الإثنين, 16 تموز 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ليلى والقرد/2
سعد هادي
ليلى والقرد/2

خرجت من الحمام فوجدت موسى نائماً إلى جانب حقيبته بكامل ملابسه . قال لي و نحن نصعد السلم :
- لا توقظني حتى قيام الساعة ، هذه ليلة نومي الأخيرة .
استبدلت ملابسي ووضعت أشيائي في الخزانة وخرجت.كانت اسطنبول العجوز الشهية تطفو على مهل في ظلمات أول الليل: المتاجر مغلقة ، المطاعم والمقاهي تودع آخر روادها ، المارة خليط من الغرباء والمتسولين والعجائز وثمة مركبات قليلة تمضي في الاتجاهين .
في بداية الشارع رأيت بقايا انفجار حدث قبل ساعة من وصولنا (اخبرني بذلك عامل الفندق ليقنعني بعدم الخروج) كتل وشظايا متناثرة من الحجارة والزجاج والخشب وسيارة محترقة يقف إلى جانبها ثلاثة جنود ، يغلقون الشارع المظلم ويلوحون للسيارات بالاستدارة والعودة . اجتزت الشارع وتوقفت في ظلال واجهة حجرية عملاقة كتب عليها بخط وقور ناصع : "دائرة أمور عسكرية" وخلف الواجهة والبوابة الحديدية التي ترتكز عليها ، كان بالإمكان رؤية رواق اخضر طويل تتضاءل ألوانه تدريجيا تحت أضواء مصابيح متفرقة .
واصلت طريقي فوجدت باراً مفتوحاً . بار صغير في قبو تحت الأرض تقوم بالخدمة فيه امرأة ممتلئة تجاوزت الخمسين.طلبت قنينة بيرة وشربتها بسرعة لأروي ضمأي ثم طلبت كأساً مزدوجا من الويسكي وحين شعرت بالانتشاء طلبت من المرأة ولا ادري لماذا ، قنينة عرق . لم تفهم في البداية ماذا اقصد ، جاءتني بأنواع عديدة من الشراب وبقنان مختلفة اللون والحجم وضحكت أخيرا حين اكتشفت إن ما أريده هو : أراك سي او ما أسمته بكلمة قريبة من ذلك ، رطنت بها وظلت تكررها وتضحك وهي تمضي باتجاه البار ثم عادت وهي تحمل قنينة صغيرة في حجم علبة سكائر .
كان العرق نقياً ولذيذا وذا مفعول سريع وجاء مساعد المرأة بكمان كان معلقاً على الحائط وعزف قرب مائدتي لحنين قصيرين حزينين ثم صافحني وشرب نخبي ووضع وردة طرية في فتحة قميصي .
في غمائم ليل المدينة العجوز شعرت بأنني كائن أثيري أسعى على الماء ، ربما كنت وحيداً ، شبه مطرود وبلا هدف ولكنني ممتلئ بالحياة .

*
حاولت أن أنام دون جدوى، نهضت من السرير وقلبت موسى على جنبه الآخر، هززته بقوة وصرخت في أذنه:
- موسى ، ساعدني ، ارأف بي .. أريد أن أنام .
صمت لدقائق ثم عاد ليشخر بعمق وعدت أنا إلى الأرق . سألت نفسي :
- هل اذهب إلى فوزية وأوقظها ولكن إلى أين امضي بها في مدينة أقفلت أبوابها ؟ ومن يدري فبدلاً من أن تستيقظ هي ستستيقظ زوجة أبيها وستوقظ كل نزلاء الفندق وجيرانه.
ذهبت باتجاه النافذة وفتحتها ونظرت إلى الشارع ، كان فارغا إلا من مركبات متفرقة ، شعرت بأنني وحيد ، سأنام إذا ولكن أين النوم ؟ أنا سكران أيضا وحزين، يقاسمني غرفتي كهل لعوب ، غامض أصر على أن ننام في هذا الفندق فهو من نزلائه الدائمين ، قال لي حين أصبحنا في ضواحي اسطنبول: اترك القيادة لي الآن وكن تابعا ، لا تفتح عينيك ، تخيل انك أعمى، أنا أعمى إذاً يا موسى ، أعمى مادمت لا أرى وجه فوزية وعينيها الشبيهتين بعيني نمرة ، فوزية التي قالت بسذاجة عن جسر البسفور الذي يربط الشرق كله بالغرب كله انه يشبه جسرنا المعلق ، فوزية التي تنام الآن في غرفة مجاورة ، عارية ربما ، أصرت على أن تتبعنا مع زوجة أبيها ووقفت مثل بغلة في باب الفندق رافضة الذهاب إلى مكان آخر . قالت لزوجة أبيها :
- سيجدنا ، سيبحث عنا ويجدنا .
أخرجت العجوز ورقة مجعدة عليها بضعة كلمات وخطوط وأعطتها لبواب الفندق ليقرأها فأشار إلى الجانب الآخر من المدينة .
- لن نضيع يا أمي ولا عذر له ، كان عليه أن ينتظرنا هنا لا في مكان آخر، لن نذهب بعيداً ، سننام في هذا الفندق ، انه قريب ورخيص وسنترك له رسالة مع ساقي المقهى التي قال انه سينتظرنا فيها .
رضخت العجوز أخيرا وسارت خلف فوزية وهي تغمغم وتتفحص وجوه المارة عسى أن تحظى بمن تريد . كان شارع بايزيد بامتداده اللانهائي يطفو في ألوان أصيل ملغز. بدأ المسافرون يتفرقون في اتجاهات مختلفة ، بعضهم إلى جهة يعرفها وبعضهم للبحث عن فندق رخيص وبعضهم مضى بلا اختيار وتبعتنا قلة منهم نحو فندق "كنت" الذي وصلنا إليه عبر زقاق فرعي قصير .

*
حين استيقظت كان موسى قد حلق ذقنه وارتدى ملابس نظيفة : قميص ابيض وسروال ازرق ، رفع البطانية عن جسدي وهو يردد :
- انهض يا سكير ، ألا تشعر بالجوع ؟
نهضت وارتديت ملابسي وأنا شبه نائم وهبطنا إلى المطعم ، كان مزدحما وبالكاد عثرنا على مقعدين في زاوية شبه مظلمة بمواجهة الجدار .
قال موسى :
- سنشرب الشاي فقط .
ثم همس وهو ينحني باتجاهي :
- فوزية تجلس مع رجل غريب .
التفتت متجاهلا ملاحظته التالية في أن أكون رصينا وطبيعياً ، كانت فوزية تصغي بوجه حزين ونظرات شاردة لشاب في الثلاثين يجلس أمامها، يتكلم ويؤشر بيده كأنه يمثل .
شربنا الشاي وانتقلنا لنجلس قرب الواجهة الزجاجية. نظرت إلى فوزية فرأيتها تنهض بتثاقل دون أن تنتبه إلى وجودي، أنا المأخوذ بها،وتخرج يتبعها الشاب. كان قناع الحزن فوق وجهها قد ازداد قتامة.بعد لحظات من اختفائهما قال موسى:
- لنذهب نحن أيضا.
تسكعنا لساعة تقريبا بين أزقة وشوارع مزدحمة.بدا موسى كأنه يبحث عن شئ ما . قال لي :
- عليك أن تبدأ هكذا مع أي مدينة ، تعارف بالحروف الأولى ثم كراهية شديدة او عشق لا حدود له ولكن ابدأ دائما من الشوارع الخلفية . هل أنت جائع ؟
لم ينتظر إجابتي بل أوقفني أمام عربة مزركشة مثل خيمة مهرجين.شرب قدحاً من الماء وطلب طعاما من البائع العجوز وتحدث معه كأنه يعرفه.ضحكا معاً وأشارا إلى جهات وشوارع وبنايات وتحدثا عن رجال ونساء و قبائل وهجرات وصحارى مفعمة بإناث منسيات ورجال ذوي عمائم سود ولحى رمادية معفرة بالغبار والتبغ وخيول تأتي من لا مكان لتعبر خلجاناً ومخاضاتٍ ملطخة بالدم، عن معارك كبرى تناثرت فيها الرؤوس وبقرت فيها بطون الفرسان . هكذا تخيلت ما قالاه وأنا أتناول طعامي بصمت متطلعاً أليهما وهما يطلقان في الفضاء طيوراً مفترضة متتالية تحلق لثوان وتتلاشى في الريح .
كان الطعام لذيذا ولم يعترض موسى حين أخرجت نقودا ،اخذ ورقة نقدية واحدة ودسها في يد العجوز ثم واصلنا تسكعنا،مررنا بقصور قديمة وجوامع شامخة وهبطنا سلماً يؤدي إلى نفق مظلم قال موسى عنه انه نفق سري كان يربط بين قصور السلاطين ومخادع سراياهم ولكنه مغمور بالماء الآن.ودخلنا إلى جامع أيا صوفيا وسحرني ارتفاع قبته وشموخها اللانهائي ، بدت كأنها مجسم موجز لسماء داخلية مطلقة .
اختفى موسى في ظلال موجة من السياح العجائز يتبعون دليلا متوتراً بدا وهو يتحدث إليهم كأنه يفكر بصوت عالٍ أمام مرآة.ثم مرت موجة أخرى وانحسرت فرأيت موسى،قال لي حين خرجنا:
- لنجلس قليلاً .
اختار مقعدين في مقهى يطل على حديقة صغيرة وعلى رصيف يشبه ممراً إلى الملكوت يعبره بشر من كل أجناس الأرض:هنود،زنوج،آسيويون،عرب،أفغان، إيرانيون،سلافيون،ألبان،أوربيون،أمريكان لاتينيون،فسيفساء حية من وجوه وأجساد وقبعات وثياب وقلوب وأرواح وعقول وألسنة تتوحد في ممر ضيق .
قال موسى :
- هذه هي اسطنبول،عصارة الماضي وتآلفات الحاضر، أنف أوربا الطويل المدسوس في عجيزة آسيا. كل واحد من هؤلاء يحمل قلبه وخصيتيه بين يديه ويمضي بهما في الزحام، يمضي إلى ما لانهاية، بعضهم يأتي من أقاصي الشرق بحثاً عن حلم غامض عند تخوم الغرب والبعض الآخر يقاطعه قادماً من أقاصي الغرب باحثاً عن شمس وحجارة وبراءة مفقودة ، أرواح هائمة لا تدري أين ستستقر ، ضياع وإعادة تمثيل أدوار على خشبة مسرح رث . انظر إلى هذا الشاب الأوربي الوسيم ، انه يرتدي ملابس متصوف هندي ويحمل عصاه أيضا، لعله يريد بذلك أن يستعيد روح الشرق التي ذهبت لا ادري الى أين والتصوف بالنسبة إليه هو الطريق الأقصر لبلوغ ذلك، التصوف بملابس تعرض في دكاكين روما وباريس وبتعاليم قرأها في طبعة من كتاب رخيص وهو يعتقد إن حلمه يتحقق الآن إذ يمضي إلى الشرق، إلى الإنسان، إلى الجوهر، إلى الروح النقية مع عشيقته التي يضاجعها عند كل منعطف حتى الثمالة مردداً بلا كلل: بودا، بودا،بودا .
كان الشاب يقف على بعد خطوات من المكان الذي نجلس فيه ، متكئاً على عصا ، ينظر بعينين حالمتين إلى الكائنات التي تتدفق من حوله محاولا ان يغفر لها جموحها ويرثي لها ضياعها في شعاب الأرض أما أنثاه فكانت تطهو طعاماً على موقد غازي خلف سيارتهما التي تتكدس فيها الأغطية والقدور والكتب والملابس .
قلت لموسى :
- استمع لهذه الحكاية اذن:كنت تلميذا خجولا في الرابعة عشرة،لا اعرف بالتحديد ماهي العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة، كنت قد رأيت صوراً ومجلات خلاعية تصور نساءً عاريات في وضعيات مثيرة..وكنت استمني بطريقة مضحكة تراودني خيالات غامضة عن العلاقة بين كائنين يتصارعان دونما سبب في السرير حتى تهيأت لي فرصة لأن أرى كل شيء على الطبيعة برفقة صبي في مثل سني، حدث ذلك مصادفة خلال ثلاث ليالٍ قضيتها في صيف بعيد في مزرعة يمتلكها صديق لأبي .خلال تلك الليالي كانت تتوقف عند سياج المزرعة سيارة اقرب الى الباص الصغير ولكنها بلا مقاعد ويهبط منها رجل عملاق ذو لحية حمراء كثيفة يلف جسده بإزار ملون تتبعه امرأة هي أشبه بخادمته أو جاريته إذ لم يكن يعاملها كزوجة ولا كعشيقة ولا حتى كمومس مأجورة، كانت تسير خلفه بمذلة وارتباك وتلبي طلباته بطريقة تمثيلية مبالغ فيها، كانت تعد له أول الأمر قدراً كبيراً من الماء ليغتسل ثم تقدم له العشاء وتجلس عند قدميه حين يأكل بانتظار أي إشارة منه ثم ترفع الأطباق بينما يصلي هو بطريقته الخاصة او يحدق في السيارات العابرة والأشجار وحين كانا يأويان إلى مخدعهما في السيارة ويسدلان الستائر كنا نتلصص من خلفها فنرى جسده العاري وهو يتلوى بعنف حين يضاجعها،كان يقضي نصف الليل وهو نائم فوقها وبين مضاجعة وأخرى كانت تخرج إلى العراء فتغتسل بماء بارد وتعود لتنام عند قدميه بانتظار أن يجرها من شعرها ويجعدها مثل كتلة من الطين وينام فوقها أو يقوم بافتراسها مثل أسد . كنا نحدق في الظلام إليهما،مبهورين ومأخوذين بهذه الرياضة الغريبة . بعد منتصف الليل كانت المرأة تستسلم للنوم وهي متعبة أما الرجل فكان يخرج دفتراً كبيراً ويجلس ليكتب فيه في ضوء شمعة وبعد أن يسود بضع صفحات يطفئ الشمعة وينام . في الصباح تعيد المرأة ترتيب كل الأشياء بينما يغتسل فحلها ويتناول إفطاره ثم يصعد إلى السيارة ويجلس في المقعد الخلفي وعندما تتأكد هي من إن كل شيء على ما يرام ، تقود السيارة باتجاه المدينة .
*
في مقهى مزدحمة على البسفور أكلنا سمكا مشوياً وجلسنا نراقب البحر الأزرق والسفن وهي تمخر العباب وتمضي بأسرارها من عالم إلى عالم .
سألني موسى :
- هل تراودك فكرة البقاء في اسطنبول ؟
- لا ادري ، أنا أفكر بما سيأتي ، اسطنبول ليست محطتي الأخيرة ولاشيء استثنائي يغريني بالبقاء فيها ، باختصار ، لم أقع في غرامها حتى الآن .

*
ركبنا سيارة أجرة وظل موسى يعيد على سائقها بين لحظة وأخرى دونما كلل كلمة واحدة هي : تاكسيم . وسلكت السيارة دروباً ملتوية وعبرت جسوراً وضاعت في أزقة فرعية ثم ألقت بنا في بداية شارع يضم بنايات منخفضة .
قال موسى :
_ انظر هذه بيوت دعارة لا تجد مثلها في أي مكان آخر في الأرض ، هنا تسفح العواطف والآلام والشهوات .
سرت خلفه مندهشاً . كانت البيوت تضم واجهات زجاجية تجلس خلفها نساء شبه عاريات يكررن ألعابا جسدية او يجلسن صامتات ، يدخّن وينظرن ببلاهة في وجوه المارة،شقراوات وسمراوات بأقنعة مكياج ثقيلة وشعور مستعارة ، تحركهن جذوات على وشك الانطفاء ، ملطخة بعرق الأسرّة ورمادها .
سألني موسى :
- هل أعجبتك إحداهن ؟
- كلا ، اشعر بالقرف .
- لماذا ؟
- ضجة الشارع ووجوه المومسات وعيون المارة التي تراقب الداخلين و الخارجين .
- إذن سأدخل أنا .
غاب في رواق أحد البيوت وعاد بعد دقائق وهو يقهقه :
- تخيل إن الروح الوطنية تتجسد هنا بأفضل مظاهرها ، سعر خاص للأتراك وسعر آخر للأجانب ، أي احترام للمواطنة بين أفخاذ العاهرات .
- وهل فعلت كل شيْ خلال هذه الدقائق ؟
- على قدر ما أستطيع .. هاهاهاهاهاها .
أعطيته كيس أسراره الذي تركه معي وسرنا صامتين . كان صمته غريباً ، يجسد ربما حالة الانكسار التي تعقب المضاجعة ، سألته:
- بماذا تفكر ؟
- أفكر بهؤلاء الذين يقطعون آلاف الأميال من اجل ساعة او ساعتين من التسكع هنا ومن اجل لذة هي أشبه بقضم ثمرة من الفلين .
- هذا ما فعلته أنت أيضا .
- لا يا صديقي الغشيم ، أنا لدي أغراض أخرى ... أنا بصراحة لم ادخل لأنام مع المومس التي اخترتها .
- هل قرأت لها قصيدة غزل ساخنة لتداري عنّتك ؟
- هاهاهاهاهاهاهاها ، لا بالطبع ، لقد تأكدت من بعض المعلومات .
واستطرد بعد قليل مواصلاً فكرته عن الدافع الخفي :
- إن ما يحرك هؤلاء ويجعلهم مثل دمى مغتلمة ليس الرغبة الجسدية وحدها فهي دافع ثانوي كما أعتقد . انهم مدفوعون برغبة في الانتقام وإذ تسألني ممن ولماذا أقول لك : انه الانتقام من صورة الماضي ولكن أي صورة ؟ إنني أشبّه الحضارة بسرير لذة كبير يكون الشرق فيه أحياناً أنثى ويكون الغرب ذكراً او بالعكس إذ يتحول الشرق إلى فحلٍ لا حدود لقدراته ويكون الغرب أنثى خانعة تدور بينهما عملية مضاجعة مستمرة منذ بدء الخليقة ، ذكورة و أنوثة ولا جنس ثالث بينهما . ولأن رجولة الغرب استمرت لسنين طويلة بدأنا نتسرب من بيوتنا حاملين أعضاءنا التناسلية لنفرغ شجوننا وأهواءنا وعصابنا في ثقوب أي ماخور يقع إلى الغرب من مضاربنا ونحقق انتصاراً فردياً على الفحل الذي تداعت قدراته واهتزت صورته ، انه عنين بخصية واحدة معطوبة ولكنه قوي . ذلك حل مؤقت وبسيط ولا يحتاج إلا لخلع بنطلونك لخمس دقائق ، ردّ دين وانتقام وإعادة اعتبار لذكورتنا ووسيلة وحيدة متبقية للتأكد من قدرتنا على قهر رجل الغرب بسرقة أنثاه وتحطيم غرورها في السرير ، سرير الحضارة الذي لا حدود له . وتذكر دائما ايها المحترم : إن المقهورين هم المأبونون ، ذلك هو الحل الوحيد ، ذلك هو العلاج بلا عقاقير او تعاويذ . تلك هي اللذة الأبدية التي تحرك كل شئ .
- ألا ترى أيضا انهم هاربون من الاخصاء ، الدولة تخصي وهم يهربون . انهم مضطهدون يبحثون عن الحرية .
قال بلا اكتراث :
- ربما ، هذه فكرة أخرى .
في السيارة اخرج موسى دفتره من الكيس ودون فيه بعض الأرقام والرموز ثم بدأ يحدق صامتاً في المشاهد التي يأخذها الغروب بسرعة إلى الوراء او يلقي بظلاله الثقيلة عليها .
سألته :
- هل جئت إلى اسطنبول من قبل ؟
- خمس مرات ولكنني أراها في صورة مختلفة في كل مرة ، هذه المدينة بلا حدود او بحدود مرتخية تأخذ شكلاً جديداً باختلاف زاوية النظر، شكلاً مرئياً تمتلكه وشكلاً متخيلاً يغمرك مثل عطر ملائكي يمسخه شكل آخر نقيض له في داخلك وعطر نفاذ أقوى منه .
سرنا وحيدين في سوق قديم شبه مظلم ، مررنا بمتاجر قليلة مفتوحة وبباعة متجولين يحملون أكياسا وصناديق ويمضون بها مع ثرثراتهم وشتائمهم إلى الأزقة الفارغة التي تتفرع عن السوق .
سألني موسى :
- هل ستخرج في الليل ؟
- لا ادري ، أنا متعب قليلا ولكنني لا أريد أن أنام .

*
وجدت فوزية بانتظاري عند مدخل الفندق ، خرجت من الظلام حين تأكدت إن موسى قد ذهب . كنت قد تأخرت عنه لشراء علبة تبغ .
سألتني بخشونة :
- أين كنت ؟
- أخذني موسى في جولة طويلة .
- ونسيت نفسك ، ثرثرت وضحكت وأصغيت كالأبله لحكاياته .
قاطعتها :
- وأنت أين كنت ؟
قالت بصوت متكسر وهي تحاول أن تمنع نفسها من البكاء :
- كنت انتظرك ، تركت الفندق منذ الصباح .
- وزوجة أبيك والشاب الذي كان معك في المطعم ؟
- سأحكي لك كل شيء في الطريق ، إنها حكاية طويلة ، تعال قبل أن يرانا أحدهم .
ولم تستغرق الحكاية سوى بضع دقائق ويمكن اختصارها بما يلي :
كان الشاب الذي رأيته معها هو خطيبها ويعمل مهرباً للسيارات بين ألمانيا والشرق ، يقيم في اسطنبول بشكل دائم وسيستأجر لها بيتاً هنا حين يتزوجان أما زوجة أبيها فقد سافرت هذا الصباح وسيوصلها الشاب إلى أنقرة حيث تبقى هناك ليوم واحد لأمر ما وقد انتهزت فوزية الفرصة حين أصبحت وحيدة وقررت أن تهرب وتضيع بين الضائعين ثم عادت لتبحث عني لأنها لا تستطيع أن تنام في أي فندق وحدها ، تخاف من اللصوص والقتلة .
اخترنا فندقاً صغيراُ في شارع فرعي . قلت لكاتب الفندق وأنا اقدم له جوازي السفر :
- إنها زوجتي .
لم يكترث للأمر ، دوّن المعلومات المطلوبة وأشار إلى الطابق الأعلى قائلاً:
- غرفة رقم 7 .
كانت الغرفة أنيقة ونظيفة رغم أثاثها القديم . جلست فوزية على السرير وأخرجت كيساً من حقيبتها . فتحته وقدمت لي برتقالة . قالت :
- أنا جائعة ، لم أذق شيئاً منذ الصباح .
- كان عليك أن تقولي ذلك في الطريق ، هل نذهب إلى مطعم ؟
- لا ، تكفيني برتقالة واحدة ، أنا عادة لا أتعشى .
خلعت قميصي وجلست على الجانب الآخر من السرير ، كنت مرتبكاً وخجلاً .
سألتني فوزية :
- هل ستنام ؟
قلت :
- سأحاول .
ثم اضطجعت واستمرت فوزية تثرثر وبين النوم واليقظة رأيتها تخلع ثيابها وتخرج ثياباً أخرى من الحقيبة ثم تطفئ الضوء وتندس في السرير .
حين استيقظت كان ثمة أنين يتردد خلف الجدران ورائحة عطر قوية تملأ الغرفة . أما فوزية فكانت نائمة مثل دمية ، تتنفس ببطء وتغطي قدميها بإزار خفيف. اقتربت منها، قبلت وجنتيها ثم شفتيها تلك الفراشة البنفسجية التي ثرثرت كثيراً ثم مددت يدي على منحنيات جسدها الدافئ باحثاً عن سر ما، لم يصدر عنها ما ينبئ إنها استيقظت او أحست بما يجري ، واصلت تقبيلها ثم همست في أذنها:
- هل أنت ميتة ؟
أجابتني وهي تحتضني بقوة :
- لا ، ولكني في طريقي إلى الموت .
وكان الطريق بين الموت والحياة طويلاً وعذباً قطعناه مراراً ثم نمنا متعبين ، لاهثين بجسدين محترقين ، مضمخين باللذة والعرق عند الفجر .
*
عادت فوزية من الحمام بثياب داخلية مبللة . جلست أمام خزانة الملابس وقالت:
- سأعود إلى فندق كنت .
- هل أنت جادة ، لماذا ؟
- لأنتظر قوادي فأما أن يقبلني كما أنا او يقتلني او يتركني لأضيع وإذا سألتني: لماذا لا أبقى معك فسأقول انك لا تصلح لي .
- و لماذا جئت معي ؟
ردت بهدوء وبراءة مصطنعة :
- لأنني لا اعرف أحداً هنا ولأنك ظريف وطيب ولأن خلف هدوئك وصمتك أسرار كثيرة يفضحها السرير ، رأيت ذلك في عينيك .
اعتدلت في السرير وطرحت سؤالاً ظل يراودني طوال الليل :
- فوزية هل اقمت علاقة مع رجل من قبل ؟
- ثلاثة أو أربعة ولكنني لم انم مع أي منهم ، كنت اكتفي بالمواعيد والقبل والرسائل .
- هل جربت الحب ؟
- مع واحد فقط وقد خطفته زوجة أبي.
- وأبوك ؟
- مات منذ سبع سنوات فعشت مع زوجته الثانية مثل أخت لها ، تخيل وضع امرأتين وحيدتين تفصل بينهما عشر سنوات من التجارب والآلام وتجمع بينهما ذكرى رجل ميت وظلال عشيق يريد إبعادي بأي وسيلة . لقد بعث بي إلى هنا لأتزوج من صديق له ، محتال ومتشرد ومطلوب للعدالة .
*
سرنا في شوارع ضيقة تغمرها الشمس وأوقفتني فوزية مليون مرة لتشاهد ما تعرضه المتاجر ، تفحصت بلا ملل كل الملاعق والصحون وأدوات الزينة والملابس الداخلية والساعات والستائر وأغطية الأسرة ثم ضحكت فجأة ، تذكرت ما قاله كاتب الفندق وهو يعيد إلينا جوازي السفر وبقايا النقود : مبارك ، مبارك زواج سعيد وبدأت تكرر كلمة زواج بصيغ مختلفة ، بطيئة ممطوطة او سريعة مدغمة او تلقيها في وجوه المارة بإيقاع مسرحي فخم فينظرون إليها باستغراب متخيلين إنها مجنونة او سكرانة ثم تذكرت السيدة اللبنانية التي كانت تجلس في صالة الاستقبال في الفندق والتي طلبت منها بإلحاح شريطاً للمطرب (….) لأنها معجبة بصوته وكيف غمر ملامحها حزن حقيقي حين قالت لها فوزية ببرود : أنا لا احبه ، انه ينهق مثل حمار .
- تخيل إن البطرانة تريد أن تأخذه إلى أصدقاء لها في اليونان لتعلمهم طريقة جديدة في البكاء ، يا خسارة ، حظّي مش حلو ، تكرم عينك ستي ، يكرم عمرك ، فرصة تانية ، أكيد إنها شتمتني في سرها وهي تردد ذلك .
جلسنا في مطعم ذي باحة خارجية فيها ثلاث موائد ، أكلنا باشتهاء وتلذذ مثل سجينين أطلق سراحهما كباباً ولحما مشويا وأفخاذ دجاج ورزاً وبيضاً مسلوقاً، كانت فوزية تردد بين لحظة وأخرى مثل روبوت وفمها ملئ بالطعام: زووواج سعيييد ، زووواج سعيييد .
سألتها ونحن نشرب الشاي :
- فوزية ، ماذا تحملين في حقيبتك ؟
- رؤوساً مقطوعة و بيضة ديك ؟
وضحكت وصنعت بدخان سيكارتها دوائر متماثلة تشتتها ريح الصباح الطرية .
- ومتى تضعين رأسي مع الرؤوس ؟
- حين ينضج ويكون قابلاً للمضغ،سألطخه بدم بكارتي هاهاهاهاهاهاها.
كنت أحدق مأخوذاً في وجه فوزية، في ملامحها المحيرة وأراقب تعاقب أقنعتها المتناقضة : قناع بريء ثم قناع شرس ثم قناع طفولي ثم قناع ملطخ بمساحيق العاهرات وكانت مشاعري نحوها تتأرجح بين العطف عليها والحزن من اجلها لأنها ضائعة مثلي وبين اشتهاء جامح لا نهاية له وكنت أتخيل إن كبرياءها سوف تسحق تحت أحذية رجال عديدين وربما لن تعثر على رجل واحد يحبها ، ستكون مخدوعة دائماً وستخسر باستمرار وستطاردها وتطردها من مكان إلى آخر لعنة جسدها الشهي .
جمعت شعرها الفاحم وقرصته بمشبك صغير فأمسكت بالضفيرة الصغيرة المجعدة التي تكونت وقبلتها ثم قبلت رقبتها وكتفيها .
سألتها :
- هل أنت حزينة ؟
- قليلاً ، لأنك ستذهب ولأنني سأظل وحيدة .
*
جلسنا فوق مصطبة حجرية عند بوابة مسجد قديم ، اشترينا صحن حبوب صغير ونثرناه للطيور التي تملأ الساحة .
سألت فوزية :
- كم بلغت من العمر حتى اللحظة ؟
- مائتان أو مائتان وخمسون .
وضحكنا ، قد تكون فوزية بلا عمر وقد يكون عمرها بضعة قرون ، قد تكون فكرة اخترعها خيالي وقد تكون شبحاً ولد الآن ولكن لم يكن أمامي سوى أن اتبعها وهي تمضي حاملة حقيبتها المحشوة برؤوس الرجال .

*
وجدت فوق سريري علبة فارغة كتب موسى فوقها ما يلي :
انتظرتك حتى العاشرة ، لا تحاول أن تكذب ، أنا اعرف
أين أمضيت الليل او أستطيع تخمين ذلك .
سأذهب إلى المحطة لأحجز تذكرتين . سنسافر الليلة ، لا تخرج.
( موسى)
خلعت قميصي وتمددت على السرير وغفوت ، حلمت إن موسى عاد من الشباك فوق مكنسة بلحية طويلة وكيس مليء بالأوراق الملونة والنقود والرسائل .
أيقظتني صرخات وأصداء ضجيج قادمة من الشارع ، فتحت عيني للحظات ،لم أميز شيئاً فنمت ثانية نوماً عميقاً بلا أحلام .
عاد موسى بعد ساعة وبلا مقدمات صرخ في وجهي وأنا ما أزال بين اليقظة والنوم :
- لقد ذبحوا فوزية .
قفزت من السرير وأمسكت بقميصه ، جحظت عيناه وتشنج وجهه وبدأ يسعل .
- من ذبحها ، قل من ذبحها ؟
- انتظر،سأشرح لك ، لم تذبح بل أشبعوها ضرباً وداسوا فوق بطنها .
أرخيت قبضتي عن رقبته
- عندما سقطت المسكينة على الأرض انزلق طفل من بين فخذيها وبدأ يصرخ ويولول حتى اختفى .
- موسى ، كن جاداً .
- يا صديقي ، لقد عادت زوجة أبيها فجأة مع الشاب الذي رأيناه في المطعم لأن سيارته تعطلت في الطريق وانتظرا معاً عودتها وحين يأسا خرجا ليبحثا عنها في الشوارع وقاما بأخبار الشرطة وحاولت العجوز أن تربط بين غيابها وغيابك ولكني أقسمت لها : انك ذهبت إلى الجزر وستعود بعد يومين .
أضاف وهو يتجه إلى خزانة الملابس :
- احضر حقيبتك بسرعة فعلينا أن نكون في المحطة بعد ساعة .
- بل سأذهب إلى غرفة العجوز لأعترف لها بالحقيقة .
- لا فائدة ، اخرجوا فوزية من الفندق حين كنت نائماً وضربوها وشتموها ثم حشروها في سيارة أجرة وقد حاولت أن تهرب فعادوا إلى ضربها أمام المارة ، كانت قد حاولت قبل ذلك أن تلقي بنفسها من الشرفة ، هل عدت معها ؟
- لا عدت من طريق آخر ، تسكعت وجلست في مقهى ، كنت أتوقع أمراً ما سيحدث .
- قالت المسكينة لهم : إنها لم تعرف الطريق وإنها بحثت عن الفندق دون جدوى طوال الليل ولم يرشدها أحد إليه .

*
أعطاني بواب الفندق ورقة مجعدة ملطخة بالدموع يبدو أن فوزية كتبتها على عجل في الحمام او حين حبست نفسها في الشرفة وهذا ما كتبته في الورقة :
حبيبي الوحيد
شكراً بخصوص ليلة أمس ، تمتعت كثيراً ولن أنسى ذلك طوال حياتي .
المرأة التي معي هي أمي وتعمل دلالة ولا يهمها سوى المال ، لها مآرب
بخصوصي وخمن ما هي هذه المآرب أما الرجل فهو زوجها الثالث
و يريد أن يستثمرني هنا لحسابه .
كل ما قلته لك من قبل غير صحيح ، كل حكاياتي خيالية وملفقة .
أتمنى أن نكون بخير دائماً . حاول أن لا تنساني .
تحياتي و زووووواج سعيد .
حبيبتك إلى الأبد / فوزية

في الطريق إلى المحطة حدثني موسى عن الليلة التي قضاها وحيداً وكيف تنقل ثملا ، بين مواخير وعلب ليلٍ وحاناتٍ لم يعد يتذكر الآن عددها .
-عدت عربيداً مرة أخرى .
- موسى شكلك لا يوحي بذلك ، اعتقد انك لم تغادر الغرفة .
- صدق أو لا تصدق ، إنها مشكلتك .
حين صعدنا إلى القطار تخيلت العجوز التي سبقتنا وكانت تستند على عكاز خشبي وتبتسم في رقة في وجه كل من يقابلها وهي تردد : آسفة ، أرجو المعذرة هي نفسها المرحومة اجاثا كريستي وإنها ستأخذنا معها في قطارها الخيالي ، قطار الشرق السريع في رحلة معكوسة ترافقنا فيها أشباح السلاطين والبغايا والمحظيات والغلمان والفرسان والمهرجين والسقاة والسيافين والكتبة وكل مرتزقة أواسط آسيا وتخيلت كذلك إن اسطنبول بقبابها وقصورها وأزقتها وشوارعها الضائعة بين الوجود والوهم تمضي بعيداً في الظلام على بساط سحري ، إلى الماضي ، إلى مستقرها الأبدي في حضن جارية عجوز . ثم بلا يقين أكيد وبينما كان القطار يتحرك رأيت فوزية على رصيف المحطة تساوم بائعاً متجولاً على عقدٍ او منديل في يده ، كانت تضع قناعا حزينا على وجهها وتخيلتها ترمي العقد على الأرض وتطلق حمامة تخفيها بين ثدييها وتحلق خلفها ثم تستقر على البساط السحري وتدلي قدميها منه وتلوح لي كأنها تقول لي وداعا او تطلب مني أن أعود .
القائمة الرئيسة
البحث