الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
السرد العصابي: ما وراء القص ونظرية العلاقات الموضوعية/جرانت ستيرلنج
ترجمة: أماني أبو رحمة
السرد العصابي: ما وراء القص ونظرية العلاقات الموضوعية/جرانت ستيرلنج
سيغموند فرويد


يعرف التحليل النفسي النرجسية narcissism* ,في حدها الأدنى , بوصفها تمحور الذات حول نفسها. هذه الخاصية المُعًرفة للنرجسية وجدت صداها في الانعكاسية الذاتية في أدب ما وراء القص ومهدت الطريق إلى توظيف مصطلح "النرجسية" لوصف هذا النوع بطريقة فضفاضة وازدرائية. ولكن هذه "السرديات النرجسية " ـ إذا وظفنا عبارة هتشيون ـ قد شُوهت سمعتها من قبل البعض لسحرها المفرط بشبكة نصية من التهريج الممل والتي تضم استيعابها الذاتي السوليبسستيكي solipsistic self-absorption (1).
يدرك جون بارث ,الروائي الأمريكي الأبرزـ ربماـ من بين كتاب ما وراء القص في الفترة المعاصرة، بوضوح أن عمله ما وراء القصي سوف يُنفر بعض القراء عندما يراوغ نصف هازئ ويقول "يا إلهي إنني أمقت الوعي الذاتي". في المقابل، إن دراسة نقدية مثل السرد النرجسي لهتشيون (1984) تثمن الآثار المعرفية والوجودية التي تنشأ من التمحيص ,الذي لا هوادة فيه، لمجموع القواعد السردية والاتفاقيات الأدبية في ما وراء القص.
وبينما تعرض دراسة هتشيون الرائدة إدراكا واضحا لكل من الدلالات الازدرائية و تضمينات التحليل النفسي لمصطلح "النرجسية" , فان كتابها" السرديات النرجسية " ينحدر بصرامة لفحص العلاقة المحتملة بين مفهوم التحليل النفسي للنرجسية والنوع الأدبي ما وراء القصي،تقول هتشيون: " في حين أن هذه التداعيات النفسية [من النرجسية] الموجودة هنا، لا مفر منها، إلا أنها غير ذات صلة لأن النص السردي، وليس المؤلف , هو الذي يُنعت بالنرجسية"(1984 :1).
تبدو هتشيون غير قادرة على تصور كيف يمكن أن تكون النرجسية أي شيء آخر, سوى وسيلة لتشخيص حالة المؤلف النفسية ؛ وبرفضها هذه المناورة السهلة، تتفادى هتشيون المزالق النظرية التي تصاحب نظريات الإمراض النفسي للمؤلف. إلا أن رفضها يكشف أيضا عن وجود قيود معينة في النطاق النظري : عدم الرغبة في مد العلاقة المحتملة بين متطلبات التحليل النفسي والأدب.
تحاول هذه المناقشة أن تتناول ما تركته هتشيون بواسطة دراسة كيف أن نماذج التحليل النفسي المتنوعة للنرجسية يمكن أن تكون مثمرة في إضاءة بعض ملامح أدب ما وراء القص.
يكمن أساس هذه المناقشة في التأكيد على أن الاقتصاديات الشهوانية libidinal economies(2) للشخصيات النرجسية, يمكن أن تقدم نماذج لتناول النصوص ما وراء القصية. و من خلال تطوير هذه النماذج بالاشتراك مع بعض أدوات علم السرد , وعن طريق كشف التضمينات التي تنشأ عند وضع هذه النماذج جنبا إلى جنب مع حفنة من الأعمال الأمريكية ما وراء القصية المعاصرة، فإن هذه الدراسة لن تفحص الاقتصاديات النصية في نصوص ما وراء القص على ضوء نظريات التحليل النفسي فحسب، ولكنها أيضا ستتناول بعض الاشتغالات المواضيعية لما وراء القص من خلال عدسات التحليل النفسي والسرد في آن واحد. بفعل ذلك، تكون "النرجسية" قد طُورت من مجرد نعت تحقيري , إلى أداة جديدة لدراسة وفهم النصوص ما وراء القصية.
إن الآثار المترتبة على هذه المقاربة لها تأثير مباشر على الطريقة التي تمكننا من قراءة وفهم تضمينات ما وراء القص.
تميل المقاربة الشكلانية السائدة لما وراء القص إلى تهميش ما أطلق عليه فريدريك جيمسون البعد "السياسي" في روايات ما وراء القص.
وعندما تقارب التحليلات الشكلانية البعد السياسي في ما وراء القص، فإنها تفعل ذلك على وجه الحصر, تقريبا, من خلال عدسة االشكلانية الروسية، وبوجه خاص، من خلال مفهوم نزع الألفة أو التغريب defamiliarization (3). على سبيل المثال تلاحظ واو كيف أن التعرض لمجموع الاتفاقيات الأدبية في ما وراء القص يؤدي إلى نزع الأسرار والأسطورة عن الإنسان demystification بطريقة شبه ماركسية. تؤكد واو أن إبداعات ما وراء القص تفحص عن وعي ذاتي بناءها وتراكيبها، وبذلك، "تكشف الخيالية الممكنة للعالم خارج النص الأدبي " (1984 : 2).
ولأن ما وراء القص يعرض " نماذج دقيقة للغاية لفهم التجربة المعاصرة للعالم باعتباره بناء و زيف وشبكة لنظم سيميائية مترابطة ـ النقطة التي رددها آخرون (انظر هتشيون، ايمهوف، بويد) ـ فان قراء ما وراء القص مدعوين طواعية ، إلى التساؤل عن مدى تشابه عوالمهم الخاصة نصياً. ذلك أن النصية موجودة في كل مكان لأن "القراءة والكتابة تنتمي إلى عمليات' الحياة 'بقدر انتمائها إلى عمليات 'الفن' (هتشيون 1948).
و في حين أن العلاقة بين ما وراء القص،و نزع الألفة، ونزع الأسرار والأساطير عن الإنسان والواقع الاجتماعي كثيرا ما لوحظ، إلا أن القدرة على نظرة أوسع أفقا وأبعد من حدود نزع المؤالفة فُتحت عندما وضع ما وراء القص جنبا إلى جنب مع نماذج من النرجسية.
و من خلال دراسة مفصلة للصلات بين النرجسية وما وراء القص، فان هذه المناقشة تحاول أن تحدد الدلالة البالغة لما وراء القص أبعد من حدود نزع الألفة. و يمكن تحقيق ذلك بواسطة توضيح كيف يمكن لما وراء القص أن يظهر وكأنه وسيلة ناجعة للنضال الثقافي بحيث تعمل الاستراتيجيات السردية في النصوص ما وراء القصية على تأكيد القيم الثقافية المنشقة. و على وجه الخصوص، فان العناصر العدوانية و المثالية التي تُعرف النرجسية في نظرية العلاقات الموضوعية يمكن نقلها إلى تصنيف يعبر بإيجاز عن الدوافع السردية الأساسية التي تميل نصوص ما وراء القص إلى نصبها داخل مصفوفاتها السردية ,والتي عندما تترابط بوضوح ممثلة بالعدوان والمثالية، فان استراتيجيات السرد الما وراء قصي تصبح وسائط نقل قوية لتأكيد القيم الثقافية المنشقة التي تجسد أيضا رؤى معرفية عميقة عن مدى كفاية السرد بوصفه وسيلة تمثيلية.
هذه الأفكار يمكن أن تقرأ بوساطة نظرية العلاقات الموضوعية للنرجسية لان النصوص ما وراء القصية تميل في المقام الأول إلى إقامة هياكل السرد التي تتوافق مع النموذج النرجسي للتفسخ والانشقاق.
لا تقتصر نماذج النرجسية التي تم التطرق إليها في هذه المناقشة على فرويد و لاكان. بدلا من ذلك، فان نظريات العلاقات الموضوعية لميلاني كلاين، هاينز كاو، وأوتو كيرنبيرغ تحتل دورا أكثر مركزية في المخطط المقترح للعلاقة بين ما وراء القص والنرجسية. إن بروز نظريات العلاقات الموضوعية عن النرجسية في هذه المناقشة يعود لإمكاناتها الهائلة في إلقاء الضوء على عملية التفسخ والانشقاق الذي يخلق بناء حبكة غير نمطية وموضعة عملية القراءة في أعمال ما وراء قصية.
النرجسية في نظرية العلاقات الموضوعية :
تركز نظرية العلاقات الموضوعية على العلاقة الديناميكية بين الشخص وموضوعاته الهامة.و حيث أن الموضوع يمكن أن يكون أي شيء أو أي شخص، سواء كان حقيقيا أو خياليا، بحيث يستثمر فيه المرء طاقاته العاطفية بشهوانية ( لابلانش وبونتاليس). تُحدد هذه العلاقات الموضوعية بالدوافع والدفاعات ويتم التعبير عنها من خلال الشحن النفسي الشهواني.
و على الرغم من أن النظريات المعاصرة في النرجسية مدينة وان بدرجات متفاوتة، لبحث فرويد المنشور عام (1914 ) " مقدمة في النرجسية"، إلا أن منظري العلاقات الموضوعية مثل ميلاني كلاين قد كيفوا , وعدلوا أحياناً , جوانب في نظرية فرويد من أجل تطوير وتوسيع نظرياتهم الفريدة في النرجسية.
من الواضح أن عمل كلاين قد تأثر بنظرية الدافع لفرويد , لأنها طورت علاقة الغريزة /الموضوعات ضمن السياق الأوسع لما وراء علم النفس الذي وضعه فرويد في وقت متأخر. افترضت كلاين ,على وجه الخصوص، انتشار ـ إن لم يكن هيمنة ـ النزوات العدوانية والحب في الرًُضع والتي ترتبط مباشرة بقوى ثانتوس و ايروس ـ النظرية التي وضعها فرويد تحت عنوان "ما وراء مبدأ اللذة "ـ
. الأطفال الرضع، في رأي كلاين، عالقون في حقل تتجاذبه هاتان القوتان.والطبيعة المتناقضة لهذا الوضع تؤثر بشكل مباشر على علاقة الرضيع بأشيائه أو موضوعاته الأساسية : الثدي.
تخمن كلاين بأن الإحباط واللذة اللذين يثيرهما الثدي تعززان توتر الحب والكره الذي يميز ثانتوس و ايروس، يكره الطفل الثدي الذي يسحب منه ويحب الثدي الذي يطعمه. التعارض بين هذين الموقفين في نفس الكائن يقود الرضيع إلى تنفيذ إستراتيجية دفاعية مميزة عرفتها كلاين بأنها : التفسخ أو الانقسام splitting..
يقسم الطفل موضوع الثدي إلى مواضيع جزئية إما أن تكون جيدة بالكامل ـ الثدي المحبوب الذي يطعمه ـ، أو سيئة بالكامل ـ الثدي البغيض الذي يسحب منه.
هذه المناورة الدفاعية تحمي الرضيع من القلق الذي ينجم عن اضطراره إلى توجيه نزواته العدوانية والتدميرية تجاه هذا الموضوع الذي هو موضع حبه واعتزازه في الوقت ذاته. يلتقط التناقض الأساسي في نظرية العلاقات الموضوعية الكلاينية قطبي العدوانية والمثالية التي تشكل النظريات اللاحقة عن النرجسية.
لا تلقي هذه المخططة الأولية عن دور الانقسام ضمن المبادئ الأساسية لنظرية كلاين عن العلاقات الموضوعية الكثير من الضوء على قضية النرجسية , ومع ذلك فعندما تقارب كلاين موضوع النرجسية , فان الانقسام سيكون جزءا من نظريتها عن النرجسية.
تتحدى صياغة كلاين للنرجسية النموذج الفرويدي بتقويضها للتمايز بين النرجسية الأولية والنرجسية الثانوية. بالنسبة لكلاين فان كل النرجسية هي ما أطلق عليها فرويد النرجسية الثانوية : "طاقة نفسية شهوانية للانا نابعة من تماهي المرء مع موضوعات شهوانية سابقة "(سميث عام 1988 : 306).
تعترف كلاين بان هذه الفرضية تناقض مفهوم فرويد عن الشهوانية الذاتية auto-erotic ومراحل النرجسية التي تحول دون العلاقات الموضوعية (1952 : 51) , ذلك انه وتبعا لكلاين " لا توجد عملية عقلية لا تنطوي على موضوعات داخلية كانت أو خارجية , وبالتالي فان العلاقات الموضوعية هي من صميم الحياة العاطفية".
حالة اللا -موضوع أو اللا- هدف من النرجسية الأولية التي وصفها فرويد لا مكان لها في نظرية كلاين.ذلك ان كلاين تستبدل مراحل النرجسية الفرويدية بمراحل نرجسية معرًفة بوساطة الأنماط المرضية من العلاقات الموضوعية التي يسود فيها الانقسام.
فكرة أن الأشكال الأولية من العلاقات الموضوعية , التي تميز الحالات النرجسية , تسود في حالات المرض النفسي ,هي واحدة من الموروثات التي تفضلت بها كلاين على أتباعها. لقد دعا هذا التركيز شخصيات مثل هاينز كاوت و اوتو كيرنبيرغ ـ وهما المنظران الأكثر شهرة في مجال العلاقات الموضوعية أواخر القرن الماضي ـ إلى التركيز على الأشكال المرضية من العلاقات الموضوعية في كتابتهم عن النرجسية.
من الواضح أن كاوت مدين لكلاين بعلم النفس الذاتي. لقد تكشفت هذه العلاقة عندما قال كاوت بأن "بعضا من أكثر التجارب النرجسية حدة يتصل بالموضوعات "، ويتجلى في عملية الانقسام.
و لكن واحدة من ابتكارات كاوت الأكثر خصوبة في التنظير للنرجسية هي : ملاحظة كيف إن الأشكال المرضية من العلاقات الموضوعية النرجسية تنشط في عملية التحويل التحليلي. يقول، في الواقع، إن ظهور هذه التحويلات المميزة هو "واحد من أهم علامات تشخيص النرجسية وأكثرها موثوقية ".
يعزل كاوت فئتين من عصاب التحويل ـ التحويل العاكس والتحويل الاستمثالي ـ والتي تتوافق على التوالي مع حشد ما يسميه الصورة المهجورة للأم المثالية والذات المعظمة البالية. و في حين أن إدخال كاوت لهذا الوصف الغريب لم يكن مقبولا على الفور، إلا أن طبيعة هذه التحويلات كانت واضحة نسبيا،في الواقع , وكلاهما يعتمد على أنماط الاستمثال " المبالغة في المثالية": patterns of idealization.
يتمتع المحلل في التحويل الاستمثالي، بكل كمال صورة الأم المثالية في حين، بالمقابل, يكون المتحلل فارغا وبدون قيمة ما لم يكن مرتبطا بالمحلل الاستمثالي. يمكن أن نفكر في هذا التحويل على نحو "أنت عظيم، وأنا لا شيء".
يخدم التحويل الاستمثالي الاحتياجات النرجسية للمتحلل عن طريق "حفظ "جزء من خبرته المفقودة من النرجسية الأولية [أي صورة الأم المثالية] التي تنسبه (انتقاليا) إلى ذاته الموضوعية البدائية القديمة[المحلل]" (كاوت 1971 : 37).
أما في التحويل العاكس، الذي ينقسم بدوره إلى ثلاثة تشكيلات متمايزة : الاندماج , و التوأمة , والانعكاس " المرآة" ـ يكون المحلل امتدادا للذات المتحللة المفخمة القديمة. يمكن أن نفكر بالأمر على نحو " أنت عظيم , وأنا عظيم ". يتماهي المتحلل مع الكمال الذي يسقطه على المحلل , لكنه لا يعتبره شخصا منفصلا. يصبح المحلل كما سماه كاوت se(الكائن الذي لا يوجد لديه استقلالية ؛ موجود بوصفه امتداد لذات المتحلل).
ظهر اوتو كيرنبيرغ بعد كاوت بوصفه المعلق الأكثر شهرة فيما يتعلق بمسألة النرجسية في نظرية العلاقات الموضوعية المعاصرة. شارك كيرنبيرغ كاوت في الانتباه الى العلاقات الموضوعية، لكنه اختلف عنه بالاحتفاظ بدرجة اكبر من الولاء لنظرية الدافع الفرويدية الكلاينية.
يتضح هذا الولاء المزدوج في انتباه كيرنبيرغ للنزوات العدوانية التي تظهر ضمن سياق التحويل التحليلي. يعزل كيرنبيرغ النمط العدواني للتحويل والذي يمكن وصفه بمصطلحات العلاقة بـ " المحلل المرحاض". يمكن أن نفكر بهذا النوع من التحويل على نحو " أنت لاشيء, أنا عظيم ".
لن تسمح الصورة الذاتية الاستمثالية بالاعتراف بأي قيمة لمساهمات المحلل. ولأن مثل هذا الاعتراف من شأنه أن يفرض الاعتراف بالعظمة الوهمية والإشباع الذاتي لنرجسية للمتحلل. هذا بدوره سيثير حسد المحلل. ومن اجل أن يحمي المتحلل نفسه من هذا الحسد ,فانه يقوم بتثبيط تقدم التحليل من خلال بخس أهمية مساهمات المحلل وتوظيف المحلل بوصفه مرحاضا يلقي فيه كل نزواته العدوانية والحاقدة : " العلاقة بالمحلل المرحاض مُرّضية للغاية بالنسبة للنرجسي لان يلقي عليه كل الصفات السيئة ويحتفظ لنفسه بكل الصفات الحميدة التي تتمخض عن العلاقة".
تكمل صياغة كيرنبيرغ للتحويل المرحاضي العنيف صياغة كاوت لتحويل الاستمثال والانعكاس وكل هذه العلاقات التحويلية تتميز بالظاهرة الكلاينية للانقسام. لقد عزلت هذه النظرة السريعة على جانب العلاقات الموضوعية من النرجسية عوامل هامة : (1) الدفاع المميز في تجزئة الموضوع الكامل إلى مواضيع جزئية ,(2) والأشكال المتنوعة من التحويل التي تتضمن أيا من أنماط الاستمثال أو العدوان. وعندما تنقل هذه الجوانب القليلة من النرجسية المرضية وتحول إلى أدوات لتحليل نصية ما وراء القص , فان ما ينتج عن ذلك هو تصنيف حاد تلقي فيه الصيغ التحويلية الضوء على كيف أن نصوص ما وراء القص تجعل من مشاركة القارئ ثيمة، بينما تخاطب عملية الانقسام تشظي الحبكة و الذي غالبا ما يميز نصوص ما وراء القص.
يشير هذا التصنيف الحاد , والنماذج من التحول النرجسي، والانقسام النرجسي إلى كيفيه قراءة الاستراتيجيات السردية بوصفها تجسيدا للقيم الثقافية المنشقة، في حين تعرض أيضا رؤى معرفية عميقة عن مدى كفاية التمثيلات السردية.
الانقسام والحبكة:
يركز التقييم النقدي للتلاعب التميزي في حبكة نصوص ما وراء القص ,على فكرة الشكلانيين الروس عن نزع المُآلفة, والتلاعبات الحبكية : التكرار, والانعكاس , والتشظي , وانتهاك الترتيب الزمني , و توسيع أو تقليص مدة الأحداث, وانتهاك الترتيب المنطقي للعلاقات السببية بين عناصر الحبكة والتي غالبا ما تفسر على أنها إبراز للطبيعة المصطنعة والتركيبية للسرد.
وعلى الرغم من أن السرد الأولي أو الأساسي هو الذي يتبع في تركيبه التدرج الزمني بشدة و يحتفظ , تبعا لذلك , بترتيب مستوى المتن الحكائي (الفابيولا) fabula، وهو مستوي التسلسل الطبيعي للأحداث، ومستوي المتن الحكائي sjuzet، وهو المستوي الذي يجري فيه تنظيم هذه الأحداث وخلخلة نظام تسلسلها الطبيعي في عمل فني, فان التلاعبات الحبكية في الفصل الثالث من رواية وليام غاس ما وراء القصية في جوهرها "زوجة ولي ماستر الوحيدة" على سبيل المثال , قد دُفعت الى حدود بالغة الوضوح.
في هذا الجزء من حكاية غاس، تعرض كل صفحة ,وفي وقت واحد, أربعة سرديات من أنواع مختلفة لا علاقة بينها، وهي : الحكاية، والدراما، و انطباع تيار الوعي، والشعر. وبالتالي فان الفصل يتحدى بعمق ميل القراء المعتاد لبناء سردي خطي ومتماسك.
لاحظ منهيل كوفينان ولاري ماك كافري الانتهاك الواضح للتسلسل الزمني الخطي في عمل غاس. كل انتهاك كان ذكيا ورشيقا لتوريط إستراتيجية التشظي. و جنبا إلى جنب مع غيرها من الانتهاكات السردية في الرواية، مثل، توليد دراما منفصلة، والعمل النثري، ونسخة الإعلان ضمن الرواية بوصفها الوسائل التي يمكن بواسطتها لـ " زوجة ولي ماستر الوحيدة "أن تعري أداة السرد نفسها (كوفمان 1993 : 27 ؛ ماك كافري 1976 : 22). تنتهك الحبكة المتشظية الأعراف السائدة عن بنية السرد، وتصبح، في رأيهم، إستراتيجية شكلية تعري زيف السرد.
لقد طغى موقفهم التفسيري ـ للنص بوصفه فاضحا لمجوعة اتفاقياته السردية الخاصة ـ بشكل كبير على المعادل الإيديولوجي الذي يمكن موضعته ضمن محيط هذه التلاعبات. ومع ذلك، فانه عندما توضع هذه الأنواع من التلاعب في هياكل الحبكة السردية في سياق نظريات التحليل النفسي للنرجسية، تتفتح القدرة على التقاط نظرة ذات أهمية ايديولوجية وثقافية أعمق. تقول كلاين، ويعيد كاوت وكيرنبيرغ , إن الدفاع المميز لاضطراب الشخصية النرجسية هو الانقسام أو التجزئة : تجزئة الموضوعات إلى موضوعات جزئية , هي إما جيدة بالكلية أو سيئة بالكلية.
يحدث ذلك التقسيم الذي يكشف عجز النفس عن تجميع الموضوعات، على محورين:أفقي ورأسي. ويكون أقسى شكل من أشكال الانقسام على المحور الأفقي الذي يجعل النفس قادرة على أن تحتفظ ـ في الوقت ذاته وبوعي كامل ـ بعلاقتين متعارضتين عن موضوع واحد: على سبيل المثال، الثدي المحبوب الذي يطعم والثدي المكروه الذي ينسحب. صيانة هذه العلاقات المتعارضة يعرف جزئيا الطبيعة الما قبل نفسية للحالات الحدودية مثل النرجسية، إذ تُعزل النفس تقريبا عن الواقع بسبب رفضها تسوية النزاع بين علاقاتها مع هاتين النظرتين المتعارضتين للموضوع نفسه. هذا النوع من التشظي السردي الذي يميز الفصل الثالث من رواية غاس يناظر الانقسام الأفقي لأن النص يحتفظ بخيوط سردية متباينة في الوقت والوعي ذاته.
يحدث الشكل العصابي الأقل حدة من الانقسام والتفسخ على طول المحور العمودي حيث تقمع فيه علاقة واحدة مع الموضوع الجزئي ,بينما تبقى العلاقة الأخرى في مجال الإدراك الواعي.
في هذه الحالة، يهيمن القمع على تكوين العلاقات الموضوعية ويسمح للنفس بالحفاظ على درجة وظيفية من التماسك والاستمرارية. التشظي السردي من هذا النوع نجده في أعمال الروائيتين ماكسين هونغ كينغستون : "المرأة المحاربة" و آمي تان : "نادي البهجة والحظ" , التي تتطابق مع الانقسام العمودي، لأن هذه النصوص تبادل بين خيوط السرد المختلفة في فصول منفصلة, و لكن هذه الخيوط لا يتم الاحتفاظ بها داخل الوعي الفوري في حكاية غاس.
ترتب كل من كينغستون وتان خيوط روايتيهما تداوليا على طول محور الإحلال المجازي الذي ينقسم إلى مجالات الوعي واللاوعي، و لا يرتب أي من هذين العملين هذه الخيوط على طول المحور الكنائي في الوقت ذاته، كما يفعل غاس في روايته القصيرة على الإطلاق.و لكن هذا النوع من تشظية الحبكة في رواية كينغستون و تان يمكن قراءتها باعتبارها لحظة من المقاومة الثقافية لنموذج التقدم الخطي للحبكة الذي يشكل لعنة في السياق الثقافي لأعمالهما ؛ كما يمكن قراءة هذه التلاعبات باعتبارها الوسيلة التي بواسطتها وظفت كينغستون وتان الرموز الثقافية السردية في أعمالهما.
يمثل رفض بعض الأعمال دمج الحبكة السردية في موضوع كلي متماسك ومترابط, لحظة محتملة للمقاومة الثقافية. هذه المقاومة التي فرضت نفسها بسبب عجز الرموز الثقافية للسرد عن العثور على انعكاساتها في النماذج السردية السائدة التي تحدد ترتيب الحبكة بطريقة اعتيادية.
و من أجل تأكيد نموذج سردي مختلف، وبالتالي، متمايز ثقافيا يتم من خلاله تصفية أو تجسيد القيم الثقافية للنص الأدبي، فصمت أعمال مثل عملي تان و كينغستون بروتوكولات السرد نفسه، فيما تم الاحتفاظ بجوانب معينة من ترتيبات الحبكة , بوصفها جزءا جيد بالكلية من موضوع، في حين أن أجزاء أخرى تم تخريجها بوصفها جزءا سيئا بالكلية من موضوع. وبالتالي فان دلالة انقسام الحبكة ليس بالضرورة لفتة ما وراء قصية مميزة للانعكاس الذاتي الذي يُشًرع عملية نزع المؤالفة، بل يمكن أن يصبح، في هذه الأعمال، لفتة ذات مغزى ودلالة إيديولوجية.
يمكن قراءة هذا الانقسام, في سياق كتاب الأقليات، بوصفه وضع علامة على الوعي بالآثار الثقافية المتضمنة في الاتفاقية الأدبية لهياكل الحبكة الموحدة والسببية.
إن تشظية وتقسيم الحبكة في "المرأة المحاربة"، يرتبط ارتباطا مباشرا بقضايا ذات بعد ثقافي تتعلق بحكي القصة ,التي تشي باعترافات الرواية.
تقع القدرة على الكلام والعملية المؤلمة غالبا لبلورة موقف ما في مركز رواية كينغستون، التي تتتبع الصراعات والتوترات بين أجيال من عائلة من المهاجرين الصينيين إلى أميركا. تتبع كينغستون على مستوى واحد، و على امتداد واحد من خمسة خيوط سردية في هذا العمل، نضال الابنة البطلة ، التي هي الساردة أيضا، من اجل امتلاك صوتها تحت ظل هيمنة والدتها السردية. في ختام الرواية نجد أن البطلة الساردة ومن خلال صوتها, أصبحت مبادرة في فن حكي قصتها الخاصة, لتخلف أمها في هذا الدور.
في خطوة ما وراء قصية بتميز، يقترح الجزء الختامي من اعترافات الرواية بأن قدرة الابنة على حكي القصة المطروقة مؤخرا أنتج المرأة المحاربة نفسها. وبهذه الطريقة، فان القدرة على الكلام وسرد القصص يشي بوضوح بالمستوى الثيمي لعمل كينغستون.
ولكن هذه القراءة والثيمية لا تشير إلى كيفية أن مجموع الاتفاقيات السردية للمرأة المحاربة يستلزم انتهاك التقدم الخطي التقليدي. والسبب في ذلك هو أن الانتهاك يقع في الطبيعة الدقيقة لحكي القصة المتضمن في عمل كينغستون: قصة القيل والقال أو قصة الحديث (4).
يعد وسط قصة القيل والقال هي الوسيلة التي يحاول بها، المهاجرون الصينيون الأكبر سنا , في عمل كينغستون، غرس القيم الثقافية في الأجيال المتأمركة الأصغر سنا.
حكت لنا أمي قصة, تشبه هذه القصة, قصة تنشئة, أرادت أن تختبر قدرتنا على تأسيس الحقائق, تلك الأجيال من المهاجرين التي لم تتمكن من تأكيد بقائها الغاشم وماتت شابة و بعيدا عن الوطن. نحن الأجيال الأولى من المهاجرين يجب أن نعرف العالم الخفي الذي بناه المهاجرون الأوائل حول طفولتنا ليتوافق مع أمريكا الصلبة (كينغستون 1976 :5).
ولأنها من الجيل الأول من الصينيين المهاجرين إلى أمريكا , توضح الابنة الفائض والتضخم الذي يحدد قصص القيل والقال ـ الأشخاص المتعقلون لديهم قصص متنوعة من هذا النوع ولكن للمجانيين قصة واحدة يحكونها مرارا وتكرارا ـ فقط لتفنيد سعيها لاستخلاص ما هو صيني مثالي في المصفوفة السردية التي تساهم في إحساسها بنفسها :
الصينيون الأمريكيون, عندما تحاول أن تعرف ما هو الصيني فيك, كيف تفصل ما هو خاص بالطفولة, بالفقر, بالخبل, بالعائلة الواحدة, أمك التي علمت نضوجك بالقصص, ما هو الصيني ؟ ما هو التقليد الصيني وما هي الأفلام ؟.
لقد طغت الطبيعة المفرطة والتضخم السردي لقصة القيل والقال بشكل فاعل على الابنة. قصة القيل والقال , كانت في الواقع "قصة كثيرة جدا" بالنسبة للابنة وهذا الفائض السردي يمكن اكتشافه جزيئا في رواية "المرأة المحاربة" سواء عن طريق نضال الابنة لامتلاك صوتها الخاص أو نتيجة لتشظية الحبكة وتفتيتها.
قُسمت "المرأة المحاربة " إلى خمسه فصول سردية متفردة و غير مترابطة , يمكن اعتبارها أمثلة مستقلة ذاتيا لقصة القيل والقال, على الرغم من ترابطها من خلال التداعي المشترك لشخصيات العائلة نفسها.
تساهم كل واحدة من هذه التشظيات السردية في المصفوفة السردية التي تساهم في إحساس الابنة بنفسها. لكن السرديات لا تؤخذ مجتمعة , بوصفها قصة خطية متكاملة : إنها غير متسلسلة زمانيا أو سببيا , كما أنها لا تسمح للابنة بترسيخ ما هي ومن هي بسهولة. من الواضح أن "أغنية لمزمار القصب البربري" تقف عند نقطة تقترب من نهاية مذكرات واعترافات الرواية , لأنها توضح ترويض الابنة لصوتها في مواجهة التضخم المستبد لقصة القيل والقال.
بهذه الطريقة فان التضخم والفيض السردي لقصص القيل والقيل التي تحكيها الأم, والذي عمل على تثبيط وتشويش الابنة في البداية, قد حُول بواسطة تأكيد الابنة على امتلاك صوتها الخاص إلى أداة لإحياء التعبير الذاتي عن الهوية الثقافية الجديدة. الثقافة المتجسدة في الابنة , التي تعتبر رمزا للتوازن الدقيق الذي يحدد إحساسها بالذات المنقسمة للهوية الثقافية , التي يتنازعها احترامها للتراث الصيني ووعيها بالقوى المادية للثقافة الأمريكية التي وقعت في حبائلها.
هذا الإدراك المنقسم أو المشتت للنفس متضمن أيضا في الجسم النصي لرواية "المرأة المحاربة ". يثبط التضخم السردي لقصة القيل والقال بوضوح رغبة الابنة وقدرتها على إيجاد صوتها الخاص. لكن قصة القيل والقال في النهاية تزود الابنة بالأداة التي مفصلت بواسطتها معلومات هويتها الجديدة بنجاح ضمن التشظي السردي لاعترافات ومذكرات الرواية.
بأسلوب مماثل , فان تشظية الحبكة الذي لاقى نجاحا هائلا في رواية ايمي تان " نادي البهجة والحظ" يمكن عزوه أيضا إلى الطبيعة الديناميكية والمتحولة لسرديات الأمهات التي تنحرف بثبات وتمتلك نهايات متعددة ومتباينة :
على مر السنين، حكت لي القصة نفسها، ما عدا النهاية، التي تنمو قاتمة، ملقية ظلالا طويلة على حياتها، وفي نهاية المطاف على حياتي ؛ حياتي "(1989 : 7)
" لم أفكر أبدا أن قصة أمي ,كوايلين, كانت أكثر من مجرد خرافة صينية. تتغير نهايتها دائما... والقصة دائما تنمو وتنمو"(12).
على الرغم من أن تفتيت الحبكة في عمل تان على وجه الخصوص، و لاسيما في تلك اللحظات التي تكشف عن أن قصص الأمهات في الصين هي بمثابة ما أطلق عليه جينيت " لواحق الحكي غير المتجانس الخارجية " ـ وبالتالي فإنها توظف لإلقاء الضوء على طبيعة العلاقات بين الأمهات و البنات ـ إلا أن التشرذم السردي يتضمن أيضا اتفاقيات الحبكة التي تحكم سرديات الأمهات المتحولة وغير المستقرة: غير مستقرة لأنه لا نهاية لحكيها كما أن نهاياتها اللا- متناهية لا تزال تلعب في الواقع التأثير نفسه الذي مارسته على حياة البنات.
تتضمن عملية الانقسام السردي التي تميز أعمال كارول ماسو, وارت سبيجلمان, وريموند فيدرمان تضمينات ثقافية محتملة , ولكنها تخاطب اهتمامات معرفية معينة تتصل بموضوعات , الفقد , والغياب والموت في أعمال هؤلاء الكتاب. الموضوع الذي يتكرر في أعمالهم يهتم بكيفية تصوير , وتوظيف, وجعل هذه الغيابات والافتقادات قابلة للعرض والتمثيل. ولمزيد من التعقيد , فان بعض أعمال هؤلاء الكتاب الثلاثة تتناول ما وصفه هايدن وايت ب" الحدث الحقيقي" : المحرقة.
غالبا ما تعالج روايات فيدرمان، ولو بطريقة غير مباشرة، عواقب تجاربه عندما كان صغيرا في باريس المحتلة من النازية. يعالج سبيجلمان تاريخ والده، الذي دفن في أوشفيتز. والدا بطل رواية كارول ماسو كانا من الناجين من تريبلينكا. تلقي المحرقة بظلالها على كل هذه الأعمال وتتحدى قدرة السرد على أن يلتقط بكفاية ما وصفه فيدرمان "ضخامة لا تغتفر"(1993 : 86-87). وبالنسبة لسبيجلمان وفيدرمان على وجه الخصوص، فان حدث المحرقة ـ بمثل هذه الضخامة والرعب ـ يقف بوصفه كتلة سردية صلبة لا يمكن تمثيلها. وأفضل طريقة لوصفها هي توظيف علامات الحذف, أو بوصفها غيابا يتجاوز, دائما, قدرة التمثيل باللغة أو بالرسم.
تمثل المحرقة لهذين الكاتبين نوعا من الحد التمثيلي أو الغياب الذي لا يكفان عن محاولة مقاربته وتوسيع دائرته وتحويله إلى ثيمة بوساطة استراتيجيات السرد المختلفة للتقسيم والتجزئة التي يمكن مناقشتها باستفاضة بوساطة الدفاعات المميزة لاضطراب الشخصية النرجسي.
لقد وجد الخيط المشترك للفقد والخسارة الذي يوحد أعمال الثلاثة جزءا من قوته التعبيرية في الاستراتيجيات المتكررة للانقسام والتشتت السردي الذي يميز أعمالهم.
تغلفت الصعوبات التي واجهتها هذه الأعمال ـ عند محاولتها تصوير الفقد ـ بالميل إلى تفعيل الصعوبات في عمليات الحكي الخاصة , بالحكي نفسه.
يتمحور فيدرمان وسبيجلمان حول نفسيهما ويحولان بوضوح جزءا من السرد إلى الوراء، وبذلك فإنهما يقسمان سردهما على امتداد ما لا يقل عن محورين : القصة نفسها، وكيفية حكي القصة.
تميل كارول ماسو إلى تقسيم سردها بهذه الطريقة، وعلى الأخص في المقطع ما قبل الأخير من رواية "عاشق الفن ". حيث يحاكم نصها ,مرارا وتكرارا, قدرته على التقاط خيوط فقد ماسو لصديقها الحميم , غاري فولك , بسبب الايدز.
تقسم هذه الأعمال سردياتها عصابيا ونرجسيا إلى موضوعات جيدة وموضوعات سيئة : الموضوع هنا :هو سرد الرواية نفسه. و الموضوع الجيد يمكن تصنيفه بوصفه "سرد اليقين", في حين أن الموضوع السيئ هو "سرد الشك".
وجهة النظر المتناقضة من السرد المعبر عنها في هذه الروايات مغلفة بميل هذه الروايات, لتثبيت
( في سرد اليقين)، ولتخريب ( في سرد الشك) تقدم السرد بصفة عامة. فمن ناحية، يسرد سبيجلمان حياة والده بطريقة غير إشكالية نسبيا (الموضوع الجيد )، إلا أن ذلك السرد مخرب ومدمر (الموضوع السيئ) من داخل نص سبيجلمان.
يصدق الشيء نفسه على ماسو :أنا أعرف، غاري، كتابة أمر ما يعني عرضه بطريقة خاطئة، ولكن هنا، انتظار عودتك، هو أقرب شيء يوصلني إلى السماء، حيث أحب أن أصورك".
و بينما تواصل ماسو سعيها المحموم لتثبيت غاري فالك في جنة صغيرة ومحدودة من النثر (موضوع جيد )، فان نص ماسو يظل دائما على وعي شديد بالفشل المتأصل ضمن عملية الكتابة (موضوع سيئ).
تتجلى الازدواجية الداخلية لهذه السرديات في ميلها لتقسم جوانبها بنفسها تبعا للتقسيم النرجسي للعدوانية والاستمثال. وعادة ما يمثل المهيمن أو السرد الأول الموضوع الجيد من السرد نفسه. ولكن هذا الموضوع الأول هو موضوع جزئي يعادله الجزء السيئ المناقض له الذي يهاجمه بعدوانية. طبيعة هذا الهجوم العدواني يعبر عنه, في هذه المجالات الحرفية, بوساطة التخريب أو تدهور كفاية السرد الأول. هذه التخريبات في السرد الأول تتصل، في جزء كبير منها، بالصعوبات المعرفية التي تنشأ عند محاولة عرض الفقد والغياب بصورة رمزية. قد تمثل هذه المسائل صعوبات خاصة للتمثيل الروائي، إن لم يكن للتمثيل عموما. وتبعا لذلك، فإن روايات سبيجلمان وماسو تورط إشكاليات الفقد والغياب على مستويين : الأمر لا يقتصر على تناول هذه الإشكاليات في سياق الحكي، ولكنه يُضمن في شكل السرد نفسه. يكشف هذا الجانب الأخير في معظم أعمالهم بوضوح التناظر مع الدفاع المميز للانقسام الذي يعرف النرجسية جزئياً.
على الرغم من أن ماسو في "عاشق الفن " تؤسس لموضوع من جزأين ,وفقا للتقسيم النرجسي النمطي : الاستمثالي والعدواني الذي يهاجم فيه الأخير الأول، إلا أن عملها يتركب على أساس أن الميل الانقسامي يتجاوز ما يميز النرجسية. و على وجه الخصوص، فان "عاشق الفن " تعتمد ما يمكن أن يسمى موقف سوداوي فيما يتعلق بموضوعاتها عن الفقد والغياب.
يحاول سرد ماسو التعويض عن قضايا الفقد والغياب التي تتخلل نسيجها النصي عن طريق تثبيت والحفاظ على الأشياء المفقودة، أو نظائرها، في خيوط سردية منفصلة. وبذلك، فإن هذه الروايات تعتمد موقفا سوداوياً يتوافق مباشرة مع نماذج من السوداوية التي حددها فرويد.
في كتابه "الحداد والكآبة"، يعرف فرويد السوداوية بوصفها صراعا بين اختبار الواقع والطاقة النفسية الشبقية. ينتج عن هذا الصراع استدامة الطاقة النفسية تجاه الكائن المفقود والتي يمكن أن تنشأ من خلال الهلوسة شبه النفسية التي ترفض الاعتراف بالفقد :
يظهر اختبار الواقع أن الكائن الذي نحب لم يعد موجودا، ويتقدم الأمر باتجاه الطلب من الشهوة الجنسية أن تسحب التصاقها بهذا الكائن. يثير هذا المطلب معارضة مفهومة.إنها مسألة ملحوظة بصفة عامة, أن الناس لن يبدؤوا بالتخلي عن الموقف الشهواني طواعية، حتى عندما يتوفر البديل فعلياً. هذه المعارضة يمكن أن تكون قوية لدرجة الابتعاد عن الواقع والتشبث بالكائن المفقود بواسطة "ذهان التمني الهذياني". (فرويد عام 1984 : 253).
هذا النموذج من السوداوية هو الأول من بين اثنين وضع فرويد الخطوط العريضة لهما في هذه الورقة. ولكن النموذج الأول له دلالته في سياق فنان ماسو العاشق بسبب أن الفصل الأول "ربيع عام 1985،" في عمل ماسو، يحدد بدقة ملحوظة اقتصاد نصي يشرع الهيكل السردي فيه هذا الشكل من السوداوية.
ينقسم السرد على محورين، ما يمكن أن يطلق عليه "سرد الوفرة" و"سرد الفقد "، وترتبط الخيوط بعضها ببعض بطريقة تشي بالموقف السوداوي. إن "ربيع 1985" هو سرد الوفرة الذي يفتتح بمشهد عن أسرة مثالية تتنزه في المرج بالقرب من منزلها في الصيف في ولاية ماساشوستس".
من الواضح أن هنري و ماجي، وبناتهما المراهقات، كانديس وأليسون، يقضون وقتا ممتعا معا، على الرغم من أن ساردة الحكي الثالث غير المتجانس لم يكن بوسعها إلا أن تصدر تلميحا استباقيا عن الفقد عندما تؤبر من خلال منظورها الخاص :
"إنهم يقتربون معا من لحظة ما كما لو كانوا يمارسون التعويض عن فقدان شخص أو غيابه بعيدا، شخص مفقود. يتحركون صامتين لحماية بعضهم بعضا من أشياء لم تحدث بعد ".
ومع ذلك، فان صورة العائلة الموحدة تسيطر على الصفحات الأولى مدعومة بتأكيد الساردة على أن "أنهم مجرد صورة جميلة".
لقد عدلت هذه الصورة على الفور بعد عرضها عندما اعترفت الساردة بزيف إبداعها وصنعة ابتكارها: "صورة كلامية لعائلة حقيقية".
تترك الساردة نفسها لتكون "أنا، المشاهدة، أنا التي أحكي قصتهم ".وهذا المشهد الاستهلالي تحول ليكون حبكة ما وراء قصية مألوفة: رواية داخل رواية.
سرعان ما يوضع هذا السرد عن أسرة ماساتشوستس وصورة الأسرة الواحدة جنبا إلى جنب مع السرد الأول المهيمن عن "عاشق الفن"، سرد الفقد، والذي تعكس فيه الروائية، كارولين كرايسلر، وفاة والدها الحديثة، ماكس، أستاذ تاريخ الفن الشهير :
"لقد كنت أنيقا، أشيبا، موقرا، رشيقاً, ضامر البطن، مشهورا, دقيقا, مفعما بالحيوية وعطوفا، لم يكن عجوزا"
تشي ردة فعلها على صدمة وفاته المبكرة جزئيا بالرغبة التي تشكل تقدم روايتها: "أمنيتي لهم: أن يبقوا معا "، " يريد المرء الاحتفاظ بهم بحالة جيدة".
تؤثر أحداث حياة كارولين على كتابة روايتها، وتتقدم الرواية لتصبح، بالنسبة لها، مستودعا لرغباتها بالعائلة الموحدة والمثالية التي حرمت منها : تراجع جمالي، حيث يمكنها الحفاظ على الموضوعات التي كانت قد فقدتها في حياتها الخاصة. وبهذه الطريقة، فان علاقة السرد الأول المهيمن في "عاشق الفن"، وقصة كارولين، مع السرد الثاني، الرواية المتقدمة، هو في الأساس سوداوي.
تحافظ الرواية أثناء تقدمها على نظائر لفقد كارولين لفرد من عائلتها في خيط سردي منفصل يعمل مثل "ذهان التمني الهذياني "(فرويد 1984 : 253): الرغبة في الحفاظ على صورة لعائلة موحدة لإنكار حقيقة أن أسرتها مفككة".
و بينما تؤسس رواية "عاشق الفن" هيكلا سوداويا بين سردها، فان عمل ماسو يبعد نفسه عن الذهان السلس الذي يحدد فانتازيا الوضع الأول من سوداوية فرويد , من خلال الاعتراف بصنعة الرواية أثناء تقدم السرد. ليست كارولين كرايسلر فقط هي التي تعترف بأن روايتها هي محض خيال، ولكن "عاشق الفن "غير مستعد أيضا للحفاظ على وهم وحدة الأسرة في الرواية.
ينفجر التلميح الاستباقي بالفقد ,الذي تقدمه كارولين, في نهاية فصل "ربيع 1985" عندما يتخلى الأب، هنري، عن عائلته في منتصف النزهة للهرب مع عشيقته الصغيرة. يكتب في الرسالة انه يترك زوجته، "اللهم اغفر لي، أحببت امرأة أخرى وخلقت ذريعة للحصول للوصول إليها ودعوتها... لا استطيع أن أقول أنني سوف أعود "" (ماسو 1990 : 28-29).
تحطم هذه الرسالة وحدة الأسرة، وتكشف عن عدم رغبة "عاشق الفن" في الاحتفاظ بسرد "ذهان التمني الهذياني " من أجل التخفيف من آلام الفقد في حياة كارولين. وبالتالي يتخلى "عاشق الفن" عن وضع السوداوية الأول الذي حدده فرويد, و يبدأ , تدريجيا,العمل الصعب للحداد.
يوضح جزء من عمل ماسو وسبيجلمان كيف أن تقسيم السرد لا يعني بالضرورة تمزيق وحدة الرواية. و على النقيض من ذلك , توضح هذه الأعمال كيف إن انقسام الحبكة السردية يمكن أن يوظف لتجسيد المستوى الثيماتي المشترك- قضايا الفقد والغياب الابستمولوجية التي تختال في هذه الأعمال.
وبالمثل فان عملية الانقسام في عمل كنغستون وتان لا يشظي وحدة الرواية. عوضا عن ذلك , فان انقسام السرد سمح لهذه الروايات بان تؤكد جانبا من قيمها الثقافية المميزة ضمن شكل سردي يميل إلى تأكيد الاختلاف الثقافي.
تعمل عملية الانقسام في هذه الأعمال , كما في العصاب النرجسي , على تسوية الخلاف بين العلاقة المتناقضة للسرد الأول والمشاكل التي تطرح في عملية الحكي الخاصة : المشاكل التي تنشق عادة في السرد الثاني. ولكن من خلال تقسيم سردهما إلى موضوعات جزئية، فان هذه الأعمال لا تتخلى عن الموضوعات الجزئية الناجمة عن انشقاق السرد الأول و التي تعود للهجوم بقوة على كفاية هذا السرد. و في الواقع، فان نظرية العلاقات الموضوعية توضح كيف أن النفس التي تقسم الموضوع الواحد إلى جزئيات لا تتخلى عن علاقتها بالجانب كلي السوء منه، بمعنى أنها لا تتنصل منه أو تتغاضي عنه. بدلا من ذلك، فانه يواصل العمل بوصفه جزءا من مفهوم الذات للفرد إلى حد كبير, بنفس الطريقة التي يعمل فيها سرد التشكيك المنشق بوصفه جزءا لا يتجزأ، وإن كان متميزا، عن السرد الأول في أعمال ماسو، سبيجلمان، كينغستون، وتان.
الصيغ التحويلية والقراءة:
عندما تقول هتشيون بأن ما وراء القص يُغرب القدرات الإبداعية للقراء ,و في الوقت نفسه، يصطفي تلك القدرات المبدعة والخلاقة، فإنها تعزل وبقوة ـ في دراستهاـ جوهر المفارقة. ينطوي تأكيد هتشيون على أن الاستراتيجيات الأدبية غير النمطية لما وراء القص هامة في المقام الأول بسبب الطرق التي بواسطتها تثيم فرضيات واستجابات ونشاطات القراء وتحولها إلى بؤرة الاهتمام وتمثلها بكفاءة وفاعلية.
من الواضح إذا أن قضية القراءة والاستقبال مركزية في اشتغالات ما وراء القص، وأن هذه القضايا قد لوحظت من قبل معظم الذين علقوا على هذا النوع. بيد أن هذه الأنواع من الملاحظات عن القراءة والاستقبال تميل إلى تجاهل نقطتين على الأقل : (1) إن فعل الكلام الأدبي يخاطب في الاساس المسرود لهم وليس القراء. وتبعا لذلك فان الحديث عن كيفية معالجة وتوريط وتثييم و تحقيق نشاطات القراء هو في أحسن أحواله مجرد تأمل مثير , وفي أسوأ أحواله, معيب ومنقوص من الناحية النظرية. ان غياب القراء من النصوص وحضور المسرود لهم (الوسطاء )في النصوص ذاتها, يحدد مدى نظرية عملية القراءة بالمواقف المطوقة كليا للنصوص نحو المسرود لهم المفترضين. و(2) ان قول هتشيون عن كيفية معالجة ما وراء القص لنشاطات وافتراضات القراء لا يخاطب مدى وطبيعة المواقف التي تعبر عنها نصوص ما وراء القص تجاه متلقيها بشكل كاف.
ما أريد أن أقترحه هو أن موقف النص ما وراء القصي تجاه المسرود لهم يرتبط ارتباطا مباشرا بموقفه من نفسه. وعلاوة على ذلك فان موقف هذا النص من نفسه يمكن صياغته على غرار المواقف والجلسات الدفاعية التي تفترضها الشخصيات النرجسية في سياق التحويل التحليلي.
لا يعني ذلك الادعاء بان النص ما وراء القصي يوقع متلقيه في شرك مصفوفة العلاقة التحويلية نفسها , بدلا من ذلك, فان التناظر بين التحويل التحليلي وموقف النص ما وراء القصي من متلقيه قد عرضت هنا من اجل توضيح كيف أن مواقف وجلسات الشخصية النرجسية ضمن التحويل التحليلي تلقي الضوء على مواقف ما وراء القص من المسرود لهم.
أظهر ما وراء القص موقفان من المسرود لهم, تماما كما يحدث في التحويل التحليلي. وتبعا لما قد أصبح الآن ثنائية مألوفة تظهر مرارا وتكرار في النماذج النرجسية, فان هذين الموقفين يتطابقان مع قطبي العدوانية والاستمثال , فمن ناحية , فان نصا مثل "الضائع في بيت البهجة" لبارت يستمثل متلقيه بصراحة ووضوح , وذلك عندما ينسب إليه قوة الإبداع والخلق" انتم يا من تستمعون لي , أمنحوني حياة على طريقة الكلام".
في هذه اللحظة , ينحني نص بارث احتراما لسلطة المسرود له الذي ـ ومن خلال فعل الاستماع والتلقي المنسوب له ـ يخلق النص وان جزئياً. ومن المفارقة, بالطبع, أن نص بارت يفترض المسرود له في لحظة تفوهه بالنص وبالتالي يخلق المسرود له عند منحه شكله النصي.
ولكن على الرغم من أن النص يتجاهل هذه المفارقة، فان نص بارت، مع ذلك يستمثل المسرود له وبالمقابل يحط من قدره الخاص كما في التحويل الاستمثالي "أنت عظيم، وأنا لا شيء".
في تناقض مباشر مع الاستمثال في نص بارت، فان رواية "زوجة ويلي ماستر الوحيدة " تهاجم المسرود له وتسيء إليه بعنف. ففي سياق سلسلة معقدة بشكل متزايد من الهوامش التي ترد عن طريق سلسلة أطول وأطول من العلامات النجمية في متن النص، يلاحظ نص غاس بانعكاسية ذاتية تعقيد الأدوات النصية والتعليقات : "****** **************** فضلا عن ذلك، فإن النجوم تتداخل مع القراءة، تزعج العين. (لماذا لا تذهب إلى السينما؟). بل وأكثر من ذلك، يفقد القارئ القدرة على فرز وتصنيف الإشارات والعلامات والهوامش:
"هذا كله صحيح، ولكن لا توجه لي انتقادا حول هذا الموضوع... (أذهب إلى السينما) "
من الواضح، إن موقف هذا النص من المسرود لهم يتعارض مباشرة مع موقف نص بارت الاستمثالي. على النقيض من بارت، فان نص غاس يسيء إلى المسرود لهم بازدراء وعنف، محاولا بالتالي تأكيد تفوقه و استقلاليته كما في تحويل "أنت لا شيء، وأنا عظيم".
لكن مثلما تعيش المفارقة في موقف نص بارت من المسرود له , فان مفارقة مشابهة تقطن في موقف نص غاس من متلقيه. المفارقة بالتحديد تعشعش في النداء المتكرر للمسرود له بالذهاب إلى السينما وبالتالي التخلي عن النص وهجره.
ولكن مع كل نداء للمسرود له , فان النص يفترض مسرودا له جديدا , مؤكدا بثبات أن المسرود له لا يقدر على ترك النص والذهاب إلى السينما مجازا. ولان السرد يفترض المسرود له في سياق تسريده الخاص , فان الوسيلة الوحيدة التي ستمكن المسرود له من هجر النص هي أن يهجر النص نفسه.
يأتي انطفاء المسرود له مع توقف السرد. ولكن "زوجة ويلي ماستر الوحيدة" تواصل سردها في خضم هذه الشحنات. وعلى الرغم من أن السرد يتمنى التخلص من المسرود له وبالتالي , فانه يجاهد لتأكيد استقلاليته , إلا أن المسرود له قد أصبح في نسيج السرد وينتهك باستمرار وثبات الاستقلالية التي يطمح إليها السرد.
تفترض حقيقة أن المسرود له مفترض في النص ,وبالتالي فانه يقطن فعل الحديث الأدبي , أن السرد نفسه يشتبك بالمسرود له بطريقة تشبه ـ بصورة لافتة ـ تعريف كاوت لموضوع الذات : الموضوع الذي تم اختباره بوصفه جزءا منفصلا عن الذات.
توازي علاقة السرد بالمسرود له علاقة النرجسي بموضوع الذات. لان كلا من السرد والنرجسي يرتبطان بالمسرود له وموضوع الذات على التوالي بوصفهما امتدادان لذاتيهما.
تستند أهمية النظر إلى علاقة السرد بالمسرود له بتوظيف الصيغ الكاوتية للتحول النرجسي , على ملاحظة كاوت أن النرجسي يموضع المحلل بوصفه موضوع الذات , في التحليل التحويلي, في صيغتين متقاربتين ترتبطان بتحشيد الموضوعات المختلفة القديمة.
في التحويل الاستمثالي , الذي يتصل بتحشيد صورة الأم الاستمثالية القديمة , فان المحلل يمنح كل الكمال لصورة الأم الاستمثالية بينما على النقيض , يكون المتحلل فارغا وبدون قيمة ما لم يكن مرتبطا بالمحلل الاستمثالي. يحاول المتحلل الإبقاء على علاقة مستمرة مع المحلل الاستمثالي من اجل أن يديم صورته الاستمثالية الذاتية بواسطة التنعم بالجلال والعظمة المنعكسة عن المحلل الاستمثالي.
هذا النوع من الاستمثال يتطابق بوضوح مع مثال نص بارت الذي يحط من قدر ذاته ,من اجل أن يستمثل متلقيه , ولكن عندما ننسب قوة إبداعية إلى المسرود له , فان النص في الواقع يدعم وضعيته الخاصة وسلطته لان فعل الحديث النصي هو الذي خلق هذا المسرود له الاستمثالي بالدرجة الأولى.
وعلى الرغم من أن نص بارت يعرض وعيا محدودا بحالته الإبداعية , إلا أن سرده يزيد من وضعيته الخاصة في اللحظة نفسها التي يستمثل فيها موضوع الذات عند المسرود له. ومع ذلك، فأن موقف نص بارت من المسرود له يمكن أيضا أن يوضع تحت عنوان التحول الانعكاسي لكاوت الذي يتصل بتحشيد الذات المفخمة البالية. في هذه العلاقة التحويلية، يتماهى المتحلل مع الكمال الذي قد نسبه إلى المحلل. لكن المتحلل لا يعترف بالمحلل إلا بقدر ما يستخدم هذا المحلل ليعكس صورته المثالية للسلطة والكمال. بهذه الطريقة، فان استمثال بارت للمسرود له يعكس مرة أخرى صورة القوة الخلاقة على السرد. وبنسبه سلطة الخلق للمسرود له، فان ما يحققه السرد هو تأييد لأدائيته الخاصة، ووظيفته الخلاقة كما في التحويل من نوع "أنت عظيم، وأنا عظيم".
يؤكد كيرنبيرغ على عنصر العدوانية في التحويل النرجسي، ويؤكد أن عدم قدرة النرجسي على الاعتراف بالاعتماد على الكائنات الخارجية سرعان ما يتحول إلى حسد للكائن الذي يقدم المساعدة. لا يمكن التسليم بهذا الحسد لأنه من شأنه أن ينتهك الصورة الذاتية للذات المفخمة الكلية القدرة التي يحملها النرجسي عن نفسه ؛ لذا فان الحسد يجد متنفسا للتعبير عنه في التقليل من قيمة الكائن المساعد. يوجه المتحلل كل إشاراته العدوانية إلى المحلل، وبالتالي يوظفا المحلل بمثابة مرحاض. ان الهجوم الذي يشنه نص غاس ضد المسرود لهم , يوازي بوضوح العلاقة بين المتحلل والمحلل المرحاض.
و عن طريق استغلال ومحاولة عزل المسرود له، فان رواية غاس تعرب عن العدوانية تجاه المسرود له التي تنبع من ضرورة تقاسم مجالها السردي مع المسرود لهم. وبهذه الطريقة، فان سرد غاس يحاول الاحتفاظ بوهم استقلاليته. بينما يبارك, في الوقت نفسه, انتهاك استقلاليته من خلال الهجوم العدواني.
هذا الانتهاك الدائم للسرد من قبل المسرود له يستند على توريط لا فكاك منه للمسرود له في فعل الخطاب الأدبي. تكشف رواية "ارتجاج مضاعف " لفيدرمان ـ والتي تقف باعتبارها واحدة من مذكراته الأكثر مباشرة عن المحرقة ـ عن هذه العلاقة الموضوعية الذاتية بين السرد والمسرود له في بنية سرد الرواية.
تهدف هذه الرواية إلى إضفاء درجة من الاستقلال الذاتي السردي على اثنين من شخصياتها، هذا الاستقلال مجند دائما من خلال وضعيتهم الحتمية بوصفهم شخصيات مطروحة من قبل السارد المؤلف.
في لعبة نمطية واضحة بالكلمات، يخلق فيدرمان شخصيتين، موانو (مركب من أنا ونحن بالفرنسية) ونامرديف ( "فيدرمان" معكوسة )، الذي يعمل ساردا ومسرودا له على حد سواء. يعمل هذان العميلان في المقام الأول وسطاء بين شخصية مؤلف الرواية، المدعو فيدرمان، وموضوع الرواية نفسها، الذي يعرف فقط باسم "الرجل العجوز".
يشير التلاعب الواضح في أسماء موانو ونامرديف إلى أن هذه الشخصيات هي إسقاطات نصية لفيدرمان، الشخصية المؤلفة، الذي لم يتخلى في الحقيقة عن السيطرة على التبئيرات وعملية السرد في الرواية. على الرغم من إن الوكلاء النصيين المختلفين ضمن رواية "ارتجاج مضاعف"، على ما يبدو مخصصين لحالات خاطفة من الاستقلالية، فان تلك اللحظات دائما ما تكون عرضة لتمركزات المؤلف / الشخصية. يبدو فيدرمان، الشخصية، في بعض الأحيان، متلقيا لخطاب وكيليه الساردين، موانو ونامرديف " أجلس على كرسي، في مواجهتهم، دفتر ملاحظات في يد، تابعا، أنا في الاستماع"، وفي أحيان أخرى، يصبح موانو ونامرديف والشخصية/المؤلف الكائنات المؤبرة التي تحدق بعين فيدرمان _ الشخصية:: "كنا جالسين هنا، في La Closerie des Lilas، موانو ونامرديف وأنا". ولكن توظيف ضمير المتكلم "أنا" للشخصية المؤلفة يشير إلى أن المؤلف / الشخصية, في الواقع, يسيطر على الرواية ولا يتخلى عنها حتى ولو للحظات.
وفي الواقع، فإن فيدرمان ,الشخصية /المؤلف يفترض هذه الشخصيات في فعل كتابته، حتى عندما يكون الهدف منه أن يدون المعلومات التي تقدمها له. عندما يفترض موانو ونامرديف مسرودا لهما، وحتى عندما يمنحهما ـ في لحظات معينةـ وهم الاستقلالية الذاتية السردية، فأنها دائما حاضران بوصفهما إسقاطات المؤلف / الشخصية، ومن ثم فهما، تحت سلطة تبئيره وتسريده، بنفس الطريقة التي يهيمن بها النرجسي على علاقاته بموضوع الذات.
وفي حين أن نصي بارت وغاس يمثلان طرفي المحور, وبالتالي فإنهما يتوافقان مع ثنائيات العدوانية والاستمثال في العلاقات التحويلية بين النرجسي والمتحلل، إلا أن ذلك لا يعني أن كل العلاقات التحويلية تتطابق مع مثل هذه الثنائية الحادة , بل أن ظلالا مختلفة وامتزاج من الاستمثالي والعدوانية قد تنشأ في سياق التحليل. ويصدق الشيء نفسه على السرد الأدبي. هناك لحظات قليلة في عمل فيدرمان، سبيجلمان، وماسو يظهر فيها بكل وضوح استمثال أو مهاجمة المسرود له. علاوة على ذلك، فان استمثال المسرود له والعدوانية الموجهة له , غالبا, ما تكون أكثر تحفظا وتميل إلى الارتباط المباشر بالقضايا المعرفية التي طرحت في سياق سردياتهم.
فمثلا، إن الجمع بين العدوانية والاستمثال تجاه المسرود له في رواية موس لسبيجلمان(5) ,معبر عنه ضمنيا في عرض الإيمان الواضح بأن السرد يُكتشف في قدرة المسرود لهم على ترتيب الشمولية المتشظية ل(الفابيولا) fabula وتحويلها إلى (سيوزت ) sjuzet قابلة للفهم والتجميع (سبيجلمان 1986 : 82).
في عمل سبيجلمان، فان سبيجلمان /الشخصية، هو المسرود له الذي تواجه قدرته على المحافظة على الترتيب الزمني للفابيولا تحديا من تقلبات التسلسل الزمني لسرد فلاديك الشفوي. ولكن في اللحظة نفسها فأن قدرة سبيجلمان / الشخصية، للحفاظ على تماسك زماني مطعون بها، ذلك أن السرد يتوقف على سبيجلمان /الشخصية. وبالتالي فإن القوات العدوانية في سرد الشك تهاجم كفاية سبيجلمان / الشخصية، للحفاظ على تماسك سرد اليقين.
لكن سرد اليقين يواصل السير في أعقاب هذا الهجوم، وبالتالي يرد الهجوم العدواني بواسطة استمثالية وضعه الخاص. سبيجلمان /الشخصية - يقف بوصفه مسرودا له في هذا التجمع الذي تلعب فيه قوى العدوانية والاستمثالية حد سواء.
تتصل قوى الاستمثال والعدوان في فسطاط سبيجلمان بقدرة المسرود له على بناء أو استخلاص درجة معينة من كفاية مجموع القواعد السردية ذات الأولوية. وفي حالة ما إذا كان الدافع وراء القراءة هو الدافع وراء المعنى، كما يقترح بيتر بروكس، فان بناء مجموعة قواعد سردية ذات أولوية يرتبط عضويا بملاحقة المعنى.
ينتج ذلك بسبب أن العلاقة الداخلية بين إجراءات مجموعة القواعد ذات الأولية تحتفظ جزئيا بالمعنى الذي يقترح بروكس انه باتت وشيك الحدوث داخل النص. ولكن معنى النصوص في أعمال ماسو، وفيدرمان، وسبيجلمان تصبح أكثر صعوبة في ضوء حقيقة أن أحداث الفابيولا غالبا ما تثير الغضب والغيظ عند نهاية العرض.وقد قد يكون من المفيد النظر إلى جوانب من هذه النصوص ما وراء القصية , التي تفعّل أو تثيم التناقض الداخلي بين مجموعة القواعد ذات الأولوية و الوضوح المتغير, من خلال المسرود له , وبالتالي في سياق قوى العدوان والاستمثال التي تعرف النرجسية جزئيا.
و طالما أن وضوح السرد متضمن في تلقي هذه النصوص قبل المسرود له، فان قوى العدوان والاستمثال التي تكون في مناورة السياق التحويلي للنرجسية تلقي الضوء إيحائيا على العلاقة بين السرد والمسرود له في هذه الأعمال. وفي الواقع، فان قوى العدوان والاستمثال التي يوجهها النص ما وراء القصي تجاه المسرود لهم يمكن أن تحد من إشكاليات الفقد والغياب التي تخفي وتكشف معنى النص الذي يريده بروكس وربما كثير من القراء.
الخلاصة:
هذه الأمثلة الأدبية العابرة، ككل أمثلة عابرة، تسلط الضوء على كيف أن نظرية العلاقات الموضوعية , التي تفسر النرجسية جزئيا, يمكن أن تتصل بالنصوص ما وراء القصية , وان تلقي الضوء , بطريقة مثمرة ,على بعض التضمينات التي تحملها تلك النصوص.
ان ما سعت هذه المناقشة الى توضيحه و أن قضايا العدوان والاستمثال التي تعرف النرجسية موجودة أيضا، وان بشكل مختلف، في مسرح مصفوفة النصوص السردية ما وراء القصية.
إن أهمية نظرية العلاقات الموضوعية التي تفسر النرجسية بالنسبة لما وراء القص , يمكن أن ينظر إليها ,في المقام الأول ,عندما يتم استدعاء ظاهرة الانقسام من خلال نماذج الاستمثال والعدوان. يعزز تشكيل عناصر نظرية العلاقات الموضوعية، في تصنيف جديد وحاسم لفهم النصوص ما وراء القصية , القدرة على إلقاء نظرة تفسيرية أوسع أفقا وأبعد من الحد المعتاد لنزع الألفة. هذا النطاق التفسيري الأوسع لا يطوق المواضيع المعرفية المعترف بها فيما يتعلق بالتمثيل السردي فحسب , ولكن أيضا الموضوعات والتضمينات التي تتعلق بكيف أن نصوص ما وراء القص يمكن أن تجسد القيم الثقافية.
و عندما ينظر إليها بهذا الشكل، فان كثيرا من اشتغالات الأدب المعاصر توظف النبض ما وراء القصي استراتيجيا بوصفه وسيلة فعالة للمنافسة الثقافية.
يبدو نوعا من المفارقة أنه خلال أيام ازدهار ما وراء القص الأمريكي في أوائل الستينات، كانت روايات ما وراء القص لبارت , كوفر، بارثلم، و غاس تعتبر في نظر الكثيرين علامة على استنفاد رواية النثر، ,وكان من الشائع اعتبار موت النوع الأدبي المسمى الرواية. ولكن من الواضح، بعد حوالي ثلاثين عاما، أن الرواية لم تمت، كما أن نزوة ما وراء القص لم تنحسر. على العكس من ذلك، فمنذ أواخر الستينات, تحرك ما وراء القص بعيدا عن حالته بوصفه بلاطة ضريح الرواية, إلى مركزه الحالي بوصفه عنصرا من بين العديد من العناصر التي تسهم في مصفوفة ما بعد الحداثة الديناميكية. ومن الواضح أن ما وراء القص لم يعد "مجرد ظاهرة أدبية ضيقة "، وإنما أصبح حقيقة ثقافية مؤسسة على نطاق واسع. لقد أصبحت نزوة ما وراء القص عنصرا أساسيا, ضمن فترة ثقافية أوسع ,في ما بعد الحداثة , وتغلغلت في الوعي الجماهيري إلى درجة أن دافع الانعكاس الذاتي لما وراء القص, يمكن ملاحظته في كل شيء في أميركا الشمالية من الإعلانات التلفزيونية لسبرايت ونايك , إلى حلقات سينفيلد ,وعرض لاري ساندرز. ولعل التأثير المتنامي لما وراء القص في الثقافة الشعبية يرجع إلى حقيقة أن الانعكاسية الذاتية لما وراء القص – تعير نفسها بشكل جيد لـ" النقد التواطؤي" : نوع من القاطن التخريبي للأشكال الثقافية والمؤسسات التي تم تحديدها بوصفها المجاز المميز لما بعد الحداثة (هتشيون 1988: 3).
وبينما من الواضح أن نزوة ما وراء القص قد حيدت من قبل قوى الاستهلاكية الجشعة التي تحدد الرأسمالية المتأخرة , فان هذه الحقيقة لا تعني بالضرورة سلب إمكانات ما وراء القص التخريبية أو التمزقية. على العكس من ذلك، يحتاج المرء أن ينظر إلى بعض أعمال ما وراء القص الأميركي المعاصرة ليرى كيف أن نزوة ما وراء القص قد أصبحت ـ ضمن الأدب ـ أحد الاستراتيجيات القوية، مع استراتيجيات أخر، التي يمكن أن تساهم في وسائل النقد الثقافي والتعريف الذاتي في منظومة ما بعد الحداثة.


*المقال فصل من كتاب (ما وراء القص: دراسات في رواية ما بعد الحداثة). لمجموعة مؤلفين.ترجمة : أماني أبو رحمة . صادر عن دار نينوى للنشر والتوزيع . سوريا .2010.

الهوامش:
( )الفرضيّة الذاتيّة(Solipsistic hypothesis), التي تقول أنَّ الكون هو بالحقيقة مجرد تلفيق متقن من الخيال, المبدأ الذاتي (Solipsism) لا يُقدم أي تنبؤات محددة, إنه ببساطة يتوقَّع بأن الأشياء ستكون "كما هي". و لا يوجد مراقباتٍ محتملة يُمكن أن تتعاكس مع مبدأ الإيمان بالذات, لأن كل المراقبات و الملاحظات مهما كانت ستفسر بأنها مجرد تفصيل آخر صغير من تفصيلات المخيّلة. (المترجمة).
يوجد العديد من الأمثلة المتطرفّة التي يُمكن أن نستشهدَ بها, مثل فرضيّة: الكون قد وُجِدَ بشكل مفاجئ منذ خمس دقائق مضت و معهُ كل ذكرياتنا من الأحداث التي نعتقد أنها أبعد في الزمن الماضي!!! (المترجمة).
(2)(الاقتصاد الشهواني) أو الاقتصاد الشبقي libidinal economies، هو عنوان كتاب للمفكر الفرنسي جان فرنسوا ليوتار. وظف في العنوان كلمة (الليبيدو) التي تشير إلى اللذة الجنسية، وقد ظهر هذا الكتاب عام 1971،يحاول ليوتار أن يربط بين الاقتصاد السياسي والرغبة، وبين النظرية والمتعة، وبين الفن والغرائز والمشاعر والرغبات الدفينة العميقة.(المترجمة).
(3)نزع الألفة "التغريب" Defamiliarization، ويقصد به نزع "الألفة" الاعتيادية التي أصبحت موجودة بالفعل بيننا وبين الأشياء، عن طريق جعل هذه الأشياء مدركة وملحوظة بكيفية مغايرة، ليست "آلية" وليست "اعتيادية" كما كان الحال في السابق. (المترجمة).
(4)قصة القيل والقال : على النحو الذي حددته الكاتبة الأمريكية من أصل صيني ماكسين هونغ كينغستون هي "قصص شفوية من التاريخ والأساطير وعلم الأنساب و قصص ما قبل النوم و قصص كيف حدث ذلك , التي تنتقل عبر الأجيال، لتصبح جزءا أساسيا من الحياة الأسرية والمجتمعية. (...) (و) هي في الواقع جزء من الثقافة الصينية 'البسيطة ' أو 'الصغيرة' ". ما تقوم به الكاتبة في أعمالها هو المزج بين الأساطير الصينية القديمة، والطريقة الأمريكية الجديدة في روايتها, وهو ما جعل هذه القصص "الشفوية تتغير (...)وفقا لاحتياجات المستمع, ولتغير الزمن والاهتمامات, حتى أن القصة يمكن أن تكون مختلفة تماما (...)للحفاظ على الغموض في الكتابة دائما ".(المترجمة).
(5)موس : حكاية الباقين على قيد الحياة. هي سيرة ذاتية كتبها آرت سبيجلمان باستخدام الرسوم المتحركة. تتكون القصة من جزأين, نشر الأول في عام 1986 بعنوان "والدي ينزف التاريخ"، والثاني في عام 1991 " ومن هنا بدأت متاعبي " استغرق إكمال الرواية ثلاثة عشر عاما, وهي تحكي نضال والد المؤلف الذي نجا من المحرقة وتأثير ذلك على حياته وخبراته. كل الشخصيات في العمل هي حيوانات بصفات بشرية ( فكل اليهود , على سبيل المثال, فئران ومن هنا جاءت التسمية موس , والتي هي الألمانية من ماوس الانجليزية). (المترجمة).



اماني أبو رحمة
ناقدة فلسطينية من غزة
amani.khalaf3@gmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث