الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
آيات شيطانية - بحث في هوية التابع
د. عبد الله إبراهيم
آيات شيطانية - بحث في هوية التابع
سلمان رشدي

مارست التجربة الاستعمارية عنفا ثقافيّا لاحتواء الشعوب وتدجينها، بل ومسخها في كثير من الأحيان، وذلك بخلخلة مفهوم الهُويّة، وتخريب فكرة الأصول الثقافيّة، وتلفيق تواريخ مغايرة لا صلة لها بالموروث النفسيّ والخياليّ للمجتمعات المستعمَرة، فصار وجود التابع أمرًا لازمًا فرضته التجربة الاستعماريّة الحديثة التي شملت العالم. وقد عرض "سلمان رشدي" في روايته "آيات شيطانية" لمسألة التابع المحاكي لقيم الإمبراطوريّة البريطانيّة، الذي يرى أنّ وجوده يتحقّق بمقدار ذوبانه في الثقافة الاستعماريّة ومحاكاتها، فلم تنطو معظم شخصيّات الرواية على وعي ناقد للتجربة الاستعماريّة المهينة للهند، فمُحيت ذاكرتها التاريخيّة، وتعذّر عليها استعادة ماضيها إلاّ عبر حالات من التقمّص والتحوّل، فارتسم قلق شمل الشخصيّات، وشوّه ملامحها الفكريّة، وظلّت عالقة بين هُويّتين مختلفتين: هنديّة أصليّة لفَظتها، وإنجليزيّة استعماريّة لم تقبل بها.
لا يمكن تأويل أحداث رواية "آيات شيطانيّة"، إلاّ باعتبارها نسيجًا سرديًّا مضطربًا يعوم على الهذيان واللاوعي وفقدان الذاكرة والرغبة في الأخذ بفلسفة التحوّل والتقمّص، ولكنّ تمثيل أحوال التابع الذي شوّهت هُويّته، وخرّبت سويّته الإنسانيّة بالمحاكاة، يمثّل الثابت السرديّ فيها، فقد انحرفت الشخصيّات عن مسارها الصحيح حينما انزلقت إلى التمثيل القائم على المحاكاة، فانفرط عقدها الأخلاقيّ إذ راحت تشنّع على التاريخ الدينيّ وشخصيّاته في نوع من الهجاء، الذي يوافق منظور شخصيّات هشّة جرى قطعها عن مرجعيّات ثقافيّة أصليّة، ولصقها بمرجعيّات أخرى طاردة لها، فكان الإفصاح عن ذاتها متعسّرًا إلاّ في إطار هذيان سرديّ لا يعرف الانضباط، فالارتداد الناقم إلى الماضي الدينيّ البعيد هو المكافئ لحالة الانقطاع عن واقع شوّهته التجربة الاستعماريّة الحديثة.
استندت الأحداث المتخيّلة للرواية على قاعدة فكريّة شائعة في الهند، وهي المزج بين الإيمان الدينيّ والقول بالتناسخ والتقمّص والتحوّل. ولا تجد فكرة التحوّلات مشروعيّة كبيرة لها خارج الثقافة الهنديّة الموروثة، فينبغي أن تفهم في إطارها، فذلك هو الإطار التفسيري المقبول لها، وقد جرى تشكيل المادّة السرديّة بخليط من "الأحلام الهذيانيّة" لشخصيّتين رئيستين من شخصيّات الرواية، هما "جبريّل فاريشتا" و "صلاح الدين شمشم"، اللذين فقدا الذاكرة إثر سقوط طائرتهما المختطفة فوق القنال الإنجليزيّ في رحلة لها بين بومباي ولندن، فمرّا في سلسلة من التحوّلات لم يراعَ فيها الترتيب الزمنيّ للأحداث، إنما الخلط والفوضى، فخيّمت على فضاء السرد ضروب من الهذيان، استعادت به الشخصيّتان تجارب من ماضيهما البعيد في نوع من الازدراء المبطّن للموروث الهنديّ الذي جرى تقويمه في ضوء شروط الثقافة الغربية. وبما أنّهما امتهنتا التمثيل السينمائيّ والمسرحيّ الرديء، فلا غرابة أن جاء تمثيل ساذج للتجارب التاريخيّة والدينيّة في بلدهما يوافق الخلفيّة الثقافيّة السطحيّة للمُمَثّلَين "جبريّل" و"صلاح الدين"، ويطابق الرؤية المزعزعة لهما في الهُويّة والانتماء جرّاء الحقبة الاستعماريّة.
لازمت حال الاقتلاع الثقافيّ عن الموروثة الأصلي الشخصيّات الكبرى في الرواية، فحاولت العثور على بدائل لها في الثقافة الإنجليزيّة، فكانت لندن محطّ جذب، وموضوع رغبة، وعدّت الحقبة الهنديّة في حياة الشخصيّتين الرئيستين مهمّة، لأنّها رسمت حال الانقطاع والهشاشة، فكان مصيرهما مكافئًا لذلك في نهاية الأمر؛ فـ"جبريّل فاريشتا" صورة متحوّلة من نسخة أصليّة ولدت باسم "إسماعيل نجم الدين". وسميّ بهذا الاسم تيمّنًا باسم "الطفل الذي كان ضحية لأبيه إبراهيم". أمّا دلالة القسم الثاني من الاسم، فهي "نجم الإيمان". لكنّه ما لبث أن "تخلّى عن هذا الاسم العظيم ليتكنّى باسم أحد الملائكة الذي هو الملاك جبريّل". وكان ذلك إكرامًا لوالدته المتوفّاة التي كانت تلقّبه بـ"فاريشتا الذهبيّ" لما كان عليه من عذوبة وجمال. وبالاسم البديل شقّ مسار حياته في "بومباي" إلى أن انتهى ممثّلاً سينمائيًّا مشهورًا.
لم تتوافر للشخصيّة فرصة لتثبت ذاتها في التاريخ الوطنيّ الهندي، وتصوغ تجربتها فيه، فكان أن توجهت إلى لندن. وبما أنّ "فاريتشا" تلقّى أفكارًا أوّليّة عن تحضير الأرواح، فقد أصبح شديد الإيمان بوجود عالم غيبيّ، فشبّ عن الطوق "وهو مؤمن بالله وبالملائكة وبالشياطين والجنّ". ولكن تعذر عليه رؤية أيًّا من تلك المخلوقات غير المرئيّة، فأرجع ذلك إلى ضعف في بصره، ولطالما حلم برؤية النبيّ ومحادثته، لكنّه كان يضيق من ذهوله الدائم، "ويضبط نفسه متلبّسًا بالتفكير بطريقة فيها الكثير من الكفر والتجديف". وفي مرحلة من مراحل حياته أصيب بـ "القلق بخصوص عدم نقاء سريرته التي تؤدّي به إلى مثل تلك الكوابيس المزعجة. وكانت عقيدته الدينيّة في نظره مهزوزة، بصورة أحسّ معها بأنّ هذا الجانب بالذات بحاجة إلى اهتمام أكثر من أيّة ناحية أخرى في شخصيّته".
أفضت شهرته السينمائيّة باسم "جبريّل فاريشتا" إلى طمس اسمه الأصليّ، وهو "إسماعيل نجم الدين"، فاختار العزلة وكبح اللذّات، وقاوم الحبّ والرغبات على الرغم من عمله في وسط صاخب، فاتّجه بكلّ جوارحه إلى القراءة، "وأقبل على تلقّي الثقافة بمبادرة ذاتيّة صرفة. وراح يلتهم الأسرار اليونانيّة والرومانيّة التي تستند إلى مبدأ كنية الخلق وتجسيدات الآلهة". فعرف حكايات التحوّل والتصوّف ومذهب وحدة الوجود، واطّلع على حكاية "الآيات الشيطانيّة" التي ورد ذكرها في السيرة النبويّة، وبعض المرويات التاريخية، فامتلأت نفسه بكلّ ذلك، وسكنه نوع من "الحبّ المطلق"، وقاده ذلك للعمل في مجال السينما الدينيّة الهادفة إلى تجسيد آلهة الخير في الثقافة الهندوسيّة.
بدأت مرحلته الحسّيّة بعد خوض تجربة الشهرة في مجال السينما، "وما لبث أن تحوّل إلى زير نساء، وأصبح يمارس الربا والمخادعة بمنتهى الإتقان"، إذ كان بمنأى عن الشكّ بعد أن عهد إليه تمثيل أدوار آلهة الخير. ونتج عن ذلك أمر خطير، فـ"متعة الجنس الرهيبة التي انغمس فيها جبريّل أدّت إلى دفن أعظم مواهبه، ألا وهي موهبة الحبيب الأصيل المطلق الذي لا يعرف التراجع، التي لم يكن في حياته قادرًا على ممارستها واستغلالها في نفسه"، فانشطرت حياته بين رغبات جنسيّة جامحة وحبّ معطّل، لكنّه مرّ بتجربة مرض غامضة أوصلته إلى حافة الموت، ولمّا شفي بأعجوبة تغيّر بصورة مذهلة، "فقد إيمانه بالله"، فلطالما أمضى أيّامًا خلال مرضه يدعو الله أن "يخلّصه من الأوجاع والمرض"، ولمّا يئس تمامًا "تحوّل إلى السخط والحنق والغضب"، فراح يجدّف بالله، فكان أن بدأ يتماثل للشفاء، فكأنّ ذلك كان برهانًا على عدم وجود الله. وقد جعلت هذه التجارب التربويّة "فاريشتا" ينتهي ممثّلاً محاكيًا، وأقرب إلى أن يكون محتالاً ومراوغا. من الصحيح أنّه شقّ طريقه بنفسه، لكنّ رؤيته الغامضة لنفسه وللعالم الذي يعيش فيه، جعلته يتردّى في سلسلة طويلة من الأخطاء، وشهرته في التمثيل كانت غطاء يستر فيه ضحالة تلك الرؤية.
وبموازاة ذلك ينتمي "صلاح الدين شمشا والي" إلى أسرة هنديّة إسلاميّة ثريّة، وخوفًا من الخروج على التقاليد الثقافيّة الموروثة، وضعه أبوه منذ طفولته تحت مراقبة شديدة، لينشأ صالحًا في إطار تلك التقاليد. ولأنّ الأب كان يزدري الكتب، فقد أخذ يؤمن بالحظّ والصدفة، ولازمَ مصباحًا سحريًّا آمن بأنّه يحقّق له ما يريد، فنشط لديه التفكير السحريّ، والاتّكاء على موروث الأجداد. أمّا الابن فرسخ لديه أنّ أباه يمضي في مسار لا يوافق التاريخ الصحيح الذي رسّخته الثقافة الاستعماريّة في الهند، حيث لا ينبغي اللجوء إلى الوهم والسحر، إنّما إلى مجابهة الواقع، ولا يجوز تفسير الثروة على أنّها من عطايا مصباح، إنّما هي من ناتج العمل، فتكوّن لديه اعتقاد بأنّ "والده سيخنق كلّ طموحاته إذا لم يهرب مغادرًا تلك البيئة..وذلك المنزل". وفي الثانية عشرة من عمره، "راوده حلم السفر إلى لندن الجميلة..بكلّ ما فيها من جنيهات إسترلينيّة وجوّ رائع، بعدما أصبح يحسّ بالسأم من بومباي وأجوائها المغبّرة وأرصفتها التي تعجّ بالمشرّدين الذين ينامون على الأرصفة. وأصبحت أفضل القصائد بالنسبة له هي تلك التي تتحدّث عن المدن الغربيّة. وعندما زار فريق الكريكت البريطانيّ مدينة بومباي ليواجه الفريق الهنديّ، كان يتمنّى من أعماقه أن يفوز الفريق البريطانيّ الخصم. وحينما بلغ الثالثة عشرة تكرّس في أعماقه إحساس لا رجعة فيه "إما أن يغادر بومباي أو يموت".
ثم كان أن وافق أبوه على إكمال دراسته في إنجلترا، فنصحته أمّه "نسرين" قبل سفره "بألاّ يقتدي بالبريطانيّين في قذارتهم، حيث إنّهم لا يستخدمون الماء في المرحاض ويكتفون باستخدام الورق"، فكان ردّه مستنكرًا بأنّ "إنجلترا بلد حضاريّ عظيم. فكيف تقولين ذلك؟". ظهر تباين ثقافيّ أفسد العلاقة في العائلة. ثمّ اصطحبه أبوه إلى لندن وألحقه بمدرسة داخليّة وعاد إلى الهند. حيث "قرر صلاح الدين أن يتحوّل إلى رجل إنجليزيّ بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وعلى الرغم من أنّ زملاءه في المدرسة كانوا يسخرون من صوته وطريقته في الكلام ويتحادثون ولا يمنحونه ثقتهم، فإنّ ذلك زاد من تصميمه على أن يصبح واحدًا منهم..وقد تمكّن من تحقيق ذلك خلال فترة قصيرة".
بعد خمس سنوات أنهى "صلاح الدين" دراسته الثانويّة، وقد تشبّع بعادات المجتمع الإنجليزيّ وتقاليده وثقافته، فانقطعت صلته النفسيّة بمجتمعه الأصليّ، وقبل أن يلتحق بالجامعة، عاد إلى الهند ليمضي العطلة مع أهله، ويختبر مؤهّلاته الاستعماريّة، فلاحظت والدته أنّه "أصبح لا يعجبه شيء، وأنّه ينتقد كلّ شيء في البيت وفي أساليب الحياة"، فنشب خلاف بينه وبين أبيه بلغ درجة الشجار. وقد حاولت أمّه، ومربّيته "كاستوبرا" وزوجها البوّاب "فالاب" إصلاح خلافهما، غير أنّهم فشلوا في مسعاهم، إذ مضى الابن في سلوك غريب انفصل به عن أصله الهنديّ، واندرج في إطار ثقافة غريبة عنهم. حينما اندلعت الحرب بين الباكستان والهند قلّلت الأسرة من استقبال الضيوف ضمن الحفلات المسائيّة التي اعتادتها، فاقتصرت على واحدة تقام مساء الجمعة، كان "صلاح الدين" يقوم بدور البوّاب الذي يستقبل الضيوف ويرشدهم إلى المكان، ولكنّه "كان يرتدي زيًّا إنجليزيّا". ثم توفّيت أمّه مختنقة بلقمة من طعامها خلال إحدى نوبات القصف الجوّيّ الباكستانيّ. ولم يتأخّر الأب الأرمل في الانتظار وحيدًا، فتزوّج بعد سنة من سيّدة كانت تحمل اسم الأمّ. عرف الابن بذلك من رسالة جاءته من أبيه وهو في الجامعة الإنجليزيّة، فبدا له أن ما قام به أبوه هو خيانة بحقّ ذكرى أمّه.
حصل "صلاح الدين" على جواز سفر وجنسيّة بريطانيّين حال تخرّجه من الجامعة في لندن، ثم أبلغ أباه بأنّه "صمّم على الإقامة في لندن وأنّه سيصبح ممثّلا"، فغضب الأب، واتّهمه بأنّه فقد الروابط بالأسرة وبالوطن، وسخر منه، وكتب له أنّه سوف يمضي حياته "تحت أضواء المسارح يقبّل النساء الشقراوات على مرأى من الغرباء الذي يدفعون المال للفرجة على مخازيك". فكيف سيواجه أصدقاء الأسرة، وقد تحوّل ابنه إلى ممثّل في البلاد الاستعماريّة بعد كلّ الجهد الذي بذله من أجله، ليتبوأ موقعه في تاريخ الأسرة، وهدّده بأنّ اختياره التمثيل والابتعاد عن مسقط رأسه، سوف يفقدانه حقّ وراثة المصباح السحريّ. أراد الأب ربط ابنه بالجذر الثقافيّ لبلاده، فيما رأى الابن أنّه كلّما ابتعد عن الهند توافرت له فرص تكوين شخصيّة خاصّة به، فقد أهمل الرصيد الثقافيّ لبلاده، وتعلّق بفرديّة ضيّقة أفضت به لأن يكون محاكيًا لنماذج مستعارة من عالم الآخرين. وضح الانشقاق في صلب العائلة، وفي مصائر أفرادها.
تزوّج صلاح الدين من "باميلا لفليس" دون أن يعرف طبيعة شعورها تجاهه، فقد كانت عازفة عن مشاركته في كلّ شيء، فكأنّه عبء عليها، وفضلة زائدة في حياتها، فهو وافد من عالم آخر تابع في كلّ شيء للحاضرة الاستعماريّة القديمة. وهي سيّدة إنجليزيّة ذات ميول تروتسكيّة، وكانت تتمنّع عليه بعد أن لاحقها مدّة سنتين، "فإنجلترا لا تمنح كنوزها للوافدين إلاّ بعد ممانعة طويلة الأمد"، ولطالما كانت تنهره وتزدريه، لكنّه كان "يحسّ بحاجة ماسّة إليها"، فالتابع تسكنه حاجة للمتبوع. وقد أخبرته بأنّ والديها الثريّين ماتا منتحرين لديون تراكمت عليهما جراء المقامرة، "ولم يتركا لها سوى ذلك الصوت الارستقراطيّ النبيل الذي يلفت الانتباه إليها لمجرد سماعه، "فكان مثار حسد الفتيات، لكنّها كانت تعاني ضياعًا وإحساسًا بالعزلة ممّا يجعلها مدعاة للشفقة والرثاء. لم ينجبا أطفالاً، وكان يظنّ بأنّه عقيم، فيما ترى هي أنّها العقيمة، وبعد عشر سنوات اكتشف "صلاح الدين" أنّه هو السبب في عدم الإنجاب، فقد كانت مورّثاته "غير متوازنة وغير متألّقة"، وقد قبلته هي تعويضًا عن فقدان أسريّ وعزلة وانهيار طبقيّ شهدته الإمبراطوريّة، ولا يمكن لعلاقة عرجاء أن تثمر، فقد غاب التكافؤ بين الاثنين، وإن جمعتهما حاجة الحياة ليعيشا في منزل واحد.
مرّت على "صلاح الدين" سنوات طويلة في بريطانيّا، فإذا بـ"الممثّل العصاميّ الذي كوّن نفسه بنفسه" يزور بومباي برفقة الفرقة المسرحيّة التي يعمل معها لعرض ترجمة هنديّة لمسرحيّة "المليونيرات" لبرنارد شو على مسارح المدينة. وفد إلى بلاده بمشاعر جديدة، كأنّه غريب يطأ أرضًا جديدة عليه. في أثناء وجوده في بومباي أفرط في احتساء الخمر بصحبة أصدقائه في إحدى الحانات، ودار جدل أقرب للصياح بين السكارى حول قتل الأطفال في ولاية "آسام" فأصغى للسجال، ثم شعر بالاختناق إذ يُشغل الناس بالصراعات العرقيّة والطائفيّة، فكأن لا صلة له بكلّ ما يجري في بلاده، ثمّ قاده أصدقاؤه إلى خارج الحانة، ومنهم صديقة له اسمها "زينات وكيل" كانت ملازمة له تريد إخراجه من حالته السلبيّة، وفتح عينيه على واقع جديد تمرّ به الهند، فأخبرته بأنّ عودته إلى بومباي حطّمت القوقعة التي يحمي بها نفسه، فأجابها بأنّه يشعر "بالضياع في هذه المدينة التي ولدت ونشأت فيها..وهي تجعلني أحسّ بالدوار، فهي وطني وفي الوقت نفسه ليست كذلك. إنّ هذه المدينة تجعل قلبي يرتعش ورأسي يدور". فاتّهمته "زينات" بقصور الرؤية، فهذه مناسبة لأن "تسترجع أصلك الذي ولدت فيه". ولمّا حاولت معرفة مصدر أمواله، "أنبأها بأنّه يقوم بتقليد الأصوات المختلفة في الإذاعات كمؤثّرات صوتيّة"، فسخرت منه قائلة: "أيّها المسكين إنّ أولئك الإنجليز الأوغاد يعتصرون إمكانيّاتك ويستعبدونك"، فعمله هذا مدعاة للسخرية، إنّه مقلّد أصوات فحسب، يخفي صوته الخاص وراء أصوات الآخرين.
حاجَّ "صلاح الدين" صديقته بأنّه ممثّل "موهوب في تقليد الأصوات واللهجات"، ومن حقّه أن يسخّر هذه الموهبة في الحصول على المال، وأخبرها أنّ الإنجليز يسمّونه "رجل الألف صوت وصوت"، فهو قادر على تقليد اللهجات كلّها، وقد أدّى في إحدى التمثيليّات الإذاعيّة سبعة وثلاثين صوتًا لأشخاص مختلفين، فلا يعوزه أن يقنع المستمعين بأنّه روسيّ أو صينيّ أو صقلّيّ، بل وحتى يستطيع محاكاة صوت رئيس الولايات المتحدة الأميركية. لقد وجد في كلّ هذه المواهب مفخرة يواجه بها إلحاح زينب وكيل بالتروّي وإعادة اكتشاف ذاته. فكلّ ما كان يراه جديرًا بالاهتمام هو براعته في المحاكاة. لقد مسخت المحاكاة شخصيته الأصلية.
كان "صلاح الدين" فخورًا بقدراته في محاكاة أصوات الآخرين، وشريكته في التمثيل أرمنيّة يهوديّة تدعى "ميمي ماموليان"، تضارعه في الموهبة نفسها، وقد عرضت عليه الزواج، فلمّا أخبرها بأنّه تلقّى "تربية معادية لليهود" لم تبال بذلك، واعتبرت ذلك نقصًا شأن النقائص الأخرى عند الإنسان. ولكي تخرّب صورة اليهوديّة في ذهنه، قالت له "زينات وكيل": إنّك وإيّاها عديما الشعور، وإنّكما موجودان فقط من خلال صوتيكما..ومن خلال الشخصيّات التي تقومان بأدائها"، فأحسّ بأنّها على صواب، وتذكّر أنّ اليهوديّة "كانت مهووسة بامتلاك العقارات في كلّ بلدان العالم، وعزا ذلك إلى حاجتها إلى التجذّر وتجاوز الشعور بالتشرّد الذي يكرّسه فيها الدين اليهوديّ".
وما لبثت "زينات وكيل" أن راحت تغريه في كره البريطانيّين، فهم ينظرون إليه بدونيّة، "إنّك تحبّهم كما يحبّ العبد سيّده، وأقسم على ذلك إنّهم يزدرونك ويركلونك ومع ذلك فأنت تحبّهم"، فشرع يغيّر مجرى الحديث، ويخبرها عن طموحاته للتقدّم في مجال التمثيل. فاقترحت أن يعود إلى الهند ويحترف التمثيل، فذلك أفضل له من المحاكاة في بلاد غريبة، ثمّ إنّه وسيم، والفرصة متاحة له في بلاده، فلن يكون له شأن خارجها مهما حقّق من إنجازات. لقد قبلت به عائدًا إلى الهند حتى لو انفصل درجة عن الواقع بامتهان التمثيل، ولكنّها رفضت أن يكون محاكيًا في بلاد الإنجليز، الذين مضوا في تعقيد علاقة تبعيّته لهم، فقد كان هو وقومه تابعين لهم بفعل التجربة الاستعماريّة، وصار الآن تابعًا برتبة أقلّ من ذلك: تبعيّة بمحاكاة الأصوات.
لم تعرف "زينات وكيل" أنّ صلاح الدين هو ابن الرجل الثريّ" شانجير شمشا والي" إلاّ بعد أن أخبرها بذلك، فرجته أن يصطحبها معه لزيارة والده، وكان هو يريد أن يصفّي حسابه مع أبيه بعد سوء التفاهم الثقافيّ بينهما. كان الأب يمضي خمسة أيام مع زوجته الجديدة في القصر الجديد المسمّى "القلعة الحمراء"، ثم يمضي نهاية الأسبوع مع ذكرى زوجته الراحلة في البيت العتيق، وفيه تقرّر اللقاء، فاصطحبها معه، وحالما دخلا البوّابة رأى شجرة الجوز التي يعتقد أبوه أنّها مستودع روحه، فقابله البوّاب العجوز "فالاب" وتعارفا بسرعة على الرغم من مرور زمن طويل على آخر لقاء بينهما، فأعلمه البوّاب بأنّ أباه قطع عهدًا بأن يبقي المنزل مخصّصًا لذكرى الراحلة نسرين الأولى. وحينما رأى صلاح الدين شبح أمّه يمرّ أمامه في أحد الممرّات، يرتدي "ساريًا" مزخرفًا "بأحرف أبجديّة وكلمات، كأنّه مصنوع من ورق الصحف" صرخ مستغربًا، فسارع "فالاب" يفسّر بأنّ أباه سمح لزوجته "كاستوبرا" ارتداء بعض أثواب زوجته المتوفاة، وأنّ المرأة التي مرّت هي "كاستوبرا" وليس شبح نسرين الأولى.
ثم حضر الأب الذي بدا متقدّمًا في عمره، شبه مهدّم، وفاقدًا لكثير من هيبته القديمة، فجاءته "كاستوبرا" بلفافة تبغ، وجلست بجواره، فطوّقها بذراعه، فكان ذلك مثار استياء الابن الذي رأى في تصرّفه خيانة لزوجته الجديدة، وإهانة لذكرى الأولى، فذلك ما لاتقبل به ثقافته الانجليزية، فكان جواب الأب وعشيقته والبوّاب: إنهم بذلك إنّما يحيون ذكرى الأمّ كلّ أسبوع بتمثيل حضورها بشخص "كاستوبرا"، فذلك نوع من "العبادة والتأمّل الروحيّ". ولا يحقّ له بعد غيبة طويلة إصدار أحكام خاطئة بحقّ طقس دينيّ يستعاد فيه حضور الأمّ الغائبة. وكان هو يرى في أبيه شخصًا متّهمًا، فقد راقبه في صباه، وحاول أن يغيّر مسار حياته، وتزوّج بعد وفاة أمّه، وصار يجدّف بعبادة شبحها من خلال المربّية، ثم تملّك المصباح السحريّ الذي مكّنه من الحصول على كلّ شيء دون بذل جهد.
نظر "صلاح الدين" إلى أبيه من سياق ثقافة أخرى، وفسّر كلّ أفعاله في ضوئها، ولكنّه بدا من وجهة نظر الأب عاقًّا، رمى وراء ظهره بتراث الأسرة وتاريخ بلاده، وهو نسخة مختلفة عنه، لا يريد أن يتعهّد أمر عائلة عريقة، أمّا الابن فطلب اقتلاع الشجرة التي يعتقد والده أنّ روحه تكمن فيها. وباقتراح من الابن جرى التفرّج على تحف تراثيّة من تاريخ المسلمين كان الأب يعتزّ بها، واسترعى اهتمام "صلاح الدين" سجادة رسمت عليها معركة يقودها حمزة عمّ الرسول، فـ"رأى فيها تجسيدًا للوحشيّة وهوسًا في سفك الدم..والتمتّع الوحشيّ بآلام الآخرين". ولمّا انتهت الجولة شعر الأب بالفخار لأنّه "رجل يعتدّ بانتمائه وأصالته"، فهذه هي حقيقته، وينبغي الجهر بها، أمّا ابنه فقد "حوّل نفسه إلى مقلّد لكائنات غير موجودة"، فليس له من يرثه ويتابع الطريق الذي سار عليه، فبأفعاله التي جاء بها من بريطانيّا سلب أصالته الهنديّة، وقد أيّدته زينات بقبلة على رأسه، وطلبت من الابن أن يمكث في الوطن، فذلك هو مكانه، لكنّه نهرها، واتّهمها بالوقاحة، "قلّة الحياء صفة عامّة بين الهنود. وعليكم أن تعيدوا النظر في فهمكم لمعنى كلمة العار".
شاب علاقة "صلاح الدين" بالحاضرة الاستعماريّة مزيج من العبوديّة والإذلال والتملّك، تجسّد ذلك من خلاله زواجه بوارثة الأرستقراطيّة الإنجليزيّة "باميلا"، فقد كانت كناية عن رغبته في امتلاك بريطانيّا، فإذا ما كان لديه أرض مقدّسة فهي إنجلترا، وباميلا "جزء من تلك الأرض"، بل كانت "في نظره بريطانيّا اللعينة كلّها" كما تقول باميلا بنفسها. وقد تحقّقت من أنّه "لم يكن يحبّها على الإطلاق كلّ ما كان يستهويه صوتها..ذلك الصوت الذي كانت تفوح منه رائحة فطائر اليوركشاير ..الصوت القلبيّ الضارب إلى الحمرة. النابع من إنجلترا حلم حياته الأبديّ..إنجلترا التي كان يرغب ويسعى بشكل محموم إلى سكناها".
التصق صلاح الدين بزوجته الإنجليزيّة في نوع من التبعيّة الواضحة، ولم يترك ازدراؤها له أثرًا في استعادة كرامته الشخصيّة، فهي رمز للإمبراطوريّة المتعجرفة التي تعيد إدراج أتباعها في الأنظمة الثقافيّة التي تريدها، فغابت عنده إرادة الاستقلال، واضمحلّت الممانعة، وحالما بلغها نبأ خاطئ عن وفاة صلاح الدين بحادث سقوط الطائرة، ارتمت في أحضان عشيق لها، واحتفلت بأن دعت نفسها إلى مطعم فاخر، فارتدت أفضل أثوابها، وتناولت طبقًا من لحم الطرائد واحتست زجاجة من نبيذ ممتاز بكؤوس من الكريستال، فقد كانت تترقّب إنهاء تلك الصلة المزيّفة بينهما. عثرت على بداية جديدة لحياتها مع عشيق من جنسها وثقافتها، وحينما ثملت حلمت بزوجها يقول لها: "إن الأشياء توشك على النهاية..وهذه الحضارة هنالك قوّة ستجهز عليها. لقد كانت حضارة مترفة وتافهة..همجيّة ومسيحيّة..كانت مجد العالم وينبغي أن نحتفل بذكراها قبل أن يحلّ الظلام". هي تفكّر بالبداية وهو يفكّر بالنهاية.
ارتسمت لـ"صلاح الدين" صورة التابع الذي رأى في الهند صورة سلبيّة، ورأى في بريطانيّا صورة إيجابيّة، وكان قد انقطع عن أصل، وأخفق في الارتباط بفرع، فمثاله الأعلى أن يحاكي بحياته وأفكاره وسلوكه كلّ ما يراه في الإمبراطوريّة الآفلة. لقد ارتبط بامرأة احتقرته في نوع من المخادعة بأنّه امتلك شيئًا في عالم الإمبراطوريّة، وبالغ في محاكاة أصوات لا أفعال، فهو لا يستطيع أن يبتكر شيئًا في عالم لا يقبله إلاّ بوصفه مستعمَرًا قديمًا. وقد سرّ حينما لقّب بأنّه رجل الألف صوت وصوت، على غرار الأثر الخرافيّ "ألف ليلة وليلة"، فلا يسمح له إلاّ باحتذاء ظلال الأصوات، وكلّما برع في المحاكاة قُبل ممثّلاً في مسرح زائف للحياة. وبوقوعه في مديونيّة كاملة للإمبراطوريّة الاستعماريّة التي منحته هُويّة المحاكي، ينبغي عليه أن يغذّي كراهيته لبلاده، ويصرّح بنكرانه للموروث الروحيّ والتاريخيّ والاجتماعيّ، بل ينبغي عليه الانسلاخ عن أسرته، ومعاداة أبيه.


د. عبد الله ابراهيم
ناقد واستاذ جامعي عراقي مقيم في الامارات
abdullah_ibrahem@yahoo.com

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. تحليل رائع
د. رسول محمد رسول | 30/8/2011 الساعة 15:02
تحليل رائع يا صديقي
2. تحليل واقعي
د. محمد صالح رشيد | 12/3/2012 الساعة 15:30
بوركت على كل جملة رائعة في مقالك ..التحليل رغم اعتماده المنهج النفسي الا انه يتداخل مع المنهج الاجتماعي الواقعي......تحية وتقدير
3. تحية عراقية
د. ابراهيم مصطفى الحمد | 17/2/2014 الساعة 20:27
بوركت مفخرةً عراقيةً فذة تأتي بالجديد والمميز في كل انهماراتك الضوئية النابضة بالحياة والأدب والإنسانية، هكذا تعلمنا منك أن النقد حب يمارس والمناهج سياقات عمل لا تلزم الناقد باحتراف أحدها وعلى الناقد أن يهضمها جميعاً لتظهر مستجيبة تابعة له ، لا أن يكون أسيرها دمت للألق والنقد والمحبة
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث