الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
"لجوء عاطفي": رواية الإنسان في زمن الحرب
د. نجم عبدالله كاظم
"لجوء عاطفي": رواية الإنسان في زمن الحرب
عبد الستار البيضاني

(1)
معروف أن عبد الستار البيضاني واحد من أبرز المبدعين تعاملاً مع الإنسان في زمن الحرب، في إحباطاته وخساراته وتشوه مفردات حياته. وإذا كان هذا ينطبق على الكاتب في قصصه القصيرة، فإنه لينطبق عليه إلى حد كبير في روايته "لجوء عاطفي"- بغداد، 2004- التي بين أيدينا، سواءٌ أكان في ما يتعامل معه أم في معالجاته لذلك. والواقع أن مهيمنات القصة القصيرة تبقى مهيمنة على هذا العمل، بل نحن كثيراً ما ننسى فيُخال لنا أننا نقرأ قصة من قصصه القصيرة في نَفَسها وحدثها وجمالية لغتها. إن ما يحدث في "لجوء عاطفي"، وهو تبعاً لذلك قليل ومحدود، عبارة عن أزمة تشتغل في ما يشبه الذكريات والتداعيات في ذهن البطل، الذي به وبأزمته كانت الرواية ذات شخصية مركزية، هي شخصية (مرتضى قاسم ياسين)، خصوصاً في علاقته بالحياة ممثلةً بأشياء محددة. فحياته كلها وحركته وتفكيره إنما تكون أولاً عبر مركزية حبيبةٍ يفقدها فيفتقدها:
"كنت أستنشق عطراً واحداً، هو عطرك الذي أوصله لي القطار- هل كان صفيرُ القطار هو فعلاً دعوتَك لي لإيقاظي في ذلك الفجر؟... لماذا إذن لم أسمع صوت القطار من قبل؟"- الرواية، ص9.
ومن هنا فإننا نجد الرواية تُعنى لا بالمادي والملموس على الأرض، بل بالأحاسيس والدواخل الإنسانية ممثَّلةً في أحاسيس بطلها ودواخله، ولا سيما إحساسه بالفقد الذي يتلبسه فنحسه وإياه حين تُروى الرواية بضمير المتكلم انطلاقاً من وعي هذا البطل ووجهة نظره. إن وجهة النظر هذه تكاد تبقى حتى حين تتحول الرواية، في آخر فصولها الثلاثة، إلى ضمير الغائب، ظاهرياً على الأقل، إذ ينقل لنا (حازم)، راوي هذا الفصل، كلام صديقه (مرتضى) عن نفسه للطبيب النفسي ليكون جل هذا الفصل، مثل الفصلين السابقين، مقدماً فعلياً بضمير المتكلم.
(2)
"ما زال هذا القطار يقرقع في رأسي منذ أن أيقظني قبل أوان استيقاظي اليومي!"- الرواية، ص7.
بهذه العبارة تنطلق الرواية من دواخل البطل الذي بها يبدأ بالظهور مريضاً، خصوصاً حين يترجح للقارئ أن لا يكون هذا الذي يسمعه قطاراً فعلاً. من الواضح إنه صدى أو نتيجة مرضية لرغبة، أو معاناة، أو إحساس بالفقد، والأخير هو الذي يتأكد لنا حين نعرف أن (مرتضى) يبحث عن حبيبته التي فقدها بطريقة ما، ليبقى يفتقدها، الأمر الذي يقوده إحساسه به حد المرض إلى أن يتصور أنها ستأتيه في القطار. وسرعان ما يبدأ هذا التشخيص يتأكد حين يبدو البطل مهووساً، في ظل الإحساس بالفقد، إلى حد البحث عن أنفاسها وآثارها في كل شيء بما ذلك تذاكر القطار المرمية في المحطة. والقطار هو مظهر هذا الهاجس المهيمن على حياته، وبما يعني أنه أداة ومؤشر ودال على الحبيبة (روضة). ولأننا نميل من البداية إلى ألاّ تكون هذه الحبيبة كأي حبيبة أو كأي امرأة، وأن افتقاد (مرتضى) لها إنما يعبر عن افتقاد ما هو أبعد من افتقاد إنسان لإنسان، يصير هذا هاجساً يسوق قراءتنا باتجاه الانشغال بفك هذه الشفرة. وهكذا بعد أن يقودنا قطار (مرتضى)، الذي (يقرقع) في رأسه، إلى (روضة)، فإن هذه الحبيبة تفصح، تدريجياً وضمناً في البداية ثم مباشرةً وصراحةً، عن معنى أبعد منها، هو البصرة التي أحبها البطل بعد أن يكون قد قضّى سنوات الحرب ولواعجها ومعاناتها في أحضان أهليها، ووجد فيها حبيبته التي ضنها تعويضاً له عما سلبته الحرب منه. يقول للدكتور:
"دكتور أنا عشت في البصرة قرابة سبع سنوات، والذي يعيش في البصرة لا يتركها إلا وهو مترع بالحب.. هذه مدينة تعلمك حب الحياة ببراءة من دون نظريات"- الرواية، ص112.
وإذا ما بدت البصرة بدورها موحية إلى ما هو أكبر منها، الوطن، فإنها لا تلغي، على الأقل ضمن ظاهر عالم الرواية، محورية (روضة) في حياة البطل، وتبعاً لذلك ما يرتبط بها في ذهنه، نعني (القطار) الذي تبدأ الرواية بـ(مرتضى) وهو يئن تحت وطأة إحساسه به:
"لماذا تملأ هذه المرأة كل كياني؟ انتهيت في تلك الليلة إلى نتيجة واحدة هي: إن روضة لم تكن سوى رمز لكل نساء البصرة اللواتي أحببتهن ومنحنني الإحساس الحقيقي بالحياة؟"- الرواية، ص82.
فلأن أزمته داخلية، كما رأينا، أكثر منها خارجية، مع ما للخارج من دور فيها، فقد سار خط الرواية عبر عالم البطل الداخلي لتتمحور فيه، كما هي إلى حد بعيد في عالمه الخارجي، ثلاثة عناصر أو محاورَ تشكل في تشابكها عالم حياته الحاضرة ومسارها. العنصر أو المحور الأول هو (روضة) حبيبته التي يفتقدها في كل لحظة وينتظرها ويتخيلها ويسترجع لقاءاته معها. الثاني البصرة التي له ذكريات حلوة حتى في صعوباتها أيامَ الحرب التي قضاها فيها عسكرياً، ولقي فيها الحب. الثالث القطار الحقيقي أو المتخيل القابع متحركاً في رأسه، والمعلِنُ- حقيقة أو تخيلاً أو توهماً- عن وصول الحبيبة إليه أو مغادرتها إلى البصرة. وقد يبث هذا القطار رائحة هذه الحبيبة وصوتها وصورها المتخيلة، وكأن البطل كان يجد أو يأمل أن يجد فيها تعويضاً عن الحياة التي سلبت الحرب أحلامها ولحظاتها الحياتية الحقيقية، كما سلبت كل العواطف والأحاسيس من الكثير من الناس، وسلبت مصادر سعادتهم. وإذا ما شكلت هذه الحبيبة مدةً مثلَ هذا التعويض، فإنها أيضاً تختفي منه، حين تودعه بعد آخر لقاء حميمي، ليأخذها القطار إلى حيث لا نعرف. ومن هنا جاءت الرواية، عبر البطل وأزمته بشكل خاص، لتعبر عن العوز إلى تلك الأشياء التي يفقدها الناس في أزمان وظروف غير طبيعية، مثل ظروف الحرب، لتفتقدها الشخصيات الحساسة أكثر من غيرها.. العاطفة، والصدق، والنقاء، وحب الآخرين... فكانت رواية، في النتيجة، بحثاً عن التعويض، يتلبس البطل حد أن يكون هاجساً مرضياً، عن الخسارات الكبيرة:
"كنتِ تلوحين لي كأنني أراك بجبهتك العالية وقميصك الأبيض، تمسحين عني غبار الغربة ووحشة الليالي التي أقضيها مع أحلام ذبحَتْها الحرب، لو لم تنشب الحرب ربما أمسكتك منذ تلك اللحظة، (هل تعلمين أن أول شيء ذبحَتْه الحرب في رأسي هو تلك اللحظات الحياتية الرائعة التي كنت أقف فيها تحت تمثال السياب بانتظار العَبّارة المحمّلة بالنوارس)، ذلك زمنٌ لا يُعوَّض وحياةٌ أخذتْها الحرب ولم يستطع أحد أن يعوضها لنا"- الرواية، ص29.
هذا يقودنا إلى أمر يمكن للقارئ أن يرصده بسهولة، ولكنه قد لا يجد له مبرراً بذات السهولة، ذلك هو غرابة علاقة الحب وغرابة سلوكيات طرفيها، والتي يجعلنا وضع (مرتضى) المرضي نتوقف عندها توقّفَ شكٍّ في أن تكون حقيقية. ولكنْ من جهة ثانية نجد أن الأجواء والظروف غير العادية التي يمر بها إنسان الرواية العراقي هي أجواء وظروف شاذة، وعليه فإنها قد تبرر هذا الذي نراه غريباً في العلاقة وشخصيتيها. فالظرف الشاذ الذي أرادت الرواية أن يكون أرضيةَ عالمِها يُلغي الاعتراض على هذه الغرابة إن لم يلغ وصفها بالغرابة أصلاً، حيث تسقط كل قواعد المنطق والمعقول والاعتيادي. وهكذا، إذا ما وجد البطل في حبيبته تعويضاً عن الحياة التي كادت تُسلب منه بأحلامها وبحلاوتها التي أخذتها الحرب وما تلاها، فإن صدمته الكبرى تأتي، حتى والحبيبة ليست كما يجب أن تكون، حين يفقد هذه الحبيبة.
(3)
لأن الرواية قامت على دواخل شخصية مركزية، كما رأينا، ولأن هذا الشخصية مأزومة تأزماً داخلياً غامضاً، مع عدم استبعاد الواقع الخارجي من ذلك، فقد كان طبيعياً أن لا تكون هذا المسيرة ومفردات هذا العالم الداخلي طبيعة. وهكذا كان من أبرز مظاهرها الموضوعية والفنية، أنْ تداخلَ في منظور بطلها، ومن خلاله في منظورنا أحياناً، ما يقع حقيقةً مع ما لا يقع وما يُوهِم بأنه يقع أو يريده البطل أو يتمنى أن يقع. ومع أننا لا نحس أن هناك قصداً أو محاولة لإحداث إيهام للقارئ تُبنى الرواية عليه، كما هي عند كُتّاب آخرين، فإننا كثيراً ما نجد ما يقع يتأرجح بين أن يكون من وقائع الرواية وأن يكون من تخيّلات بطلها. من ذلك مثلاً ما نكتشفه في انتظار (مرتضى) للقطار الذي يمر بمحطة قريبة من مسكنه، ويُفترض أن يكون حاملاً إليه الحبيبة، إذ نُفاجأ بعدم مرور قطار ركاب بالمحطة المعنية أصلاً، لأنها محطة تمر بها قطارات حمل فقط.
"هل جاءت فعلاً في قطار فجر أمس الذي أيقظني؟.. إجابة نعم أو كلا تكفي أن تلقي بالقطار خارج رأسي وتمنحني مفاتيح الكثير من هذه المحن التي تشدني من جميع حواسي وتلقيني إلى ضياع لا أستأهله"- الرواية، ص86.
ينقاد البيضاني بوعي فني وبتلقائية محضة، لا تتناقض مع الفنية، نحو الأسلوب الذي يتناسب مع هذا الذي يهيمن على مسار الرواية، حين يستخدم المناجاة والحوارات الداخلية أو الفردية التي تأتي الرواية بها وكأنها ذكريات وتداعيات في ذهن بطلها. الواقع أن هذه الهيمنة قد قادت السرد أولاً إلى أن يخلو من الأحداث، وجعلت الخط الحدثي ثانياً، وتبعاً لذلك، يتبوأر حول نقاط أو أشياء صغيرة لا تشكل ما يسمّيه جبرا إبراهيم جبرا الموضوع الكبير للرواية، وأدى باللغة ثالثاً إلى أن تأتي وكأنها غاية بحد ذاتها، مع تناسبها بالطبع مع أساليب المناجاة والحوارات الداخلية وتقنيات تيار الوعي. ومع أن هذا كله هو من روح القصة القصيرة أكثر منه من روح الرواية، فإن "لجوء عاطفي" جاءت مقنعة فنّياً أياًّ كان تصنيفنا لها. ويزيد من هذه القناعة، ولكي لا تُفهم إشارتنا الأخيرة خطأ، يجب أن نقول إن أسلوب البيضاني جاء جميلاً ممتلئاً بالحياة التي نحسها تنبض في كلماته وعباراته، خصوصاً حين يتعامل مع التداخل بين ما يقع، وما لا يقع، ليسحبنا بيسر وتمكّن من تلقّينا إلى عالم الرواية أو البطل حتى قبل أن نلمّ فعلياً بهذا العالم. وحتى حين يؤخذ على هذا الأسلوب، أو بشكل أكثر تحديداً اللغة، إغراقها في الخطاب الحُلمي الشعري الذي عرفناه واحداً من المهيمنات على القصة الستينية، فكأننا بالكاتب يقدم لغته مقابلاً معاكساً لجفاف الحياة وقبحها كما رسمتها الحرب والحصار وعموم الظروف الشاذة التي وُلدت الرواية فيها، لتبحث عن لجوء عاطفي تعويضي لإنسانها أو بطلها الذي هو، في ظل تلك الظروف، كما يعبر عن ذلك صديقه (حازم) في قوله له: "أنت رجل لا تصلح لغير الأحلام"- ص95، بل ربما حتى لقارئها الذي على ألفة بهذه الظروف.


د. نجم عبدالله كاظم
أستاذ النقد والأدب المقارن والحديث في كلية الآداب – جامعة بغداد
najmaldyni@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث