الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الحب في المنفى، بهاء طاهر والبحث عن الهوية
ممدوح فراج النابي
الحب في المنفى، بهاء طاهر والبحث عن الهوية
بهاء طاهر




لا تَغْدُو عَلاقة المنفِي بذاته أشبه بالمرفأ الذي تستكين عليه الذات، أو تلتقي فيه بنفسها فذات المنفِي مُطَارَدة دائمًا، تشعر بحالة توجس/ قلق ، ومن ثم تحاول أن تستقر أو على الأقل الشعور بالاستقرار، ولا يتأتى لها هذا إلا بعد أن تشعرَ بزوال حالة المُطارَدة التي كانت عليها، ولا يتحقق لها هذا إلا في الغربة، رغم أن الغربة نفسها هي مطاردة، لكنها أقل وطأة من الشعور بالمطاردة والاغتراب داخل الوطن ؛ لذا يسعى – دائمًا– المنفِي لاستعادة أو على الأقل استرداد هذه ( الذات) المطاردة بشتى الأساليب ، وأقلها استعادتها عبر الورق عن طريق البوح ، حيث تتجلى (الذات) في أصدق صورها ، بما فيها ذات الوطن ، حيث البُعْد المكاني " يساعد على رؤية الأشياء بأكثر موضوعية " . هذه الرؤية الأكثر موضوعية هي التي تساعد المنفِي بصفة خاصة أن يُحدِّد علاقته سواء بذاته أو بوطنه بعدما يكون قد تحرر من " انفعالاته اليومية ، من جزيئاته ، ورقابته ، وتكراره ، وخلاصه " (1) بل يتمادى البعض في كشف علاقة الغربة باستعادة ذاته ، مثل محمد ديب الذي يقول " لا يمكننا اكتشاف ذواتنا إلا عبر الترحال "(2). المسافة المكانية التي يَخلقها المنفَى للمنفِي تُسهم هي الأخرى بخلق مسافة "زمنية" كافية لاستعادة الماضي ، ومواجهته في المرآة ، حيث الإنسان لا يستطيع معرفة ذاته إلا بالآخر على حد تعبير إدوارد سعيد (3) هذا الآخر لا يتوفر إلا بالبعد المكاني ، والتحرر من البراثن التي تتعلق به من الضغوط (سياسية، واجتماعية ونحوهما...) ." ليعرف هذه الذات .. لذا تلح على المغترب – دائمًا – صورة الوطن والماضي خاصة (الطفولة) كأشياء مفقودة يجد فيها ذاته بصورة أوضح مما كان في هذه المطاردة .
يُعبر " حليم بركات " عن صورة الوطن والطفولة اللتين تُلِّحان عليه في المنفى باطراد كتأكيد على حالة الاستعادة لأشياءٍ مفقودةٍ في الوطن نفسه ، فالوطن الذي طُرِدَ منه خاصة إذا كان النفي قسريًا يراه في المنفى " فردوسًا مفقودًا " وقد كان قبل ذلك " جحيمًا" يقول حليم " في المنفى أجد شجرة الوطن تُغْرس جذورها عميقًا في داخلي ، فانتقل ذهابًا وإيابًا من خلال التداعي النفسي ، وعلى أجنحة المُخيِّلة بين الكهولة والطفولة وبين مدينة أمريكية هي واشنطون وقرية سورية هي ( الكفرون ) كل ذلك في مناخ نفسي تأملي متوتر معًا ، وفي زمن محدد هو بضعة أيام . انتقل بين المهجر والوطن ، كما تنقّل السندباد من جزيرة ، وأبحث عن جذوري ضائعًا كيولسيس مستنطقًا التاريخ السحيق كجروح الإنسان ومستعيدًا طفولتي متحررًا من متاعب المنفى "(4)
البحث عن الجذور واستعادة الطفولة هما جل غاية المنفِى ، فكأنه باستعادتهما – عن طريق الكتابة – تحرّر من وطأة المنفَى ، ومن جانب آخر يرى الباحث في محاولة استحضار الطفولة والبحث عن الجذور في كتابات المنفيين ، هي نوع من المقاومة ، لا لشيء سوى المنفَى ذاته ، فكأنه لا يريد أن يثبت لنفسه الفشل مرتين ، الأولى فى الخروج من الوطن ، والثانية في عدم قدرته على تحمل وطأة المنفى ذاته . فهاتان الوسيلتان نوع من الحمولات الدفاعية ضد الفشل ، والعجز اللذين يخشاهما في المنفى، لذا يحاول أن يتمسك بهويته من خلال العودة إلى الجذور ، والتذرع بالأمل من خلال فكرة الطفولة المستعادة . وما يعضد من الرأي السابق ، ما يطرحه إدوارد سعيد حول علاقة المنفِي بوطنه ، فيقول في هذا السياق " النفي أساسًا يعتمد على وجود حب الوطن الأصل ، وارتباط حقيقي به إذ هو غربة فُرضت على الإنسان ولا يمكن الخلاص منها " فالمنفى مقتلع من جذوره وتربته ، وماضيه "(5).هذا الشعور بالاقتلاع الذي يخايل المنفِي لـ ( جذوره وتربته وماضيه) هو الذي يجعله أكثر إلحاحًا على استعادة الماضي ، تأكيدًا للهوية ، وإثباتًا للذات بأنها ما زالت حية لم تنقطع بتاتًا .
على كلٍّ فلتجربة المنفى / الغربة رغم ضراوتها ، وقسوتها ، إلا أنها تُضفي الكثير من الخصائص المتضافرة ما بين السلب والإيجاب على رؤية المنفيين للعالم ،والإنسان ، والأشياء ، فالمنفي ينظر للعالم أجمع " باعتباره أرضًا غريبة "(6). إضافة إلى ما يقوم به " المَنْفَى " ذاته من تكثيف رؤية المنفِيّ بأهميته الشخصية، فتنضم ذاته ، ويتحول منزل الأسرة المتواضع في ذاكرته إلى قصر منيف . والاستعادة لا تتأتى إلا من خلال ذاكرة قوية ، فإذا كانت الذاكرة " memory " هي قدرة النفس البشرية على الاحتفاظ بالتجارب أو الخبرات السابقة واستعادتها ، أو هي القدرة الحافظة التي تحفظ ما تدركه القوة الوهمية " من معايير غير محسوسة موجودة في محسوسات جزئية (7)، فإنها عند المتغيبين أو المبعدين والمنبوذين بصفة خاصة ، " تصبح تلك القدرة الحدية ، والقوة الحافظة التي تستدعي – أو تسترجع وتستعيد - كل ما مر بها من تجارب وخبرات أو ما عاينته من مُشاهدات ، أو صور ، أو سمعته من أحاديث أو حوارات في ذلك الوطن المُعبد والمَقصى من خلال تلك اللغة التي يقابلها المرء في المهد على حجر أمه ثم يفارقها عند باب القبر، يستطيع أي إنسان أن يسترجع الماضي "(8).
هل هناك اختيار متعمد من الكُتاب للتعبير عن تجربة المنفى ، بشكل محدد سلفًا مثل"رواية السيرة الذاتية". البعض يرى وخاصة في ظل إطراد مرويات المنفي واتخاذها شكل السيرة – أن الشكل يفرض نفسه . وهذا غير صحيح – على الأقل – من وجهة نطر الباحث . فمسألة الشكل الذي يعبر به الكاتب قد يأتي آخر شيء يفكر فيه ، فالمسألة أقرب لأن تكون نتاج لوعي الكاتب بتقنيات السرد الروائي هذا الوعي وتلك المعرفة بتقنيات السرد الروائي قد تجنح عند بعضهم إلى محاولة التمرد والثورة على أشكال بلاغية ثابتة ، والخروج من أشكال سردية مطروقة ، حيث حاجتهم إلى أشكال (غير مألوفة) ليست أقل من حاجتهم إلى أوطان بديلة (عبر مخيلتهم ) أقرب لأن تكون .
-1-
" الحب في المنفى " والذات القلقة .. الباحثة عن مرفأ :
في " الحب في المنفى " لا يعكس " بهاء طاهر " تجربة المنفى / الغربة على ذاته وحدها ، وإنّما يُقدِّم أكثر من ذات تُعاني مثلما تعاني ذاته مع اختلاف الظروف التي آلت بكل واحدة لهذه الحالة . محاولة " بهاء طاهر " لتقديم ذات / المغترب على الصحفي (المنفي نفيًا اختياريًا) ، وموازته بذوات آخرين مغتربين مثل ذات " بريجيت شيفر" . وذات " يوسف" الطالب المتزوج من " إيلين" وذات " بيدرو ايبانيز" السائق المطارد من شيلي . ما هي إلا محاولات لتقليل أثر الغربة على ذاته حتى لا يشعر البطل/ الصحفي أنه الأوحد في غربته ، إضافة إلى استخدامهم كتقنية لتقديم أشكال من أسباب النفي المختلف عن سبب نفيه هو . حتى لا يحصرالنفي في دوائر السلطة فقط .
العجيب أن السارد نجح في جمع هذه الذوات الثلاثة بروابط ، من خلال ظروف العمل ثم الحب كما في حالة "بريجيت شيفر" التي لا يتورع منذ بداية الرواية أن يصف لنا مشهد اللقاء بينهما فيقول
" كنت قاهريًا ، طردته مدينته للغربة في الشمال ، وكانت هي مثلي، أجنبية في ذلك البلد ، لكنها أوروبية ، وبجواز سفرها تعتبر أوروبا كلها مدينتها ،ولمّا التقينا بالمصادفة في تلك المدينة (ن) التي قيدني فيها العمل ، صرنا صديقين ... " [ بهاء طاهر : الحب في المنفى ، ص5 ]
هكذا لا يخجل السارد في أن يُقدم حالة الاغتراب والنفي التي يعيشها أبطاله ، وعلى الأخص" الصحفي " مجهول الاسم الذي اغترب طواعيًا ، نتيجة تبدل أوضاع ونظم أيدولوجية – أو بمعنى أدق أفكاره ومبادئه التي يعتنقها - لم يستطع أن يتأقلم مع الجديد ، فكانت الترقية ، مراسلاً للجريدة في ذلك البلد (ن) . وهي موازية للإبعاد . ومن ثم تبحث ذات المغترب عن أي شيء في هذا ( المكان ) حتى تستطيع أن تقلل من وطأة الاغتراب . لذا كانت الألفة السريعة بينه وبين ذات المغتربة الأخرى بريجيت فيقول " صرنا صديقين" . هذه الصداقة التي تتحول إلى " حُبٍّ " ، وهو بمثابة تعويض عمّا افتقده في وطنه خاصة من زوجته " منار " التي كانت تداوم على وصفه بأنه " غاوي نكد " [ ص7] . لا يطول السرد حتى يقدم لنا المغترب الثالث " بيدروا إيبانيز " ، الذي كان واسطة العقد بين " الصحفي وبريجيت " التي تقوم بدور المترجمة له في المؤتمر الصحفي . الذي يأتي وصفه بأنه مؤتمر كغيره " في دلالة فارقة . يحكي " بيدرو ابيانيز " عن تجربته والتي أصبح فيها مطاردًا ، يأتي الاسترجاع هادئاً على عكس حالة (بريجيت) " يعمل سائق تاكسي في العاصمة سانتياجو .. في بداية السنة كان يقف بعربته في موقف التاكسيات أمام المحطة الرئيسية منتظرًا دوره ، رأى شخصًا يخرج من المحطة وبيده حقيبة يتوجه نحو الموقف .. " [ص15 ]
حالة المطاردة (ثم الاغتراب) التي يشعر بها " بيدرو إيبانيز " منذ أن تمّ تهريبه من شيلي على يد أصدقائه، تستمر حتى في المنفى الذي لجأ إليه . مشهد النهاية للرواية يؤكد حالتي الاضطراب والخوف الدائمين اللتين وصل إليهما بيدرو ، يقول السارد
" .... ولكني أجلس لاهثًا ، النهر أمامي ممر ساكن من الرصاص والمدينة كتلة رمادية من نقط رجراجة .. لكن صوتًا يخترق الصمت ، صوتًا مقرورًا من البرد .. شبح يتدثر بمعطف يجلس إلى جواري ويسألني بصوت مرتعش :-
هل تريد ؟!..... " [ص.ص253/254 ]
*** ***
" الحنين إلى الوطن " هو التيمة الأساسية التي تتكرَّرُ في روايات المْنَفى ، فالمنفِيُّ في استرجاعاته يعود إلى الوطن هذه العودة ما هي إلا حالة حنين إلى الوطن . بعض المنفيين، خاصة الذين يكون نفيهم قسريًا ، لا يريدون الوقوف عند ما يُذكرهم أحدٌ بالوطن . أو ما يُشعرهم بالحنين إليه، حتى عند السؤال عما يشعر به إزاء وطنه يلجأ إلى الهروب بإجابات غير مقنعة .
ذات المغترب تشعر بالاضطراب والحسرة إزاء السؤال عما يشعر به تجاه وطنه فعندما يتوجه إبراهيم بسؤال عن المنفَى لبريجيت ثم إلى الصحفي . نرى إجابتين مغايرتين عمّا بداخلهما .
" سألها إبراهيم بلهجة تكاد تكون مازحةً ألا تشعرين بالحنين للوطن ؟ فردت مبتسمة وهي تشير بيدها بحركة فاترة : على الإطلاق !
فالتفت نحوي وقال : وأنت ؟!
فرددتُ عليه بالعربية : أرجوك أن تتركني في حالي يا إبراهيم ، ليس هذا هو ما ينقصني الآن .[ ص53 ]
ثم يأتي السؤال مرة ثانية ، من خلال توجيه السؤال لذاتيهما في حالة انفراد ؛ ليعكس لنا مدى إلحاح الحنين للوطن على ذاتيهما . فإذا كان في المرة الأولى جاءت الإجابات مقتضبة ، فإنها هنا، تأتي الإجابات لتعكس حالة الشجن والحزن اللتين تخيم عليهما .
" وبينما تمدُّ لي يدها بفنجان القهوة سألتها هل أنت بالفعل سعيدة هنا كما قلتِ ؟ ألا تريدين حقًا العودة إلى بلدك ؟!فهزت رأسها تؤمن على كلامي ، وكررت مثل تلميذة تحفظ درسًا ، نعم أنا بالفعل سعيدة هنا ، وأنا لا أريد العودة إلى بلدي .ثم نظرت إليّ وسألتني : وأنت ؟ .. عندما سألك صديقك هذا السؤال رفضت أن تجيب فهل أنت سعيد هنا؟!
- لا ، لست سعيدًا هنا .
فكرت قليلاً قبل أن أردَّ ثم قلت وأنا أحك جبيني . ليست المسألة سهلة، أنا مثلك مُطلق ، وأسرتي تعيش هناك ، ولكنك صغيرة تستطيعين أن تبدئي من جديد لو رجعت أما أنا ...لم أستطع أن أكمل فتوقفت ، وقالت هي بعد فترة
- معذرة ، ولكني لم أفهم شيئًا ، ربما كان ما قاله صديقك صحيحًا ، وأنت تجد سعادتكم مع تعذيب نفسك .
- ربما ... " [ ص59 ]
ما بين السؤالين سؤال إبراهيم وسؤال بريجيت ، مع اختلاف الإجابات ، إلا أن المتأمل في صيغة السؤالين ومن بعدهما الإجابة يَشْعُرُ بلوعة الحُزْنِ والحنين للوطن رغم دوافع الإبعاد . فإذا كان الصحفي يَضطرب عندما يوجِّه له إبراهيم السؤال ، ثم يعترض على الإجابة . فهذا الاضطراب وذلك الاعتراض يشيران إلى أنَّ سؤال إبراهيم ما هو إلا نكئ لجراح يُريد لها أن تندمل في الغربة ، وهذا ما يظهر صراحةً عند إجابته على سؤال بريجيت ، فيقرُّ بأنه " ليس سعيدًا " . وإن كان يقدم أسباب عدم سعادته لها ، حيث توجد هناك طليقته وأبناؤه " خالد وهنادي".
وإذا كان يبدو ظاهريًا ثمة انقطاع في العلاقة بينه وبين وطنه ، بسبب قرار الإبعاد ، إلا أن العلاقة متصلة عبر المكالمات التليفونية التي يجريها أسبوعيًا بـ " خالد وهنادي " ، وحرصه على إتمامها في مواعيدها رغم ما يعانيه بعدها من حزن وألم من جراء التعبيرات التي بدأت تظهر على ابنه " خالد " أولاً ثم زوجته " منار " . فصار كل شيء يتغيّر ، حتى أنه يُقرّ بحدوث التغيير " بعدما حدث في لبنان كل شيء تغيّر" [ص117 ] ، بما في ذلك العداء الذي بينه وبين إبراهيم الذي تحوّل إلى "مودة وحب".
أما حالة " بريجيت " فرغم إقرارها بأنها على الإطلاق لا تشعر بالحنين ، يحرص الراوي على تقديم مسوغات عدم الشعور بالحنين إلى وطنها . فهي لا ترتبط بأي شيء هناك ، حتى أبوها يذكرها بـ" الفشل ". لذا لا تشعر بافتقادها لأي مشاعر لوطنها ، لأنها – أيضًا – وجدت البديل/ الحب . فالمنفي الذي تعيش فيه قاومته بالحب .
كما أن حالة " الفْقَدِ " التي تتظاهر بريجيت بأنها لا تشعر بها ، أو تقاومها بـ
( البديل) تظهر منذ أول لقاءها مع هذا الصحفي بعد المؤتمر . فجلوسها معه ثم بوحها له بسرها دون سابق معرفة يؤكد حالة " الفقد " التي نشعر بها في الغربة ، وما أن وجدت شخصًا يوازي غربتها أباحت له عما يثقل صدرها . وهذا ما حاول الصحفي معرفته ، بإلحاحه " أرجوك مرة أخرى ... لماذا تبوحين لي بهذا السر" .[ ص60 ].
-2-
ثمة حقيقة مؤكدة ظاهرة في أدب المنفي/ الغربة ، تتمثل في كثرة الاسترجاعات ، هذه الاسترجاعات تكون بمثابة نوع من " نستالوجيا الوطن " وحب الوطن" هذا الحب في معظم الأحيان لا يظهر مباشرة خاصة إذا كان النفي قسريًا مثل حالة" بيدرو ايبانيز " أو حالة " يوسف " الذي يرفض مجرد العودة إلى مصر فكل همه ... هو أن يتخلص من " إيلين " زوجته وحسب . كما أن معظم هذه الاسترجاعات لا تعود إلى زمن قريب ، وإنما تكاد تتماشى مع زمن (الطفولة)، كما تأتي كنوع من القص السير ذاتي . لاحظ استرجاعات الراوي " ابن الفراش " حتى وصوله إلى صحفي .. ، وكذلك استرجاعات " يوسف " وأيضا استرجاعات " بريجيت " كلَّها تصبُّ في ذات الزمن . زمن الطفولة . استحضار زمن الطفولة ، وما يوازيه من زمن ( البراءة والنقاء) ص ص (175- 176) يأتي كبديل للمقاومة . مقاومة كل شيء . بدءًا من الذات نفسها التي تشعر بالقهر / قهر المنفي، ولا تريد أن تظهر .
تتوزع الاسترجاعات عبر فصول الرواية جميعها ما عدا الفصلان الأخيران، ولا تقتصر الاسترجاعات على شخصية السارد / الصحفي، وإنما تشمل أيضًا " بريجيت " و " إبراهيم المحلاوي" و " يوسف " و " بيدرو ايبانيز ". وتنهض هذه الاسترجاعات بمهمة إضفاء أبعاد زمانية مكانية على هذه الشخصيات، وبذلك يتحولون من كونهم محض شخصيات روائية متخيلة، أو " كائنات من ورق " إلى كائنات اجتماعية أو " بشر من لحم ودم "، يعيشون أزمات مختلفة، تطاردهم أصداء أزماتهم في أماكن ( اغترابهم )، فيعودون عبر الاسترجاعات إليها، في محاولة لمعرفة أسباب ما حدث ولماذا حدث؟ وكيف؟! حيث تتوافر الملامح الخاصة للشخصيات من خبرات الطفولة والنشأة والتكوين النفسي والعقلي.
كما تُضْفي هذه الاسترجاعات على الشخصيات صورًا أقرب للصور الذاتية لكل شخصية حيث تحمل أبعادًا ذاتية لكل شخصية، فمن خلال الاسترجاعات نستطيع أن نكون صورة حقيقية للشخصية ـ إذا خرجناه من المتن الروائي ـ [ طفولتها ـ نشأتها ـ علاقاتها بالشخصيات الأخرى في النص وكيف أثرت في رسم مصائرها ـ أزماتها وغيرها ... ]
*** ***
أهم هذه الاسترجاعات / الارتدادات الزمنية، هي الخاصة بالصحفي وبيريجيت. فهما الشخصيتان المحوريتان في النص، وترتبط بهما معظم الشخصيات الأخرى بعلاقات متعددة. فالصحفي الذي ينفتح أول مشهد في السرد عليه، والذي يضطلع بمهمة السرد باستخدام راوٍ بضمير المتكلم / الأنا. ينفتح المشهد وهو موجود في هذه المدينة الأجنبية (ن) يعود عبر الاسترجاع بالسرد ـ وبنا ـ إلى مصر وتاريخه هناك، وأسباب وجوده في هذه المدينة، حيث هو منفي نفيًا طواعيًا، وسبب أزمته التي جعلته يقرر أن يعيش مغتربًا في هذه المدينة المجهولة (ن)، بعيدًا عن ابنيه خالد وهنادي، ومشكلته مع منار، التي ظل صداها يطارده في غربته باحثًا عن السبب :
" .... لا كفى، امرأة أخرى، انتبه وتوقف، إلى أين تريد أن تصل من ذلك إنها سيطرت على الطفلين، ليكن! وأين كنت أنت؟ لماذا لم تفعل شيئاً لتتقرب منهما أكثر؟ ألم تكن طول الوقت خارج البيت في الصحيفة أو في الاتحاد الاشتراكي أو خارج البلد؟ على أي شيء تلومها هنا بالضبط؟ ثم ما حكاية الخلاف هذا؟ .. وما علاقته بالمسألة كلها ؟ كنت أبحث عن السبب .. عن بذرة الخطأ ؟ خطئي أنا أو خطؤها هي لكن ما علاقة هذه الأشياء بالمسألة" . [ ص، ص: 10 ، 11 ]
يصبح الاسترجاع ـ هنا ـ نوعًا من جلد الذات، أو أشبه بالمحاكمة، محاكمة لذاته التي أوصلته إلى ما هو عليه؛ صحفي لا يهم جريدته أن يراسلها في شيء، مغترب، بعد أن ضاع كل شيء : [ منار / خالد/ هنادي .. ووضعه الصحفي ] .. باحثًا عن بذرة الخطأ. كما يكشف الاسترجاع عن توتر العلاقة وبوادرها بينهما .. ويكاد يكون تمهيدًا لما سوف يحدث في الغربة بينه وبين ( بريجيت ). حيث بهذه الأزمة كان مهيأ لاستقبال مثل هذا الحب رغم اعترافه " كانت صغيرة وجميلة وكنت عجوزًا وأبًا ومطلقًا لم يطرأ على بالي الحب، ولم أفعل شيئاً لأعبر عن اشتهائي " [ ص: 5 ]
كما نشعر بحجم التغيير الذي أصاب الذات ، فبعد أن كان يوجه الاتهامات نحوها أدرك بذرة الخطأ التي كان يبحث عنها " أين بالضبط كانت بذرة الخطأ " ، فذاته أصابها التغيير الذي أصاب العالم أجمع .
*** ***
كما تعكس الاسترجاعات الخاصة بالصحفي، فكره وأيديولوجيته، فهو صحفي وكاتب جاوزالخمسين، ناصريًا ومخلصًا لناصريته، حتى بعدما تغيّر ما تغيّر، فقد سطع اسمه أيام عبد الناصر، وتبوأ أعلى المناصب في جريدته، وسافر في رحلات عديدة، وما أن مات عبد الناصر حتى ماتت معه " جنة الفقراء " وعندما جاء السادات ، ضاع كل شيء، حتى منار ضاعت دون أن يجد سببًا لما حدث، ولماذا انتهت العلاقة بالطلاق، وهي التي أحبها وآسرته منذ أول لقاء بينهما في الجريدة، وتمنيه أن يتزوجها ... وصراعاتهما بعد الزواج، التي اختلطت فيها الدوافع الشخصية والاجتماعية والفكرية، والتناقضات بين الأقوال والأفعال وتغير المواقف بتغير الواقع.
هكذا يبدأ الاسترجاع الأول الخاص بعلاقة الصحفي بمنار، ليكشف لنا هذه الحقائق السابقة. و بدء العلاقة بينهما:
" ... آسرني مثل الجميع وجهها البشوش بابتساماتها الدائمة، وطريقتها الصريحة في الكلام وهي تحدق مباشرة في عيني من تحدثه، آسرتني أكثر من غيري (....) ثم بدأت تحدثني عن مشاكلها في البيت يلحون عليها أن تتزوج ويعرضونها على الخطاب كما لوكانت سلعة في البيت لن تتزوج هي أبداً بهذه الطريقة، ستختار بنفسها، لماذا يكون الاختيار من حق الرجل وحده ؟ أخافني كلامها، " [ ص 9 ]
يتواصل الاسترجاع ليشمل إلى جانب علاقته بمنار وزواجه منها، وعلاقتها بأبيها، وكيف كانت غاضبة من تصرفاته، ثم حزنها عليه عند وفاته، إلى أن يصل إلى نقطة الخلاف، والتي كانت البذرة الأولى في إنهاء علاقتهما.
" ... وكانت منار قد بدأت تأخذ صورة أمها بالتدريج، تتهمني مثلاً أنني أدلل الطفلين ومع ذلك تشعر بالغضب إذا ما حاولت أن أعاقب أحدهما وتتصدى للدفاع عنه، ظل العقاب حقًا مقصورًا عليها "
ويأتي عادة بعد خروجهم للتنزه وما أن جاء زمن السادات حتى تغير كل شيء، ولم يستطع أن يغير مواقفه وأفكاره ويرتدي ثوب العصر الجديد، ويساير الموجة مثلما فعل كثيرون ، ورفض أن يستمع لمن جاءه ناصحًا ابعث برقية تأييد للرئيس ، " الرئيس معجب بك، ويعرف أنك صاحب قلم، اكتب افتتاحية ضد مراكز القوى " [ ص 28 ] , إلا أنه رفض، وقد جاء رفضه لإخلاصه لمبادئه وحبه لعبد الناصر، وأعلنت " لن أرسل برقية، ولن أكتب افتتاحية! " وجاء الجزاء سريعًا، فتغيرت المواقع الصحفية، وبعد أن كان نائبًا لرئيس التحرير، تحوّل إلى مستشار لا يستشيره أحد، ثم أُرسل / أو أُبعد إلى هذه المدينة الأوروبية، مراسلاً ، لا يفعل شيئًا ولا يأبه بما يرسله أحد .
ثم تتعاقب الاسترجاعات الخاصة بالصحفي، لتصل إلى بؤر مكانية وزمانية بعيدة، حيث قريته وطفولته القديمة، فصورة هذا الطفل الصغير مازالت تلح عليه وتؤرقه، وتطارده وتشغله في غربته فيقول " أفكر في ذلك الطفل الذي يطاردني حتى آخر العمر، ألا توجد طريقة للتخلص منه ؟ " [ ص 85 ]. ويستمر في وصف معاناته من زملائه الطلبة والمدرسين الذي يسخرون من عمل والده فراشًا في المدرسة، ثم موت أمه بالملاريا وهو في الرابعة من عمره ووجهها الذي لم يفارقه " وجه كالشمع الأبيض يغسله عرق لا ينقطع وأسنانها تصطك، تنتفض وتطلب ماء" [ ص 66 ].
هكذا عكست الاسترجاعات الخاصة بالصحفي، صورة أقرب ما تكون شخصية / ذاتية، عبر مساحات زمانية طويلة ـ طفولة / نشأة / زواج / طلاق/ عمل ـ صراعات في عمل انتهت باغتراب.
*** ***
تتوازى الاسترجاعات الخاصة بـ " بريجيت " مع الاسترجاعات الخاصة بالصحفي الذي يبدأ علاقته باشتهائها " اشتهاء عاجزًا كخوف الدنس من المحارم " [ ص 2 ] ، هذا الاشتهاء الذي يتنامى ويصير أكثر سموًا بفعل وطأة الاغتراب / المنفى ، ووجود قواسم مشتركة جمعت بينهما، بدءًا من حبهما للشعر " أن ما يجمعنا هو حبنا للشعر في وقت لم يعد فيه للشعر مكان "[ ص 82 ] وأيضاً فقدان كلاً منهما القدرة على البكاء " وقلت لنفسي وأنا أنظر إليها لماذا تقاومين البكاء يا بريجيت، لماذا لا تبكين وتستريحين؟ لعلك فقدت مثلي القدرة على البكاء أنا أعرف أني فقدتها من زمن ولكن متى ضاعت مني، ربما كانت آخر مرة بكيت فيها منذ سنين بعد الطرق عندما أغلقت على نفسي باب الحجرة التي أجرتها في الفندق وأمسكت ورقة الطلاق، لحظتها جاء البكاء من تلقاء نفسه، وجاء البكاء من تلقاء نفسه، وجاء عنيفًا لا ينقطع " [ ص ص : 51 ، 52 ] بالإضافة إلى وجود الطفل المعذب بين كليهما، فالراوي على الرغم من مرور الزمن، إلا أنه مازال مشغولا ً- في داخله - بطفله منذ أربعين سنة، أما هي فعندما فقدت طفلها من ألبرت بسبب العنصرية، فقد فقدت العالم أجمع.
هكذا إلى جانب تجربة المنفى الاختياري، يوحِّد الحبُّ بين قلبيهما " ذلك الحب الذي كان يطل من عينيه " [ ص 5 ] كما أخبرته بريجيت فيما بعد في تلك المدينة الأوروبية، والتي يلتقيان فيها مصادفة، يلتقي عالمهما المتناقض، عالمه العجوز والمطلق، بتاريخه الناصري المثقل بالانتصارات والهزائم، وأثقلها هزائم نفسه أمام منار ، تلك الحكاية التي عجز ـ هو ـ أن يفهم أجزاءً منها حتى في غربته.
هذا التوازي يخلق من الشخصيتين كائنيْن حييْن نابضيْن بالحياة، تَعْصِفُ بهما الأزمات، وتقودهما إلى مصائر مجهولة، فهو ينتهي به المصير إلى الموت بعد أن غادرته بريجيت فراح عنه " الفرح المختلس " وقد جاءه الموت بعد أن " تحطم عالمه كله ". حتى انزلق في بحر هادئ " تحملني على ظهري موجة ناعمة وصوت ناي عذب " [ ص 254]
- 3-
تدخل بريجيت السرد في بداية الرواية، وإن كانت الرواية تبدأ من نقطة تتوسط الأحداث، يوم أن اعترفت بريجيت للراوي بأنها تحبه، ثم طلبها الأغرب بألا يلتقيا، هكذا ينفتح المشهد الاستهلالي للرواية عن بريجيت، دون أدنى معلومات عنها، ولكن مع تقدم حركة السرد إلى الأمام " استباقيًا "، تبدأ ملامحها في الظهور، فنعرف أن بريجيت هي المنوطة بالترجمة عن الإسبانية، بعدما اعتذر المترجم الأصلي عن الحضور للمؤتمر، الذي عقدته لجنة الأطباء الدولية لحقوق الإنسان عن الانتهاكات في شيلي، وقد جاء حضورها إلى هذا المؤتمر بصفتها ـ أولاً : صديقة للدكتور" مولر " المسئول عن المؤتمر وتنظيمه ... ويلتقي بها السارد مرة ثانية في حضور إبراهيم المحلاوي وصحبة مولر لكن دون كلام مباشر. ثم يأتي الفصل الثالث " هذا المساء أريد أن أتكلم "، لنعرف طبيعة عملها كمرشدة سياحية وأيضًا زواجها من رجل إفريقي من غينيا الاستوائية هو " ألبرت ". وبعد توطد العلاقة بينها وبين الصحفي، تصحبه إلى شقتها البسيطة المؤثثة بأثاث ياباني. تبدأ الاسترجاعات عندما تستبد بها الرغبة لأن تتكلم هكذا أعلنت .. " أريد أن أتكلم. هذا المساء أريد أن أتكلم ..." [ ص 6 ] وتبدأ في الاسترجاعات التي تعود بنا ـ وبها ـ إلى ماضيها في النمسا، وعلاقة الدكتور مولر بأمها، وعن أبيها الذي قاده الحماس في شبابه إلى الحرب في أسبانيا، وكيف تحوّل بعد عشرين عامًا، بعد أن كان محاميًا قديرًا، لا يقبل غير القضايا الصعبة، القضايا الخاسرة ، قضايا الفقراء بأثمان زهيدة .. حتى تخيّل أنه يعوض الهزيمة في أسبانيا بأن ينتصر بالقانون لكل المظلومين في العالم ، أو على الأقل في النمسا " [ ص: 61 ]، وكانت النتيجة هزائم متلاحقة حتى انصرف عنه أصحاب القضايا المهمة، فظل قابعاً في المنزل الذي ورثه عن أبيه، لا يملك غير معاش الشيخوخة ... تتحدث عن حنينها وحبها له بل وعشقها له
"... أحببته كثيرًا جدًا، كنت أشعر حتى وأنا طفلة صغيرة أنه مهزوم وأشفق عليه كأنني أمه لا أنتبه، أحمل إليه في غرفته القهوة أو العصير ثم أجلس أمامه فترات طويلة أراقبه، وهو يقرأ أو يكتب ويحك جبينه باستمرار.." [ ص ، ص : 61 ـ 62 ]
ثم تواصل استرجاعاتها، خاصة علاقتها بمولر وكيف دخل حياتها ثم أفسدها، فهو طبيب ناجح بعكس والدها، كان يأتي دومًا في غياب أبيها، ويسأل عن أمها العليلة بقوله: كيف تشعر سيدتنا اليوم؟! .. وعندما جاء في المرة الثانية، وقدّم لها الحلوى كما فعل في المرة الأولى رمتها وضربته في بطنه ورجليه وهي تصيح فيه " اذهب. اذهب أنا لا أريد أن أراك. لا أريد الحلوى التي تحضرها اذهب.. أنا لا أحبك!" [ ص 62 ]
هكذا تكشف الاسترجاعات الخاصة بعلاقة بريجيت بأبيها وبالدكتور مولر ، تعاطفها مع أبيها المهزوم دومًا ، وحذرها من مولر رغم أنها تطلق عليه ( عمي مولر ) فهو يقف دائمًا خلف ما حدث لها، بدءًا من نظرة الضعف لأمها، ثم فشل علاقتها بألبرت، وإجهاض طفلها .. وتتوالى استرجاعاتها بأبيها والتي تأتي كنوع من الإشفاق عليه لما مُني به من هزائم وخسائر .. فيأتي استرجاعها في الفصل التاسع "هذا الكهف" عن حبها له وحنانه عليها ، وكيف علمها أسماء الزهور والنباتات . [ راجع استرجاعات ص، ص : 180 ـ 181 ]
لكن أطول هذه الاسترجاعات، وأكثرها تأثيرًا على ( بريجيت )، بل تعد سببًا رئيسًا في اختيارها هذا البلد الأوروبي كمنفى اختياري لها بعدما حدث ما حدث. وهو ما يأتي في الفصل السادس " طبول لوركا لدم الشاعر " ، والذي يحتل فيه الاسترجاع مساحة كبيرة من صفحات ( 108 إلى 118 ) ويكشف هذا الاسترجاع طبيعة علاقتها بألبرت، وكيف تعرّفت عليه ، وكيف جمع بينهما حب الشعر وخاصة " لوركا "، ثم تنامي علاقتهما حتى حدثت المأساة، عندما اقترح الدكتور مولر على ألبرت الزواج منها، رغم اعتراض أبيها ـ وهي المرة الوحيدة التي جاء فيها قراره صائبًا، حيث رفض أن يتم الزواج، ونصحهما بأن ينتظرا إلى أن ينتهي ألبرت من الجامعة ومن ديكتاتورية ماسياس، ثم يرحلا معًا وقال لهما " إن الناس في بلدهم يغمضون عيونهم عن العلاقة بينهما باعتبارها نزوة عابرة .. أما الزواج فهو جريمة، دنس للجنس الأبيض كله، لا يغفره أحد في بلدتنا " [ ص: 112 ]
وكعادته خسر الأب ، وكسب مولر، وتزوجا، ولم يلبثا قليلاً حتى تحققت نبوءة الأب كاملة، فلم يزرهما أحد ممن كانوا يأتون من قبل، كما أخذ الطلاب في الجامعة يسيرون خلفهما في مجموعات لا ينطقون ولكنهم يلاحقونهما إلى أي مكان. ومع هذا فلم يعبأ بشيء، حتى لاحظت أن ألبرت يتغير دون أن تفهم أو أن تنتبه لِمَ يحدث لألبرت ... حتى جاءت ليلة السبت. كانت ليلة سلام، وبينما كانا على شاطئ النهر يتمشيان وألبرت يقرأ لها قصيدة لوركا في رثاء صديقه مصارع الثيران " اجناثيوسانشيز "، ويتماهى صوت ألبرت الشجي، مع صوت طبول الغابة .. وفجأة في الساعة الخامسة عصرًا تجمع حولهما عدد من شباب البلدة، وهم مخمورون، أخذوا يسخرون منهما ويكيلون لهما السباب والشتائم البذيئة، حتى " تقدم أحدهم وهو يترنح ، ثم فك بنطلونه، وأنزله من وسطه وقال وهو يتحسس سرواله انظري! .. هل الإفريقي أفضل من هذا ؟ لماذا تذهبين بعيداً ؟ بضاعة النمسا أفضل ! " [ ص : 115 ]
وما أن حاول ألبرت أن يخرجها من حصارهم، دفعها أحدهم على ظهرها دفعة قوية، فسقطت على الأرض ، وهي تصرخ " ألبرت ألبرت ... قتلوا طفلي ". ومع سقوطها فقدت جنينها، حيث كانت حاملاً، وفي فقدانها للطفل، فقدت ألبرت وفقدت نفسها أيضاً. ثم انكفأ ألبرت إلى العزلة والشراب، ومنهما على خيانة قضيته، فراح يراسل ماسياس ثم عاد إلى إفريقيا بعد أن هجرها، وقاطع كل زملائه، وتكرر رسوبه في الجامعة .. لا أحد يعرف إلى أي شيء وصل بعدما انقطعت بريجيت عن متابعة أخباره، ربما أصبح سفيرًا لبلده في مكان ما أو ربما يكون الآن وزيرًا . وبعدها جاءت إلى هذه المدينة، تعمل مرشدة سياحية، ثم تلتقي بالصحفي صدفة وتجمع بينهما أشياء، إلى أن يفترقا في نهاية الرواية، وتعود إلى بلدها مرة ثانية .. وتتركه في حديقة مهجورة بعد معرفتها عدم قدرته على تصفية حساباته، ينزلق إلى الموت.
هكذا تعود الاسترجاعات بالصحفي وبريجيت إلى أوطانهما: مصر والنمسا، كما شكلت الاسترجاعات صورًا ذاتية للشخصين منذ الطفولة حتى أزمتيهما ... ويرى شحات محمد عبد المجيد " أن استرجاعات راوي بهاء طاهر تنحصر في كل من منار وبريجيت من حيث هما وجهان متقابلان زمانيًا ومكانيًا، وتمثيلان ثقافيًا لصورتي " الوطن " " المنفى "ـ : منار " الشرقية " من حيث هي معادل لنوستاليجيا الوطن القديم ( القاهرة ) بقيمه ومواضعاته وإحباطاته واحتداماته السياسية وحراكاته الاجتماعية، وبريجيت ( الغربية) بوصفها معادلاً نقيضًا لوطن بديل ( أو منفى ) قد يغري جميع الفارين أو اللاجئين أو الراغبين في الانطلاق والتحرر " (9)
ملاحظة شحات محمد عبد المجيد مهمة حيث استقى من خلال الاسترجاعات الخاصة بالصحفي وبريجيت، ما يناقش بحثه ( السرد في روايات المنفى ) حيث تعود الاسترجاعات في روايات المنفى ـ إلى الوطن الذي يغدو " المرجع والمآل " الذي تطمح إليه الشخصيات، وتشعر بالحنين إزاءه. أما ما يهم البحث هنا فكما أوضح الباحث ـ سابقًا ـ أن الاسترجاعات أسهمت في تكوين صورًا ذاتية سيرية للشخصيْن ـ بريجيت / والصحفي ـ، وبدون هذه الاسترجاعات ما غدت أفعال الشخصيات في المنفى وتصرفاتها مبررة أو مقنعة. فالاسترجاعات فسرت لنا موقف الصحفي ورد فعله السلبي، عندما حلمت بريجيت بطفل تهديه للحياة " طفل نعيش فيه معاً ونعيش معه بعيداً .. في جزيرة أو فوق جبل، نعلمه أن يحب الأشجار والزهور والشعر، ونعلمه هو أيضاً كيف يتخذ من الأشجار أصدقاء له .. إلى آخر حلمها، حتى تناشده بأن " دعنا ننجب هذا الطفل " أملها أن يكون عوضا عن " طفل ألبرت " الذي أجهضته العنصرية في ليلة هادئة " [ ص ، 181 ـ 182 ]
فما أن استرسلت في خيالاتها عن هذا الطفل / البديل، حتى خايله طفله القديم المعذّب، فهو لم يفكر أبدًا في طفل منذ غاب ذلك الطفل الآخر ... فيؤد هذا الطفل لأنه يعرف أنه ليس بمقدوره أن يحميه. أما هي فمنذ أن أجهضت العنصرية طفلها، ورحلت إلى هذه المدينة، قررت الاستسلام والسكون " لا تهتم ـ أدنى اهتمام ـ بالسياسة ولا ترفع السلاح في وجه العالم الذي أوقع بها الهزيمة ". وإلى جانب الاسترجاعات توجد المونولوجات التي تنحى منحى الحوار ، [ ص، ص 26 ، 39 ، 41 ، 130 ، 146 ]
-4-
يستعير مؤلف " الحب في المنفى " من تقنيات الشكل الروائي كل أجزائه، بدءًا من تقسيم النص إلى فصول، حيث تتشكل بنية الرواية من أحد عشر فصلاً سرديًا، أطولها الفصلان السادس والحادي عشر، وإمعانًا في الاستعارة الكاملة، يأخذ كل فصل عنوانًا مستقلاً بذاته ، ومع وجود هذه العناوين الفرعية للفصول، والتي تشير ـ ظاهريًا ـ إلى استقلال الوحدات السردية، المكوّنة للنص إلا أن العناصر السردية الأخرى، ممتدة داخل الوحدات جميعها، دون انقطاع مما يشير إلى وحدة النص كبناء متكامل، لا إمكانية لفصله.
وهذه العناوين، والتقسيمات الداخلية ـ ما هي إلا شكل جمالي ـ(10) دأب عليه معظم الروائيين، إضافة إلى وظيفته الحقيقية المتمثلة في إحداث الوقفة لحركة السرد اللاهث، من خلال تصاعد الأحداث وتشابكها، فتأتي ـ هنا ـ الوقفة منطقية ومبررة، عبر الوحدات من خلال الإشارة إلى الفصل الثاني والثالث وهكذا... وأيضًا العنوان الفرعي المستقل.
جاءت الفصول الأحد عشر مرتبة كالتالي [ مؤتمر كغيره ، ماض بعيد ، ماض ميت ، هذا المساء أريد أن أتكلم، هشة كفراشة، كم أنت جميل، طبول لوركا لدم الشاعر ، ليل حنون .. حديقة حانية، دع هذا اليوم يبطئ ، هذا الكهف، كل أطفال العالم، صعود الجبل ] إضافة إلى تميز الوحدة السردية بعنوان مستقل، يأتي التميز كإشارة إلى تمسك المؤلف باستعارة النمط الروائي كاملاً من خلال الإشارة إلى رقم الفصل ـ لا بالأرقام كما اعتاد معظم الروائيين، وإنما بكتابة كلمة ( فصل) على كل وحدة منعوتة برقمها هكذا
( الفصل الأول ) وهذا ما يشير إلى شد النص إلى نمط الشكل الروائي، من خلال الاستعارة الشكلية له.
*****
يأتي الفصل الأول تحت عنوان [ مؤتمر كغيره ]، ويكاد يكون أقصر الفصول جميعها هو والفصل ( الخامس ). ومع قصر هذا الفصل، الذي جاء كتقنية ، حيث اعتبره السارد فصلاً تأسيسيًا للنص كله، ففي هذا الفصل نتعرف على الحدث الجوهري وهو (نفي السارد) وأسباب النفي. هذا النفي الذي لازم البطل / الصحفي [ مجهول الاسم ]، والذي انعكس على معظم الشخصيات التي التقى بها السارد في منفاه بدءًا من [ بريجيت شيفر ]، والذي جاء نفيها أيضًا مشابهًا لنفي البطل، فقد جاء كنفي اختياري، بديلاً عن أوضاع يرفضها هو / وهي، وقد أسلمتهما هذه الأوضاع إلى اختيار النفي [ طواعية ] عن البقاء في بلديهما.
في هذا الفصل يتم اللقاء والتعارف بين البطل وبريجيت، والذي وصل إلى أن يقول الراوي في استهلاله للنص:
" اشتهيتها اشتهاء عاجزًا، كخوف الدنس بالمحارم .. كانت صغيرة وجميلة، وكنت عجوزًا وأبًا ومطلقاً، لم يطرأ على بالي الحب، ولم أفعل شيئًا لأعبر عن اشتهائي ... لكنها قالت لي فيما بعد : كان يطل من عينيك " [ ص: 5 ]
هذا التعارف الذي تمّ، والذي جاء مصادفًة في هذا المؤتمر، الذي وصفه الراوي بأنه ـ مؤتمر كغيره ـ ليعكس بهذا الوصف حالة الملل الذي بدأ يشعر بها من حضوره مثل هذه المؤتمرات، والتي لا تسفر عن شيء مثلما انتهت سابقتها. وبين حالة التردد في الذهاب أو عدم الذهاب، ذهب وهو يعلم مسبقًا بأن ما سيقال لن تنشره جريدته في القاهرة " ولو نشرته فسوف تختصره ، وتخففه وتؤخر فقرات وتقدم أخرى بحيث لا يفهم القارئ ما الذي حدث بالضبط ولا ما هي الحكاية " [ ص 6 ] . هناك بعد أن قاوم حالة التردد في عدم الذهاب، يذهب، ويلتقي بها في قاعة الفندق حيث كانت منوطة بالترجمة عن الأسبانية لشهادة " بيدرو إيبانيز " الهارب من الجحيم في شيلي، والمطارد من المافيا هناك.
حكاية هذا الصحفي / المنفي مجهول الاسم، لا تُقدَّم بوصفها هي الحكاية الأساسية في النص وإنما تقدم ضمن مجموعة حكايات داخل النص، منها حكاية " بريجيت شيفر "، وكذلك حكاية " إبراهيم المحلاوي "، وأيضًا الدكتور مولر ... وبيدرو إيبانيز ... ويوسف ..." ومن ثم لا يأتي تقديمها على حساب الآخرين، وإنما هي موزعة على النص.
-5-
ينهض السرد في " الحب في المنفى " على تزاوج الفعلي والمتخيل، هذا التزاوج الذي جعل كثيرًا من النقاد، ينظرون إلى الرواية على أنها واحدة من المرويات السيرية (11) رغم تحفظات " بهاء طاهر" نفسه، ورفضه للربط بينه وبين شخصية ( الصحفي ) في الرواية(12). ولا يعني تحقق الفعلي داخل المتن الروائي، أن ينسب " الضمير الأنا " الذي يسيطر على السرد، بشخصية المؤلف. فالسيري متحقق من منظور آخر بخلاف الضمير الأنا، الذي يسيطر على السرد. " فهو ليس المراقب الخارجي الذي يرى مصائر الأبطال، إن ذلك المراقب هو السارد نفسه، أما المؤلف فإنه يتموقع خلف مجموعة القيم التي يتبناها النص .. إن هناك قيمًا وأفكارًا محددة يُراد لها الذيوع من وراء هذا، واختبار الأحداث وتنسيقها، ورسم شخصيات الأبطال، واختبار اللحظات الزمنية التي يظهرون فيها داخل النص، وبناء السرد على هيئة مخصوصة، واستخدام كل التقنيات المتاحة للرواية أو بعضها، كلها أدوات تذاع من خلال هذه القيم والأفكار"(13)
فالمؤلف ـ بهاء طاهر ـ حاضر في النص، لا بوجوده أو صفاته، وإنما من خلال فكره وقيمه، فهو حاضر ـ أيضاً ـ في حديثه عن محنة المثقف المهزوم، وفي تأثير السياسة على قطاع عريض من المصريين، وفي محاكمته للتيار الناشئ في مصر، وفي حديث السارد عن موقف الغرب من الأجانب ثم في صوته العالي وحزنه الدفين من احتلال إسرائيل لبيروت عام 1982م.
الواقعي أو الفعلي يتضافر مع المتخيل من خلال عناصر السرد، حتى يبدو من العسير الفصل بين ما هو متخيل وواقعي، لولا إشارة المؤلف ـ ذاته ـ في نهاية الرواية، وإثبات العناصر الواقعية، وردها إلى مواقعها في السرد. الواقعي حاضر بصورة تبدو متسقة مع الخيالي، بدءًا من الحرب الصهيونية على بيروت عام 1982، وما فعلته آليتها العسكرية من مجازر، وحمامات الدم، والجثث المقطوعة والمبتورة والمتعفنة في صبرا وشاتيلا ومخيم عين الحلوة، هذه الصور الواقعية التي يُسّجِلها ويرصدها " راو عليم " أشبه بشاهد العيان ، ليزيد من تأثيرها على المتلقي، فتحدث تعاطفًا حانيًا ومؤلمًا في ذات الوقت.
" لا شيء غير الدبابات والقنابل تطير وتدك. والطائرات تقصف وجنود إسرائيل الأصحاء يبتسمون في وجهي على الشاشة وهم يدفعون رشاشاتهم بعلامات النصر وفي المخيمات يجري الأطفال العرايا والأمهات بالشباشب البلاستيك. وهن يلطمن الوجوه وسط أكواخ انزلقت أسقفها على جدرانها لتصنع أكوامًا مهموشة من التراب والطوب وأسياخ الحديد الملتوية وسط دخان أسود ودخان أبيض. ومصر تعرب عن الأسف ولجنة الاقتصاد تعقد اجتماعًا لبحث الخطة الخمسية .. وصور تسقط وصيدا تسقط، ومخيم عين الحلوة يُباد ومخيم الرشيدية (....)
تطاردني صورة تلك المرأة في الليل وأنا أصارع النوم وصورة رجل يجري مذعورا في الشارع وسط دوي المدافع وهو يحمل ذراعا آدمية يلفها في صحيفة تقطر دمًا. لماذا يحمل هذه الذراع؟ يطاردني جنود إسرائيل وهو يسوقون بكعوب البنادق شبابا معصوبي الأعين وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم. إن كانت إسرائيل قد فعلت هذا لأن سفيرًا فردًا قد أصيب فلابد أن بركانًا من الغضب سينفجر عندنا ونحن نرى ونسمع عن مئات يموتون كل يوم لا يمكن أن تكون النخوة قد ضاعت إلى الأبد. هي دماء على كل حال تلك التي تجري في عروقنا وليست جليدًا وسينفجر الغضب قبل الصباح ...
.... ... ...
وفي غير بيروت لا شيء يحدث ". [ ص . ص 123 / 124 ]*
المشهد السابق المسرود، هو مشهد واقعي، فالسارد ينقل / أو يسجل حقائق ووقائع مصادرها معلومة، مُستمدَّة من الصحف وشاشات التليفزيون . كما أن السارد لا يتدخل؛ لأن ما يسجله لا يحتاج إلى إضافة، فالواقع أبلغ تأثيرًا من الخيال (14) وبما أن السارد / الصحفي هو المختص بعملية التسجيل، فإن المؤلف ـ بهاء طاهر ـ حاضر أيضًا ولكن من خلال " المؤلف الضمني "، ويأتي التعامل معه من خلال " أيديولوجيا السرد " (15)، فرؤية السارد لهذه الأحداث والمشاهد المؤلمة، تتماثل مع رؤية " المؤلف الضمني " الأخلاقية والثقافية. وصوته بارز من خلال النبرة التهكمية والساخرة من رد الفعل، فالتهكم من ردود أفعال العرب من المجازر والدماء، تقتصر في الإعراب عن الأسف، ثم استمرار جدول الأعمال، لا فرق بين ما تعلنه مصر أو الجزائر أو السعودية.
وتظهر رؤية المؤلف الضمني، التي تطغى عليها أيديولوجيته في تساؤله الاستنكاري وهو يسرد لصورة الرجل المذعور في الشارع وسط دوي المدافع وهو يحمل ذراعًا آدمية !
ـ لماذا يحمل هذه الذراع ؟! الاستفهام التعجبي يكشف عن طبيعة التعاطف من قبل المؤلف لهذا الرجل المذعور وهو يجري ممسكاً بهذه الذراع وسط دوي المدافع. يظهر المؤلف الضمني مرة أخرى في الأسطر الأخيرة الموضوع أسفلها خط، فصوت المؤلف هو الذي يعلو
****
تأتي شهادة الممرضة النرويجية " ماريان أريكسون "، كوثيقة حقيقية ضمّنها السارد داخل النص، وهي وثيقة واقعية، تنقل صورة أكثر ضراوًة من تلك الصور التي سجلها السارد من الصحف والتليفزيون، تشد النص ( المتخيل ) إلى الواقع. فالممرضة " ماريان أريكسون " ليست شخصية متخيلة / " كائنًا من ورق " ، وإنما هي شخصية واقعية حقيقية من " لحم ودم ". وإمعانًا من السارد في المزج بين المتخيل والواقعي، ترك السارد للممرضة مساحة سردية تدلي فيها بشهادتها كأنها " شخصية روائية" ، ثم يفاجئنا في آخر الرواية بأنها شخصية حقيقية. فهي ممرضة نرويجية وإن كان المؤلف غيّر اسمها الحقيقي.
تحتل شهادة الممرضة النرويجية صفحات من 126 إلى 132، وهي مساحة نسبيًا كبيرة، يترك فيها السارد للممرضة مهمة السرد، ويقتصر دوره في مقاطعته لها من خلال الحوار.
" لاحظت أن صوتها قد اختنق، وأنها كانت تشير إلي بيديها أن أوقف التسجيل، فضغطت على الزر. غلبتها دموع لم تستطع أن توقفها فراحت تمسح بإصبعها ركني عينيها وهي تقول لي: معذرة أنا ممرضة محترفة رأيت في حياتي كثيرًا من الألم، وكثيرًا من الأشياء الصعبة، وتعودت أن أتحمل ولكني عندما رأيت ... "
قلت بصوت ضعيف: إن كان يؤلمك أن تتحدثي فيكفي هذا. كان الصفير المتقطع قد بدأ في أذني والصداع خلف الرأس، وكنت أتمنى بالفعل أن تكف لكنها قالت. مهما يكن فيجب أن أقول كل ما رأيته ويجب أن تنشره " [ ص: 129 ]
إذا كان المؤلف قد أشار إلى الواقعي / الفعلي في ختام الرواية، فإن المتخيل يسيطر على النص كله حتى الواقعي يمتزج معه، وقد استعان السارد في صياغة المتخيل بتقنيات الفن الروائي، ابتداءً من تقسيم النص إلى فصول ، ووضع عناوين لها، كما أشار الباحث من قبل، وإلى جانب هذا استعار ـ أيضًا ـ الاسترجاعات أو الارتدادات الزمنية التي تعود بالسرد ـ وبنا ـ إلى بؤر زمانية ومكانية لم يكشف عنها السرد أثناء تقدمه نحو الأمام، وكذلك المونولوجات التي تكشف عن الأبعاد العميقة للشخصيات، وأخيرًا الحوارات .
-6-
الراوي الأنا الكليّ المعرفة والكشف عن خلجات النفس:-
الضمير الأنا، هو الذي يميز صيغة السرد الذاتيّ، الجوانيّ الحكي على حدّ تعبير " جاب لينتفلت"(16)، أو الشخصي عند بارت، و يتميز بالقدرة على التذكير و الاسترجاع ، و التحليل والاستبطان الذاتي للشخصية المحورية ، و من خلاله تسرد الشخصية المحورية الساردة ( الصحفي مجهول الاسم ) في " الحب في المنفى " الواقعة في الزمن الحاضر ، زمن السرد ، ما مرّ بها من مواقف و أحداث تقع في الزمن الماضي ، الذي هو زمن الحكاية ، مما يوهم القارئ بأن العمل هو " ضرب من السيرة الذاتية أو المذكرات أو اليوميات "(17)
فالسارد / الأنا ، يسيطر على فصول النص كله " الأحد عشر " ، و يضطلع بالسرد ، كما يترك السرد في أحايين كثيرة لباقي الشخصيات ، لتحكى هي الأخرى عن تجاربها .يبدأ الراوي نصه باسترجاعات عما حدث له ، وآل به إلى هذا المصير .
منذ المشهد الاستهلالي، يبدأ السارد / الأنا، بضمير المتكلم، في ممارسة مهامه بوصفه راويًا حاضرًا عليمًا، فيشعر القارئ، إزاء هذا الإيهام، الذي يصنعه هذا الراوي ، بأنّ ذات الراوي تلتصق بذات المؤلف، وذات الشخصية ( مجهول الاسم )، فتتطابق الذوات الثلاثة تطابقًا تامًا ، من خلال استخدامات الضمائر، التي يردّها القارئ ـ دون أدنى شك ـ إلى ذات المؤلف، وهذا ما يتكرر من خلال استخدام الراوي للضمائر الشخصية بكافة أشكالها كـ ( أنا ) في " اشتهيتها اشتهاء عاجزًا " ، و " لم يطرق في بالي الحب "، أو كتاء الفاعل في " كنت عجوزًا وأبًا ومطلقًا "، و " كنت قاهريًا طردته مدينته للغربة في الشمال " أو من خلال المزج بين " الأنا " الشخصي ، وياء المتكلم، كما في " لم أفعل شيئًا لأعبِّر عن اشتهائي " أو باستخدام ياء المتكلم فقط، كما في " كانت هي مثلي ... " ، و " تلك المدينة (ن) التي قيدني فيها العمل ". هكذا على مدار النص كله يعود السرد إلى راوٍ شخصي يسرد بـ " الأنا "، وهو ما يشير دلاليًا إلى إسباغ السرد صفة " السرد القصصي الذاتي " حسب تعبير " جيرار جينيت ".(18)
كما يأتي حضور الراوي / الأنا ، بوصفه عليمًا بالذات التي لا ينفصل عنها، ومن ثم يكشف عن خلجات النفس ، وعند استعادة السارد لذاته، فهو يستعيد ويصف وعي نفسه، وإدراكه لما حدث له، وما سوف يصير إليه، وهذا ما يتضح من خلال لقائه بـ " بريجيت "، فعندما يصف هذا اللقاء - الذي يؤكد أنه جاء بالمصادفة - فإنه ينقل لنا إحساسه الداخلي، وما استقر في شعوره إزائها فيقول " صرنا صديقين ". فقد أتاح هذا الضمير/ الأنا للسارد القدرة على " التوغل إلى أعماق النفس البشرية، فيعَّريها بصدق، ويكشف عن نواياها، ويقدمها إلى القارئ كما هي ، لا كما يجب أن تكون " (19). . فحاجة النفس / ذات السارد المأزومة إلى مَنْ تَتَثبّت به في الغربة، ضرورية ومُلِّحة، ومن ثم لا ينتظر أية مُقدِّمات، بل نرى ذاته، متحفزة لإقامة مثل هذه الصداقات والتثبت بها، والتي تصادف أنها تتشابه معه في كل شيء، بدءًا من الاغتراب عن الوطن لكليهما وانتهاء بحبهما للموسيقى والشعر .. تحفزُّ النفس وترقبها لأية صداقة، تجعله يُقرّر باطمئنان " صرنا صديقيْن ".
وأثناء غوص الأنا / الساردة في ذات السارد، لا يغيب عنها وعي الأنا بذاتها، فتدرك حقيقة نفسها، وما يُحيط بها، فوعي السارد يدرك جيدًا حقيقة عمله في الصحيفة، التي يعمل مراسلاً لها، ويعلم أنه غير مُجْدٍ ، بل لا يُمثِّل أية أهمية لرئيسه، لذا عند استعادة السارد لما حدث له، يتقابل مع وعيه، المُدْرِك جيدًا لطبيعة ما هو مُقْدم عليه، وما يفعله الآن. فيقول:- " قيدني العمل؟ أيُّ كذبٍ ! لم أعمل شيئًا في الحقيقة؛ كنتُ مراسلاً لصحيفة في القاهرة، لا يهمها أن أراسلها، ربما يهمها بالذات ألا أراسلها " [ ص 5 ].
إدراك ذات السارد لكنهة عمله الحقيقيّ ، هو نوعٌ من التطابق بين وعي الراوي، وحقيقته الداخلية ( التي ربما لا تهم القارئ )، والتي لا تريد أي إدعاء، وكذب حتى ولو كان من قبيل تيسير الأمور. فالذات / ذات السارد، تنجلي انجلاءً واضحًا، وكأنها واقعة تحت سلطة قَسَم البوح والمكاشفة، ومن ثمّ يأتي إقرار الذات، أقصد ( وعي الذات الساردة) برفض أي كذب ، ومرة أخرى إعلانه " ربما لا يهمها ألا أراسلها ".
هكذا تُصْبحُ سُلطة الذات الساردة، واقعة تحت سُلطة وعي الذات، الذي هو وعي عليم وحاضر ومدرك للأمور من خلال إحاطته التامة، ومن ثمَّ يشير هذا الحضور الذي انجلت أمامه الذات، إلى ملاصقة الراوي لوعي " ذاته "، وهذا ما يُفسِّر اندماج الراوي في الحكاية، التي هو جزءٌ منها، لا بوصفه شاهدًا وراصدًا، وإنما بوصفه عليمًا وحاضرًا، ولا يقتصرُ الأمر على الراوي المُسيِّطر على السرد، وإنما يُحيل هذه الصفة لجميع شخصياته، فلا تشعر بأنّ أية حكاية يرويها / ترويها ( إبراهيم المحلاوي، يوسف، بيدروإيبانيز، الصحفي الأمريكي رالف ، وبريجيت والممرضة النرويجية ماريان أريكسون ) (20)، أنها تنفصل عن الحكاية الأساس التي يضطلع بمهمة السرد فيها الراوي الأنا.
وبهذا يندمج الراوي في الحكاية، ويتحوّل بها إلى حكاية شخصية يمزج في سردها بين ماضٍ بعيد (عمله في الصحيفة، وزواجه من منار )، وحاضر يعيشه ويراه
( بريجيت وعلاقة الحب بينهما )، ومن ثم يختلط السرد الاسترجاعي، " الذي يهدف إلى استبطان أعماق الشخصية، وكشف حقائقها بالسرد المتزامن ، الذي يصف اللحظة الآنية، ومن ثمّ لا يتقدّم السرد كثيرًا، حتى يبدأ السارد في استرجاعاته الخاصة بمنار " [ راجع ص ص 9 ،10] منذ بداية تعارفهما، وانتهاءً بالطلاق [ ص 52 ] الذي لا يعرف ـ حتى الآن ـ سببه .
-7-
وفي استرجاعاته يبدأ الراوي، وكأنه حسب وصف " جينيت " متماثل حكائيًاHomodiegetic (21)، ونتيجة لتماثل الراوي / الأنا، مع الحكاية المسرودة، يتداخل الزمانان / الماضي (المتمادي) والحاضر(المتزامن) ، دون فواصل تشي بانفصال الزمن وانقطاعه، وهذا ما نراه عندما يَملُّ الراوي من حضور المؤتمرات، وهو يعلم أن ما يُرسله إلى الصحيفة ، لا جدوى منه، ومن ثم يقرر بأن يستمتع بهذا الجوّ الجميل، فيسرد داخل الغابة، أثناء سيره فيها، ورؤيته للأشجار والأزهار فيستدعي من الذاكرة على الفور، حدثًا مشابهًا، قد مرّ به من قبل مع زوجته السابقة / منار وإنْ اختلف المكان ( حديقة في بلغاريا )، والزمان ( زمان سابق لهذا الزمن).
يقول الراوي:-
" تركت الشارع المرصوف، وتوغلت في طريق مدكوك يتخلل الأشجار، ثم ركنت في الظل، كانت الغابة رطبة وهادئة الأوراق الجديدة التي عادت تكسو الأشجار منذ وقت قليل زاهية الخضرة تكاد تكون شفافة ..(....).. في المرة الأولى التي سافرنا فيها إلى الخارج في رحلة الأسبوع السيّاحيّة إلى بلغاريا، بهرتني تلك الزخرفة المنمنمة في الأرض مثلما بهرت منار، سألتني ونحن في الغابة ممنوع أن تقطفها؟
قلت : لا أظن ، فراحت تجمع باقة منها وهي تنسق الألوان، ولما انتهت نظرت إلى الزهور بين يديها، وقالت وفي صوتها خيبة أمل:- ولكنها كانت جميلة في الأرض! (.....)
هممت أن أردّ ولكني تراجعت وقلت، ربما يكون الحق معك، سأراجع نفسي وكنت قد تعلمت من زمن طويل أن أداري غضباتها الصغيرة الخفية، وكنت .. كفى ! كن عادلاً. لابد أنها هي أيضًا كانت تداري غضباتك الصغيرة الخفيفة ، لم تكن المشكلة في تلك الزهور البريئة فما هي بالضبط؟ [ص ، ص 7 ، 8 ، 9 ]
على الرغم من أن الحديقة ـ في المشهد السابق ـ ليست هي بؤرة الحكي، إلا أننا نجد السارد، يرصد كل تفصيلات الحديقة الدقيقة، ويتوّحد معها. وهذا ما يظهر من تتبع كلمات مثل " رطبة، وهادئة، زاهية الخضرة، شفافة ، هشة ناعمة، ثقوبها المتناثرة " التي تشي بثمة تطابقٍ تامٍ ، بين الراوي / الأنا ( العليم ) والمروي ( الحديقة ) هنا، وكذلك ذوبان المسافة السردية، وكأنه لا وجود لها.
وتمتد معرفة الراوي الكلية، في وصفه ما بها من أشجار وزهور، وصفات هذه الزهور، التي " لا تعيش إلا في الأرض "، بل يعمد ـ أيضًا ـ أثناء وصفه إلى مزج الوصف بالسرد، فيرسم ـ بذلك ـ صورة جذابة، وممتعة للحديقة، مُضْفيًا عليها جزءًا غير قليل من خبرته الذاتية ، التي تثبت أنه راوي كُليّ المعرفة " أعتقد أن هذه الزهور البرية لا تعيش إلا في الأرض ".
وتُمثّل هذه البؤرة المكانية " الحديقة "، بهذه الوضعية التي أرادها السارد بؤرة تفصل بين زمنيْن ومكانيْن مغايريْن، الأول زمن السرد / الحاضر، وآخر ماضٍ ـ قبل السرد ـ يسترجعه السارد من الذاكرة. ( زمن رحلة بلغاريا مع زوجته منار )، يرتبط بصورة، ولو شكلية ـ هي الحافز لاستدعاء المكان الأول / الأشجار والزهور ـ بالمكان الحالي ( الحديقة في هذه المدينة (ن) الأوروبية ).
يتخذ السارد / الأنا من البؤرة المكانية / الحديقة، والتي ترتبط في ذاته ووعيه بذكرى أليمة ـ خلافاته مع منار، والتي كانت بذرة الخطأ، التي آلت إلى الطلاق ـ معادلاً نفسيًا لاستعادة الذات مرة أخرى وهي منفصلة عن تأثيرات الحدث. لمحاولة الكشف عن بذرة الخطأ. ومن ثم يتيح هذا الانفصال عن الحدث، فرصة مراجعة الذات، والتي يُسيّطر عليها بحكم الحالة النفسية، التي فرضتها الظروف الآنية ( نقمته على عمله، ورئيسه، وعدم جدوى المؤتمرات ). إدانة كل شيء، حتى منار، التي يرى أنها " تختلق المشاكل " بينما هو عكس ما تردد أنه " غاوي نكد" وفي ظل سيطرة وعي الأنا، المتفردة والمسيطرة على السرد، نلاحظ إعلاء نبرة الذات في مخاطبته لذاتها ( غير الماثلة أمامه )، فيقول:
" كان لابد أن أدفع الثمن، في أي مكان غريب من عقلها كانت تحتفظ بتلك الأشياء الصغيرة التي كنت أنساها في لحظتها : أية قدرة تلك على توليد المعاني التي لا تخطر على بال .." ومرة أخرى يظهر محاولته لاحتواء الموقف " لزمتُ الصمت، لكن ذلك لم ينفع " وبينما الذات الساردة / الأنا، مسيطرة على الحكي، وتوجهه إلى حيثما تشاء ، فجأة ، تعود الذات إلى وعيها ( حقيقة ذاتها الكامنة )، فيتغيّر الخطاب، وبعد أن كان السرد مغرقًا في الذاتية، يصبح سردًا حياديًا ( رغم أنه ليس شاهدًا ) فيدين نفسه بدلاً من تبرئتها، ومرة ثانية يقتسمان الخطأ. ومن هذا بعد تبدّل سياسة ( منار ) بعد انفتاح السادات ، يعيب عليه الراوي هذا التبدُّل وبعد هذا يقول في حيادية " على أي شيء ألومها " [ ص 42 ].
بل أنه يعتبر هذا التحول بسببه، وأنه هو الذي دفعها إلى هذا، ومن ثم نلاحظ انفصال السارد عن ذاته، واستبدال الأنت بالأنا، وكأنه يخاطب ذاتًا أخرى، مغايرة عن ذاته . هذا الانفصال عن ذاته، وتأكيده باستخدام الضمير ( المخاطب )(22) حتى يكون أكثر حيادية ولا يميل إلى ذاته، ويعطي بذلك فرصة لوعي ذاته الحقيقي ( الذي كان متأثرًا بالطلاق ) أن يظهر، لا أن يذوب في ثنايا الأنا فيقول " كنت أنت أيضًا الذي قدمت لها المبرر على أية حال، لم تفعل سوى ما كان يفعله غيرها، ولم تفعل أنت سوى ما كان يفعله غيرك .." ويستمر في الإدانة لذاته وهذه الأنت، المنفصلة عن ( الأنا ) ـ لحظيًا ـ " كنت أنت أيضًا تشتري وتشتري .. لماذا " [ ص 22 ]، ويعود إلى الضمير المتكلم في إشارة لتأكيد هذه الإدانة " لم أفعل سوى ما كان يفعله غيري " وينتهي إلى حقيقة، لم تكن غائبة عنه ـ وعنا ـ وهي أن الذي تغيّر وتبدّل ليس هو فقط، وليست هي، وإنما الجميع (هو / هي /هؤلاء) الذين كانوا ينادون بالثورة ويحلمون بأحلامها. وهذا ما يظهر في سخريته من نفسه ومن الآخرين فيظهر بذلك أيديولوجيا السارد ، فعندما يذهب السادات إلى القدس ليوقع الاتفاقية. ماذا فعل السارد وهو الرافض لهذه المعاهدة؟ هل خرج في مظاهرة حاشدة، تندّد وتستنكر ما يحدث؟ يجيب في أسلوب تقريري حيادي بانهزاميته مثله مثل
( منار ) ويُعلن بعد تحول الضمير من الأنا المفردة إلى النحن الجمع " اعتبرنا ـ أننّا ـ أدينا كل ما علينا حين اجتمعنا في المقهى وتناقشنا، وصرخنا وبكينا طظ طظ " [ ص 42 ]
اختفاء المسافة السردية ـ هنا ـ بين الراوي والشخصية ، يشي بالتطابق والتماثل بينهما حيث لا مسافة فاصلة بين وعي السَّارد ووعي الشخصية الراصدة. فالذات الفاعلة تلتصق بمفعولها. ومن ثم لا يجد مناصًا من إعلان انهزاميته، ليس أمام " منار " بالطلاق والانسحاب من حياتها، أو أمام ( خالد وهنادي )، مرة في تدخل خالد ومحاولته الصلح بينه وبين أمه ( منار)، ومرة أخرى عندما يفشل في احتوائهما لصفه، ويسأل نفسه لماذا تركت منار لهما؟ فيقول :ـ أين كنت أنت؟ ، أو انهزاميته أمام رئيس التحرير ( الذي يحذف ويبدّل في مقالته )، ويعتذر له بحجج أن " أخبارًا من الرئاسة أكلت الصفحة "، وأخيرًا انهزاميته أمام بريجيت عند رفض الطفل منها وأمام كل هذه الهزائم، يبحث عن ذاته، ويتساءل عن ذاته ووجوده.
مَنْ أكون! وكأن ذاته التي فعلت كذا وكذا، وفُعِلَ بها كيت وكيت .. بعد كل هذا وذاك صار ليس لها وجود. فوجودها ـ بالنسبة له صار زائفًا لا مُبرّر، وهذا ما يدفعه لأن يخاطبها " وما معنى أن أستمر في هذه الحكاية الكذبة! مَنْ أكون .. ولِمَ لا أنزل الآن في جوف النهر، أرقب من قلب الماء بطون ذلك البجع الأبيض الرجراجة، وأصلي أن يحملني التيار بعيدًا جدًا، بعيدًا عن البجع وعن البط وعن الأشجار والجبال وعن البشر .. بعيدًا إلى فجوة مدفونة وسط الصخور أندس فيها وأتروى ثم تغمرني الطحالب والنباتات والقواقع والأسماك وتخفيني إلى الأبد؟ لو أني فقط أتلاشى! " [ ص 43 ] .
تمنى ذات السارد الموت، والاختفاء والتلاشي والذوبان، ناتج عن عدم رضاه عن ذاته، وانهزاميته إلا أن الأمنية تتحول في نهاية النص إلى فعل. خاصةً بعد " فجيعة صبرا وشاتيلا، والأمير حامد، ثم فقد الطفل الحُلم الذي ولد على لسان بريجيت، وكان تعويضًا عن عالم مفجع. هكذا يستسلم السارد للموت "كنت انزلق في بحر هادئ تحملني على ظهري موجة ناعمة وصوت ناي عذب ... وكانت الموجة تحملني بعيدًا ، تترجرج في بطء، وتهدهدني والناي يصحبني بنغمته الشجية الطويلة إلى السلام وإلى السكينة " [ ص 254 ]























الهوامش :
* اعتمدنا في قراءتنا للرواية على طبعة روايات الهلال الصادرة عن دار الهلال يوليو 1995، طبعة ثانية ع (559).
(1) حليم بركات : " رواية الغربة والمنفى "، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، عدد " الرواية "، صيف 1998م. ، ص 45.
(2) محمد ديب: تصريح لمجلة ( الوسط ) بتاريخ 18/7/1994، نقلاً عن شحات محمد عبد المجيد، السرد في روايات المنفى العربية، مرجع سابق ص 36.
(3) شحات محمد عبد المجيد : مرجع سابق، ص 23.
(4) حليم بركات: مرجع سابق، ص 44.
(5) شحات محمد عبد المجيد : السرد في روايات المنفى العربية ، مرجع سابق، ص 23 وما بعدها.
(6) السابق نفسه ، ص 23.
(7) مراد وهبه : " المعجم الفلسفي" ، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة ، ط 3 ، 1979، ص ص 201 ـ 202 .
(8) بول ريكور وآخرون: " الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور : تحرير ديفيد وورد. ت/ سعيد الغانمي . المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، ط1، 1999 ، ص 106 .
(9) شحات محمد عبد المجيد : "السرد في روايات المنفي ....." ، مرجع سابق ، ص 82.
(10) للعناوين الخارجية والداخلية وظائف أخرى ، راجع في ذلك محمد فكري الجزار : " العنوان وسيموطقيا الأتصال الأدبي “، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة1998، ص 37.
(11) د. مصطفى بدوي : رواية الغربة: الحب في المنفى. بهاء طاهر . مجلة فصول مجلد (16) الهيئة المصرية العامة للكتاب ، شتاء 1997. ص 145.
(12) راجع حوارات بهاء طاهر [ حوار بهاء طاهر مع ليلى الراعي ] جريدة الأهرام، مرجع سابق ، ص 27 بتاريخ 15/2/2005
(13) د. أحمد صبرة:" جوانب من شعرية الرواية : دراسة تطبيقية على رواية في الحب في المنفي "لبهاء طاهر " مجلة فصول ، مجلد (15) ع 4 شتاء 1997 – قواعد تطبيقية – ص64.
* ملاحظة : كل الاختصارات والتشديدات الواردة في الدراسة من عند الباحث .
(14) يرى صلاح صالح : أن يظل للواقعية سحرها الأخاذ، وجاذبيتها الخاصة، حتى لو التزمت التخييل في صناعة الأحداث ورسم المسارات أي حتى لو كان الواقع المرسوم في الرواية واقعا من صنع الخيال ويتساءل: كيف تكون الحال مع الواقع المنسوخ نسخًا أمينًا عن الواقع الفعلي " سرديات الرواية العربية المعاصرة" مرجع سابق ، ص199.
(15) شحات محمد : بلاغة الراوي: " طرائق السرد في روايات محمد البساطي " مرجع سابق، ص186 ، و د/ صلاح صالح: مرجع سابق ، ص ص 195-196 .
(16) جاب لينتفلت: " مقتضيات النص السردي الأدبي، ضمن كتاب " طرائق تحليل السرد الأدبي، مرجع سابق، ص 85
(17) يمنى العبد: " تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي "، دار الفارابي، ط2، 1999، ص 94.
(18) جيرار جينيت: " خطاب الحكاية: بحث في المنهج "، ت. محمد معتصم، وعبد الجليل الأزدي، وعمر حلّي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط ثانية، 1997م. ، ص 254.
(19) عبد الملك مرتاض: " في نظرية الرواية ... " مرجع سابق، ص 185.
(20) السرد الذي تقوم به هذه الشخصيات، باستثناء شخصية " بيدرو ايبانيز "، وهو سرد شخصي / ذاتي، فتشعر أننا إزاء سير ذاتية لكل شخص، يُقدّمها السارد بضمير الأنا، فشخصية " بيدرو ايبانيز " يأتي السرد مستخدمًا ضمير غائب يعود عليه، ولكن مع استخدام الضمير الغائب، الذي يوهم القارئ بانفصال الراوي عن الشخصية التي يسرد عنها، لكن إذا قام الباحث باستبدال هذا الضمير الأنا، بضمير الغائب / هو، فلا يتغير شيء، وإنما المراوحة بين الضميرين، يأتي كحيلة فنية وتقنية، ومن هذا ما يقوله السارد " أن اسمه بيدرو ايبانيز، عمره 36 سنة، ويعمل سائق تاكسي في العاصمة سانتياجو .. " [ ص 15 ] المقطع السابق بعد استبدال الأنا بالغائب / هو يصير هكذا :" اسمي بيدرو ايبانيز ، عمري 36 سنة، واعمل سائق تاكسي في العاصمة سانتياجو .. " [ ص 15 ] الذي يتغير في المقطعين هو الضمير فقط، وبذلك تكون كما يقول جيرار جينت " بإزاء مقطع مبأر داخليًا، بالرغم من إسناده لضمير الغائب، لأن صيغته شخصية، ولا يتطلب أكثر من استبدال ضمير بضمير " راجع في هذا : عبد العاطي بوطيب: " مفهوم الرواية السردية في الخطاب الروائي بين الائتلاف والاختلاف "، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(21) ويقصد به: أن يكون السارد حاضرًا، باعتباره شخصية في القصة التي يحكيها . راجع جيرار جينيت: " خطاب الحكاية .. بحث في المنهج، مرجع سابق، ص 258 " مجلد 11، عدد 4 شتاء 1993.
(22) يرى ميشال بوتور أن ضمير الأنت / المخاطب أقدر الضمائر على تمثل العالم والوعي، وجعلهما يمثلان في الذهن معًا، وفي لحظة واحدة، كما أن الأشياء في رأيه، بفضل استعمال ضمير المخاطب لا تنحل، وذلك بحكم أن البُعد الذي يقتضيه " الأنت " يتيح وصفهما بما هما من الأشياء. وأيضا يتيح " الأنت " وصف الوعي حال اتخاذه وضعًا معينًا، كما يتيح وصف استعادة الوعي من بدن الشخصية نفسها لهذا الوضع .. " ميشال بوتور " بحوث في الرواية الجديدة ، مرجع سابق ، ص 85.


ممدوح فراج النابي
ناقد وأكاديمي مصري
elnaby_55@yahoo.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث