الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
إيقاع غريزة الفراشات/ فصل من رواية
سامي البدري
إيقاع غريزة الفراشات/ فصل من رواية
غلاف الرواية


*** في تلك اللحظة فقط تذكرت أنها تتم اليوم المائة من عمرها وانها قد دفنت جميع أفراد عائلتها: زوجها وأولادها الثلاثة وبناتها الثلاث وأحفادها العشرين وأولاد احفادها الثلاثة والعشرين، وانها قد أمضت نصف عمرها في تقلبات الأحوال والأشياء وفساد الساسة ومجانية حروبهم التي مازالت تبحث عن متسع عمر كامل من الذاكرة.
ما أثار دهشتها هو أن تكون للموت سطوة كسطوة الإندفاع لأول لقاء جنسي في حياة الانسان: إختراق صدأ الجسد بضراوة ديك أطرش.
كانت قد إستيقظت مع صياح أول ديك، بعينين متوقدتين وذاكرة بلا فراغات وإهتدت إلى نافذة الصالة المطلة على حديقة قصرها دون التعثر بهواجس الظلمة وأوهام الوحدة. فتحت درفات النافذة الست لتفاجئها اللحظة بإنفراجاتها المتواثبة: رؤية بياض أزهار أشجار النارنج وهي تسفح براءتها تحت ضوء القمر بسخاء إله بلا عقد، كما رددت مع نفسها.. وبعد لحظة تأمل أضافت: ((كإنما بعث الأنبياء ليفسدوا علينا متعة الإنهمار في الموت بحنين المفطومين إلى الأثداء التي أرضعتهم)).
في تلك اللحظة، وهي تملأ أنفها ورئتيها من عبير زهر النارنج، وراسها يستمرئ أصداء ضجة فاغمة وينتظر مفاتيح شفرة سرابها، تذكرت جميع ملامح وتواريخ ولادة وموت وزيجات أفراد عائلتها، من زوجها الذي مات مخذولا من نكوص دورة تاريخه الشخصي إلى لحظة موت آخر حفيدة لأبنها الثالث وهي تلملم قصاصات ذاكرتها لتكملها في أوقات إستراحة غابة الموت.
شكرت جهة لم تسمها أنها لن تحزن أحد برحيلها.. وشكرت جسدها على عدم خذلانه لها في ذلك الفجر، الذي باتت تنتظره من مساء دفنها لسولافة (حفيدة إبنها الثالث) ورددت مع نفسها: ((أخيرا سأجرب بلبلة هذا الكائن الطقسي الذي أمضيت عمري في محاولة إقناعه بأن تكون دواماته أكثر إشراقا وتسوية من سلوك الملوك والنساء دون فائدة)).
كان شريط حياتها يمر أمام عينيها سريعا ويانعا دون إغفال محطة واحدة، من يوم كسرها لأول تقاليد العراقة الأرستقراطية لهيبة والدها الباشا، مكي الحافظ، وأمها سؤدد خانم، برفضها التحدث مع ضيوف العائلة باللغة التركية، إلى تحطيمها لأهم تلك التقاليد بزواجها من رجل من العامة: مسطح التاريخ ومؤهلاته لا تزيد على مؤهلات ذكر الحمير: عضو جنسي قد يزيد طوله على طول مدافع الانكليز القديمة.
أطلقت تنهيدة وقالت ((ربما كان الباشا وسؤدد خانم على حق، فماذا جنيت بزواجي من ذلك اليعسوب غير أني أطلقت حزمة أخرى من اليعاسيب في سماء بلا ملكات))؟
إنتبهت لإلتماع الفجر الكاذب في الطرف الثاني من نهر دجلة فقالت ((لا أدري إن كان عليَ أن أعترف أني طاردت فجرا كاذبا... لكني أقر أن عماتي الأربع وخالاتي الثلاث وشقيقتيّ قد كن أكثر أناقة مني في موتهن وهن يرفلن بوجع العنوسة الصامت.. ولكن هل تكفي الأناقة وحدها لموت ذهبي ))؟
رغم كل شطط سعاد خانم الطبقي وكسرها للكثير من القيم الأرستقراطية إلا أنها لم تخرج من كامل فروة السمور الطبقية.. فهي تزوجت في أحد قصور العائلة وكانت هدية أسبوعها من العائلة الخادمة الأقرب إلى نفسها من خدم العائلة؛ كما حافظت على قضاء سهرة ليلة الجمعة في بيت العائلة التي كان يحضرها علية القوم، من الباشا رئيس الوزراء نوري السعيد إلى أصغر الملاك والإقطاعيين الذين صنعهم هذا الباشا خدمة لمرضه المزمن في حب الوزارة.. كما أنها واظبت على التفاخر أمام زوجها أن يكفيها فخرا أن رئيس الوزراء، الذي دوخ الانكليز والبلد بتقلبات طقسه السياسي، قد سمى إبنته - التي شهدت موتها وهي بكامل وقارها العنوسي في أحد دور المسنين في منتصف تسعينيات القرن العشرين - تيمنا بإسمها هي من دون باقي نساء العالمين والأرستقراطيين.
يوم دخلت على العائلة وهي تسحب، إبن الفلاح، الملازم عبد الكريم رستم، لتطلب من والدها أن يزوجها إياه، كان الباشا نوري السعيد مدعوا للغداء على مائدة العائلة وهو يعاني وجع مفارقة الوزارة.. أغمي على سؤدد خانم وأخرست المفاجأة وزير العدلية مكي الحافظ فنظر إلى الباشا مستعينا به ليخرجه من تلك الورطة بدهائه السياسي.. تنحنح الباشا محرجا ووضع السدارة على رأسه، ليمنح نفسه هيبة الوزارة التي فقدها من اسبوع، ووجه كلامه للملازم الشاب ((أنسيت نفسك لتنظر إلى بنات أسيادك ياولد؟ أنت مجرد فزاعة صنعتها أنا بيدي لإخافة شيوخ العشائر ممن نسوا أنفسهم وصدقوا أنهم باشوات)). قهقهت الخانم الصغيرة ساخرة بكل وقاحة وقالت موجهة كلامها للباشا: ((من يدري يا باشا، ربما أمثال هذه الفزاعة هم من سيطوحون بسدارة الباشوية عن رأسك لتعيده ألى الطين)) وكانت أول نبوءاتها الإشراقية في عالم السياسة.
عصر ذلك اليوم، وبعد أن إستعادت سؤدد خانم وقارها الأرستقراطي، إستدعت سعاد إلى غرفة نومها لتلقي عليها محاضرة حول أصل العائلة ومكانتها الإجتماعية ومعنى أن تتزوج بنت باشا رسمي، بفرمان سلطاني، ووزير عدلية من إبن فلاح... قاطعتها سعاد بأدبها الأرستقراطي لتقول: ((صدقيني ياربة الصون والعفاف إني أعرف كل هذا، ولكن كل ما في الأمر هو إني غير عماتي وخالاتي وشقيقاتي، لن يكفيني إصبع خادمة بلهاء تداعب لي جمرة شبقي وهي تجز لي شعر عانتي لأتخلص من غصات جسدي.. أنا بحاجة لوتد من خشب الصندل يشبحني على ظهر السرير كشاة مسلوخة دون ذبح))!
لم يكن عبدالكريم رستم أكثر من شاب مفتون بوسامته وعسكريا متورما ترتديه البزة العسكرية من رأسه إلى قعر ضحالته الطبقية، ومزهوا بذرقيَ الحمام على كتفيه، كما كانت تصف نجمتي الرتبة العسكرية سعاد خانم . إكتشفت هذا فور إقتحامه لحجب أنوثتها وتركه لها مشبوحة من ياقة حسرتها دون أمل.
نهضت من فورها إلى خزينها الأرستقراطي لتستخرج أقسى أدواته مصممة على إعادة تربية هذا القروي قبل تثقيفه؛ وفي أقل من شهر، إن لم يعاكسها قدر طائش.
كان بحاجة لبعض المعارف وللكثير من فعل التحضر، ولخطط محكمة لنفض العفونة عن أهداب عينيه، وهذا ما لن يتحقق إلا بنزع رتبته العسكرية وإجباره على دخول كلية الحقوق ومصاحبة علية القوم.. لم يكن الأمر سهلا لا على سعاد ولا على الضابط الطائش، لأنه كان قد زرع وجع الأمومة في أحشائها ولم يمض... لأنه لم يكن يعرف إلى أين يمضي وبحاجة إلى قياد امرأة... وكان على سعاد أن تحتمل عبء نفض الغبار عن كامل شخصه، وليس عن تاريخه الشخصي وحسب.
كان الدرس الأول أن يعتقل في شرخ حسرته، أو أن يقضي فرضية عسكرية على طريقة صدام حسين، كما رددت في تلك اللحظة وهي أمام النافذة، والحل الأول كان هو الأنسب لحالته: أن تقتله حسرة النظر إلى عريها لمدة مئة ليلة وليلة، وهي تستثير جسدها وإنفلاتاته أمام عينيه وبتصميم حجر. حدث هذا، قالت وهي تضبط تدفق ذاكرتها على وقع أنفاسها، قبل أن يحل زمن السكوت والجلوس في البيوت - بسبب دخول أمثال زوجها سلك الجيش واتخاذهم له وسيلة للوصول إلى السلطة – بزمن طويل. ورغم ركوع عبد الكريم رستم واعلانه لتوبته في الليلة الثانية فقط ، إلا أنها أصرت على إتمام العقوبة حتى آخر يوم من أجل أن ترفع رصيد مؤهلاته من عضو جنسي إلى أمير مرسوم بعناية على ورق لعبها. لم تكن مهمة تحويل عبد الكريم رستم، من ديك مزابل (مهمته الصياح بأعلى صوته في وجه الفراغ وتلقيح بيض دجاجته)، إلى أمير بالمهمة السهلة، لا لعجز بقدرات سعاد خانم ولا لخطأ بقراءتها لمطلع نجمه، بل لأنه كان مصابا بعمى الجراء المحدق: أن يفسد جميع خطط أقداره. فقد حرن في المرحلة الأخيرة لكلية الحقوق ولم يتم دراستها بحجة أنها ستسقط شعر رأسه، وفقا لنبوءة شقيقته العانس قوام، مما أجبرها على التوسط لدى الباشا نوري السعيد لمنحه الشهادة بتقدير امتياز، تقديرا لجهده في الإشراف على بحوث الطلبة المتخرجين ذلك العام. كما أنه رفض العودة إلى مقاعد الدرس في الكلية العسكرية لنيل شهادة أركان الحرب لأن شقيقته رفيدة رأت بثاقب وعيها الكشفي، ان عودته إلى مقاعد الدرس بعد أن صار أبا سيقنن سرعة بديهته في إصدار أوامر دك التحصينات الدفاعية في الحروب البحرية ، ما أجبر وزير الدفاع على منحه الشهادة تقديرا لإستبساله في حرب كانت ستقع لولا تدخل العناية الإلهية في آخر لحظة. كما أن كل اغراءات وترهيبات سعاد لم تفلح في إقناعه للحصول على شهادة الماجستير في الحقوق، بدعوى أن ذلك سيصيبه بركود التخمين لبواطن الأمور
، كما رأت شقيقته وزيرة، الأمر الذي اضطر وزير المعارف لمنحه الشهادة تقديرا لجهده العلمي.
ولتضع حدا لإزدواجية هذا القدر المكابر، طلبت سعاد خانم من متصرف مدينة البصرة أن يتدبر زيجات سريعة لشقيقات زوجها، ومن ملقحي نخيل بساتينه حصرا.. كما انها طلبت من رئيس الديوان الملكي ، رستم حيدر، أن يصدر أمره إلى أمين السجل المدني العام لتغيير أسمائهن، لما تشكله من تطاول على هيبة أسماء الأميرات وبنات السادة الوزراء.
لم يطل الوقت بعبد الكريم رستم ليتحول إلى خبير في رسم وإبتداع خرائط الأنواء الطقسية لحاجات جسد سعاد.. كانت تتفاخر بين شقيقتيها بأنها قادته إلى إكتشاف متع الغوص في حرائق صرح خطاياها بإيصالها إلى ذرى مبيتة من اللذة عن طريق حروب مناوشات متبادلة.. تلك الحروب التي أرخت لأغلب هزائمها – تحت ضغط شبقها المنفلت - في ساحة ذلك الضابط الوسيم، ووحدها التي كانت تجبرها على غض الطرف عن نكوصاته الطائشة إلى منبته القروي بحديثه في الأوساط الراقية عن وصفات اجتماعية منزوعة السلاح لعلاج الأزمات السياسية والاقتصادية، وهي لم تكن تزيد بحكمتها – بتوصيف شقيقها حافظ – على علاج فساد الساسة بالحجامة.
مثلما أوقف حملها المبكر الكثير من خطط جسدها في إكتشاف موازين زحفه الإيروسية، فإنه أفسد بولادة ولدها البكر، وهو مازال في شهر حمله السابع، بعض عطفات فتوحه الإشراقية. فقد جاءت تلك الأحداث، المليئة بأوجاع تفتقر للحس الرواقي، على حساب نوبات شبقها التي كانت تعصف بها كحروب ملكية لا تقبل بغير منطق الترجيح الاعتباري.. لذا فإنها سرعان ما قبلت بعرض أمها وشقيقتيها بأخذ أمر تربية الطفل على عاتقهن لتتفرغ هي لتربية أبوه أولا، ومن أجل أن ينشأ هو وفق معايير المسطرة الأرستقراطية ثانيا؛ الأمر الذي وفر لها الوقت لعودة الإنفلات في دوامات جسدها والارتكاس في طقوس وثنيته.
حراكات سياسية صرف هي التي قادتها لإكتشاف جزر أخرى للذة، عبر كيمياء الشهوة المضمرة للجسد المماثل وتحت ضغط مدافع الحروب القومية التي قادت زوجها إلى ساحات نزاع غير مفهومة، بالنسبة لها، لأنها تعدت ساحة السرير، بنشاطها البيزنطي، لتقودها إلى مساحات جسدية ظلت مؤجلة إلى ساعة لقائها بشغف خانم في احدى نزهاتها المسائية في شارع الأميرات، قلب حي المنصور الأرستقراطي في بغداد. كانت إبنة وحيدة لوزير مالية لم تسمع بإسمه من قبل، لأنه لم يكن صديقا لوالدها، وتنزل ضيفة على أميرات البلاط الملكي بسبب سفر والديها في رحلة علاج إلى لندن. سحرتها عيناها الخضراوان الضاجتان بشهوات جسدية مغلقة، ما أربك إيقاع حركة ساقيّ سعاد ودفع كعب حذائها الأيمن للانحراف عن ايقاع نقره إلى مطب هارموني عالي التردد أدى إلى كسر عنق الكعب وإلتواء كاحلها . ركضت شغف لاحتضانها وحمايتها من السقوط بكامل شغفها الحسي وأراحتها على كتفها لحين وصول سيارة البلاط لتعيدها إلى قصرها، مخلفة ورائها همس الأميرات بأوجاع عنوستهن. عندما مددت شغف سعاد خانم على سريرها وجذبت طرف فستانها لترى امتدادات موضع الألم، أدهشتها مرمرية ساقها المبرومة ودقة رسم انحناءاتها.. وبعد دقائق من الدلك الرقيق بزيت الزيتون، تحججت بحماية الفستان من أثر الزيت لتكشف عن مساحات أعمق من الشغف الجدلي لساقيّ سعاد.. ولدقة عزف أنامل شغف على شفق جسدها، تحججت سعاد خانم بتصاعد موجات الألم إلى مغاور أكثر عمقا.. وعندما انهارت شغف وخرت لتطبع قبلة على نصاعة الفخذ ولتلعق حرقة بضاضته بلسانها، تسلل كف سعاد ليخلل أنامله الملكية في جفل شعرها وهي تهمس((أرجوك، لا تقولي إنك تجزين ذلك الشعر وتحرمي صليبك من فداحة إغوائه))، فأجابتها وهي تفتح حوار لسانها مع تفاصيلها الندية عبر مظلة كستنائية مشرئبة ((وهل تريني جاحدة بجسدي إلى هذا الحد))؟ فردت سعاد بوله ينديه الدمع ((بل أنت أكثر فروسية من أن تطعني براءة الأشياء))... وكانت حربهما الوطنية الأولى المناهضة للتمييز ضد طفولة الجسد وبداهة متطلباته. وبعد نهاية الحملة الثانية لفتح مباهج قصر الحمراء، المنكل به تاريخيا، سألتها سعاد بوله صوفي ((أين أمضيت حقب شغفك الماضية))؟ فأجابتها وهي تؤدي طقوس شكرها لمراح صليبها ((معتقلة في إحدى زرائب العفة الاجتماعية)). ولكن هذا لم يجرها للخلط بين ألوان الشغف أو الإذعان التام لتقلبات صروفها الميتافيزيقية؛ بل أحكمت لها سلسلة ن التدخلات التوقيرية، كان من بينها مواصلة الإشراف على تربية وليدها الفاقع الترهل بأن إختارت له إسما يناسب حلمها الملكي (غازي، تيمنا باسم جلالة ملك البلاد)، وبأن اقتسمت رعايته الماورائية مع العناية الالهية بالتساوي.. كما إنها إستغلت الهدنات التي فصلت بين حروبها الشغفية لتستنير برأي شغف فيما يشكل عليها من أساليب حماية غازي من إرث أبيه الذي لا تحكمه نواظم قطع وتصريف حديثة. ومن جهتها تبرعت شغف بتلقين غازي فن الإصغاء لصوت واحد، إستنادا إلى نظرية التوريط المضاد لتوريطات البداهة.. ولكن كل تلك الاحتياطات ذهبت سدى أمام حالة التوزع الديالكتيكي لبنية النوازع التي ولد بها غازي.. ففي الثانية عشر من عمره، وفي ظهيرة يوم قائظ، طلب خادمة والدته لتشرح له سر التقلبات الطقسية التي كانت تعصف بعالم ما تحت سرواله الداخلي وتسبب له إنتفاضات مفصلية مضنية لا يهتدي إلى طرق إسكاتها؛ وعندما لم يجدها في المطبخ فتح باب غرفتها ليجدها في نفس حالة التوق التي تسبب له الآلام اللذيذة التي عجز عن تصنيفها: مصلوبة بعريها البدائي أمام المرآة ويداها مشغولتان بمعالجة حالة نهوض طارئة في منابع جنونها الخالد.. وإذا كان الخجل قد منعه من التعامل مع حالة خالته في مصادفة إنزياحاته الأولى، فإن سلطة السيادة الأرستقراطية على الخادمة أتاحت له حرية التخبط في مطبات خلفت بقع دم غير مفهومة وإرتخاءات تشويقية تحتاج لشروح انسكلوبيدية لا تمل كدروس المدرسة التي كان يلقيها رجال دين بثياب إستعمارية المظهر... وسجلت كأول حالة إغتصاب في دورة تاريخه الإشتغالي. تبعت تلك الظهيرة حالات تسلل غير مفهومة – بالنسبة لسعاد خانم – إلى غرفة الخادمة وأدت، بعد بضعة أشهر إلى انتفاخ بطن الخادمة، الأمر الذي فكر معه عبد الكريم رستم في حسم الأمر بطلقة من مسدسه العسكري، والتي رفض إطلاقها طوال الشهور التي إستغرقتها حرب الجنرالات القومية، تلك الحرب التي دفعت خسارتها سعاد خانم للشك بأن يكون أمثال زوجها قد خاضوها بمسدساتهم العضوية بدل مسدساتهم الحربية. الإطلاقة التي أخطأت هدفها تلك، هي التي إفتتحت تاريخ حروب العائلة الخاسرة، كما علقت حينها سعاد خانم، وهي التي ستنهي بعد قليل ذلك التاريخ، كما رددت وهي تنتظر لحظة إكتمال دورته في جسدها في وقفتها تلك أمام النافذة.. ذلك التاريخ الذي صنفته تحت يافطة الفصل الخامس للسنة، لتشابك خطوطه بسرابية أقدار تائهة وضبابية أحلام فادحة وتقلبات مصائر ضالة. والآن تتذكر، وهي تحت ضغط تلك المحطات الفاقعة من تاريخ العائلة، أن هذا ما كانت قد أكدته (المس جين) – قريبة المس بيل، سكرتيرة المندوب البريطاني – في قراءتها التنبؤية لمستقبل سعاد الإستوائي المناخ. قصدت المس جين بغداد للبحث عن وصية المس بيل التي تظن أنها دفنت مع وجعها في قبرها المقاوم لصدأ التأريخ في المقبرة البريطانية التي تتوسط الشطر الشرقي من بغداد. زارت المس جين قصر الباشا وهي تجر أعباء نبؤات لها صليل دم غائر في فجاجة التصاريف. طريقتها في الكشف تنطوي على بعض العادات التي لم تألفها قصور الباشوات.. فجعبة نبوءاتها لا تتفتق عن تياراتها البحرية إلا بعد أن تخلع حذائها وتدور على مريديها بنصف إغماضة لتضع سبابتها اليمنى على أنف كل من يطلب منها التسلل إلى مستودع أسراره المشفرة.. تنبأت لمكي باشا بالعودة إلى وزارته في حكومة نوري سعيد الخامسة وبإنزلاق فقري لظهر سؤدد خانم ، وبموت أنيق لشقيقة سعاد الوسطى وهي في ربيع عنوستها..، وعندما قربت سبابتها من أنف سعاد أطلقت ضحكة غامزة وقالت ((أوه! أنت تمورين شغفا يا قطتي الجميلة.. اطمئني، فأنت ستدفنين أغلب أشواطه قبل أن تعبر لك المحيط إطلاقة في نفس اللحظة التي تتمين فيها عامك المئة على الطرف الشرقي لمزبلة الفجائع اليومية)).. وفي لحظة إستدارتها للخروج دخل الصبي غازي فعادت المس جين إلى سعاد لتقول ((أرسلي هذا الصبي إلى مدرسة هارو ليتعلم هناك كلمة يختم بها غزوته الأخيرة))، فسألتها سعاد متلعثمة ((هو ليس ملكا إذن))؟ فردت المس جين بصبر نبي ((هو مجرد صياد أسماء يا سيدتي الجميلة)) فرددت سعاد لنفسها ((كيف لم أر هذا))؟ فردت المس جين بنفس الصبر ((لأن ليس فيه من اللغة شيء... هو مجرد كتلة من الفعل)). مسرح غزوة غازي الثانية كان الإستعراض العسكري الذي أقيم ذلك العام في ذكرى إعتلاء الملك للعرش.. وجريا على عادة ضباط الجيش في اصطحاب أبناءهم الذكور في مثل تلك المناسبات، إصطحب عبدالكريم رستم بكره لإحتفال ذلك العام..، وفي اللحظة التي وقف فيها جلالة الملك ليحيي فصيل الخيالة في حرسه الملكي، سحب غازي مسدس والده من قرابه وعالج قبضته في كفه الصغيرة، ليحكم الإمساك به، دوت إطلاقة طائشة من فوهته لتفرض الذهول والصمت على الأبهة الملكية لذلك الإحتفال، وأيضا على رؤوس الوزراء وكبار قادة الجيش والحرس الملكي التي مرت بها وهي تبحث عن جبين جندي من صنف المدفعية، ضاق القدر بتصفية فاتورة حساباته بالطرق السلمية. لم ينز جبين الشاب، الإنشطاري التفكير، غير كلمات مبهمة الحواف، ورغم لغط وحراك الحرس الملكي، إلا أنها أصرت على إنسيابها الإشكالي إلى أن هدت وزير الدفاع إلى المكان المقدر لنصب الجندي المجهول، والذي هدد - تأخر عملية الكشف عنه - البلاد بحرب وطنية كاملة التفاصيل. بعد اسبوع من ذلك التأريخ، وهو اليوم الذي استقبلت فيه سعاد خانم مولودها الثاني (وكان بنتا أسمتها شغف، تيمنا بإسم حبيبتها)، شحن عبدالكريم رستم بكره إلى لندن ، ليس تحقيقا لنبوءة المس جين، بل على أمل أن توجه مدرسة هارو بوصلة غزواته بإتجاه تاريخ وذاكرة لم يألف شفرتهما بعد.
ولدت شغف بجمال من ذلك النوع الذي يزلزل بداهة الأشياء ويتركها معلقة في فراغات منسية.. ولم تكن هذه ميزتها الوحيدة، بل كانت تنطوي على حس صقيعي بحركة الأشياء من حولها وتقلبات وجوه الساسة وجهات تلقيهم لإجتراحات الأحداث المغتصبة من حتمية التاريخ؛ ولهذا إتهمها جدها الوزير، مكي الحافظ، بالشيوعية رغم انها لم تكن قد بلغت العاشرة بعد، ولم تسمع لا بماركس ولا لينين ولا حتى بكتاب رأس المال.
تلك الشغف كانت مرسومة الدواخل بطريقة لتكون جميع آرائها وإفاضاتها مقلوبة على رأسها، وبطريقة الإزاحة العامودية للأشياء.. وقد عانت كثيرا في كيفية إقناع من حولها – وأولهم جدها الباشا مكي الحافظ – في أن الإنقلاب الذي يرونه في منطقها مرده خلل متأصل في قانون الأشياء لا في طريقة تلقيها للأشياء.. ولكنها لم تيأس من إقناعهم، وداومت على البحث عن الطريقة المثلى لإقناعهم إلى أن وجدت ضالتها في أحد دروس التأريخ التي تشرح كيفية وصول الملك فيصل بن الحسين إلى عرش العراق. يومها عادت من المدرسة وهي تقبض على صولجان الحقيقة كعصا تبختر لتقول لجدها الباشا ((هل من منطق الأشياء أن تنفق العناية الإلهية خمسة أعوام كاملة من وقتها الثمين في البحث عن عرش يليق بمؤخرة فيصل بن الحسين، لا لشيء سوى لأنه ولد بمؤخرة ملكية))؟ وأستغلت الوقت الذي أخرست فيه الدهشة جدها وجدتها وأمها لتشرح لهم رؤيتها للأمر بقولها ((بماذا تفسرون إذن خروج الرجل من بلاده، بهدي القوة التي رأت أن لا عرش له في نجد، لتقوده إلى سوريا، التي إتضح لها بعد عامين من المماحكات البيزنطية أن عرشها لم يكن على مقاس جلالته، فتقوده في رحلة ترفيهية بين دول أوربا وبحارها، إلى أن تكتشف أن عرش العراق هو المفصل على مقاساته المخلدة تحت أضلاع التأريخ.. أي منطق هذا بربكم؟ كأن العناية الإلهية لا شغل لها في هذا العالم أهم من تدبر شؤون شخص ولد ملكا ويجب أن يموت ملكا! هل يستطيع أحد أن يخبرني وفق أي منطق صُرف هذا الأمر))؟ عندها أفاق الباشا من دهشته ليصرخ ((إبعدوا هذه الشيوعية عن مملكتي قبل أن تطوح بكرسي الوزارة من تحتي)).. وبعد أن إستعاد هدوءه سألته سعاد عن سبب إتهامه لها بالشيوعية فأجابها بحقد لاهوتي ((لأنها تخلط أوراق اللعبة بطريقة تُعجز تصاريف العناية الإلهية)). هذه الإرتجاجة وبالتعاون مع مجموعة من الإرتكاسات التي دبرها شيطان، يجهل حدود صلاحياته الجغرافية، هي التي أعادت عبد الكريم رستم عن غيه السياسي، وخاصة بعد إتضاح معالم الخارطة التدويرية لإنقلاب رشيد عالي الكيلاني، الذي كانت سعاد خانم قد تنبأت به وهي تفيق من غيبوبة إرتخائها بين ذراعيّ شغف على شوق لروائح ومضاربات وتد عبدالكريم الصندلي، وحنين مضني لإختراقاته الباسلة..، غطت فترة إنطفائهما مرحلتي إنجابها لصبي أسمته مكي، تخليدا لإسم أبيها، وبنت أسمتها سؤدد، تخليدا لإسم أمها ؛ ولم تكن علاقتهما خلال تلك الفترة لتزيد على علاقة زوج بزوجته بثوب ميكانيكي، دون جمر وبلا حرائق، الأمر الذي دفع بعبدالكريم رستم للالتحاق بليل شقيقها رأفت الذي لم يقده إلا إلى ألوان الدرجة الثانية، بالقياس إلى جلال سعاد خانم الطبقي. بعد نهاية الجولة الثانية لحروب تلك الليلة، تنبهت سعاد لرائحة عطور ومساحيق تجميل مبتذلة تفوح من بين طبقات نتانة عبدالكريم الطبقية، إلا أن عبد الكريم رفض الإعتراف بخيبة ترديه فأحراق نصف دمه العسكري في مزبلة قصية عن أنف الذاكرة والأحلام ((من أجل تهذيب طبقية ذائقته)).. أذهله نفاذ بصيرتها، فأعترف لها بخطيئته كصبي ضال، ولكنه أصر على تحميل غيابها الذاتي مسؤولية ماعاناه وأجبره على إتباع وسوسات شقيقها رأفت إلى باحة تلك الحمى.. ولكنها، ولأسباب تتعلق بحالتها الشخصية هي، حنطت جثة تلك المرارة في صيف ذاكرتها بقولها ((أنا أعرف مدى أناقة ذائقة رأفت)). وبعد مسافة ربع قرن، ملبدة بإنقلابات العسكر، جاءته بنسخة من كتاب فنانات بغداد وطلبت منه أن يحدد على خارطته صفحة نضاله الميكانيكي فأكتفى بالإشارة إلى صورة راقصة بركانية الأنوثة وقال ((هذه عشيقة رأفت))، وعندما سألته بتحد بيروقراطي ((وأنت))؟ أجاب بإستسلام جندي أقعده الجبن ((أنا في حظيرتك أنت فقط )). أرخت سعاد خانم لمرحلة طيش عبدالكريم ببداية حملها بطفلها الرابع، حافظ، لا بيوم فيضان بغداد الذي رافق فيضانها الإيروسي تجاه شاب، فرغ لتوه من دراسة هندسة مكافحة فيضانات الأنهار عالية الإنفلات؛ إلا أن شقيقها رأفت قدمه للعائلة بصفته عينا من أعيان الموصل وأحد كتاب أعمدة الصحف المتخصصة في فضح عملاء بريطانيا.. أما سعاد خانم فقد إستقبلته وقبلته بصفته عينا متخصصة في إكتشاف فيضانات ما بعد ذهاب الأطفال إلى أسرتهم وإحكام إغلاق باب غرفة النوم. وبما إنه كان من المستحيل عليها إستقباله في بيتها، بسبب وجود شغف الثانية، بما تتوفر عليه من حس أنثوي كاشف لمثل هذه الأسفار، فقد أضطرت لمرافقته إلى قصره ثلاث مرات، تلبية لرغبة عصفت بها تحت ضغط وسامته التي لا ترد وسحر نظرته التي إنتهكت أسرارها أعلى وأسفل الحجاب الحاجز. في المرة الأولى أخذها دهش وسامته وإتساق تفاصيل جسده، رغم ثقل حركته وغروره وإستباحة جملة من الإفتراضات الفكتورية لكيمياء حسه المدني والإيروسي. وفي المرة الثانية إكتشفت إنه بلا أحزان تصقل وداعته، الأمر الذي يجعله يومئ لقوافل إيابه قبل أن يجتاز معابر تحرره. أما في المرة الثالثة فأخبرته إنه بحاجة لماركس جديد يخلصه من رثاثة إحتباساته المزمنة. عند هذه العتبة فرضت حصارا مؤدلجا حول جدار غواياتها، ولكنها بدل أن تدعمه بالنواقيس الإكليروسية، حصنته بحراكات فلسفية، بسبب رفضها الإقليدي لتسليعية قانون الثواب والعقاب التي يعتمدها رجال الكهنوت لدعم سلطاتهم على رعاياهم. هذا التوزع الدراماتيكي في بنية نوازعها أورثته لإبنتها سؤدد، وقد قاومت عظام موميائه كل محاولات الدفن، بما فيها تلك التي جاءت بقرارات قدرية في حقب الرفاه الاجتماعي، وسياسية في الحقب التي إستولى فيها العسكر على خيوط لعبة المصائر البشرية..، تلك الحقب التي طوحت بأحفادها وأبناء أحفادها في مهاوي لم تجد لها تفسيرا لا في كتاب الأمير ولا في نبؤات نوستر أداموس ولا حتى في كتاب شمس المعارف الكبرى، الأمر الذي دفعها للاعتقاد أن العناية الإلهية قد رفعت يدها عن حراك المقادير، ظنا منها بوصول البشرية إلى مرحلة النضج، بعد أن أدهشتها سلسلة الإختراعات الثورية، التي سجلها تاريخ الانسان، من المطبعة الحجرية إلى الهاتف الجوال. حدث ذلك وهي تبحث عن مصير حفيدها رستم في سجل تقاطعات الحرب الإيرانية العراقية.. ففي صبيحة يوم ماطر من شتاء عام 1985 سيق ذلك الشاب لإداء خدمته الإلزامية وليضيع ذكره في سجلات وزارة الدفاع ، بعد عشرة أيام فقط، في ضبابية من الأقوال والظنون الشخصية والرسمية والقدرية، إلى صيف عام 2003 عندما عاد إلى قصر جدته متوكئا على هلام ذاكرة خرمت بياضاتها ظلمة 19 عاما من الحبس الإنفرادي. الغريب أن ذلك الهلام لم يهده إلا إلى سلسلة من الجدالات التفسيرية لإختلاجات تأريخ العائلة والتي أصدرها، بعد عامين من التدوين المحموم، في كتاب من ثلاثة مجلدات تحت عنوان (تاريخ إكليروسي لشجرة الحروف الناكصة)؛ وبسبب من نشوب حريق ثقافي ماضوي في ذاكرة ذلك العام، أضطر للإحتفاظ بجميع نسخ الكتاب في احدى غرف بيت جدته المهملة دون أسف. يومها كانت سعاد خانم قد تجاوزت عامها التسعين بعتبتين وأكتشفت أنها بحاجة لوقفة تأمل لحساب المتبقي من أقدارها المؤجلة... وقد وجدت الطريق إلى ذلك في إشراقات تلك المذكرات القليلة. لم يكن الكتاب مصنفا بإتجاه تجنيسي محدد، بل كان خليطا جدليا يبحث عن وجه لفيزياء نكوصات العائلة التوفيقية مع الذات. ومع نهاية كل فصل من فصول الكتاب كانت تحدد حجم التاريخ الذي أسقطته ثقوب الزحام من رصيدها الشخصي..، وفي كل مرة كانت تردد العبارة ذاتها ((كان عليّ أن أرسم ملامح هذه الوجهة وتضاريسها بعناية أكبر)). ومع نهاية آخر فصل في الكتاب، في أول ليل فجرها هذا، وجدت أن ما غافل أصابعها من ذلك التأريخ يفوق بمناوراته عدد إشتغالاته الحفرية في جسد أيامها. والآن، في هذه اللحظة بالذات، بدا لها الأمر كحرب يقينية يقودها حلم منسي..، وهذا ما ذكرها بسولافة، حفيدة إبنها الثالث وآخر من دفنت من أفراد عائلتها، والتي أوصتها بدفنها في أحد أطراف المقبرة الملكية إن توقفت حرب الإحتلال الجديد، لا لشيء سوى لخلو جهامة تلك الحقبة من الدماء. يومها قهقهت سعاد خانم ساخرة وهي تقول ((وهل تنتهي حرب احتلال للعراق إلا بحرب احتلال جديد))؟ سولافة تلك أنفقت أغلب أوقات فراغها في فك طلاسم مذكرات رستم الذي لم يتعد تاريخه الشخصي محيط مستودعات الأسر وصناديق حبسه الانفرادي ومذكرات موت جدها حافظ الأول ؛ وكانت كلما فكت رموز طبقة منها قرأتها على جدتها سعاد، التي كانت تكرر التعليق ذاته في كل مرة ((ذلك الولد طارد قدرا إستعصت تباريحه على النضج)). ومثلما تساءلت في وقفتها تلك عن الجهة التي حملتها عبء هذا العمر كله، تساءلت عن سر إنقسامها على نفسها وإلتواء نوازعها في مهاو لا تفتر.. كانت على قناعة تامة بأن لم يكن لها خيار من توزعها في صدوع تلك المهاوي وبأنها كانت شأنا شخصيا خالصا وليس لأحد أن يسأل عنه أو أن يصنفه، حتى لو كان إله ما وراء الشمس، ببساطة لأنه إن عد إنحرافا فهو إنحراف طبيعي، كإنحراف محور دوران الأرض: يقع في حيثيات نظام التشغيل الأساسي للكون. هكذا بررت لتشظياتها في محراب الرغائب وهي تدلف إلى سطوة الموت بإندفاع هو أقرب للإختبار منه للإستسلام. شيء واحد فقط الذي أقلقها من مخلفات تلك الرغائب في لحظتها تلك: صور عريها وفتنتها بجسدها، التي تبادلت إقتناصاتها مع عشيقتها شغف، كل لمباهج الأخرى، إذ كن يمارسن طقوس وثنية العودة بالجسد إلى مراحات طفولته التي سبقت عصاب الأكليروس ضده.. فكرت للحظة في النكوص لتمزيقها ثم عدلت عن الفكرة وهي تقول: ((بل لتبق حيث هي كإقتراح آخر.. لماذا أهرب في لحظتي هذه كغيري؟ هل يعقل أن أهرب وأنا في رحيلي كأي جبان ممن رأيتهم يتهاون بوضاعة أمام مجهولية جهة الموت؟ لن يكون رحيلي إنهزاميا.. ولن أضع رأسي حيث وضع الآخرون.. سأموت بكامل عنادي كما عشت: قدم هنا والثانية هناك حيث ينقطع نظري)). فجأة تذكرت أن تأخذ كتاب مذكرا موت ولدها حافظ لحفيدتها سولافة التي نسته وهي في عجلة لملمة قصاصات ذاكرتها ساعة رحيلها.. إلا أنها عدلت عن الفكرة، فإن كان أمام سولافة متسع فلا بد أن يكون أمامها نفس المتسع، فماذا ستأخذ هي معها لذلك المتسع.. ((فأنا الأخرى لم أنفض يدي من الأمر لحد الآن)). دارت حول نفسها متفحصة ذاكرتها دون أمل فقررت إنها ليست بحاجة لغير موتها الذهبي وبكامل أناقته.. فذهبت إلى خزانة ملابسها لترتدي فستانا ومعطفا وبيريه تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، إشترتها في آخر زيارة لها للندن ليومها هذا، من نفس المتجر الذي تشتري منه ألإليزابث، ملكة بريطانيا، لوازم أناقتها الملكية. وبعد أن زررت المعطف وضبطت وضع البيريه على رأسها، إتكأت على عكازها الأبنوسي لتتأكد من أن قوام موتها في تمامه فتشققت المرآة لتحيل صورتها إلى نثار من الخيوط الرمادية ولتذكرها أنه لن يكون في تمام قوامه لأنه لن يكون في بيتها وعلى سريرها، كديدن الملوك، بل إنها ستمشي إليه مئة متر كاملة وإنها ربما ستسقط في بقعة موحلة، بسبب إهمال الجهاز البلدي، وعندها سيتساوى موتها بموت الباشا نوري السعيد وموت زوجها عبد الكريم رستم .. ولكن لم يكن أمامها خيار - وكأبيها الباشا - من الموت على حافة العزلة، وكما تنبأت المس جين: دون ضجة إنفعالات. الفارق الوحيد بين الموتين هو أن موت والدها الوزير جاء مكللا برفض ترفع لا يليق إلا بأولاد الذوات، عندما عرض عليه صدام حسين (القروي البائس، كما كان يدعوه) تبوء منصب وزير العدل، زهدا منه بمنصب يمن به من لا يفرق بين شعر الماعز وفرو الثعلب.. وبعد عودته من تلك المقابلة سقط منكفئا على طين حديقة القصر مكللا بنصر إستنكافه الأرستقراطي. سجلت المعارضة الحادث كجريمة إغتيال سياسي، في حين إعتبرها مجلس العائلة محاولة لتصفية آخر مرتكزات المجد الإجتماعي للأرستقراطية العراقية. يومها لم تكن سعاد، حفيدتها وأم حفيدة إبنها الثالث حافظ، قد بلغت مرحلة نضج حسها الكشفي في تتبع مواقع النجوم، إلا أنها إستطاعت تلمس منزلق قدر مفتعل في تلافيف لوح عناده الشخصي. في ذلك المنعطف من فيض ذاكرتها، وللمرة الأولى لمرحلة زحام المصادفات اللاثورية في حياة العائلة، تمنت طواف سعاد الطيفي، الذي يقلب صور الحالات، على أمل أن تحرف لها حالة موتها لصورة توائم تراكمية تاريخها على الأقل. سعاد تلك ولدت وتبددت على حافة العزلة هي الأخرى.. حدث ذلك بعد ولادة شغف الثالثة بعقدين كاملين، إلا أن الإثنتان كانتا تعرفان بعضهما إلى حد إنهما كانتا تصرّفان شأنيهما بذاكرة واحدة، وكانت كل منهما تعتمد على الثانية في ترميم غيابات صاحبتها عن وقائع الحوادث ودورة الأشياء، ومنذ ما قبل ولادة سعاد واصطدامها بحقائق الواقع وانكفائها ذلك الانكفاء الذي عزلها عما حولها بنفس ثوري بغيض. سعاد التي ملت حضورهما الدائم في هامش دورة الأسرة وتعثرها المستمر بهوامشهما الخاصة، تمنت في لحظاتها تلك ظهورهما، وكأنها تبحث عمن يولها إلى جهة تجهل طريقها. لم تظهر أي منهما؛ فأستسلمت لفكرة أن الموت، كالذهاب إلى الحمام، زمن يصنع خصوصيته بعدم إحتمال الرفقة، رغم ما يكتنفه من هدر. مع أول خيوط الشمس إتضحت لها ملامح الضجة: لم تكن أكثر من مواجهة بين فريقين، ممن خلفهم ذلك القروي البائس صدام حسين.. حز في نفسها أن يخذلها القدر بهذه الطريقة غير اللائقة بأن يحرمها من وقار موتها. عندما سمعت سقوط شظايا مرآة طاولة زينتها، تأكدت من دخول كيانها مدى قبضة الموت، وعندها فقدت إحساسها بما يحيطها وطفت على عالم الموجودات، وتحولت نزعة الحياة فيها إلى موجة تطلع إستباقي لما انتهى تعلقه بحبال الذاكرة. في تلك الدوامة تذكرت أنها كانت قد وضعت حدا لتاريخ عائلتها بكسرها لأهم أسرار العائلة الأرستقراطية برفضها لتعلم أسرار المحافظة على تاريخ ثروة العائلة وأسباب مجدها الذي توارثته منذ ما يزيد على أربعمئة عام كاملة.
وكغيمة شفيفة إنسلت إلى ندائها متخففة من كل أعباء ذاكرتها، بإستثناء حساب المئة متر التي قادتها إلى لحظة إختراق ذلك الكائن الطقسي لكيانها وتطويحه بكل ما عداه من مستحقات الذاكرة.

سامي البدري
روائي من العراق
sami_albadri@hotmail.de
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. قصة ناجحة بكل معايير القصة القصيرة
ظماي انت | 20/12/2011 الساعة 18:41
قصة ممتعة جداً ومشوقه تجذب القارئ إليهاجذبتني تسلسل الاحداث فيها اهنيك استاذي
2. روعه
نشوى القاضى | 12/2/2013 الساعة 09:00
رووووووووووووعه استاذى
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث