الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الوشا، حين يُفتقد الوطن
هدية حسين
الوشا، حين يُفتقد الوطن
هنري ترويا

صراع البحث عن هوية في مكان بعيد عن الجذور ، ذلك ما تناوله هنري ترويا في روايته ( الوشا ) التي ترجمتها للعربية لينا بدر وصدرت عن دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة بدمشق .. والوشا هو الاسم الذي يطلقه جورج بافلوفيتش وزوجته هيلين على ابنهما اليكسي ، وهم عائلة روسية ضمن آلاف العوائل التي هربت الى بلدان العالم بعد الثورة الروسية في العام 1917 .
يعيش الوشا مع والديه في احدى المدن الفرنسية ، كان عمره حين هربت عائلته خمس سنوات ولذلك فهو لا يحمل الكثير من الذكريات عن بلده الأم فنشأ وكبر على حب فرنسا ، فيما يعيش والداه على تلك الذكريات التي لا تفارق رأسيهما ، ويحلمان بالعودة حين تتغير الظروف ، وظلا على هذا الأمل الذي صار يصغر يوماً بعد يوم ثم يتلاشى ، فيديمانه بالتزود من الذكريات .
الأم هيلين لا تكف عن ذكر أيامها الخوالي في روسيا ، ووطنها الضائع الى الأبد .. والأب يحلم بعودة ثروته من شركة التنمية العالمية التي كان مساهماً فيها واستولت عليها حكومة الاتحاد السوفييتي .. وكلاهما ،الأب والأم ، يتصرفان على طبيعتهما أمام الغرباء ولا يجيدان التمثيل ، انهما منغلقان داخل عاداتهما وذكرياتهما الروسية .
في المدرسة الثانوية ينظر الى الوشا كغريب برغم محاولاته الاندماج مع الزملاء ، لكنه يلتقي أخيراً بصديق عمره تييري المنحدر من عائلة فرنسية ، فتجمعهما صداقة من نوع نادر برغم الوسط الذي يعيشان فيه ، فتييري ابن عائلة فرنسية ثرية ، في حين أن اليكسي من عائلة مهاجرة وفقيرة ، لكن ما يقرّب بينهما كثير ، اليكسي يعاني الغربة أمام الزملاء , وتييري يعاني الإعاقة ، فهو أحدب ولم يجد من يقترب منه الاّ اليكسي ، وكلاهما يشتركان بحب قراءة الأدب والتاريخ والأحاديث الأدبية الحماسية .. هذه المشتركات ستتعمق بمرور الوقت ، ويصبح كل واحد منهما لا غنى له عن الآخر .
يحلل المؤلف شخصية اليكسي من الداخل ، يخبرنا بالألم الذي يعانيه وبالضجر الذي يشعر به من تكرار الحديث بين أمه وأبيه عن مجد روسيا والحياة هناك ، فهو لا يرى من داع يجعل والديه يتمسكان الى هذا الحد بوطن صار بعيداً عنهما ، ويرى بأن عليهما أن يتأقلما بحياتهما في فرنسا ، انه يشعر في قرارة نفسه بأن وطنه هو الذي نشأ فيه وليس ذاك الذي ولد فيه .. ومع ذلك فهو يعيش مأزق التمسك بوطنين .
يحتل هذا التمزق معظم صفحات الرواية ، يشاركه في البطولة الحنين الجارف للزوج والزوجة ،الممزوج بأمل العودة الى الوطن الأم ، ذلك أنهما ولدا وعاشا جلّ حياتهما هناك ، ومن الصعب عليهما فصل ثقافتهما وعاداتهما لمجرد أنهما في وطن آخر ، هذا الوطن وان آواهما الاّ انه ليس له السطوة لكي يمحو عرى ذلك الرباط القوي الذي يشدهما الى روسيا .
هذا الصراع يمتد في كثير من الصفحات بشكل مواجهات بين الأب والأم من جهة ، والابن من جهة أخرى ، لكنها مواجهات غير حادة لدرجة انفصام العلاقة بينهم ، ذلك أنهم عائلة محبة لبعضها ، وتأمل بحياة هادئة برغم الفقر الذي تعيشه .
***
يجد اليكسي في صديقه تييري عزاءاً لتمزقه ، ويمضي الاثنان في علاقتهما حتى يصبح كل واحد منهما لا يعرف الاّ بالآخر ، وتشعر عائلة تييري الثرية بالفضل لأليكسي على تغيير نفسية ابنهما نحو الأحسن ، فقد كان معزولاً ومنطوياً داخل نفسه ، وتييري هذا كما يقدمه هنري ترويا لنا ، يقرأ كثيراً لفولتير وهوجو ومونتيني وأناتول فرانس ، ويعوض عن مسرات الجسد المعاق بالمسرات الذهنية التي تمنحها له القراءة ، وفي أحد حواراته مع اليكسي يحثه على قراءة أعمال دستوفيسكي وتولستوي باللغة الروسية ، غير أن اليكسي يصارحه بأن لغته الروسية ضعيفة ، اضافة الى انه يفضل الأدب الفرنسي ويهتم بتاريخ فرنسا ، ويحب أن يقرأ عن نابليون وغامبيتا وكليمنصو على أن يقرأ عن نيكولا الثاني وبطرس الأكبر والاسكندر الأول ، بل تبلغ به الصراحة بالقول لصديقه : متى ستفهم بأنني ضقت ذرعاً بالثورة وبروسيا وبكل ما يأتي من هناك ؟ .. ولكنه في قرارة نفسه يشعر بأنه ابن مهاجرين حتى النخاع ، وهذا ما يزيد من ألمه .
***
معظم المهاجرين الروس يعيشون في المهجر بأوضاع مزرية ، هذا ما يلقي عليه الضوء هنري ترويا ، فهم امّا يعملون خراطي معادن أو بوابين في علب الليل أو سائقي سيارات أجرة .. القليل منهم يتأقلم ، والكثير وجدوا صعوبة في تقبل طرق العيش ، ولذلك ظلوا منشدّين الى وطنهم الضائع ، يرددون ذكرياتهم ويدعون الى تجمع يحيي ذلك الماضي ، ومنهم عائلة غوتوييف التي لها صلة بعائلة اليكسي .. وذات يوم عند زيارتهم حثوا اليكسي على الانتماء الى فرقة كشفية للفتيان الروس لكي يعرفوا تاريخ بلدهم ، تحكي له السيدة الضيفة عن أهمية هذا الانتماء ، وترى أن عدم الالتحاق بهذه الفرقة سيسيء الى الأولاد مستقبلاً عندما لا يجدون لديهم ذكريات ولا يجدون وطناً ولا أجداداً يدافعون عنهم .. الاّ أن اليكسي ردّ بتهذيب وبيّن للسيدة وجهة نظره محاولاً كبت مشاعره ، وقد لاحظت هيلين ذلك وراحت تخفف عنه بإفهام السيدة وزوجها بأن اليكسي مهتم بدراسته وله انشغالاته ، لكن السيدة لم تسكت ، بل مضت في إلحاحها حتى فقد اليكسي صبره وقفز من مكانه وراح يصرخ بوجهها ، ثم خرج من الغرفة ، ذلك الحادث أثر كثيراً في نفسه وأعاده الى مأزق الصراع بين وطنين .
تييري من ناحيته كان يحثه على أن يكتب ذكرياته البعيدة عن روسيا ، بالإضافة الى تكرار أحاديث أمه وأبيه عن الوطن المضاع ، ثم يأتي المدرس ويطلب من الجميع أن يكتبوا مواضيع في درس الإنشاء ، فيكتب اليكسي عن الزيارة التي قام بها مع تييري الى متحف اللوفر ، ويفشل فشلاً ذريعاً ، الاّ انه بعد أيام يقرر الأخذ بنصيحة تييري ويكتب عن تلك الذكريات البعيدة من طفولته حتى هروب عائلته وما صادفها من معاناة ، فإذا بالمدرس يمنحه أعلى درجة ، مشيداً بأنه كتب الموضوع بعناية وإحساس .
في هذا الوقت كان والدا اليكسي يأملان بعودة ثروتهما ، أبلغهما المحامي زلوبوف – وهو مستشار من قبل الكثير من المهاجرين في فرنسا – بأحقية جورج لإقامة دعوى قضائية واسترداد تلك الثروة الضائعة ، واذا ما تم له ذلك فستتغير حياة الأسرة وتصبح فرنسا فردوساً بالنسبة لهما ، وداعبت الأحلام جورج وزوجته ، سيشتريان شقة فاخرة وأثاثاً من نوعية ممتازة ، ويخصصان غرفة لأليكسي ، ويقومون جميعاً برحلات الى شاطئ البحر .
لكن الأمور جرت فيما بعد على عكس ما تمنوا ، اذ حين حضر الأب اجتماعاً للمطالبين بالحق لم يحضر من بين أربعة وخمسين مساهماً في تلك الشركة سوى عشرة ، لقد تفرق الجميع وتشتتوا في بلدان أخرى ، وأعيدت الرسائل مختومة بعبارات عدم الاستدلال على عناوينهم .
عاد الزوج وزوجته الى ذكرياتهما ، وأليكسي الى الاحتماء بصداقته لتييري وعادت الأحاديث والقراءات والنقاشات تحتل أوقاتهما ، لكنهما أحياناً يحتدان حين يتعلق الأمر بروسيا .. قال له تييري ذات يوم ( ستندم لاحقاً لأنك لم تهتم أكثر بوطنك الأم ، أعتقد أنه بإمكانك أن تكون روسياً في الصميم وتحب فرنسا ) ص 128 .. لكن اليكسي حتى هذا الوقت ما يزال متمسكاً بأن فرنسا وحدها هي وطنه .
ثم تسير الأمور سريعاً وبشكل دراماتيكي ، فرنسا تقرر الاعتراف بالاتحاد السوفييتي ، هذا يعني بالنسبة لجورج وهيلين أن وضع المهاجرين الروس سيزداد سوءاً ولم يعد من أحد يهتم لأمرهم ، ويعني أيضاً أنه سيكون للسوفييت جواسيس في كل مكان ، وسيقتفون أثر المهاجرين ويحاولون تحريض الفرنسيين ضدهم .. وعلى الصفحة 137 يخبرنا المؤلف بموت تييري ، كانت الصدمة عنيفة جداً على اليكسي ، وهي تجربته الأولى والأعمق التي قلبت حياته رأساً على عقب ، فهو لا يعنيه اعتراف فرنسا بالاتحاد السوفييتي ، ويرى وطنية والديه باطلة وتدعو للرثاء ، لقد كان دائماً محصّناً ضد السياسة ، لا يشغله الآن سوى صديقه الذي أفجعه ، لكنه وهو يشعر بحزن أبيه طرح على نفسه هذا السؤال : ما الذي كان أشد وقعاً فقدان وطن أم فقدان صديق ؟ .. ولم يجد جواباً على سؤاله ، الاّ أنه بعد أيام قليلة وجد نفسه يهرع الى رواية ( الحرب والسلام ) التي سبق أن ألح عليه تييري بقراءتها .. ها هو الآن يعود لتاريخ بلاده الأدبي ، لقد دهش والداه ، واقترحا عليه أن يقرأ بصوت عال ، لكنه ذكّرهما بأنه لا يجيد الروسية تماماً ، وسيتلعثم ، فشجعاه على المحاولة ، وعند البداية بقراءة ( الحرب والسلام ) تنتهي رواية هنري ترويا ( الوشا ) ، كما لو أن ترويا يريد القول بأننا مهما أوغلنا في المنافي وابتعدنا عن أوطاننا سنعود يوماً الى الجذور .
لقد اعتمد هنري ترويا في روايته على الرسائل والأفكار والحوارات المتبادلة بين الصديقين والتي أخذت الجانب الأوسع ، ليصل الى تلك الرسالة التي تقرّب الأوطان البعيدة وتعيدنا الى الأصل .


هدية حسين
روائية عراقية مقيمة في كندا
hadiya3000@yahoo.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث