الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الرواية العربية ورهان التجديد
سعد محمد رحيم
الرواية العربية ورهان التجديد
محمد برادة

استحوذت فكرة التجديد على أذهان الروائيين ونقاد الرواية العرب، لاسيما بعد حزيران 1967. وبقيت الفكرة تلك طازجة، تُعاد صياغة أطرها وأسسها ومقولاتها، وتُرسم آفاقها مراراً، عقداً بعد آخر. وهي عموماً تدخل في ضمن نزعة الحداثة التي طبعت جانباً من الثقافة العربية المعاصرة بطابعها، بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا. مع ما صاحبتها من أوهام وعقبات وقصور وسطحية من جهة، وحماس ودينامية ومنجزات لا تُنكر أهميتها من جهة ثانية.
يعالج الناقد المغربي د. محمد برادة هذه الموضوعة الحيوية في كتابه الصادر حديثاً عن دبي الثقافية ( مايو 2011 ) بعنوان ( الرواية العربية ورهان التجديد ). وما يميّز الدكتور برادة في كتابه هذا هو أنه يلقي الضوء عبر رؤية منهجية رصينة على مناطق مستحدثة، وأخرى معروفة لكن لم يتطرق إليها النقد العربي بهذا الصفاء في الطرح والدقة في التحديد والوضوح في المقاصد. وهي خصائص عُرفت بها الكتابات النقدية لمحمد برادة وقلة آخرين من النقاد العرب. وأول ما يُدخله الناقد في متن أطروحته هو علاقة الأدب بالسوق. وهذه الموضوعة من اختصاص سوسيولوجيا الأدب؛ وهي حقل معرفي لم ينضج كفاية في الفضاء الثقافي العربي. والمقصود بهذه العلاقة هو المؤشرات الإحصائية الخاصة بالإنتاج الأدبي واستهلاكه؛ "عدد القراء والمتلقين والموضوعات التي تحظى بالرواج وتثير الجدال". وهذا لا يدل، بطبيعة الحال، على جودة الإنتاج، "ولكنه يبقى، مع ذلك، عنصراً مسعفاً في تصنيف الإنتاج واستبار مفعوله".
أما الأمر الثاني الذي يناقشه فهو مدى تعبير النص الروائي العربي الجديد عن تحوّلات الواقع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهنا تُطرح قضية استقلالية المؤلف عن السلطات التي تحرّف رؤيته إلى الواقع، وأخطرها سلطة الإيديولوجيا.. يقول؛ "لا يتحقق الإبداع إلا من خلال استقلالية تحمي المبدعين من التبعية لمحافل سلطة أخرى، وتتيح لهم أن يصوغوا رؤاهم وفق تفاعل وتجارب تكون الذات المبدعة فيها هي عصب الموضوع وحامله".
يسعى الدكتور برادة إلى إعادة صوغ الإشكالية عبر مساءلة "وجود الإبداع والفكر ضمن شروط معينة داخل المجتمعات العربية، وتستجلي إمكانات الإبداع في تطوير الوعي، وكذلك في قدرتها على الاستمرار ضمن شروط مضادة تعرقل انتشار الإبداع على نطاق واسع". فالأمة تعيش أزمة سياسية واقتصادية في خضم أزمة اكبر ذات طابع عالمي تشمل القيم والثقافة أيضاً، مما يضفي على الإشكالية طابع الازدواجية والتعقيد. وإذن فإن حركية التاريخ هذه لابد من أن تؤثر، بالضرورة، على أشكال الكتابة الروائية وإستراتيجياتها والرؤى والأفكار التي تتضمنها.
ثمة فرق في نظر د. برادة بين رواية تستهدف القبض على الواقع من خلال إستراتيجية المحاكاة "وتحقيق تخييل يبعث على التماهي"، وبين رواية تنشغل بالكتابة التي توظف "عناصر السرد والتخييل ضمن تذويت للكتابة ينطوي على تخصيص اللغة والشكل والرؤية إلى العالم". وذلك لارتياد مناطق واستشراف أبعاد تستطيع الرواية وحدها، بما تمتلك من مقومات، ارتيادها واستشرافها. فما مفهوم الكتابة وإجرائيته في هذا السياق؟.
هنا يستعير د. محمد برادة مفهوم جاكبسون لـ "التلفظ"، والذي يعني "أثر الذات ( الكاتبة ) على نص ما"، فتمثل الكتابة عندئذ "جماع تفاعل وعي الكاتب مع شروطه التاريخية وأسئلة ذاته المنقسمة داخل مجتمع يمور بالفوارق والصراعات والاستلابات". فيتخذ الكاتب موقفاً من عصره "عبر الاستتيقا وإعادة تأويل القيم من زاوية تزاوج بين توضيع الذات، وتذويت المجتمع، بين التمثل الواعي ومكنونات اللاوعي". ثمّ يعرّج إلى ما يسميه "استقلالية النص الروائي وتذويت الكتابة". وما يقصده بالتذويت هو "ربط كتابة الرواية بإسماع صوت الفرد العربي الذي ظل أمداً طويلاً غائباً، مضيّعاً في ثنايا الخطاب الإجماعي واللغة المتخشبة الرسمية، وتمجيدات الوطنية والقومية".
تقود استقلالية الكتابة الروائية إلى اعتماد التجريب وسيلة حرة لاستعمال مناجم اللغة واقتحام مناطق الحظر الفكري والثقافي، "وتصفية الحساب مع إرث معوّق، وتاريخ متلكئ، تطلعاً إلى فتح صفحة جديدة تتخطى الوصف وإحياء الماضي لتستشرف وتبلور هوية أخرى هي قيد التشكل والانبثاق". وهذا واحد من أهم رهانات الرواية العربية في نزوعها للتجديد. وهو، فضلاً عن عوامل وشروط أخرى، ما يجعل الرواية العربية في مدار الرواية العالمية. فكيف يمكن أن يحدث ذلك في سوق للأدب تخضع لمقاييس رأسمالية عمادها جني الأرباح وإشباع النزعة الاستهلاكية والاتجار بالمتعة، مع انتشار وسائل ترفيه ذات جاذبية عالية، على الرغم من سطحيتها، غالباً، وتفاهتها؟.
ما يحقق للرواية العربية حضورها في الفضاء العالمي، برأي د.محمد برادة، هو "ما تنجزه الرواية من حفر في مناطق الصمت والتحريم، وفي أرخبيل اللغة ومنعرجاتها".
لا يعني التجديد القطيعة مع الموروث الأدبي والفكري.. إن التاريخ بصوته وفجواته وغباره وكائناته وسردياته يتسلل خفية إلى أي نص جديد، والذي لابد من أن يحمل في طبقاته العميقة آثار النصوص المكتوبة طوال العقود والقرون السالفة.. هكذا الأمر مع الرواية الجديدة التي ما كان لها أن تتخلق من غير ذلك الإرث المحلي والإنساني العظيم من السرديات.. يستشهد د.برادة بمقولة لجان جونيه من كتابه ( مرسم جياكوميتي )؛ "إن كل عمل فني إذا أراد أن يبلغ التناسب الأكثر فخامة، عليه من خلال صبر ومثابرة لا محدودين، ومنذ لحظة تشييده، أن ينزل إلى آلاف السنين وأن يلتحق ـ إذا أمكن ـ بالليلة العريقة في القدم الممتلئة بالموتى الذين سيتعرفون على أنفسهم في هذا العمل الفني". والروائي إذ يسعى إلى الاختلاف فإنه يطل على المتاح، والمجهول المحرِّض على المغامرة، بسند من مرجعيات معرفية وتاريخية تمثّلها وخبرها في خضم تجربته مع الواقع بتركيبته المعقدة والمتحوّلة.
كانت هزيمة حزيران، في السياق العربي، فاصلة تاريخية ومعنوية بين مرحلتين. ومن أهم ما فرضته هو ضرورة الانشقاق عن خطاب إيديولوجي مجسِّد لما قاد إلى الهزيمة. من هنا غدت الرواية الجديدة "وسيلة فاعلة في استكناه مخبوءات الظلال وصوغ لغة نثرية تكشف وتعرّي، تستبطن ولا تقدّس، تصرخ وتفضح وتبوح وتحاور الظاهرات المقلقة المتناسلة مقدار تناسل الهزائم". ولكن ما هي مظاهر الجدة في الرواية العربية منذ ستينيات القرن المنصرم وحتى الآن؟.
يتحدث د.برادة عن تشظي الشكل، بعدّ الشكل فاعلاً في "تخصيص دلالة النص، وضبط لعبة الإضاءة والتعتيم، واستدراج القارئ إلى الاقتراب من دلالات ومعانٍ معينة تخايل الروائي ويريد الإيحاء بها عبر سيرورة فنية ملائمة". فالنص الجديد يعوّل على مساهمة القارئ في إعادة تخيّله وتشكيله. وهذا يفرض لغة مقتصدة بفراغات ومناطق صمت، مع كسر للنسق التتابعي التقليدي في البناء، ليقود إلى ما يسميه د.برادة بتهجين اللغة لإخصاب النص وتوليده، فيجري تطعيم اللغة الفصحى باللهجات والرطانات العامية. غير أن هذا كله يبقى لعبة شكلية مجردة، لا طائل من ورائها، إلاّ إذا وظِّفت لنقد التابوهات: الجنس والدين والسياسة عبر نقد المؤسسات المستثمرة لها إيديولوجياً من أجل السيطرة والتحكم. هنا ستتحوّل الرواية وقد تحررت إلى "طاقة تسعفنا على الاستمرار في الحياة لأنها تضيء مسرح الظلام المخيف الذي نتخبط داخله".
يتشكل العالم الروائي بوساطة رؤية ذاتية.. تتذوت الكتابة لتصبح صوت فرد يرى ويشهد.. إنه الفرد القادر على التنقيب والتصريح والاعتراف عبر التخييل المنفتح على الكوني، والتاريخ. وهذا التشكيل يعبّر عن معرفة صافية محددة بالعالم.
إن الرواية، من زاوية ما، خطاب معرفة.. المعرفة العصارة التي تلخِّص وتحاور وتمثّل فنياً كشوفات علوم عديدة؛ الاجتماع، النفس، التاريخ، الأنثربولوجيا، الطبيعة، الخ.. إنها معرفة تتجاوز المعرفة العلمية والمنطقية التقليدية لتخترق مجاهل الوجود، وتبحث في إشكالياته، معيدة صوغ أسئلة الإنسان الكبرى، ومقترحاً مفاتيح للإجابات من غير أن تدّعي أنها وقعت على الحقيقة النهائية واحتكرتها. وهذا هو سر روعة فن الرواية ورحابة ممكناته.


سعد محمد رحيم
روائي من العراق
saadrhm@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث