الثلاثاء, 22 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
"النبطي"...قصة حب
سعد محمد رحيم
"النبطي"...قصة حب
غلاف الرواية


حالما انتهيت من قراءة رواية ( النبطي/ دار الشروق.. ط3/ 2010 ) للروائي المصري يوسف زيدان، تساءلت بيني وبين نفسي فيما إذا كان من الممكن قراءتها بعدِّها قصة حب.. وقد يبدو هذا الخاطر غريباً، للوهلة الأولى، لاسيما أنه يتعلق برواية تستلهم التاريخ، وتعتمد في جوانب من متنها الحكائي على الوثيقة التاريخية. ولذا فهي تقترح قراءات متعددة.. إنها نص أشبه ما يكون بشبكة مركّبة في عناصره وعلاقاته، ومن ثم في نسيجه الفني ومستوياته الدلالية.. فمن جهة هي رواية تاريخية، تحفر في الطبقات الجيولوجية العميقة لتاريخ المجتمع الشرق أوسطي، وبالتحديد في فاصلة حاسمة وخطيرة منه تتمثل بظهور الإسلام ونهاية الامبراطوريتين الفارسية والرومانية ـ وإن لم تكن الرواية تتوفر على الشروط التقليدية للرواية التاريخية بشكل كبير. ومن جهة ثانية هي رواية أفكار، تترصد الصراعات والتحولات الفكرية، تلك التي يختص بها تاريخ الأديان. هذا إذا ما تناولنا الرواية بإطارها العام. أما إذا ذهبنا إلى التفاصيل فإن الرواية هي حكاية امرأة قبطية شابة ( مارية )، نلاحق الأحداث والتطورات، ونتعرف على الشخصيات، من خلال وجهة نظرها. فهي الراوية التي تعيرنا حواسها لنرى ونفهم كل ما يدور من حولها.. شابة جميلة وذكية يغيّر ما يجري في زمانها من أحداث جسام مصيرها وقدرها. إن ميزتها الأساس تكمن في قوة ملاحظتها ورهافة ذاكرتها وقدرتها العالية على الحب. هي امرأة ليست استثنائية، وقد تكون في شخصيتها بعض السلبية، فهي توافق من غير أي اعتراض على زواجها من التاجر سلامة ( سلومة ) النبطي الذي يكبرها بأكثر من عشر سنين. وسلومة هذا سكير أحول وأبخر ( كريه رائحة الفم ) ويفتقر إلى الوسامة والتميز. وترضى بالابتعاد عن أهلها وديارها فقط كي لا يُقال عنها عانس. كما أنها ستدخل الإسلام بمجرد أن يطلب منها زوجها ذلك، ولا يظهر أنها كانت مؤمنة حقيقية بالدين الجديد. غير أنها من جانب آخر كانت تستجيب لنداء جسدها وتستطيب عوالم المتعة، من غير تهتك وابتذال.. وفي سردها لأحداث الرواية تختار لغة أقرب ما تكون إلى الاحتشام، صافية، متكتمة، وموحية.
تنقاد مارية أولاً لغواية عربي جميل طيب الرائحة تصادفه في طريقها بأرض خلاء، وهي مراهقة. ومعه خبرت النشوة الجسدية للمرة الأولى.. كانت تجربة مبهمة، مشرقة، مبهرة، فتّحت عينيها على جمال الكون ووعود سعاداته، على روعة أن تحيا وأن تكون..
"بين ارتجافاتي في حضنه فتحت عينيّ المسبلتين، فرأيت عينيه تغوصان فيّ، من فوقي، ومن خلفه بدت أطراف النخلات ورؤس الأعمدة، بعيدة جداً. كان وحده القريب، اللصيق. لن يمر الآن أحد من هنا. مر ذلك بخاطري، فغمرتني رغبة تدعوني للذوبان التام والتوحد معه، ومع الأحجار المحيطة، ومع حدود الكون.. وأدركت أن ما يفعله بي، لي، لا له".
وسيبقى ذلك المذاق الحلو، المفرط في عذوبته، عالقاً في زاوية ما من ذاكرتها وروحها. وستبقى انتشاءاتها اللاحقة في السفح، لن تطول تلك الذروة التي وصلتها في تلك الساعة البعيدة، مع التاجر العربي، التي تبدو مثل حلم فردوسي، هارب.
ستحتفظ مارية بسرِّها هذا، لنفسها، حتى وقت طويل، مستعيدة في الليالي نكهة ذلك اللقاء العابر المدهش وهي تداعب جسدها. لكنها لن تستسلم لرجل كريه ( بسنتي ) حاول اغتصابها قبل زفافها بأيام. ولن تجد في زوجها، فيما بعد، رفيقاً جسدياً وروحياً على الرغم من أنه سيفصح عن حبه الكبير لها في نهاية الرواية. إلا أنها ستنغمس في علاقة حميمة مع شقيقة زوجها ليلى وهي أرملة جميلة ذات شهوة جنسية لا تكاد تخفيها.. وبحسب وصف مارية لها "حين تبتسم، تلمع بين سمرة شفتيها أسنانها، كأنها نجوم مصفوفة تزين سواد الليل. ليلى غامضة، كالليل وحالكة، وحافلة بالأسرار.. أنا مثل النهار". هذه العلاقة المحرّمة لن تلفت انتباه أحد، بيد أنها تعوّض مارية عن حرمانها العاطفي والجنسي وشعورها الممض بالوحدة وهي بعيدة عن أهلها وقريتها..
في البدء تختلي ليلى، وحدها، بين الصخور. تتعرى، ويتهيأ لها بأن الجن يواقعها.. تسألها مارية؛ "ـ وما الذي يفعله معك الجن؟ ـ يفعل العجب العجاب. ـ ليلى، أنا لا أصدقك. ـ جرّبي مرة، وسوف تصدّقين، وبعدها تسعدين". لكن بعد ذلك، تترك ليلى وهمها ذاك وتتعلق بمارية التي تهيم بها هي الأخرى.. تجلسان وإحداهما تحدق في عيني صاحبتها.. تقول مارية؛ "كأن عينيها كهف، فيه شهد مصفّى.. تحرسه الزنابير.. يدفعني إليها غموضها، وبقربها يغمرني إغواء ملتبس، مستحيل". وفي النهاية تتزوج ليلى، تاركةً مارية لوحدتها ووحشتها.
النبطي هو كنه ( يونس ) الأخ الأصغر لسلومة، أطلقوا عليه هذا الاسم منذ الصغر على الرغم من أن عائلته وقبيلته جميعاً من الأنباط. والنبطي شاب جميل تخلب لب مارية منذ أول يوم تشاهده؛ في أثناء خطبتها، وتتمنى لو أنه هو الخاطب. وسيستمر نوع من الود المتوهج الغامض بينهما حتى نهاية الرواية. أو هو حب تختفي جمرته المتقدة تحت كتلة كثيفة من رماد الأعراف والتقاليد والمخاوف.
يقول النبطي أنه يسمع نداءات من السماء ، غير أنه لا يدّعي النبوة.. له دينه الخاص الذي اقتنع به وآمن.. وله صلته الشخصية العميقة مع صورة لإلهين يلهمانه. صورة ماثلة بقوة في ذهنه. وهو مثقف بمعايير زمانه، يمارس سلطة الكلام، ويجيب على أسئلة الآخرين. وبين الحين والآخر يذهب إلى جبل إيل في سيناء، وهناك عند فجر كل يوم يصغي بخشوع لكلمات إلهه. ولمّا دعي من قبل قبيلته لإعلان النبوة رفض بشدة. فهو لم يكن يبغي من متاع الدنيا شيئاً، فيما قبيلته تريد أن تدخل الصراع ذا الطابع الدموي بين القبائل من أجل السلطة والثروة والسيطرة على طرق التجارة، في الوقت الذي تكاثر فيه مدّعو النبوة في الجزيرة العربية ليقدموا الدعم الإيديولوجي والمعنوي لقبائلهم في مواجهة قريش والقبائل المتحالفة معها التي دخلت الإسلام حيث ظهر النبي محمد ( ص ). وحين يقرأ النبطي بعضاً من آيات القرآن الكريم يتنبأ بسيلان دم كثير في معارك وغزوات ستتلاحق في حومة ذلك الصراع.. إنه من نمط المثقف اللامنتمي الذي له رؤاه، وتصوراته المختلفة عن رؤى وتصورات الآخرين.. وإنْ كان غير ممتثل لمعتقدات عصره فإنه كان يأنف من المواجهة، أو ربما يعرف قدر نفسه ولا يريد الدخول في حروب خاسرة.
وقبل أن يركن للصمت مع تغير الأحوال في الدنيا، كانت مارية تقترب من مجلسه، وتستمع إليه بوَلَه وإعجاب، وتفتقده حين يرحل أكثر مما تفتقد زوجها، أو إنها لم تكن تفتقد زوجها على الإطلاق. والنبطي كان ينجذب هو الآخر لمارية من غير أن يتجاوز حدوده.. مارية السلبية التي لا تبادر غالباً، لكنها تنقاد لغوايات الحب والمتعة لحظة تتاح أمامها وتكون مقتنعة. ولو همَّ بها النبطي، لهمّت به، بالتأكيد، لكنه الراهب على طريقته، المتعفف والزاهد باللذائذ، المؤمن بالاستنساخ ( دوران الحيوات )، حيث الأرواح لا تموت وإنما تحل في أجسام أخرى حيوانية أو بشرية بحسب سلوكها في حياتها السابقة.
ذات يوم سيقول لها؛ "إن الإنسان منّا إذا أحب في حياته، وهام بالعشق ومات على تلك الحال بُعث من جديد هدهداً، فالهداهد أرواح المحبين". وحين تهاجر العائلة كلها إلى مصر تلبية لضرورات الفتح الإسلامي يبقى النبطي وحده في الديار.. بعد ساعة من سير القافلة، وفي وسط الغبار تفكر مارية بالعودة إليه، فهم على أية حال مشغولون عنها، ولن يلاحظوا غيابها إلاّ بعد وقت طويل.. هذا ما سيحدث في الصفحة الأخيرة من الرواية، التي هي قصة حب تلخِّصها الجمل التي تقفل بها الراوية ( مارية ) الرواية؛ "كان النبطي مبتغاي من المبتدأ، وحلمي الذي لم يكتمل إلى المنتهى.. ما لي دوماً مستسلمة لما يأتيني من خارجي، فيستلبني.. أحجر أنا، حتى لا يحرِّكني الهوى، وتقودني أُمنيتي الوحيدة؟... هل أغافلهم، وهم أصلاً غافلون، فأعود إليه.. لأبقى معه، ومعاً نموت، ثم نولد من جديد.. هدهدين".
فهل ستعود؟.


سعد محمد رحيم
روائي من العراق
saadrhm@yahoo.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث