الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
د. شكري الماضي وأنماط الرواية العربية الجديدة
د. إبراهيم خليل
د. شكري الماضي وأنماط الرواية العربية الجديدة
غلاف الكتاب




ويوحي عنوان الكتاب أنّ د. شكري الماضي يسهم بمؤلفه هذا في تصنيف الرواية العربية الجديدة تصنيفاً تتشكل منه أنواع( أجناس) مثلما يوحي العنوان، تحددها ملامح في البنى السردية للنصوص، وليس في القراءة العارضة للروايات. ولهذا نجده في تقديمه يعرف الرواية الجديدة؛ فهي ليست الرواية التقليدية، التي اقتصرت إنجازاتها على ترويض اللغة العربية لتكون لغة سرد روائي بعد أن ظلت لغة نظم، ورسائل، ونثر خطابي ومقامي. وهي – أي الجديدة- تختلف عن الرواية الحديثة، التي تسعى للتعبير عن علاقات اجتماعية قائمة بوسائل فنية وتقنيات غير سائدة. في بنية تقوم على البداية والوسط والنهاية، وحوادث تترابط وفقا لمبدأ السببية، وعلائق الشخصيات فيها فهي نامية تتأثر بعوامل الزمن، والمكان، أو مسطحة غير نامية، لا تتأثر بذلك قط.
وهذا كله شيء، و" الجديدة " شيءٌ آخر.
فهي التي تتخطى التقاليد، والحداثة، إلى ما يمثل خرقًا لما هو راسخٌ في النوعين المتقدمين. ولذلك أطلقت عليها تسميات عدة منها: اللا- رواية Anti-novel والرواية التجريبية experimental novel ورواية الحساسية الجديدة، والرواية الجديدة New novel
والتسمية الأخيرة تنطوي على دلالات. لذا اختار الماضي أن يسمي الرواية – موضوع الدراسة- رواية جديدة، كونها تسعى إلى إيجاد ذائقة فنية أكثرُ اعتمادِها على جماليات التفكيك، والتشظـّي، واللجوء إلى الانحرافات السردية، وتحطيم التسلسل الزمني النمطي، وتجنب الوحدة والترابط في الموضوع، أو الحدث، وتراجع العناية بالشخوص، فيكفي أن يتعامل المؤلف مع(س) أو(ص) بدلا من كمال، أو حميدة، أو سعيد مهران، وغيره..
وُتعدُّ رواية سبول (أنت منذ اليوم) 1968 من الروايات الرائدة لهذا النوع، إلا أن المؤلف لا يتناول إلا الروايات التي صدرت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي والسنوات الخمس الأولى من القرن الحالي.
ومما يلفت النظر أنّ المؤلف جعل كتابه في تصدير، وأحد عشر فصلا، تناول في كل منها رواية أو أكثر. مشيراً في أثناء حديثه عن تلك الرواية إلى أعمال الكاتب الأخرى إشارة موجزة يقتضيها التعريف. أما عناوين الفصول، فجاءَت في رأينا أكبر مما تحتمله من فكرة، أو تعبّر عنه من معنى. ففي الفصل الأول، نجد عنوانا لافتاً هو: " السرد المهجّن والمفارقات" ثم نجد عناوين أخرى كثيرة، مثل: الوقائع الغريبة والملحمة، الوقائع الغريبة والسيرة، والوقائع الغريبة والرواية التاريخية، والوقائع الغريبة والأساليب السردية الحديثة. وكل عنوان من هذه العناوين يستحقُّ أنْ يكون عنوانَ بحث مستقل. ثم نجد عناوين أخرى في الفصل ذاته، منها: مفارقة الشخصية، مفارقة اللغة والأسلوب الساخر. وهذه الكثرة من العناوين - بلا ريب- تشعر القارئ بما في الفصل من التكثيف.
ومن المعروف أنّ منهج إميل حبيبي في الكتابة الروائية والقصصية، وحتى كتابة السيرة منهجٌ شبه فوضويّ.
فهو لا يقيم وزنا لقواعد التجنيس، فتراه يخلط في القصة الواحدة بين الشعر والمقامة والتراث الشعبي والحكاية. وهذا يحول بين رواياته وبين أن تكون "نمطا" كالذي نجده في سائر الروايات التي تطرّق إليها المؤلف. ولهذا يأتي قوله عن الرواية بأنها تحقق التوازن الدقيق بين الضرورة الفنية والتفسير السياسي، والوعي العميق بالتراث العربي الإسلامي، والحرص على الجانب الإنساني، قولاً يرجّح رأي من يصنف الرواية في الروايات الحديثة،لا "الجديدة".
ومن يقرأ ما كتبه الدكتور ماضي عن روايات سليم بركات ، ومنها "هاته عاليًا هات النفير إلى آخره" يلاحظ الفرْق بين رواية حبيبي المذكورة وهذه الرواية. فالانحرافات السردية في رواية بركات كثيرة بما لا يُقاس : " انتقالات متعمّدة، مقصودة.. فمن تعليق إلى وصف.. ومن وصفٍ إلى تذكـّر.. فإلى تأملات متعالية.. فإلى نمو استعاريّ شعري .. ومن مكان لآخر.. ومن شخصية لشخصية ثانية.. ". مما يجعل تلخيص حوادث هذه الرواية مستحيلا. والشخصيات فيها مجرد أسماء لا ذوات. ومن يقرأ حديث المؤلف عن روايات بركات الأخرى، وما فيها من خرق متعمد، وانتهاكٍ مقصود، لقواعد السرد التقليدي، والحديث، يطمئن إلى دقة الناقد في رصده لمظاهر الرواية الجديدة هنا، خلافاً لما جاء في الفصل السابق.
وقد يصعبُ على بعض القراء تقبُّل رأي المؤلف في رواية إلياس خوري "مملكة الغرباء"، فعلى الرغم من إدراجه لها في عداد الروايات "الجديدة" التي تخفق في تحقيق مبدأ الإيهام بالواقع، وتتمرّدُ – على مبدأ الحتمية في سلوك الشخصيات ، ومرجعية الواقع،ومقولات المشابهة ، والمسايرة و"التناظر" يؤكد أنها تطويرٌ وتجديدٌ فعليٌّ لروح الرواية الواقعية، لا سيّما أنّ مرجعيتها الأولى، والأخيرة، هي "الإنسان الغريب، والمقهور، والباحث عن الحرية والعدل". أما تنبيه المؤلف على ما فيها من تداخل في الزمان، و المكان، ومزج بين المتخيّل والتاريخ، والاهتمام بالموقف السياسي، والاجتماعي، وتأثير ذلك في صياغة علاقة جديدة بين الكاتب والقارئ فمعروفٌ، وشائع، في الرواية غير التقليدية، سواء أكانت رواية حديثة،أم جديدة. حتى إشاراته لما فيها من وعي بالكتابة تحت مسمى القصة عن القصة،أوmeta-fiction نجده في رواية الحداثة مثلما نجده في الرواية "الجديدة".
و يصفُ المؤلف رواية صلاح الدين بو جاه ( النخّاس) بالفسيفسائية، وهذا "النوع" – كذا- من الرواية يتألف من" شذراتٍ كلٌّ منها تبدو وحدة مستقلة عن الأُخَر. أما ما ينتظم (قطع الفسيفساء) هذه، فهو المكان(السفينة) وتكرارُ أسماء الشخوص, وهو نمط ٌمن الرواية يتسم عادة بتهميش الحدث، والشخوص، ويعلي من هيمنة الوصف، أي: قيم الثبوت والسكون مقابل الحركة والتزامن،لأنّ الوصف – في الغالب – يعمل على تجميد الزمن، فيتماهى بالمكان "تعبيراً عن ضياع العالم وعبثية الوجود". أما مظاهر الجدة في السرد ، فتتمثل في " الانحرافات المتكررة، والاستطراد، والقفز، والاسترسال، والمزج بين الومضات السردية، واللقطات الوصفية المتعددة، وتنوُّع الرواة، مع الجمع بين أدوات من السرد الموروث وأخرى من أساليب السرد الحديث" وتعدُّد مستويات اللغة: " الفصيحة، الدارجة، المهجنة من الفرنسية،والعربية"،وتعمّد استخدام أساليب لغوية قديمة فيما يعرف بالمحاكاة الساخرة، مما يجعل اللغة ، في هذه الرواية ، لوحة "فسيفسائية" تسهم مع العناصر الأخرى في تجسيد رؤية الكاتب".
والحقّ أننا لم نقتنع بوجود فوارق بين هذه الرواية، ورواية "الشظايا والفسيفساء" لمؤنس الرزاز، فهي تتألف من: " لقطاتٍ ولوحاتٍ وومضات مبعثرة بحوادثها وأمكنتها وأحجامها ودلالاتها الجزئية" وشخصياتُها مُجرّد أسماء لا أكثر، فهي: " بلا أبعاد، وبلا قسماتٍ محددة" فغالباً ما يجري تقديمها من خلال ومضة، أو جملة موحية، لا أكثر.وتعاني باستمرار من " الكوابيس، والإحباط، والانكماش ، والتحجّر ، والعجْز، والانفصال عن الأزمنة." أي أن الكاتب مؤنس الرزاز لا يُبدي اهتماماً برسم الشخوص، ولا بإخضاعها لمبدأ الاحتمال والضرورة، مما يُخرج روايته هذه عن مسار رواية الحداثة إلى رواية ما بعد الحداثة، أو الرواية "الجديدة" بتعبير المؤلف.
على أنّ مَنْ يُطلْ النظر في توصيف الدكتور الماضي "للشظايا والفسيفساء"، وما يتوافر فيها من جماليات التشظـّي، وما يقال عن نسيجها اللغوي المنسجم، مع تقنية التفكك، والانكسار يكتشف ْ أنّ الفرق بينها وبين رواية النخاس فرقٌ غير كبير، بل يكاد لا يلحظ، فهما تعتمدان آلية واحدة في الكتابة " الانحرافات السردية ، القفزات المتكرّرة، التنافر، واللا- توقع.. وتجنب الإيهام بالواقع " وهذا ما يقوله المؤلف حرفيا مما يشجع على رصفهما في نمط واحدٍ لا نمطين.
ولميّ تلمساني رواية عنوانها(هليوبوليس) تستحوذ على عناية المؤلف من حيث أنها رواية تعنى بعالم الأشياء، لا الشخوص، ولا الحوادث، ولا الزمان، ولا المكان. فهي"جديدة " لأنّ الوصف هو الذي يهيمن عليها، ويغيّبُ عنها الوقائع. ويضعف، نتيجة ذلك، الإحساس بالحركة، بل ينشأ من ذلك شعورٌ بتوقـّف الزمن. والحقّ أن هذا التوصيف للرواية سبق تكراره حرفيا عند الحديث عن رواية(النخّاس) لصلاح الدين بوجاه، فإذا كانت الروايتان تتصفان بالسمات التجريبية الشكلية ذاتها، فما الذي يسوّغ وضعهما في نمطين من أنماط الرواية "الجديدة"، أحدهما تحت مسمى السرد الفسيفسائي، وثانيهما تحت مسمى البنية السردية: "سيرة الأشياء"؟ ويستطيع القارئ أن يضيف إلى ما ُذكر استدراكاً لا يخلُّ بالغرض، ولا يتعارض مع مقاصد المؤلف، وهو: جمع رواية النخاس، والشظايا والفسيفساء، ورواية هليوبوليس، لميّ تلمساني، من الجزائر، في نمط واحد، إذ الاختلافات بينها هي اختلافات في التفاصيل، لا في الكليات التي تحدد قوام التركيب، وقواعده.
تساؤلات
ويحقّ للمؤلف د. الماضي أن يتساءل بالفم الممتلئ عن كتاب" وردة للوقت المغربي" لأحمد المديني، قائلا " أين هي الرواية؟ " نقول: لهُ الحق في ذلك السؤال؛ لأن المديني عمد إلى تهميش العناصر الأولية (الخام) وتفاعلاتها، ممّا تمخض عنه غياب الحوادث، وذوبان الشخوص، وشبحيّة الزمن، والمكان، فكان حالهُ كمن يركّب جناحين للماعز زاعماً أنها قبرة، وأنها تطير. غير أنّ سعْيه للتمويه عن طريق السارد الذي يروي حكاية فيما يعرف باسم القصة عن القصة meta-fiction متهكما تارة، واعداً القراء بمتابعة (الحكي) تاراتٍ أخرى، يخفق في جعْل الكتاب رواية، لا بمفهوم الرواية التقليدية، ولا الحداثية، ولا حتى بمفهوم الرواية "الجديدة" (رواية ما بعد الحداثة). فهي رواية تقوم على تحطيم فكرة الإيهام بالواقع، وكسر احتكار الصوت الواحد (السارد الوحيد) معتمدة تعدّد الأصوات، وتفكيك الأركان التي تقوم الرواية عليها عادة، واعتماد التشكيلات المتشابكة المبعثرة. والتوسل بالنسق الرمزي (النحل، سكان الشخير) واللغة التي تقوم على " الرموز، والتضاد، والتنافر، والكثافة الشعرية، والسخرية، والتهكـّم، والاحتجاج الصارخ، والنبرَة الحادة، والتراكيب المصقولة، المدهشة ، ونسْج المفردات القديمة، والحديثة، في تراكيب متألقة متأنقة، تولد تداخلا في الأزمنة، وامتداداً في الدلالات، وإحلال الإيقاع السريع بديلا لحركة الحوادث، والنموّ الاستعاريّ بدلا من النمو العضوي".
ولا يجدُ المؤلف حرَجًا في وصف هذه الرواية بالجديدة، بل يعدها لوناً خاصًا، ونمطا متفرّداً من أنماط تلك الرواية، مع أنّ ما تتصف به من تفكك، وتشظٍّ، وتجريب، وتهميش للحكاية، يجعل منها عملا كالأعمال المذكورة في السابق، من حيث اهتمامها المفرط في الأسلوب، والشكل ،والجماليات، على حساب الموقف السردي، وربما أيضا على حساب القارئ .
لقد تناول المؤلف بمثل هذه النظرة الداخلية العميقة رواياتٍ أخرى، منها رواية "الديناصور الأخير" لفاضل العزاوي- من العراق- وشرفة الهذيان لإبراهيم نصر الله، ورواية الولي الطاهر للكاتب الجزائري الطاهر وطار، و "بيضة النعامة" لرءوف مسعد. ففي حديثه عن رواية الديناصور الأخير للعزاويّ يفتح المؤلف ملف التأثر بالآداب الأخرى، مشيراً إلى التعريب، والتمصير. ثم التفاعل والاقتباس، والتضمين، وأخيراً: الاستلهام، وهو " انتقاء تقنية أو صيغة mode واستخدامها في بناء العمل الإبداعي ". وذلك واضح في الرواية المذكورة التي استعار فيها الكاتب، ووظف، تقنية العبث، واللامعقول، أو ما يعرف بالرواية الشيئية، من خلال تحطيم القيم المتوارثة حرصاً على إيجاد قيم شكلية جديدة. فبطل الرواية شخص يقال له (س) والحوادث فيها تسرد في عشرين نشيداً، لكلّ منها عنوانه الخاصّ، الذي لا يصله بالأناشيد الأخرى. ولكلّ نشيد شخوصه، وحوادثه غير المألوفة في الغالب. وهي مزيج من السرد النثري، والشعر المنظوم، وغير المنظوم. ولأن" الديناصور الأخير" تفتقر للحدث المركزي الذي ترتبط به سائر الحوادث، فقد استحال على المؤلف تقديم ملخص لها يضع القارئ في جو الحكاية، أما الراوي، فهو شخصية تجريدية، هشة، غير متمرسة بسرد وقائع الحياة اليومية، القائمة على التنوع، والاختلاف. وهو ذو أسماء متعدّدة، فاسمه مرة (س) ومرة أخرى "الديناصور"، ومرة ثالثة الشبح، وفي مرة رابعة هو المؤلف نفسه. أمّا علاقة السارد بالآخر، فعدميّة، فالآخر هو العدو، والخصم، " فكل ما بيني وبين العالم هو الرغبة في قتلي" و " إنّ خطيئتي الأصلية هي وجود الآخر". وليْت الأمر يتوقف عند هذا الحد، إذ تتسم علاقته بذاته بالطابع العدواني، وإذا كان سارتر يقول الجحيم هو الآخرون، فإن هذا الديناصور يقول: " إن الجحيم هو الأنا أيضاً. فلطالما سعى للتحرّر من نفسه أسوة بالتحرر من الآخر".
أما عن بنية هذه الرواية، فأبرز ما فيها خلوها من الإحساس بالتفاوت الزمني. فلا يلمس القارئ فيها فرقاً بين الماضي (المستعاد) والحاضر،أو المستقبل، إذ الزمن فيها كتلة واحدة عديمة الشكل، خالية من أيّ اتساق، على الرغم من كثرة ما فيها من ألفاظ توحي بالزمن. يضافُ إلى ذلك أنّ المكان – في الرواية- مكانٌ شبحيٌّ، صحيح أنه يذكر بغداد، وكركوك، وأسماء بعض الشوارع، غير أنّ ذلك كله يتم في جوّ أثيري. حيث التنقل يسود، والقفز، والتشعب، والتنافر اللا - منطقيّ. والعبثُ بطغيانه الواضح على الحوادث، والشخوص، والزمن ، والمكان، والعقدة " ممْتداً إلى اللغة التي تتصفُ: " بالتوتر ، والكثافة الشعرية، والإيقاع السريع، والصور الزاخرة بالرموز، والتوازيات، والتهويمات أيضاً ". و" الخلو من الترابط وإقصاء أدوات الربط مثل أحرف العطف " مما يشيع فيها جواً من التفكك الذي يتبدى في انعدام التلاحم النصّي. والذي أنقذ الرواية – عند المؤلف- من التهافت هو "الصياغة الشعرية، والنثر الموحي، والصور المكدَّسة بلا حساب". وقد لا تستقلّ هذه الرواية عن الأعمال الأخرى التي أدرجها المؤلف في نطاق الروايات "الجديدة" بشيء يجعلها جديرة بأن تمثل نمطاً روائيا مختلفاً عن غيرها من الروايات التي تحدث عنها في الكتاب. ودليلنا على ذلك أنَّ: " التشظّي، والشعرية، وعبثية الشخوص، والزمن، والمكان، وغياب الحبكة، وتهميش الحوادث " سماتٌ تكاد تكون مشتركة، وراسخة في روايات بركات، و تلمساني، و الرزاز، و خوري، و بوجاه، والمديني، وينسحب هذا - أيضًا - على روايتي إبراهيم نصر الله .
فالمؤلف يستقصي ما فيهما من صور تتكدّس وتتراكم بعضها فوق بعض، ورموز شعرية وسردية تتوالى، وأناشيد تتخلل النثر السردي. فما يسميه فوضى خلاقة، قاسمٌ مشترك بين أكثر تلك الروايات. فرواية "الولي الطاهر" تجمع بين " الغموض، والتجريد، والغرائبي، والسريالي، والخواء والعبث، واللا - معنى، واللامعقول، واللا- منطق". وها هو وصف المؤلف للرواية:" تكرار مفردات، جمل، عبارات، صور، حوارات، تحذيرات تتكرّر مثلما تتكرر اللازمة في الأغاني. ومضات من التاريخ تتكرر، وانتقال مفاجئ من مكان لآخر، ومن زمن لآخر، ومن حوار لسرد، ومن سرد لحوار".
والشئ نفسه يتكرر في توصيفه لرواية " بيضة النعامة "، فهي لا تعدو أن تكون: " لقطاتٌ سردية، وومضات وصفية متناثرة، ومبعثرة، ومشتتة بصورة متعمَّدة، مما يجسد رفضاً عنيفا لمواصفات الكتابة الروائية التقليدية، أو الحديثة، القائمة على مراعاة التسلسل والترابط. فثمة انتقالاتٌ وقفزاتٌ عبر المكان، والزمان. وهي تنقلاتٌ تفتقر إلى الترابط، والشيء الوحيد المشترك الذي ينتظم هذه الشذرات هو السارد، فالحوادث تتراكم دون رابط ملحوظ أو خفيّ". تبعا لذلك نجد في تصنيف المؤلف لهذه الرواية في نمطٍ معين من أنماط الرواية "الجديدة" مختلفٍ عن أنماط الروايات الأخرى، وهو ما يسميه "البنية السردية وانكسار المعنى" تصنيفاً لا يخلو من تسامُح؛ فالتنميط يحتاج إلى ضوابط أخرى تجعل من الرواية روايةً تتصف بخصائص داخلية ثابتة تميزها عن أنماط أخرى من الرواية "الجديدة". ونحن نرى، في شيء من التحفـّظ، إدراج هذه الرواية، كغيرها من روايات سبق الحديث عنها في الكتاب، في نمط واحد هو الرواية الجديدة، أو رواية ما بعد الحداثة، أو الرواية التجريبية، لأن بينها من التجانس والاتفاق أكثر مما بينها من التبايُن والافتراق، إلا أنّ روايتين منها نستطيع استثناءهما من هذا التنميط، وهما: مملكة الغرباء لإلياس خوري، والوقائع لإميل حبيبي.
فقد اتضحَ من الوصف المتكرر لمظاهر الرواية الجديدة في الفصول التي تحدث فيها المؤلف عن الروايات أنها جميعًا تنتمي لنمط واحدٍ لا إلى أنماط.
ويغلبُ على المؤلف، بصورة عامة، تناول الروايات من زاوية الشكل، والصياغة الفنية التي تعنى بالمظهر البنيوي للنص، أكثر مما ُتعنى بمحتواه. إلا أنّ الدكتور شكري ظلَّ مرنًا في تطبيقه لهذه المنهجية، مما يصعُب معه وصفُ منهجه بالمنهج الشكليّ الخالص. ويكاد ينسجم في هذا الكتاب مع نهجه الذي اتبعه في كتبه الأخرى، ومنها كتابه عن الرواية العربية وهزيمة حزيران، وكتابه عن رواية الانتفاضة.


د. إبراهيم خليل
ناقد وأكاديمي من الأردن
ibrahim_ju2004@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث