الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
جيل دولوز/طاولة مستديرة من حول بروست (الحلقة الرابعة)
ترجمة: حسين عجة
جيل دولوز/طاولة مستديرة من حول بروست (الحلقة الرابعة)
جيل دولوز

رولان بارت : ليس ثمة من علاقة ما بين لذة النص وهذه المحاورة، مع أن بروست يمثل لدي مادة كبيرة للذة، حتى أني تحدثت قبل قليل عن رغبة نقدية. أن لذة النص هي نوع من المطالبة التي طرحتها أنا، والتي ينبغي التعامل معها الآن على المستوى النظري. لذا سأقول ببساطة قد ينبغي علينا حالياً، نظراً لتطور نظرية النص، التساؤل عن أقتصاد أو قتصاديات لذة النص. ما الذي يجعل نص ما قابل لتوليد لذة؟ ما هو "فائض المتعة" « plus-à-jouir » لنص بعينه، أين يجب وضعها، وهل هي واحدة لدى الجميع ؟ كلا بالتأكيد؛ إلى أين، إذاً، سيقودنا ذلك منهجياً ؟ يمكن للمرء، مثلاً، الإنطلاق من الملاحظة التالية التي تفيد بأنه عبر آلاف السنوات كان هناك بلا ريب لذة أن يروي المرء plaisir de la narration، لذة الحكاية anecdote، لذة القصة histoire، ولذة السرد récit. وإذا ما كنا ننتج اليوم نصوصاً لا روائية، ضمن أي أقتصاد بديل يتمّ فيه القبض على اللذة؟ لا بد من قيام زحزحة للذة، لفائض اللذة، وما نبحث عنه في هذه اللحظة هو نوع من أمتداد لنظرية النص. هذا سؤال، وليس لدي في الوقت الحالي عناصر يمكن إضافتها إليه؛ وهو بمثابة شيء يمكننا تخيل العمل عليه جماعياً، ضمن فصل دراسي للبحث مثلاً.
بخصوص السؤال الثاني، المُتعلّقِ بتفسير التنوعات، سأشدد على ما يلي : الناقد ليس كمحترف اللعب على البيانو الذي سيأول، يعزف منوعات مكتوبة. في الواقع، يصل الأمر بالناقد، على الأقل وقتياً، إلى تحطيم النص البروستي، عبر ردةِ فعله حيال البنية البلاغية (إلى "الخطة") (le « plan ») التي سادت حتى الآن في الدراسات من حول بروست. في لحظة كهذه، لا يكون الناقد أبداً لاعب بيانو تقليدي سيعزف منوعات قائمةً فعلياً في النص، لكنه بالأحرى عامل توليفة، كما هو الأمر في موسيقى ما بعد-السلسلية postsérielle. أنه نفس الفارق الذي يمكن أن يكون ما بين مأول كونشرتو رومانسي l’interprète d’un concerto romantique والموسيقار، أي عامل التشكيل (إذ لم نعد نقول فرقة موسيقية orchestre) القادر على لعب موسيقى معاصرة تماماً، وفقاً لمساحة كتابية لم يعد لها أية علاقة بالتدوين القديم. في هذه اللحظة، يمكن للنص البروستي أن يصبح تدريجياً، بسبب قوة هرقليطيسية تقبض على الناقد، نوعاً من أنواع التوليفة المليئة بالثقوب التي يمكننا فعلاً العمل عليها ليس من أجل عزفها، بل لكي نحدد التنوعات فيها. وهذا ما يجعلنا نعود إلى المشكلة التي طُرَحتْ في حوار سابق أكثر ملموسية، وبالتالي أكثر جدية، أعني الحوار الذي جرى بعد ظهيرة هذا اليوم، من قبل البعض منا والذين طرحوا مشاكل النص البروستي، ضمن الفهم المادي لمفرد "نص" : ربما كانت لدينا حاجة، في تلك اللحظة، لتلك الأوراق البروستية، ليس بسبب حرفية جملها، بل وأيضاً بسبب ما تنطوي عليه من تشكل خطي، أو التفجر الخطي الذي تمثله. بهذا المعنى أعتقد بأنه ثمة من مستقبل، ليس للنقد البروستي (فهذا لا أهمية له : ذلك لأن النقد سيبقى دائماً مؤسسة، يمكن للمرء أن يظل خارجها أو يذهب الى ما ورائها)، بل للقراءة، أي اللذةِ.

جان بيار ريشارد : بعد مداخلة رولان بارت هذه، يظهر أن ثمة من أتفاق، أو التقاء جوهري بين كل المشاركين في هذه الطاولة : لقد وصفَ الجميع الممارسة الكتابية عند بروست ضمن أفق إنفجاري، تشظي وإنقطاع. ومع ذلك، يبدو لي أنه من الجلي، إذا ما قرأنا النص البروستي، بأن هناك إيديولوجيا بروستية idéologie proustienne عن العمل تتناقض مع كل التوصيفات. إنها إيديولوجيا مكشوفة، لا تكف عن تكرار نفسها، وثقيلة بعض الشيء، تميل نحو الإصداء، خطوط التماثل، العلائق، حالات الرنين، الإنقسام على جوانب division en côtés، التناظرات، نقاط الرؤية، "القماشات"، والتي تنتهي، في مقاطع معروفة من "الزمن المُستعاد"، بظهور شخصية تعقد خيوطاً ظلت حتى ذلك الوقت مُتبعثرة. ثمة، إذاً، من تباين ما بين الإيديولجيا البروستية المكشوفة عن النص والوصف الذي تقدمونه حيالها. أطرح عليكم ببساطة السؤال التالي : إذا ما كان ذلك التباين قائماً، ما الذي تفعلونه بالإيديولوجيا البروستية ضمن ممارستها العملية في نصه ؟ كيف يمكنكم تفسير التناقض بين ما يقوله بروست وطريقة قوله ؟

رولان بارت : شخصياً، أرى تلك الإيديولجيا التي تصفها، لكنها تظهر في النهاية بالأحرى..

جان بيار ريشارد : أوه، على طول العمل ؟

رولان بارت : بالأحرى كمتخيل بروستي imaginaire proustien، نوعما بالمعنى الذي يعطيه "لاكان" Lacan لهذه المفردة؛ أن ذلك المتخيل قائم في النص، يتموضع وكأنه في علبة لكنها، سأضيف، علبة يابانية : علبة لا شيء فيها أبداً سوى علبة أخرى، وهكذا دواليك، إلى حد أن ما يجهله النص عن نفسه، سوف ينتهي بالتجسد داخل النص ذاته. تلك هي نوعما الطريقة التي أرى من خلالها نظرية الكتابة، عوضاً عن تلك الإيديولوجيا القائمة في النص البروستي.

جيان بيار ريشارد : هذه النظرية موجودة أيضاً وهي تُهيكلْ النص، كما أنها تظهر أحياناً وكأنها ممارسة. لقد قدمَ دولوز، قبل قليل وعن حق تماماً، مثالاً عن كعكة المادلين، وقال بأن البطل لم يدرك معناها إلا في وقت متأخر تماماً. لكن حينئذ، أي في التجربة الأولى، يقول بروست : كان عليَّ أن اؤجل إلى وقت متأخر فهم ما حدث لي ذلك اليوم. ثمة هنا، إذاً، إفتراض نظري ويقين عن القيمة، قيمة التجربة التي يتم تأويلها في وقت لاحق. يبدو لي من الصعب القول بأنه فقط في الأخير، بصورة مُفاجئة، تشرع القماشة في نسج نفسها أو تفككيها.

جان ريكاردو : أنا لا أتفق تماماً مع صيغة الإيديولوجيا البروستية للعمل، سأقول بالأحرى : إيديولوجيا عمل بروست. لتلك الإيديولوجيا، الداخلية إجمالاً، وظيفتان، وفقاً لتطابقها أو عدمه مع حركة النص. في الحالة الأولى، سوف نحصل على أحدى تأثيرات التمثل-الذاتي autoreprésentation الذي تحدثت عنه في محاضرتي والذي لن أصر عليه. لكن ذلك لا يعني (وهذه طريقة لكي أجعل بعض المفردات التي استخدمتها أكثر دقة) بأن أية إيديولوجيا ضمن النص تتوافق بالضرورة مع حركته. إذ يحدث أنها تتعارض معها تماماً. مع التمثل-الذاتي المعكوس هذا، سوف لن تكون علاقة الحكاية بالسرد علاقة متناظرة، كما هو الأمر في حالة التمثل-الذاتي المستقيم، ولكن علاقة تعارض. ليس مجازاُ، بل أطروحة مناقضة antithèse. في حالة كهذه، يمكن أن يكون الأمر متعلقاً بأستراتيجية وهمية. قد تجذب إيديولوجيا العمل الإنتباه نحو الوحدة، والتجمع، ذلك لأن الطريقة الأمثل للقبض على التشتت هي بالدقة الرغبة في التجميع. كذلك يمكن أن يكون الأمر مرتبطاً بمؤشر على فاعلية مزدوجة. لقد شددت في محاضرتي على التقارب بفضل التشابه analogie، لكن هذا الأخير غير ممكن إلا إذا ما قام المرء بالفصل، بالإبعاد، والتمييز : على هذه الفاعلية الإضافية قد شددَ دولوز وجنيت. إنطلاقاً من ذلك التشديد، قد يمكننا العثور على إيديولوجيا متناقضة في "البحث عن الزمن الضائع" : ليس الآخر منْ سيصبح أنا (إلى جانب أسوان التي تنحل إلى جانب آل غيرمونت)، ولكن الأنا هو منْ سيصبحُ آخر : الميتات، الإنفصالات، الإقصاءات، والتحولات (كل شيء يميل في أن يكون نقيض نفسه). حينئذ، سيكون هناك تمثل-ذاتي لفاعلية تنازعية للنص سببها صراع الإيديولوجيات في النص.

جيرارد جنيت : كلمة عما قاله للتو جان بيار ريشارد : أعتقد بأن هناك تخلف للنظري مقارنة بالعملي عند بروست، كما عند غيره من الكتاب الكثيرين. يمكننا القول، بطريقة بدائية تماماً، بأن بروست واحد من مؤلفي القرن العشرين بإيديولجيا إستطيقية تنتمي إلى القرن التاسع عشر. لكن نحن نعيش في القرن العشرين وينبغي علينا أن نكون نقاد في القرن العشرين، كذلك علينا قراءة بروست بما نحن عليه، وليس كما كان هو يقرأ نفسه. من جانب آخر، تبقى نظريته الأدبية أكثر رهافة من ذلك التركيب العظيم الذي أنجزَ وأغلق "الزمن المُستعاد". ففي نظريته عن القراءة، وقراءة كتابه هو بالذات، حينما يقول، على سبيل المثال، بأن قراءته ينبغي أن تكون قراءة المرء لنفسه، ثمة شيء ما يهدم جزئياً فكرة الإنغلاق النهائي للعمل، وبالتالي الفكرة (الكلاسيكية-الرومانسية) للعمل ذاته d’oeuvre elle-même. ثم هناك عنصر ثالث أيضاً، إلا وهو أن نص بروست لم يعد كما كان عليه، لنقل في عام 1939، حيث كان الناس يعرفون بشكل أساسي "البحث عن الزمن الضائع" إلى جانب عملين أو ثلاثة تم التعامل معها باعتبارها أعمالاً ثانوية. أعتقد بأن الحدث الرئيسي للأعوام الأخيرة، فيما يتعلق بالنقد البروستي، لا يتمثل بأننا ما زلنا قادرين على الكتابة عن بروست، ولكن لأنه هو، إذا ما أمتلكت الجرأة على قول ذلك، مستمر على الكتابة: ظهور تلك الكمية الكبيرة من الملاحظات ما قبل النصوص avant-textes وما يشبه النصوص para-textes التي يتشكل منها "البحث عن الزمن الضائع" والتي هي اليوم أكثر وضوحاً عما كانت عليه حين كان الناس يقرأون البحث باعتباره عملاً معزولاً. أريد القول من وراء هذا بأن ذلك العمل لم ينفتح، كما كان هذا معروفاً دائماً، إلا في النهاية، أي أن دورانه قد منعه من الإنغلاق على نفسه، بتوقفه، لكنه مفتوح من البداية، ليس بمعنى أنه لا ينتهي وحسب، بل وأيضاً بأنه لم يبدأ أبداً تقريباً، ما دام بروست كان من البدء يعمل عليه. وما زال يشتغل عليه بمعنى ما : نحن لا نمتلك بعد كل النص البروستي، وكل ما نقوله حياله سيكون لاغياً جزئياً، ما أن يتوفر لنا النص بكامله؛ لكن لحسن الحظ له ولنا بأننا سوف لن نحصل عليه بكامله.

سؤال آخر من القاعة : أظن أن من بين الأشياء التي قيلت، هناك اثنان منها يثيران القلق. الأول ما قاله دولوز، والثاني دوبرفسكي. وكلاهما يتعلقان بقضية الجنون. فأن يقول المرء مع دولوز بأن موضوع الجنون كان قائماً في كل عمل بروست، هذا شيء، وشيء آخر أن يمد يده ويقول أنظروا أن جارليس مجنون وألبرتين مجنونة. وذلك يعني بأنه بمقدورنا القول عن أي شخص بأنه مجنون : ساد، لوتريامون، أو مالدرور. لماذا جارليس مجنون ؟

جيل دولوز : لتصغي، ليس أنا من يقول ذلك، لكن بروست نفسه. أن بروست هو من قاله منذ البداية : أن جارليس مجنون. وبروست هو الذي جعل "أندريه" تكتب : ربما كانت ألبرتين مجنونة. ذلك موجود في النص. أما فيما يتعلق بمسألة إذا ما كان بروست مجنوناً أو لا، لتسمح لي بأن أقول لك بأني لم أطرح أبداً هذا السؤال. أنا مثلك، لا يجد سؤال كهذاً أهتماماً عندي. كل ما تساءلت عنه مع نفسي هو ببساطة إذا ما كان هناك حضور للجنون في ذلك العمل وما هي وظيفة ذلك الحضور.

نفس المحاور : ليكن. لكن حينئذ يأخذ دوبرفسكي الكلام لكي يقول بأن الجنون، الذي أصبح هذه المرة جنون الكاتب نفسه، يظهر نصفياً في اللحظة التي، عند النهاية تقريباً، تتراكم فيها المصادفات. هل يتوافق قول كهذا مع رؤية لا سايكولوجية عن عمل بروست ؟ إلا يمكن أن يكون ما يحدث في تلك اللحظة هو مجرد زيادة في سرعة تكرار المواضيع ؟ هل تشكل تلك المصادفات، ما تسمونه مصادفات، برهاناً على الجنون ؟

سيرج دوبرفسكي : شخصياً، أعتقد بأن هناك أستراتيجية للراوية –أعني الكاتب الذي يكتب الكتاب- وهي تكمن في توزيع المُثليةِ على الآخرين، وكذلك بإسناد الجنون إلى جارليس أو إلى ألبرتين. وما يحتفظ به لنفسه هو "العصاب النفسي"، الذي يمكن لنا بسهولة التعرف فيه على مرض جسدي-نفسي.
ما أطمح في قوله هو أن العمل بكامله يظهر وكأنه لعبة يحاول الكاتب بفضلها أقامت عالما، وكذلك سرد قصة يمكننا قراءتها، أو التي تمكن غيرنا من قراءتها كقصة. لقد شدّدّ جان بيار ريشارد، قبل قليل، عن حق على وجود إيديولوجيا تُهيكلْ العمل. أن بروست رجل ينتمي إلى القرن التاسع عشر. لكن كلما تضاعفت قراءتنا للبحث، كلما أدركنا بأننا نعيش في عالم ذهني، نفسي، إذا ما شئت، أو بدقة أكبر في عالم لا شعوري inconscient، أو ما لا أدري ما هو، لكنه نصيّ textuel في مطلق الأحوال. وذلك ما يتم عرضه من فوق خطتين متعارضتين : قصة تُروى، لكنها تتحطم في الوقت الذي يجري فيه سردها.

نفس المحاور : هل تبغي القول بأنه في اللحظة التي يكف فيها السرد أن يكون "واقعياً" سنجد أنفسنا أمام الجنون ؟

سيرج دوبرفسكي : أعتقد بأن نوع من الإحساس بعدم إنجاز النص يؤدي إلى التساؤل عن الجنون. لكن مرة أخرى أنا لا أحب هذه المفردة. أضيف فقط بأن ضياع مبدأ الواقعية يبدو لي واحداً من الكشوفات العظمى للكتابة المعاصرة.

سؤال آخر من القاعة : بودي طرح سؤالين، أولهما موجه لرولان بارت والآخر لدولوز.
عندما تقول، يا سيد رولان بارت، بأنه ينبغي إعادة أدخال أقتصاد على نظرية النص، كما هي معروفة حتى هذا الوقت، فأنك تختار اللذة كمحور لهذا البعد الجديد. لكن لذة منْ؟ تقول : أنها لذة القارىء، لذة الناقد. لكن هل يمكن للمرء الشعور باللذة عند قراءته لبروست، الذي يكتب فيما وراء مبدأ اللذة؟ و، بطريقة عامة تماماً، ألم يحن الوقت بعد لوضع الإستثمارات الإقتصاديةinvestissements économiques، وذلك ما لم يقم به أي ناقد، إلى جانب ذلك الذي يكتب بدلاً من وضعها إلى جانب ذلك الذي يقرأ؟

رولان بارت : ربما طرحت موضوع اللذة بطريقة ساذجة نوعما، وذلك بسبب بحثي عنه. أو مُستلبة منذ البدء. قد يقودني ذلك فعلياً، في يوم ما، إلى بلوغ ما تؤكد عليه أنتَ. أنك تطرح سؤالاً، لكنك في الواقع تقدم إجابة قد أحتاج أنا لبضعة أشهر لكي أعثر عليها، أي قد تفقد فكرة لذة النص تلك ما ترتكز عليه. لكني أرغب، مرة واحدة على الأقل، طرحها من البداية، ببساطة وسذاجة، حتى وإن كان المشروع الذي أقوم به سيجعلني أتحطم، أي تفكيكي كذات للذة، ويقضي على اللذةِ عندي. إذ قد لا تجد هذه الذات اللذة في نفسها، وبالتالي لن يكون هناك سوى اللذة وحدها، والتي هي لذةِ الفنطازم plaisir du fantasme.

نفس المحاور : أجل، نحن نسمي ذلك بالفنطازم، لكن هناك شيء آخر أيضاً : نوع من التمتع jouissance الذي يمكن الحصول عليه من رغبة ميتةً prise à un désir mort. عند هذه النقطة بالتحديد ربما نعثر على ما يُحدد نظرة الناقد.

رولان بارت : على أية حال، اللذة التي حصلتُ عليها من بروست سرعان ما قضيت أنتَ عليها. وسوف لن تكون بحيازتي لفترة طويلة، ذلك ما أشعر به.

نفس المحاور : أصل الآن إلى السؤال الذي أرغب في طرحه على دولوز. قلتَ بأن بروست كان ينفتح على ما يواجهه بعنف. لكن ما الذي يُحدثْ عند بروست عنفاً، ما الذي أكتشفه، في النهاية، لكي يُولدْ فيه ذلك العنف؟

جيل دولوز : يحدد بروست دائماً عالم العنف باعتباره ما يشكل وحدةً مع الإيماءات والإشارات، أو هكذا يبدو لي الأمر. أن ما يولد العنف هو الإيماءة، مهما كانت.

نفس المحاور : لكن ألا يمكن أن تكون هناك قراءة أخرى ممكنة لبروست؟ أفكر في نص لموريس بلانشو الذي لا يتعلق الأمر عنده بالإشارات ولكن بالنقوش inscriptions. ينسج العنكبوت قماشته بلا منهج ومن دون هدف. ليكن. لكن هناك وبالرغم من كل شيء مجموعة من النصوص المنقوشةِ في مكان ما : أفكر بتلك العبارة الشهيرة القائلة بأن كل من الجنسين يموت من جانبه، ثمة هنا شيء ما لا يرجع لعالم الإشارات وحده، ولكن لسلسلة أكثر عمقاً وأقل طمأنةً، سلسلة لها علاقة، من بين علاقات أخرى، بالجنس sexualité.

جيل دولوز : ربما يكون عالم الإشارات مطمناً بالنسبة إليك. لكنه ليس كذلك بالنسبة لبروست. كذلك لا أرى لماذا ينبغي على المرء التمييز ما بين ذلك العالم وعالم الجنس، ما دام الجنس عند بروست موضوعاً برمته ضمن عالم الإشارات.

نفس المحاور : نعم، ولكن على المستوى الأول، لكنه منقوشاً كذلك في ناحية أخرى.

جيل دولوز : لكن بأي نوع من النقوش يتعلق الأمر؟ العبارة التي تستشهد أنتَ فيها عن الجنسين هي تنبؤ، أنها لغة الإنبياء، وهي ليست "اللغوس" « logos ». يبعث الإنبياء بالأشارات، أو الإيماءات. كذلك يحتاجون لإشارة تظمن قولهم. ليس هنا أية بلاغة، ولا أي منطق. لذا فإن عالم الإشارات ليس بالعالم المطمئن أبداً، وليس بعالم لا جنسي asexué. أنه، على عكس من ذلك عالم خنثي hermaphrodite، خنثي لا يتواصل مع نفسه : هذا هو عالم العنف.



حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث