الثلاثاء, 22 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
حضور/ فصلان من رواية
حسين عجة
حضور/ فصلان من رواية
حسين عجة


إلى المبدع الكبير، بلا ضفاف، عدنان المبارك



الفصل الأول


لا يمكن أن يكون هذا محض ذكريات، أو مجرد تخيل للأشياء، ما دمت أعيشه وأشعر به بطريقة متواصلة، وبلا أنقطاع تقريباً : رغبتي في الموت. كذلك ليست لدي أية حاجة في التفكير به، تأمله أو التيقن من حقيقته، أعني تلك الرغبة. يكفيني، إذا ما أقتضى الحال، مدَّ بصري، أو ما أتخيله كذلك، حتى أراها ماثلة أمامي، بوضوح قد لا يصدقه غيري. أراها ربما ضمن أفق مضبب، بنوع من الإختلاط أو التمازج مع "أشياء" أخرى غيرها؛ بيد أن ذلك لا يمنعني أو يحرمني من رؤيتها، هي، كما هي : رغبتي في الموت. لطول عمرها، لتجذرها بقوة، حداً يمكن فيه للمرء القول بأن عمرها هو، بالدقة، عمري أنا بكامله. أو تقريباً. من الضروري، كما يبدو، التشديد على هذه الأخيرة، تقريباً. المهم في الأمر أن أتقدم. ولو قليلاً. أن أتعلم المشي ثانية، في عمري الحالي. أجل دون طرح الكثير من الأسئلة لا على نفسي ولا على واحد آخر، غيري. أيّ كان. كائن من كان. الماضي طبيعة الكائن. واحدة نافلة كغيرها. جملة. آنذاك، قد يكون بمقدوري تحديد كيف، أو بالأحرى متى بدأت الرغبة تلازمني، تسكنني ومن ثم توجه إرادتي. إرادتي؟ وها هي هنا. أعني الأسئلة. واحداً منها، على الأقل. سأتخطاه. مثلما فعلت مع الكثير غيره. حقاً؟ ينبغي على هذا أن يخرس أيضاً.

في المرحلة أو اللحظة التي أنا فيها. لستُ وحدي تماماً. لكن معها. تلازمني، تسكنني وبالتالي تتحكم بإرادتي. خطوة بعد خطوة. حدث ذلك في أيام التحاقي الأولى بالمدرسة الأبتدائية. مدرسة فقيرة ملقية كيفما يكون على أحد شواطىء دجلة. في الجنوب. وكأن من بنوها تعمدوا جعلها تظهر ملقيةً بالصدفة هناك. بمحاذاة الشط، على أحد حوافيه، تقريباً. أو، لقول الحقيقة قدر الإمكان، كانت تطل عليه. على الشط ، تشرف عليه، أو بدقة أكبر تحتضنه. أحياناً، كنتُ أتخيل بأنها على وشك الوقوع في حضنه. في مثل تلك اللحظة، كنتُ أشعر، بطبيعة الحال، بالفزعِ. بيد أنه فزع صامت. واحد أو اثنين. لحسن الحظ. إذ كيف كان سيكون عليه الأمر لو سررت لأحدهم به، فزعي؟ من المؤكد بأنه كان سينظر لي بنوع من الريبةِ، الإرتباك أو عدم الفهم. قطعاً. بعدها سيخبر، بدوره، واحداً آخر، ثان أو ثالث. وفي النهاية، كان سيعم وينتشر الخبر. كأي خبر غيره. وإذا ما سمعت عائلتي؟ لم يعد بمقدوري، الآن، تخيل ردود فعلها. لكن مهما كانت، ستكون، دون أقل ريب، ردود أفعال، لنقل مُفترضةً. وسوف لن تبارح مكانها أو موقعها الخاص. كردود أفعال. ربما كان والدي سيوبخني، يقرعني، أو يلومني على تهوري. على ماذا؟ على تهور فزع دفعني نحو تخيل المدرسة وكأنها ستسقط، أو تلقي بنفسها في حضن الشط. العقل بعينه، كان سيضحك والدي مقهقهاً بصوت عال، كالعادة. عادته هو. كان يتكلم بصوت عال، الناس يقولون جهوري، واضح ومفهوم، كما هو ضحكه، قهقته بالأحرى. لا نفع لمفردة "بالأحرى". ومع ذلك، ستتكرر كثيراً هنا، أي أني سأحتاجها لأكثر من مرة، لكي أتقدم، ولو قليلاً. مدرسة، إذاً، ملقية وكأنها بالصدفة على أحد شواطىء دجلة. في الجنوب. أثناء ذلك، كنتُ فزعاً، الخ... أُسمي هذا تقدماً. بالنسبة لي. لا معنى لها. ولا محل من الإعراب. الـ "بالنسبة لي". ليس ثمة من مشكلة أو صعوبة، هنا، يا أخي. ضمن الشرط المُفترضِ للتقدم. ولو قليلاً. فكلما تأخر، ستكون المتعةِ أكبر. لا أقول وهكذا دواليك. تعبير غاية في البرودة، الكسل، ويلامس التفاهة حتى. فقصة خطوة بعد خطوة تخلو تماماً من هذا ومن دواليك. المتعة وحدها باقية، في مكان ما، في لحظة ما، عند أحدهم أو عند غيره، بدون دواليك. تقريباً. ملايين وملايين الأشياء، الحكايات، حدثت من قبل وضمن الميدان الواحد. أو ما يفترض أن يكون عليه. الميدان الواحد، مع أن الجميع يدرك بسهولة عدم وجود ميدان كهذا. البعض يطلق عليه الحقل الواحد. وكأن ما ينبغي علينا انقاذه هو واحد الميدان، أو الحقل. صحيح أن تلك المدرسة كانت محاطة ببساتين، من كل جانب من جوانبها. غير أن البساتين ليست لا بالميادين ولا بالحقول. ولا يتطلب الأمر، كما أظن، تقديم الأدلة والبراهين عليه. أو الحلفان والقسم باغلظ الإيمانات. كلها تتراكب، الغلاظة والإيمانات. أمور عجيبة. ما أن يشرع المرء في الرغبة بالتقدم، أو موته، كيف أقول؟ الخاص؟ الشخصي؟ الفردي؟ المعزول؟ أو في العالم؟. ولو قليلاً. كلما تأخر، كلما كانت المتعة أكبر. يتأخر أو يرواح في مكانه. المراوحة تتعارض مع بقاء المرء في مكانه، أو الشيء في محله. يتزحزح. بصورة غير مرئية، ربما. نحن نتفق على هذا تماماً. على ماذا؟ على أهمية عدم السماح للأسئلة من إعاقة طريقنا. أليس كذلك؟ في الصباح الباكر، في ايام الشتاء القاتل ببرده، بدشاديشنا الفقيرة، الممزقة، بوجوهنا وقد اكتسبت اللون القرمزي، بأقدامنا الحافية والمشققةِ، كانوا يوقفونا على شكل أرتال، أو صفين متقابلين والعلم الوطني في وسطنا، ومن ثم سيكون من واجب أحدنا أما رفعه إذا كان منكصاً، أو تنكيصه إذا كان مرفوعاً. كانوا يوقفونا هناك، في باحة كبيرة، باحة المدرسة، ثم يشرع المعلم، بعد أن يكون قد أنتهى من صفارة الإنذار أو التجمع، بالمناداة علينا كل باسمه. يصرخ باسم احدهم، مثلاً، وعلى هذا الأخير الرد بنعم إذا كان حاضراً. بصمت وفراغ مرعب إن لم يكن كذلك. كذلك ماذا؟ إذا كان غائباً.

في الأيام، الأسابيع أو الأشهر الأولى لم أنتبه لما يحدث من حولي. أو تقريباً. قطعاً. كان أخي الأكبر يقف بجانبي، وحين كان المعلم ينادي عليَّ باسمي، كانت يد ما، يد شقيقي تلكعني، تضربني، توخزني على خاصرتي، لكي أرد : بـ "حاضر". بعد هذا بأيام، بأسابيع أو بضعة أشهر ربما شعرتُ، ولكن شيئاً فشيئاً، برهبة الحضور، خشيتي التي لا توصف على الخلط بينه وبين عكسه. الغياب. كرهته. المعلم. أخي. الحضور، ونفسي. لم أكره المدرسة، كبناية. كانت بناية غاية في الجمال، مع الإهمال الواضح على ملامحها. على الأقل بالنسبة لي. لا معنى لها. بالنسبة لي. في عمري الحالي، اسمي هذا "رغبتي في الموت". رغبتي في عدم الحضور، في كل مرة ينبغي على المرء أن يكون فيها حاضراً. وعلى كل المستويات والأصعدة. أية ثقة، أية غطرسة، أي ادعاء؟ ماذا؟ ثقة ماذا، غطرسة حيال أي شيء، أو فرد، ادعاء منْ؟ ثقة بالذات. بماذا؟ كلا، لا، لا شيء، كنت أمزح قليلاً. هكذا رددت عليه قبل يومين أو أكثر، على الماسنجر. منْ؟ صديق قديم سألني عن الرغبة. رغبة الذات بالموت، كحكاية. المهم أن أتقدم، ولو قليلاً. هذا ما ذكرته لأكثر من عشرة مرات في الصفحة الواحدة. خطأ، أو سوء طوية كهذه، ربما سيحصل على غفرانه، غفرانها. كباقي رقع النسيج. ثوبٌ مُرقع. الإنكى من كل ذلك هو أن لون الرقع لا يشبه النسيج المُرقعِ. نسيج مرقع برقع ما كان ينبغي أن تكون هي لترقيعه. غيرها. في الحقيقة والواقع، صرت أتحدث كمعلمي، الجوهري في القضية لا يكمن لا في النسيج ولا في الرقعِ. بماذا، إذاً؟ دعني أفكر قليلاً. القضية تكمن في النظر، كما يظن ويعتقد الظاهراتيون. هكذا تُكتب المفردة؟ أعتقد. بالنظر؟ أجل، بالنظر إلى النسيج ورقعه. بالنظر إلى ماذا، مقارنة بماذا؟ بالنظر إلى مسألة أن التقدم، خطوة بعد خطوة، قد يستوجب النسيج والرقع. لو سلمنا معك "جدلاً" بجدلية النسيج والرقع، ألا يبقى بالنسبىة لك من أهمية للونِ؟ كلا. ثوب النسيج الذي كنتُ أرتديه من أجل الذهاب إلى تلك المدرسة التي كانت على وشك أن ترمي بنفسها في أحضان الشط كان مرقعاً بشتى الإحجام والألوان. كدت أقول والأشكال والأساليب أيضاً. لا أعرف ما الذي جعلني أحجم عن قول ذلك. أو بالأحرى لا أدري منْ دفعني على خنق صوته، صوتي. فوراء كل "ماذا" عليك وضع منْ، مذكر أو مؤنث. أو حتى صيغة الجمع. عادة ما نقول بأن فلان أو علان، فلانة أو فلتانةِ منعت فلان أو علتان عن الكلام. جعله أو جعلته يحجم عن قوله. لكننا لا نستيطع القول الفولتانيون، بالجمع، المذكر أو المؤنث، بالعدل أو بالتكسير قد منعوا فلان عن الكلام. جعلوه يمتنع عنه، أو يحجم عن قوله. أصعب الأمور قاطبة. منع الكلام، أحجامه أو تحجيمه. لذا، لا أهمية لا للون ولا للشكل ولا للحجم ولا للأسلوب، ما أن يتعلق الأمر بالنسيج ورقعه، بطبيعة الحال. على الأقل، في تلك المرحلة. مرحلة؟ أية مرحلة؟ الإبتدائية. حين كان المعلم، بعد أن يكون هو وبمساعدة بعض المراقبين، كالعادة، قد وضعونا في صفين من أجل القاء التحية على العلم الوطني، ثم يشرع بمناداته علينا، كل باسمه، في تلك الأيام بالدقة سكنتني الرغبة في الموت. ولم تعد تفارقني. كذلك يمكن للمرء، إذا ما أحتل مكاني وموقعي، القول بأنها لم تفارقنى إلى اليوم. لو كان يومه يشبه يومي وحسب. ومع ذلك، لم أفعل أي شيء. اللهم إلا إذا ما حسبنا ترديد هذه الرغبة عشرات، وحتى مئات المرات في اليوم الواحد عمل شيئاً وما.

مرة سمعت رجلاً، متفرداً حقاً، يقول عن أشياء كهذه، أو يصفها بالأحرى باعتبارها أفعال كونية كبرى. جميل أن يقول الإنسان لنفسه أشياء كهذه، من الحين إلى الآخر. إذا ما كان متأكداً، بهذه الطريقة أو تلك، من براءته. من ماذا؟ براءته. أية فضيحة؟ وكيف يمكنه التأكد منها؟ بالمغامرة. أن يغامر، لنقل بإلقاء حجر ما، ثم الإنتظار إذا ما كان سيسقط على رأس أحدهم أو لا. بهذا سوف يتأكد بنفسه. أين هي البراءة، هنا، ما موقعها؟ من البدء، يؤسفني قول ذلك، كنت شبه مُتقيناً بأن عثرات كهذه ستقف في طريقي. كانت أمي هي من سجلني في تلك المدرسة. المحمودية، اسمها. لا يمكنني الوقوع بالخطأ على الأقل فيما يتعلق باسمها، ولا نسيانه أيضاً. مدرسة المحمودية الإبتدائية للبنين. بالمناسبة، أو بالنسبة لعائلتنا، لم يقم والدي بتسجيل أي من أولاده وبناته في أية مدرسة. على كثرتنا. من البنات والبنين. كما هو مكتوب في جميع الكتب والمخطوطات المقدسة. ما علاقة هذه بالبراءة؟ إذا كان المقصود "هنا" الكتب المقدسة أو المدرسة، فسوف لن تكون هناك أية براءة. أو أنها، في أحسن الأحوال، براءة إفتراضية. مثلما يحدث، في أيامنا، مثلاً، عن طريق الحواسيب، الكومبيوترات، أو الأوردناتيرات باللغة الفرنسية. وكأنها دينوصورات معاصرة. قوة كل دولة وشعب، كما يبدو في أيامنا، متولدة عن كمية الدينوصورات المعاصرة، التي يتمتع بها. أنا أيضاً أحبها. لا أقول أحترمها، إذ ليس هناك ما يوجب احتراماً كهذا، كذلك هي بغنى عنه. مع أنه ليس هناك، على وجه الأطلاق، كما يقول ويؤكد على ذلك حصاد الجزيرة، من قدرة في المخيلة، أو لدى المرء عبر مخيلته؛ قدرة على تخيل الجمع ما بين الدينوصورات والمتعة. أعتقد، مجرد أعتقاد، وكأن الإعتقاد شيء يسير، بأننا نعيش ضمن مجتمعات بلا متعةِ. من دونها. وذلك منذ زمن طويل. أحياناً، يحلو للبعض منا إضافة مفردة حقيقية إلى مفردة متعة. وكأن هناك متعةً غير حقيقية. تنقية الكلام. من ماذا؟ من شوائبه. لكن، ما الذي سيبقى منه إذا ما نُقيَّ من شوائبه؟ لا أدري. أو القليل. أو لا شيء. لنقل، إذاً، بدل حقيقية كان ينبغي القول واقعية. هل سيكون الأمر أفضل؟ أجل. يمكننا التأكيد بأننا نعيش اليوم في مجتمعات لا تعرف المتعِ الواقعية. ماذا تعرف، إذاً؟ متع لا واقعية؟ إفتراضية. علم إفتراضي، علاقات إفتراضية، غراميات إفتراضية، حروب ومعارك إفتراضية. ليس إلى هذا الحد. ينبغي الكف عن التهور. وهذا ما يذكرني بأبي. إذ لو قلت له، لو كنتُ قد قلت له بأنه يخطر على ذهني أحياناً تخيل مدرسة المحمودية للبنين وكأنها ترغب في رمي نفسها في أحضان الشط، في الجنوب، ما الذي كان بمقدوره الرد عليَّ به، سوى القول بأن تفكيراً كهذا ما هو إلا تفكير إفتراضي. صحيح أن المفردة لم تكن شائعة في تلك الأيام، وأبعد ما تكون عن ذهن أبي حتى وإن كانت شائعة. كان سيرد علي : لا تتخيل كثيراً يا ولدي. ومن ثم سينتهي الموضوع، أو الأمر أو القضية. وفي اليوم القادم، في صباحه، سيقول أحدنا للآخر : صباح الخير، يا أبي، في حالتي، وصباح الخير، يا ولدي، في حالته. أي لن يكون هناك بيننا لا نزاع ولا جدال من حول الواقعي والإفتراضي. سيفترض كل واحد منا بأن الآخر قد فهمه، وليس هناك ما يبرر أو يوجب لا التجافي ولا الحزازة، لا الحقد ولا رغبة الإنتقام واحدنا من الآخر. مثلما يحدث اليوم في بلدنا. ماذا؟ أقصد بلدي، الذي يكاد هو أيضاً، بدوره، أن يتحول إلى إفتراضي. المهم هو أن أتقدم، ولو قليلاً. إتسنامي، من طبيعة أخرى. أو بلا طبيعة. إذ كيف يمكن فهم رغبة طفل، بعمري ذاك، في الموت وهو لم ير بعد أية كارثة أمامه؟ أو، أفضل من هذا، كيف يمكنني فهمها، في عمري الحالي، مع أني رأيت، سمعت، ووصلني خبر وقوع كل الكوارث في بلادي. وطني. الواقعي والإفتراضي أيضاً. أيهما، بالدقة، وطني؟ كل ما أعرفه هو أني لم أكن سعيداً في أيّ منهما. لا في الأول ولا في الثاني. بهذا المعنى، يمكنني القول : لقد بقيت طيلة حياتي، في الواقع، على أعتاب المدرسة. لا في الأول ولا في الصف الثاني. هل يمكن اعتبار الأول، مسقط رأسي، بمثابة وطني مرة وإلى الأبد، أو ماذا؟ هناك شكوك كثيرة تحوم من حول القضية. منها، على سبيل المثال لا للحصر، وكما تقول فخرية أم الفحم، في كل مرة، وهي قليلة، أحاول فيها الحصول على ورقة رسمية من هذا الوطن، إن كان ذلك يتعلق بشهادة الجنسية، أخطر الأشياء قاطبة، أو شهادة عدم المحكومية، بطاقة الأحوال المدنية أو جواز السفر، لا أحصل عليها أبداً، أو، لكي لا أبالغ كثيراً، بالنسبة للذين يخشون المبالغةِ، إلا بشق الأنفس. من هنا، لتسجلوا هذا في مديرية النفوس العامة أو ضمن التشريعات المرتقبة للبرلمان، أميل وأحب فخرية أم الفحم أكثر من كل حكومات وطني، الذي سقط فيه رأسي. جميع الحكومات السابقة والتي سبقتها والتي كانت قد سبقتها والتي لحقتها وستلحقها والتي ستلحقها ستلحقها. تلعثم المرء في لغته الأم. يا لجمال العبارة. نقطة رأس سطر. كمسقط الرأس. أنتهينا. الثاني، الوطن الثاني، كيف يمكن تسميته؟ واقعي، حقيقي، لا واقعي ولا حقيقي؟ إفتراضي؟ هناك العديد من الشكوك التي تدور من حول القضية. حصلت منه على جواز سفر من دون أن يسقط رأسي فيه. لكن قد تكون "أشياء" كثيرة أخرى مني قد سقطت فيه. منْ يدري. بلا علامة تعجب ولا استفهام. ولا فهم حتى. أحب الإصرار على عبارات كهذه، إذ سرعان ما تبدو لي وكأنها واقعية، بطبيعتها. مع أني أنا نفسي لا افهم أي شيء عن الطبيعة. على أية حال، سأقدم لكم الجردة، هي مثلما هي عليه. لغة انطولوجية. ما معنى هذه، انطولوجية، سألتني يوماً فخرية. الكائن ككائن، أو الكينونة ككينونة، هي مثلما هي عليه، رددت عليها، أو كما تشائين، قلت لها. "أوويّ... هاي شنو صبري، أشكد أنتَ مكروه"، وضحكت. بلا علامة تعجب ولا استنكار هنا أيضاً. حياد. حيال ماذا؟ حيال أو ازاء الأشياء التي يمكن أن تكون قد سقطت مني، وها أني أشرع بتقديم الجردة، غير مسقط رأسي في وطني الثاني هي التالية : ذاكرتي. قد يكون. لكن كلا. إذ ليست لدي مشاكل كثيرة أو تذكر مع هذه، أو على الأقل هذا ما حاولَ أصدقائي القليلون، أو النادرون إقناعي به. لا تسقط ذاكرة المرء في بلد هو ليس مسقط رأسه، يقولون، شاء منْ شاء وأبى من أبى، كما قال المرحوم عرفات في لحظة توقيعه على وثيقة أوسلو، التي يصفها البعض بالكارثية، ويضيف على جميع المستويات والصعد. أنا لم أقرأها ولن. أعني لا أعرف كيف أقرأ الوثائق. وهذا ما يُدلل ويبرهن عليه عجزي الكامل والناجز على فهم الأوراق، الملفات والوثائق التي يمطرني بها يومياً تقريباً وطني الثاني، بما فيها فاتورات الكهرباء والماء، الهاتف والبنك الدولي للتنمية المستدامة. اسماء غريبة. دون علامة تعجب، أو احتقار يذكر. سرعان ما ألقي بتلك الأوراق، الملفات والوثائق في سلة المهملات، لو كان لدي، على الأقل، واحدة منها. على الأقل تشبه تقريباً. كما يبدو. المهم أن أتقدم، ولو قليلاً. وكأن رغبتي في الموت قد نستني لحظياً. منذ طفولتي، في مدرسة المحمودية الإبتدائية للبنين. هناك أيضاً ما يُسمى المحكمة الإبتدائية. لم أعرفها. وربما لن. بالمقابل، أية لغة، عرفت محكمة أمن الدولة، برئاسة العقيد الركن شاكر مدحت السعود. منْ من الجماعة لا يعرفه؟ أعني سكان مسقط رأسي. كان ذلك في معسكر الرشيد. هارون أو قارون؟ لا أعرف. رشيد. كما تقول : "أي والله هذا حاكم رشيد وحكمه حكم الراشدين". أو "جيب ليل وأخذ عتاب"، كما كان يردد المرحوم قتيبة عبد الله، بمناسبة أو بدونها. هو أو منعم حسن. ما عدت أرى الفارق. بالمناسبة، أو بشكل عام، لا يمكن، بالدقة وعكس ما هو شائع، رؤية الفارق. ملامسته ربما، عيشه أكيد، التمتع به، أجل. كلما تأخر، كلما كانت المتعة أكبر. طبخة أصلية، يقول سكان مسقط رأسي. نسيت أن أضيف بأن هناك، في البادية العربية، بلد أو عاصمة تحمل هذا الاسم: مسقط. لكن دون الرأس. لا ينبغي نسيان ذلك. ولا رغبتي في الموت أيضاً.






الفصل الثاني



من جديد تركت الأوهام تحيطُ بي من كل جانب. أوهام لا موضوع ولا غاية لها، ولا تريد. وكأنها عفاريت من الأزمنة السالفة، أو مكائن عصرية من الأزمنة اللاحقة. يمكن الشك، بطبيعة الحال، بكل مفردة هنا. من كل حدب وصوب. أو، مثلما يُقال اليوم، تماهيت مع كل شيء ومع الجميع. دون فائدة ولا نفع. على الأقل في حينها، والعكس ربما صحيح أيضاً، أي في غالب الأحوال. المهم أن يتقدم المرء، ولو قليلاً. وأن لا ينسى، في حالتي، بأنه كلما تأخر، كلما كانت المتعة أكبر. منْ يتأخر ليس المرء، ولكن شيئه؛ إذا ما تأخر شيء المرء، وكأنه ينقع أو يتخمر في كسله الأول، ثم يأخذ، تدريجياً، بالتفتح، كلما كانت المتعة أكبر. تمسكه بالرغبة كرغبة. يمكنني، مثلاً، فهم "الصوب"، فأنا أعرف بأن لمدينتي صوبين : الكبير والصغير، أو مهما كانت الأسماء ولألقاب التي تُمنح لهما. ذلك ما علمتني أمي إياه، منذ أيام طفولتي. علمتني؟ أوه، كلا، قالته لي، في يوم من الأيام، في لحظة من اللحظات، أثناء عبورنا ربما من الصوب الكبير نحو الآخر الصغير، أو بالعكس كما يُذكر. المهم أنني صرت، مع أمتداد العمر والتجربة المضحكة، أعرف نوعما ما تعنيه مفردة صوب، لو نطق بها أحدهم بالقرب مني، وهذا ما هو نادر أيضاً. لكن، كيف لي فهم حدب، ما هو الحدب، وما هي حدوده المعقولة والمخبولة منها أيضاً؟ يبدو أن تحذيراتي لنفسي بعدم التسرع بطرح الأسئلة لا يؤتي بثماره. فأية ثمار ترجى من الأشياء، أشيائي أنا مثلاً، التي لا تجري ولا تجد عافيتها وتفتحها المزعوم إلا إذا ما بقيت على السطح؟ السطح باهر الجمال والضاحك في ذات الوقت. وعلى أيّ حال، كانت قضية الحدب، أتساعه، أمتداده، أنتشاره، وحتى كينونته قد شغلتني، غمرتني، كما يقول المرء، من أخمص قدمي وحتى ذروة رأسي. لا شيء يؤكد ذلك. أعني قدرتي على تقديم برهاين أو أدلة مادية على صدق ما أقول. بيد أن ذلك لا يمنعني من القول بأنها كانت قد هيمنت بقوة على عقلي، مخيلتي، حواسي وسكنات حياتي، أو ما تبقى منها، حداً جعلتني أدفع به، أرقيه إلى حدوده الميتافيزيقية، التي تليق به، إذا ما كان ثمة من شيء يليق به. أعني، مرة أخرى، قضية من أين تبدأ وأين تنتهي حدود الحدب، وما هي كينونته. ومع ذلك، لا شيء يعطل الحياة. ظاهرياً على الأقل. خطوة خطوة، ومع التآكل البطيء للزمان، أو تآكلنا فيه.

في صباي، ولكن أيضاً بعده بوقت طويل، لكي لا أبالغ، مع أن المبالغة مطلوبة، هنا، ولا بد منها، كلما وجد المرء نفسه في الموقف الذي أنا فيه وأعترته نفس الحالة، بقيت تلك الإشكالية، أعني مشكلة الحدب وأبعاده، مشغلتي الأساسية، الجوهرية، وكأني لم أكن قادراً على العيش من دون أن تتوضح وتكشف عن ذاتها، من تلقاء نفسها. وهذا ما لامني عليه كثيراً منعم حسن، قتيبة الشيخ عبد الله، فاضل عباس هادي، وفخرية أم الفحم. فهم دائماً ما كانوا يقدمون ضدي، لصالحي، ذات الاعتراضات الشهيرة : أين المادة، أولاً، أين الشكل، ثانياً، أين التركيب ثالثاً، أين الشخوص رابعاً، لكي ينتهوا، في نهاية المطاف أو الجولة، عند التركيز المرير، المعذب والأحمق على : أين هو الأسلوب؟ كان منعم، كما يعرف القاصي والداني، أكثرهم قرباً لي. إذا ما استثنيا الراوي، الذي كنتُ أعيش معه، لا أدري بحكم أية مصادفة، والجنابي، الذي كنت التقيه في كل انعطافة وزاوية من زوايا مدينتي، لا أدري بحكم أية عبقرية أو سفاهة. قلت لمنعم مرة، إذاً، وكنا ننام على سطح أحد الفنادق الكبيرة والمكتظة بأجساد الزبائن، من فوق أسرة حديدية مرعبة، تُذكر بالمستشفيات، بالأحرى؛ قلت له أو سألته في الحقيقة : منعم العزيز، إذا ما التقيتَ، صدفة، بإنسان لا تعرفه ولم تكن قد رأيته من قبل، هل ستقدم له أو تعرض عليه نفس تلك الاعتراضات؟ تظاهر بالإندهاش : أية اعتراضات؟ تنحنحت أنا، وكأني على وشك قذف قرقرة الموت، مع حبي له، ثم رددت عليه: اعتراضات المادة، الشكل، التركيب، الشخوص وما تسميه بالأسلوب. تقلب في سريره، لكي يكون في مواجهتي، وبطريقته العاجلة، التي تمس شغاف القلب، قال لي : الإنسان كائن خالد. في اللحظة الأولى، حيرتني أجابته، لكن ما أن تنفست حتى أخذتني عاطفة الإشفاق عليه. وبالرغم من ذلك، وقبل أن أعثر على مفردات الرد عليه، أضاف بسرعة برقية لا يمكن اللحاق بها : فيما المادة، الشكل، الشخوص، الخ... زائلة، لهذا نطالب بها، في مثولها أو حضورها الآني، العابر، اللاغائي والمحايث أيضاً. أقسم بأن منعم كان قد نطق بهاتين المفردتين : اللاغائي والمحايث، في ذلك الوقت. لنتخيل الهوة التي دفعني نحو حافتها، العزيز والغالي منعم! علامة التعجب الوحيدة التي أود الإحتفاظ بها، مهما طال عمري وأمتدت بي الحياة. تأملته قليلاً، ثم مع إبتسامة مصطنعة وبريئة تقريباً، قلت له : إلا ترغب، يا منعم، في أن نخرج قليلاً؟ نخرج؟ إلى أين؟ هل تعرف كم هي الساعة الآن؟ اجابني. كلا، لا أعرف، لكن متى كنتُ تعير أهتماماً للساعات، أنتَ؟ رددت عليه. الثانية والنصف صباحاً، إلا تسمع عالم الشخير من حولك؟ قال. يا منعم، لتترك كل هذه المماحكة، وقل لي هل ترغب في الخروج الآن، أم لا؟ كله يتوقف على معرفتي إلى أين. أجابني. ولأني أعرف بعض نقاط ضعفه، قلت له مشدداً نوعما على الكلمات : لتناول وجبه لذيذة من "باجة الحاتي"، مثلاً. ما أن تلفظت بتلك المفردات وإذا بوجه منعم، الوردي بطبيعته، ينغمر بنوع من النور أو الحيوية التي لم أكن أتوقعها في لحظة كتلك، كذلك برقت عيناه الصغيرتان بوميض غير عادي وكأنهما بحيرة تزدحم وتتراطم على ضفافها كل العواطف، الإنفعالات، الأفكار وحالات الخبال السعيدة. بالمناسبة، هناك الكثير من ملامح الشبه ما بين وجه منعم ووجه ديستويفسكي، لاسيما عينيه الصغيرتين ولكن المتوقدتان، الذكيتان، واللتان توصلان إلى المرء ما لا يحصى من الإشارات، الإستفسارات، الإيحاءات وحالات التهكم العظمى.

نزلنا من فوق السطح، من المجال أو الفضاء الأكثر رقة، حرية، خلوة ورأفة بنا؛ وفي غرفة الفندق الصغيرة، التي وضعَ فيها سريرين من الحديد منزوعي النوابض، واحداً مقابل الآخر، أرتدينا سروالينا بعجالة وانطلقنا بغبطة أطفال نحو الخارج. مفردة لا يضارعها بجمالها، فتنتها، خفتها وبراءتها أية مفردة أخرى، اللهم إلا مفردة سطح، بهذا المعنى أو ذاك.

في الشارع، أي ما أن تخطينا عتبة ذلك الفندق والظلام الليلي ما زال يغلفها، سألني منعم، وكأننا لا نرى واحدنا الآخر كل يوم ولا نسكن في ذات الغرفة الواحدة، بأسلوبه اللاهث، الفوضي، والذي يُراكم فيه، دفعة واحدة، أشياء لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر، والملموم على نفسه بطريقة ساحرة، في ذات الوقت : هل قرأت "سور الصين العظيم" لكافكا، "الحب الأول" لصموئيل بيكيت المنشورين في مجلة "جاليري 68"، وما هو رأيك بتروتسكي؟ تروتسكي؟ رددت عليه متسائلاً. "أيوه"، قالها منعم باللهجة المصرية، تروتسكي في "الشيوعية والأرهاب"؟ دقيقة... دقيقة... حتى أأخذ نفسي. قلت له. "ماذا؟ لأخذ نفسي، ماذا تعني؟ أحكي لي عن كل هذه الأسماء والمواضيع، فأنا لا أحب سماع غيرك يتحدث عنها". ردَ عليَّ. هل كان يكذب حينها؟ ربما. فعند منعم يختلط، يتمازج ويتزواج بهناء وغبطة الجدي بالهزلي، الدرامي الثقيل بالكوميدي الخفيف والمحلق في آن معاً. تماماً كما هو الأمر عند فنان غير معترف به في الوسط الفني، من قبل الفنانين، المعروفين والمغمورين منهم. على أية حال، سنتحدث عن كل ذلك عند الحاتي، رددت عليه. "غير جايف"، كانت عبارته الأخيرة في ذلك الشارع الممتد، متوسط السعة والذي تطوقه من أحدى جانبيه العواميد المقوسة، التي تضفي عليه نوعاً من الظلال الأليفة، والتي يجري خلفها النهر الخالد، أو هكذا أسميه أنا، على الأقل. المهم أن أتقدم، ولو قليلاً. وكلما طال ذلك، كلما تعاظمت المتعةِ. حتى في حضرة صديقي. أو حضوره المُغيبِ، إذا شئنا، بهذه الطريقة أو تلك.

أوقفنا سيارة تاكسي من أجل الذهاب إلى الحاتي، البعيد عن الفندق الذي نسكن فيه. داخل السيارة لم يكف منعم لحظة واحدة عن التحرك، أو التململ، فتارة يقترب مني بحيث كنت مضطراً إلى حشر نفسي بقرب الباب، وتارة أخرى يبتعد في الإتجاه المعاكس وكأنه يلتصق بزجاجة الباب الآخر، الذي يجلس بقربه، من الجهة الثانية. أثناء ذلك، وفيما كان على وشك توليع سيجارته، سألني إذا ما كان لدي أخبار عن إبراهيم. حين أظهرت له دهشتي من سؤاله، قال لي : ألم تسمع بأنه معتقل منذ أسبوعين؟ كلا، لم أسمع، أين ولماذا؟ سألته، بدوري. "لماذا تتظاهر، يا صبري، بأنك لا تعرف شيئاً عن ابراهيم، ألست أنت أقرب اصدقائه"؟ تساءل. كدتُ أرد عليه بجملتي الشهيرة، التي صار يعرفها عن ظهر قلب : كلما طال، كلما كانت المتعة أكبر. بيد أن جديته وصيغة طرحه لسؤاله قد جعلتني احجم عن ذلك. "ألا تعرف بأن ابراهيم كان منتمياً إلى القيادة المركزية"؟ بالكاد كان قد طرح عليًّ سؤاله الجديد هذا، حتى صرخت، بدوري : "كلا". "لماذا تكذب؟ أنه الآن في قصر النهاية، ما دمت ترغب معرفة أين هو". ذُهلت. هذا كل ما يمكنني قوله، لكني لم أرغب بعد ذلك بقول أي شيء.

أثناء ذلك، وصلنا إلى محل الحاتي. طلب منعم بنفسه وجبتي الطعام؛ جلسنا أحدنا مقابل الآخر، غير أننا لم ننبس ولا بكلمة واحدة. كان تجهم وجهي قد قطع على منعم أية إمكانية للثرثرة. أنهينا الأكل بسرعة نسبية. عدنا إلى الفندق بذات الطريقة التي غادرناه فيها، والصمت يصاحبنا هذه المرة. أرتقينا سلم الفندق الخشبي حتى السطح، رقد كل واحد منا في سريره الحديدي، ولم يعد يفكر بشأن الآخر.

في نفس ذلك اليوم، لكن عند الثلاثة بعد الظهر، كان لدي موعداً مع نجيب صالح. رجل ليس من السهل وصف ثرائه الروحي، موسوعيته الثقافية، عشقه وتعلقه في آن معاً بالتراث وبآخر منجزات الفكر والأدب الغربي؛ كذلك ليس لكرمه المادي والمعنوي من تخوم، بيد أن ذائقته الموسيقية وإلمامه الغريب بكلاسيكيات هذا الفن، إلى جانب قدرته على الحديث لساعات عن أشهر مؤلفي الموسيقى في العالم كله هي التي تميزه بصورة واضحة عن كل ما يحيط به، بما فيهم نحن، أصدقاؤه. كان نجيب يكبرني بخمسة عشرة سنة على الأقل. ومع ذلك، كان غالباً ما يُظهر من الفتوة، الحيوية، حضور الذهن، والقدرة على المغامرة ما يجعلني أشعر بنوع من الشيخوخة مقارنة به. وقد لاحظ هو ذلك مرات عديدة. لم يكن الفارق في العمر، إذاً، ليشكل عقبة في وجه علاقتي بهذا الرجل، المتفرد في كل شيء، حتى في طريقة حديثه، ملبسه ومأكله. وبالرغم من ذلك، لم يكن أي من أصدقائي القريبين، الراوي، منعم، قتيبة، فاضل يميلون حقاً إليه. ما عدا الجنابي، بطبيعة الحال. ذلك لأن نجيب نفسه يحب ما كان يطلق عليه "صفاء" الجنابي، لكنه كان يعيب عليه "عدم جديته". أمّا أنا فقد وجدت بصداقة نجيب عزاءً كبيراً لي، لاسيما في لقاءاتنا الأولى، حيث تفهم بسرعة خارقة "رغبتي في الموت"، وكيف أن هذه الفكرة لا تنطوي في مطلق الأحوال على أية سوداوية، كآبة، أو اندفاع نحو الإنتحار. لقد فسر تلك الرغبة باعتبارها "فعل لا إرادي نحو التحول". "ميل إلى ما هو غير قائم بعد". كذلك حظى شعاري الشهير : "كلما تأخر، كلما كانت المتعة أكبر" على صدى طيب ومتسامح لديه. إذ قال لي يوماً، بطريقة فاجئتني إلى حد كبير : "أنتَ تشبه أوسكار وايلد، عند هذه النقطة. فوايلد كان يردد دائماً، وعلى عكس ما هو متعارف عليه، العبارة التالية : "لتؤجل عمل اليوم إلى غد". ثم راح يشرح لي الدلالات المنطقية لمقولة وايلد. كان نجيب، بالإضافة إلى كل ذلك، مولعاً حد الهوس بالإنطباعيين، وقد كتب مقالتين شهيرتين عن "مانيه" و"مونييه". كما كان يعشق صوت أم كلثوم ويصغي لها وكأنه يجلس في محراب خاص به، مغمض العينين وفي حالة خشوع أو إبتهال سماوي. بيد أنه لم يكن يطيق صوت فيروز ويهرب منه بشكل متطاير تقريباً، كذلك كان بمقدور المرء أن يحدثه، في مجال الأدب العربي، عن كل شيء ولكن ليس عن جبران خليل جبران، حداً يمكن القول فيه بأنه كان يضمر له نوعاً من العداوة الشخصية، أو ربما الغيرة. كلا، ليس الغيرة. بشكل دقيق، كان جبران يمثل عنده "الكاتب الإنشائي الفارغ". لم أسبر غور ذلك الموقف، ولم يكن يعنيني لا من قريب ولا من بعيد. أما إعجابه وحبه للمتنبي، فهو حقاً إعجاب لا حدود له.

كنتُ أنوي، إذاً، الذهاب إلى مكان موعدي مع نجيب، بعد ليلة السطح، الخروج مع منعم وتناول وجبه "باجة الحاتي" معه، عودتنا المخيبة بعض الشيء إلى الفندق وأرتقائنا لسلمه الخشبي المضعضع، ثم النوم والشخير كلاً في جوف سريره الحديدي المنزوع النوابض. في النهار، أعني في حدود الواحدة أو الواحدة والنصف سأتيقظت، أو بالأحرى كانت أشعة الشمس الهجومية قد أفترست أي أثر لظلال ممكنة من مساحة السطح الكبيرة هي التي إنتزعتني بالقوة من منامي.

كنتُ متشوقاً للقاء نجيب، هذه المرة، لكي أتحدث معه عن أسماء الصفار؛ كاتبة قصة تعمل معه في نفس مديرية الأوقاف العامة، التي يشغل منصب نائب المدير العام فيها، والتي بدأت أشعر نحوها بعاطفة خاصة، قد تكون قريبة من عاطفة الحب. لقد ترددت طويلاً في الحديث معه عنها، وفقاً للقاعدة السلوكية، التي، كما يبدو، قد أسست كل مواقفي عليها، بدون وعي ربما، والتي ما زلت احتفظ بها في علاقاتي النادرة بالناس والأشياء وأعتبارها قاعدة ذهبية، عندما يتعلق الأمر بمتعة المرء : "كلما طال، كلما كانت المتعة أكبر". لماذا تركت كل ذلك الوقت يمر دون أن أحاول اغتنام أحدى الفرص الكثيرة التي جمعتني بها، لكي أعرف منها، ولو من بعيد، ما كانت تحمله هي حيالي من عاطفة، ولماذا لم أحاول أيضاً معرفة رأي نجيب بذلك؟ قد يكون حدس غامض هو ما جعلني أتردد، أي قد يكون شعوري بأن نجيب نفسه يتمتع بعلاقة ما مع تلك المرأة هو الذي جعلني أمتنع عن التنقيب في حقيقة الأمر، أو سبر غور العطواف. وعلى أي حال، وبالرغم من الأجهاد والنعاس اللذان كان يغلفان كينونتي برمتها، عزمت الذهاب إلى ذلك الموعد. لكني ما أن أبتعدت عن الفندق بضعة أمتار وإذا بي ألتقي بفاضل، بوجهه الشاحب، كالعادة ربما من الجوع، شعره الفاحم ونظراته الحائرة.
-صباح الخير، يا صبري.
-صباح الخير، فاضل، كيفك؟
-لا بأس، شكراً، لكن قل لي هل ما زال منعم في الفندق؟
-كلا، لقد خرج منه باكراً، للذهاب إلى عمله، كقارىء مقايسس للكهرباء، فهذا العمل يتطلب، كما تعرف، الخروج باكراً.
-آه، صحيح. نسيت.
-لكن ماذا، ما الذي كنتَ تريده من منعم؟
-كنتُ أريده أن يطعمني وجبة أكل، فأنا أكاد أموت من الجوع.
-تعال معي، سنذهب لتناول وجبة كباب في مطعم الشمس القريب من هنا.
-وهل لديك فلوس؟
-أجل، وإلا ما كنت قد دعيتك إلى المطعم.
-وإلى أين كنت تنوي الذهاب، إذ لاحظت بأنك تسرع خطاك تقريباً؟
-كنتُ أنوي اللقاء بنجيب صالح، عندي موعد معه في الثالثة والنصف.
-آه، أرغب أن أذهب معك لرؤيته، لكن هل سمعت بخبر قد يؤلمك ويؤلم نجيب أيضاً؟
-ماذا، أي خبر؟
-هل سمعت بخبر وفاة البير كامي؟
-ماذا؟ صرخت بوجه فاضل الذي كان وما يزال يحب كامي وكأنه أحد أفراد عائلته.
بعدها أخرج من جيب معطفه الشتوي، الذي كان يرتديه دائماً، في الصيف والشتاء، الربيع والخريف، وكأن أمر المواسم وتنوع الطقس الطبيعي فيها قضية لا تعنيه أبداً؛ أخرج من معطفه ذاك، إذاً، جريدة أنكليزية وقرأ لي الخبر، وسط ضجة وصخب سوق الصفارين.



حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث