الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
آه منك أيها الوقت/ فصل من رواية
زوليخا موساوي الأخضري
آه منك أيها الوقت/ فصل من رواية
زوليخا موساوي الأخضري




حين تدق أجراس العودة* و يصبح المحال قاب قوسين أو أدنى من الممكن يكون الوقت قد أحرق كل السفن وراءنا فنبحر في متاهات تصدنا إلى أخرى وتتطلع أيامنا إلى نفسها في مرايا منعكسة. نتحول إذاك أشلاء متناثرة عبر الزمان والمكان نسير بمحاذاة أنفسنا كما يفعل الطيبون عادة. مثل سيزيف، يحمل كل منا غربته وتغربه. وحده الحب ينسينا عبئ الأيام المثخنة بالجراح. نتشظى في كل لحظة وحين وتبقى شعلة الحب متقدة رغم المسافات رغم القلاع و أعين الحراس. يتمطى الزمن، تزهر براعم ذواتنا فينهزم الصمت.

سنوات الجمر، سنوات الرصاص أو زمن الشظايا. تصيبك شظية أو تحيد عنك فتصيب الواقف جنبك أو قد تحيد عنكما ولو لحين لتصيب آخر أو أخرى على امتداد أربعين سنة في ربوع وطن على عتبة الممكن واللامعقول. ثم يمتد الزمن إلى بضع سنين أخرى لتلفظ الذات شظايا ذاتها: شظايا أحاسيس وشظايا كلام فيأتي السرد على شكل شتات لا يلين تحت القلم فيتعب من يكتب ومن يقرأ.

سرد متناثر كأوراق الشجر في مساءات الخريف: ليلى، بنعيسى، منتصر، ياسين، سمير، عزيزة، حورية، عبد الحق... شخوص من ورق تتحرك بإرادة قلم مشاكس يريد أن يبعث فيها الحياة لكنها تنتفض وتثور على وجودها الورقي وعلى محاولات القلم اليائسة لأرشفة الألم والمعاناة فيصبح أفق الانتظار قارئ ذكي يقلب المعادلات الموروثة : منتصر/ منهزم، حياة / موت، ألم / لذة، غائب / حاضر، سجان/ سجين... ويخلق ثنائيات تستند على أسس جديدة لا خيط يربط بين البداية والنهاية. لاشيء معروف مسبقا.

قد تكون الكتابة إذن،

بداية لذتي/ معاناتي. شيء رائع ومتوحش يسكن أعماقي لا أدري منذ متى ولا كيف. يشتعل ويخبو ليزهر أكثر.

قد تكون،

آليات لاستجلاء الماضي البعيد والقريب ومحاولة لقراءة المستقبل من خلال أنقاض الماضي بشكل متشعب لدرجة ضرب التسلسل الأحداثي وضرب كل الموروثات القرائية للكاتب وللقارئ المحتمل.

نبشا في الذاكرة، تطهيرا نفسيا لا شعوريا. استجلاء لمكامن القبح ودردشة على ضفاف ما انكسر فينا.

قد تكون،

سبر أغوار. كما الغطاس المتكشف يتسلل إلى المغارات في أعماق البحار للبحث عن المحارات. بعضها فارغ ونادر جدا منها يتلألأ.

قد تكون،

مساءلة الذات الفردية والجماعية. فرصة لاستجلاء كوامننا واكتشاف كنوزها حتى تعطينا قدرا من الصفاء وسط وحل واقع مفترس.

محافظة الذات على الشرارة مشتعلة تضيء دربه ودرب من يحبهم ويحبونه في كل زمان ومكان.

قد تكون،

انتصارا، رجوعا إلى الذات، إلى الآخرـ إلى الحياة.

إلى آخر الشظايا و إلى آخره.



الشظية 1.

ليتها أمام البحر تلك الغرفة



-1-

تخاصر الجسدان كغصني شجرة.

تحضرها رغبة عارمة في الكتابة. كالإعصار. لكنها لا تستطيع مقاومة سحر ذارعيه حول خصرها.

أبحرا في موج شهوة عنفوا نية اجتاحتهما.. رمت بهما على شاطئ المتعة.. متعبين.. وعاشقين أكثر من أي وقت مضى.

منذ متى لم يعيشا مثل هذه اللحظات الرائعة؟

يقبلها على خدها ويهمس:

- ما ألذك

- ترد في دلال وهي تبتسم:

- دون جوان

يبتسم أيضا، ويضمها إليه أكثر.

- أريد أن أصرخ: أحبك ويردد الكون صدى صرختي.

تضحك.

- لن يردد الكون شيئا. لكنك ستوقظ الجيران.

كان الشوق للمداعبة، للحب يكبر كل سنة أكثر وهما ينتظران يوم لقائهما.

مرت السنوات ثقيلة وهما كقطبي الأرض مبعدان.. بينهما الأسوار والأبواب والحراس. يحنان إلى نفسيهما. إلى لحظات من الصفاء بسيطة وجميلة.

مرت السنوات ضجرة ومملة. كانت نظرتها إلى صورتها في المرآة كل صباح من سنوات الوحدة والترقب، طقس من طقوس الرتابة اليومية. كأنها ترى قبالتها إنسانة لا تعرفها. تبتسم لها باقتضاب.. تضغط على أحمر الشفاه أو تعدل من الكحل في العينين أو ترجع خصلة من الشعر إلى مكانها بحياد تام عن تفاصيل وجهها وعن التجاعيد الصغيرة التي تتكاثر حول عينيها حين تبتسم.. إنها التجاعيد الأولى تطل من ثقب السنين.

كم موعدا مع الفرح أجل.. كم حلما جميلا أجهض، فأصبحت الحياة سلسلة من الكوابيس، من الأرق، من الملل.. ذلك الملل الذي ينتابها لدرجة الغثيان.

يفاجئها الصبح عادة وسوط الهواجس ينهش القلب والليل يدعو للبوح.. تزداد غربة الذات عن ذاتها وعن الكون.. تنسلخ عن الليل .. عن الهواجس.. فتصبح بؤرة للاشيء.. تبحر في أعماق نفسها.. تبحث عن نفسها فلا تجد غير الصدى والأحزان. دموعها تحجرت في المقلتين.. في القلب .. في رماد الأيام.. الزمن حصان جموح، تريد ترويضه، لكنه يأبى.. وهي تأبى في شموخ أن تحني رأسها، تضحك من منظره المهرج وهي تطل على تجاعيده.. على أوجاع مفاصله المبكرة .. لقد هرم قبل الأوان... لكنه لازال الزمن الذي تعرفه ويعرفه الزمن...

تخرج إلى الشارع، شمس حنونة تداعب بشرتها.. تحس بدفء غريب يتنقل عبر أضلعها التي اهترأت من الانتظار..

شيء ما في الجو يعطي إحساسا غريبا بالأمان.. هل هي الخيوط الحنونة التي تطل عبر أوراق الشجر؟ أم هدوء الشارع غير المعتاد.. حتى الناس يمشون في اتزان غير معهود.. كأنهم يمشون في حلم .. كم يفتقد الإنسان نفسه طويلا دون أن يشعر.. وكم يستطيع أن يعيش دون أن يحيا. آه ! تود لو يتوقف الزمن لتطول هذه اللحظات.. لتعيش هذه الهدنة مع الذات .. كأنها تلك الراحة المخدرة بعد ولادة عسيرة.. تتصالح فيها مع نفسها ومع الكون.. وتتمنى لو يقف عندها الزمن...

ابتسمت وهي تتخيل الشارع وقد أصبح مثل مدينة النحاس الخرافية التي قرأت عنها في قصص الأطفال.. حيث الناس كالتماثيل يقفون تحت أشعة الشمس منذ مئات السنين لإصابتهم بلعنة السماء.. ابتسمت أكثر وهي تتأمل كلبا يتبول تحت شجرة.. لكن ماذا لو تحولت إلى طفلة من جديد؟

سيكون أحسن من المدينة النحاسية .. ستنام في دفء أمها التي ستهد هدها قبل النوم وتطبع قبلاتها الحريرية على وجنتيها تحلم أنها تسكن بيتا بسيطا .. يشع الحب من جنباته.. تتردد في أركانه ضحكات أطفال سعداء.. ترجع في المساء من عملها.. منهكة لكن راضية.. تجلس في شرفة بيتها أمام فنجان قهوة وكتاب.. ترقب تساقط المطر في المساءات الخريفية والأطفال فراشات تقفز في برك الماء.

أين رحلت الأماني والأحلام، من أطفأ الحب و بريق البراءة في عيون الأطفال؟ لماذا هذا الحزن الذي يطفو في الأحداق؟ أيعقل أن يؤجل حقها في الحياة إلى أجل غير مسمى؟

سئمت البقاء في البيت.. تريد أن تذهب إلى مكان آمن.. لكن كل الفضاءات مكشوفة.. وعيون الرجال تتابع كل شيء.. تمشي أمامها.. خلفها.. جنبها.. تعريها من ملابسها.. تتكلم بلغات بديئة.. من يتمعن في الشعر.. من ينظر إلى الفخدين أو النهدين.. من يتأمل طريقة المشي ومن تستهويه المؤخرة أو فقط كعب حذاء عال.. ومن.. ومن...

تتمنى لو تمر امرأة واحدة دون أن تثير كل هذه الضجة من العيون.. أن تجلس في مقهى دون أن تستفزها نظرات مثبتة على بعض جسدها..

يسكن الغيظ كل خلجة فيها.. والرجال يمشون كالطواويس، ينفشون بعض ريشهم من كلمات معسلة أو وقحة.. من نظرات تعريها.. من بسمات تعني أكثر من معنى.. كل هذا يقرفها.. يصيبها بالدوار.. تهمس لنفسها:

- يا إلهي ! إني أختنق ! لماذا هذا الجنون؟ لماذا قررت في آخر لحظة أن أخرج من البيت.. فهو المكان الوحيد الآمن الذي أشعر فيه أني إنسان فقط ولست حيوانا غريبا في سيرك.

لكن البيت يصبح كالقفص، وهي تشعر بنفسها فيه حبيسة.. تدور بين غرفاته.. ترشف القهوة على مدار الساعات.. سئمت القهوة التي تعدها بنفسها.. سئمت البيت.. سئمت الأغاني التي تستمع لها كل يوم .. سئمت الكتب التي حفظتها عن ظهر قلب.. سئمت الجرائد التي لا تأتي بأي جديد .. والمطبخ، وصراخ الأولاد، وألف حركة تقوم بها بنفس الرتابة: غسل.. كنس.. طبخ.. عالم غريب من الحركات اللاشعورية التي تتعاقب دائما بنفس الترتيب الممل.. في الوقت الذي يكون فيه العقل بعيدا بمئات الأميال.. يسبح في فضاءاته الرحبة من الخيال.. من الكتابة. تشعر أن الكتابة هاجسها الوحيد.. وملاذها الوحيد من الضيق والضجر، من الغضب، وحتى من الفرح.

الكتابة شيء بسيط: تمسك ورقا وقلما وتسطر حروفا.

وهي أيضا أشياء أخرى كثيرة.

الكتابة لحظات صفاء.. لحظات حب مختزنة في أعماق كل إنسان.

لحظة دردشة منتهية الصفاء والشفافية مع النفس تجعل الإنسان يحب الحياة.. يغرف من ذاكرة عمره حروفا ليصنع منه بريقا للأيام الجميلة.

الكتابة زخم في الأعماق.. في أعماق النفس وفي أعماق التاريخ المتوهج، المتجدد أبدا.. بشرى للبقاء.

الكتابة جلسة حميمية مع النفس، تختزل الماضي والحاضر لكي لا ننسى. نسامح ولا ننسى .. نصنع من الكلمات منديلا نجفف به دمع الثكالى والمدماة قلوبهم على درب التضحية. نصنع منها عقدا على خصر الغد المشرق.

الكتابة تبعثر خلايا الذات وتجمع الأشلاء المتناثرة على عتبات الطفولة وعصيان الشباب.

الكتابة وجع.. مخاض عسير في وقت عصيب.. ينجب قبلة على جبين الفجر ووشما في الذاكرة لا يمحى. لكن من ألوانه البلورية يُصنع قوس قزح في رحاب زمن جديد من رحم أمل وليد.

شيء جميل، يبحر بالإنسان في فضاءات الممكن والمستحيل ليصنع منه نبضا آخر للحياة.. قطرة ندى على شعر فتاة في صباح ربيعي .. من قطرة عرق على جبين كادح يلملمها الكاتب ليصنع منها إشراقه لتخوم آمال الوطن، خارطة جديدة لحب متجدد.. يصنع من أجساد الشهداء.. بخور العطاء.. أعمدة المستقبل.

الكتابة شحذ الذاكرة من عذابات الموت المتألق، تمسح غبار القرون الماضية.

يعتصر الكاتب وحدته الموحشة، يمزجها بعذابات من يحب، وجوه من بلاده.. أو بلاد أخرى.. يعتقها.. يعشقها.. يناديها.. تلبي نداءه. فتسيل الكلمات من بين خمائل ذكرياته العزيزة والمريرة وتنسل هاربة عنه لتبحر في فضاءات أوسع.. تتمرد عليه، تعلن عصيانها، تصرخ في وجهه: لم أعد ملكيتك، تحررت من عقال ما تسميه القواعد والقوانين. ثم ترحل سرب حمام حالم، ترفرف فوق المستحيل والممكن، ترفرف حول أحلام كل عاشقيها...

آلاف الأفكار تعبر عقلها كالشهب ويداها منشغلتان بالطبخ والغسيل.. ترغب في تطويع الأحرف الباردة لتتحول إلى جمار كالتي تنصهر داخلها علها تطفئ ذلك الظمأ الأبدي. لكنها تبقى صامتة وصعيقية، تسحق بضجيج اليومي، رتابته وملله الفظيع. تموت صمتا، تموت خنقا بالتفاهات وتبقى الأحلام معلقة بين الممكن والمحال.

في المساء، حين ينام الجميع ويهدأ الكون تنعزل في غرفة المهملات في الحديقة تتنهد و هي تقول لنفسها : « ليتها أمام البحر هذه الغرفة. قبالة البحر تماما. موجه الهادر يتلاطم زبدا على الشاطئ. هديره همهمة غامضة وأليفة في آن واحد، كأنه يكلمني.. يكلمني وحدي. على الطاولة : كتب، مجلات، أوراق مبعثرة، فنجان قهوة وقلم من نوع جيد. قلم خفيف بمجرد ما أمسكه يسيل المداد علىالورق دون معاناة.

أجلس وظهري مقوس يكاد رأسي يلامس صدري. مرفقي متكئ علىالطاولة بشدة كأنه يحمل ثقل الجسم كله والركبتان مثنيتان تكادان تلامسان أسفل الطاولة. هو هو وضع الجنين ؟» لكن الإجهاد يكون قد أخذ منها ما أخذ، فبمجرد ما تسطر بعض الكلمات حتى تذهب في نوم عميق !.

وتؤجل الكتابة مرة أخرى إلى بعد حين. أليست حياتها كلها مؤجلة؟ إذن لم العجلة؟ لها ما يكفي من الشهور والأيام لتكتب أكبر من الإلياذة ولتغني أطول من المعلقات.

أحلامها كلها معلقة، مؤجلة، مغلق عليها في مكان لا تمتلك هي مفاتيحه.

كل ما عليها أن تنتظر. فقط أن تنتظر.. لا أقل ولا أكثر. سيكون كل شيء ممكنا حين يأذنون بذلك. وفي انتظار ذلك لا مفر لها من الانتظار. الكتابة محطة من المحطات الأخرى التي ستكون على دربها الشائك. فهي ممنوعة من السير قدما. ممنوعة لأكثر من عقد من الزمان. ممنوعة من التفكير، من الطموح، من الحلم والأمل.

وتتناسل الكوابيس ويضيق مجال الرؤيا. تنكمش المساحات وتتقلص الفضاءات. نفس الكابوس يهجم كل ليلة يجثو على القلب حتى تكاد الأنفاس أن تنقطع.

مروج خضراء، الربيع يبسط ألوانه بهجة للناس. تتلفت حاوليها في اندهاش.

- يا ألله ! ما أجمل الطبيعة! ما أجمل الحياة ! تقول لنفسها.

هل تمشي أم تحلق؟

هي لا تدري. تجول فقط ببصرها وابتسامة عريضة تملأ وجهها.

لا صوت ، لا ضجيج كأنها وحدها في الكون.

ثم لا تدري لم تظلم الدنيا فجأة. تتلفت حولها مندهشة. كل شيء تحول إلى اسمنت : السماء. الأرض والجدران. يجب أن تهرب . الخوف يملأ أحشاءها. خوف رهيب. تشعر بالموت يحيط بها من كل جانب. شيء ما يقول لها أنها ستموت محنطة في ذلك الاسمنت البارد.

الجدران تضيق شيئا فشيئا حتى يصبح الفضاء كله عبارة عن تابوت من الاسمنت المسلح. تمد ذراعيها، تدفع بكل قوتها لكن الجدران تتقدم من كل الجهات.

تسمع لهاثها المتسارع.. أنفاسها تنقطع. تصرخ. لا صدى لصوتها.. كأنه منحبس في أعماقها. لكنها تدري أنها تصرخ. بكل ما بقي لها من قوة تصرخ.

تشعر بالاختناق.. المكان يضيق بشدة مخيفة.. إنها تختنق.. تغمض عينيها. حبات العرق تسيل من جبهتها.. تنسل من بين رموشها وتدخل إلى عينيها.

إنها تموت.. لكنها لا تريد أن تستسلم.. تبذل محاولة أخيرة. تستغيث مرة أخرى.. تفتح فمها وتطلق كل الهواء الذي اختزنته رئتاها.

آآآه !

تقفز مستيقظة. تجد نفسها جالسة في فراشها. العرق يتصبب من كل أنحاء جسمها وصدى صرختها في أذنيها.

- هل صرخت فعلا؟

- ألا تنامين بعد حبيبتي؟

يوقظها الصوت من شرودها .. تلتفت إليه.. تنظر إليه بكل عينيها وتقول في نفسها:

هاهو قد عاد.. وانتهى كل شيء.. انتهت الكوابيس.. والليالي الصقيعية.

هل فعلا انتهى كل شيء؟ ليس مؤكدا بعد. لكن المؤكد أنه عاد. عاد دفؤه يملأ المكان فرحا، وانتشاء.. ضحكته الرقراقة في أرجاء البيت، موسيقى عذبة، نشاطه المنقطع النظير، نظراته الملأى بالحب والحنان.

تنهض.. تبحث عن ورقة وقلم، تخفت قليلا من ضوء المصباح بأن تنقر عليه بأطراف أصابعها.

تنظر إليه، تتأمل وجهه. كم هو جميل وهو نائم ! تقول في نفسها.

تذكر أول ما شدها إليه، ذلك الحنان الذي يطل من عينيه الواسعتين. لم يكن ينظر إلى الناس، بل كان يعانقهم، يحضنهم بنظراته، يربت على جراحهم بحساسيته المرهفة كأنه يقرأ أفكارهم، ويعرف ما سيطلبونه وما لا يطلبونه.. وهو يعطيهم دون حساب. بسخاء لا مثيل له، دون أن يطلبوا شيئا.

يشعرون أن شيئا ما يشدهم إليه، حركاته التي تشبه حركات طفل خجول، ابتسامته التي تكاد لا تفارق شفتيه.

تتأمل وجهه وهو نائم. وجهه يذكرها بالمنحوتات التي رأتها للآلهة اليونانية.

كانا على سفر. نافذة مشرعة على كل الاحتمالات...

سفر إلى أقصى ما يمكن أن يتحمله الإنسان من القهر والعذاب.

ها هو اليوم قد عاد وكأنهما يولدان من جديد، البيت ليس البيت، والحارة ليست الحارة، والمدينة ليست المدينة، وهو ليس هو ولا هي بقيت كما كانت. فعل الزمان فعلته، وتطور الأشياء حكم الكون والناس.

تسع سنين وعشرة أشهر: عمر من الحرمان والبعد والمنفى القسري عن الوطن وعن الذات. كصبي صغير، عليه أن يتعود على الحياة. يفتح عينيه في الصباح. يفاجأ بوجوده في ذلك السرير العريض.. ما بين اليقظة والحلم يتساءل:

أين أنا؟ هل هذه حقيقة أم أنا فقط أحلم؟

ينقلب على الجنب الآخر، فيصطدم جسده بجسدها الممد في دفئه قربه.. يحضنها وهو لا يكاد يصدق. عاش طويلا يحلم بذلك وهو الآن بكل بساطة لا يصدق.. يرقد في بيته، على سريره القديم المصنوع من شجر الأرز الشامخ بجبال الأطلس.

لا يوقظه صوت المزلاج عندما يفتح باب الزنزانة بصخب ولا صوت السجناء ولغطهم في الممرات والزنازن. خاصة المسؤولون عن المطبخ والفرن الذي يوزع الخبز على كل نزلاء سجني المدينة وكوميسارياتها.

يستيقظون قبل آذان الفجر صيفا وشتاء، يغسلون الطناجر الضخمة التي يهيؤ فيها الأكل فتحدث ضجيجا مهولا حين تسقط أغطيتها على الأرض. ثم يشعلون الفرن بحطب مبلل رخيص الثمن، ينبعث منه دخان كثيف يتسرب إلى رئات السجناء فيبدؤون في السعال...

يقطعون الممرات جيئة وذهابا وهم يجرون نعالهم البلاستيكية المهترئة على الإسفلت المتسخ محدثة ضجيجا مزعجا كوقع السياط على الأجساد. ثم حين ينسحبون إلى المطبخ لتقشير وتنظيف الخضر، تهدأ الحركة قليلا، ويسكن الكون لبعض الوقت.لكن لمدة وجيزة فقط إذ ريثما ينطلقون في الغناء ويستعينون بأطباق الألمنيوم كآلات للإيقاع فيحدثون جلبة لا توصف.

ثم ينشب خلاف بينهم يتحول في أحيان كثيرة إلى صراع دام، يرمي فيه بعضهم البعض بكل ما يوجد تحت أيديهم من الأواني وبكل الكلمات البذيئة. فيسمع ذلك مدويا في سكون الساعات الأولى لليوم الجديد.

ثم تدب الحياة الرتيبة: تعداد السجناء وتوزيع الماء الدافئ لشاي الصباح .. فيعلو الصياح والمناداة من عنبر لآخر ومن زنزانة لأخرى.

بعد الفطور مباشرة، تبدأ آلات المطبعة في زلزلة جدران الزنازن التي تتكئ عليها.. الآلات العتيقة تهدر كالرعد.. تمول الإدارة العامة للسجون وكل المصالح التابعة لها بما يلزمها من الوثائق الإدارية.. وككل الإدارات، فالمطبعة تعمل بالتوقيت الإداري.. يعني: لا نوم بعد الساعة الثامنة صباحا.

يكون العذاب أشد وبشكل لا يطاق حين يكون بنعيسى قد أمضى الليل في مناقشة موضوع ما مع أحد رفاقه أو معهم كلهم.. أو في قراءة كتاب أو الاستماع إلى برنامج ما.. جل البرامج الثقافية تكون بعد منتصف الليل.

*آه منك أيها الوقت/ فصل من رواية الحب في زمن الشظايا

زوليخا موساوي الأخضري
كاتبة من المغرب
zoulikhal@hotmail.fr

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث