأ الناس يلقبونه بـ(ناظم طرزان).

(*) هي التكية الطالبانية في كركوك
(**) النفير العام


جلال فتاح رفعت
كاتب ومترجم من العراق- كركوك
jalalrifat@yahoo.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث