الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
يوم خذلتني الفراشات/ فصل من رواية
زياد أحمد محافظة
يوم خذلتني الفراشات/ فصل من رواية
زياد أحمد محافظة


منذُ أن افترقنا، ذهبَ كلٌ منا في اتجاه، أيُ فلسفة في هذا! من الطبيعي بعد أن نفترق أن يذهبَ كل منا في اتجاه.

ليس في الأمر التباسٌ إذن، فهنالك دائماً متسعٌ لما هو جديد. لستُ أدري إن كانت بعض الحكايا قد أتتكَ ذاتَ يوم من مصدر لا تتوقعه؛ من شخص لم يعد يملك من الحواس الخمس سوى بعضها، من واحد ابتلعَ كل شيء، فلم يُعط للحياة خياراً آخر سوى أن تلفظه، من لاعب قرر أن يكشفَ فجأةً نصفَ أوراقه، بعد أدرك متأخراً أنه لم يعد يملك سوى ذاكرة متواضعة، لا تعرفُ كيف تُرتّبُ الأشياءَ وتؤتمن عليها.. ذاكرةٌ مُتغضّنة هي كل ما تعنيه الآن.

أنا أعلمُ أنكَ قد تقبلُ لشخص أن يسمعَ نيابةً عنك، أو يروي لك حكاياه، لكن البصرَ هو ما لا تستطيع إعارته لأحد. لذا فاسمح لي أن أكونَ اليومَ راويك، أن أقولَ لك ولو جزءاً يسيراً مما لدي.

قد توافقُ الآنَ لسبب لا تعلمه، وربما تتراجعُ حين تعرفُ من أكون. وقتها قد لا يسرُّك ذلك، إذ تكونُ الحكاية قد شارفت على المغيب، وأكونُ قد تسللتُ إليك بكلماتي وتركت عندك بعضاً مما أريد.

سأعبر قليلاً للوراء، أمشي على نصل الذاكرة لأصل للبدايات، وأصعبُ ما في الأمر كله، بدايته. سأعود ساحباً معي ما علق بالذاكرة من أشواك، أُقلّب ماضياً نيئّاً لم تنضج قسوته أو تلين.. الحاضرُ مراوغٌ حقيقي، يبتلعُ فقط زلاّت الماضي ونزواته.

في طفولتي التي لا أذكرُ منها الشيء الكثير، كنتُ أُحبُ فصلَ الربيع كثيراً، انتظرهُ لأن ثمة أشياء فيه كانت تغريني.لم تكن الأزهار الملوّنة وهيجانُ الخضرة ودفء الطقس، وغير ذلك من الصفات المملة، التي ينعتون بها الربيع عادةً في كل مرة يحل فيها ويرحل مسرعاً، ما تجعلهُ الألذ بالنسبة لي، بل لأنهُ لم يكن يخلفُ معي موعداً، يأتي لي بالمتعة ذاتها؛ يخلقُ إمامي مسرحاً انتظرهُ شهوراً طويلة، مسرحاً أستطيعُ خلاله ممارسة هوايتي الوحيدة، متعتي التي لازمتني على الدوام.

وحده الربيع من لم يكن يفاجئني بمزيد من الخسارات.. يأخذ بيدي دوماً لعالم مغسول بالدهشة.

كان كل واحد من رفاقي في ذاك الزمان يمتّعُ نفسهُ بأشياءَ مختلفة؛ يأتي من اللاشيء بلعبة أو قصّة، يصنعُ لنفسه كُرةً من بقايا قماش، أو ملابسَ رثّة كانت تستر ذات يوم أطفالاً وتخفي تحتها أسرار.

لطالما استوقفتني تلك الكُرات القماشية، بألوانها وأحجامها وإصرارها على الحياة. كنتُ أنظرُ إليها باشمئزاز، أركلها بقرف وألعن معها هذا الواقع البائس، أُفكرُ في أن الركلَ الذي تمارسهُ الحياة على البعض يأبى أن يفارقهم، يلتصق بهم، بل يتمادى ليطارد حتى ملابسَ رثّة، كانت يوماً ما، كل ما يملكون.

نما الحزنُ مبكراً فوق طفولتي، طحلبَ ماء البراءة وكدّر صفوها، قبل أن أرشف منه ما يروي من قطرات.

هُم كانوا يستمتعون بأشياء كثيرة، أما أنا فكنتُ أستمتعُ بشيء مختلف، شيءٌ واحدٌ فقط يجذبني ويسحرني؛ هو مراقبةُ الفراشات وتتبعها.. ملاحقتها واصطيادها.

ذات ربيع، استطعتُ بعد أن أمضيت ساعات طويلة أترصدُ عدة فراشات ملوّنة، لم أرَ في حياتي أكبر وأجمل منها، أن أقبضَ على ثلاثة. كدتُ أطيرُ يومها من فرط سعادتي وأنا أضعها واحدةً تلو الأخرى، في قفص خشبي صغير كنت قد صنعته بنفسي، أحسستُ حينها بأن تلك أقصى متعة يمكن لطفل مثلي أن يبلغها.

حملتُ فراشاتي وعدتُ بها مزهواً.. كان ثمة فرح ينضج في داخلي على مهل، صحيحٌ إنني امتلكت بعد ذلك بعشرات السنين أشياءَ كثيرة لا حصر لها، لم يبق شيء يمكن لي أن أتمناه أو أفكر به إلا وصار عندي، لكن ذاك القفص بما ضمَّ من فراشات، لا يزال حتى اليوم، أثمنَ ذكرياتي.. وأقساها.

حين وصلتُ البيت، كان أبي يجلسُ كعادته في الساحة الخارجية، لم يكن النهارُ قد انتصف، ولم تكن شمسهُ قد كشفت كل نيّاتها بعد. رأيتهُ كعادته؛ يجلسُ وحيداً قرب ياسمينة تتسلق الحائط بحذر، يضعُ رجلاً على رجل، ويرشف شاياً داكن اللون، بيده اليمنى سيجارتهُ التي لم تعد تفارقه، وباليسرى كتابٌ مفتوحٌ، لم يسبق لي أن رأيته معه.

كان يلبسُ بذلةَ رماديّة اللون، وقد فكَّ عنها ربطةَ العنق وتركها تتدلى على صدره كقلادة. في الحقيقة كانت تلك واحدة من صفاته التي ربما انعكست عليّ دون أن أشعر، لم يكن يرتدي ملابسَ النوم أو الملابسَ المريحة إلا قبل التوجه للسرير بدقائق، كان يحرصُ منذ اللحظة التي يستيقظُ فيها، على أن يكون في كامل أناقته؛ يرتدي بذلة رسمية، يشدُّ عليها ربطة العنق، يصففُ شعره وينتعل حذائه، ثم يحملُ ما تسيرَ له من كتب، وينعزل في واحد من أركانه التي باتت معروفةً في البيت، يتنقلُ بينها تبعاً لحركة الشمس والظل وبرودة الهواء أحياناً، وتقلّب المزاج أحياناً أخرى.

كان حرصهُ على البقاء بهذه الصورة يثيرُ حيرةَ الكثيرين، فهو دائماً على هذه الحالة رغم أنه يمضي نهارهُ في البيت، لا يخرجُ إلا في حالات نادرة، ولا يلتقي سوى عدد قليل جداً من الأصدقاء.

لطالما فكرت في حالته تلك، قلتُ في نفسي نحنُ نلبس لنُريَ الناسَ وجوهنا الأخرى، لنُخفي تحت زهو ملابسنا أسراراً وأمراضاً، لذا كثيرةٌ هي المراتُ التي سألتُ فيها أمي عن حالته تلك، لِمَ يحرصُ على أناقة لم يعد بحاجة إليها؟ لِمَ ينتقي كلَ يوم بذلة جديدة رغم أنه لا يخرجُ البتة! إذ لم أرهُ يستقبلُ أحداً في البيت منذُ مدة طويلة.

كان ردها على سؤالي المتكرر ذاك، بأن تلك قد أصبحت اليومَ عادةً من عاداته، لا يستطيعُ ولا يريدُ أن يغيرها، كانت تضيفُ أحياناً لجوابها ذاك، كلمات لم تكن مفهومة لي حينها، فتقول: "اعتادَ أن يكونَ مستعداً لكل شيء... قد يأتون بأية لحظة، وهو لا يحبُ أن يراهُ أحدٌ بغير تلك الهيئة".

توجهتُ نحوه بسرعة لأُريه قفصي الصغير وفراشاتي الملونة، كنتُ أحملُ القفص والفراشات القلقة بداخله، وأتقدمُ نحوه بثقة وفرح. قابلني يومها ببرود؛ تأمل الفراشات طويلاً ثم خلعَ عن عينيه نظارة القراءة ووضعها جانباً على الطاولة، بعدها نظر إلي بطريقة لم أفهمها.

لم يكن مزاجهُ سيّئاً ذاك النهار، وبذات الوقت لم يكن ليطيقَ حديث طفل عن فراشات التقطتها ببراعة. أخبرتهُ كيفَ تتبعتُ الفراشات واحدةً تلو الأخرى، كيف سُقتها للقفص، رحتُ أشرحُ له بالتفصيل، كيف تمكنتُ من القبض على ثلاث فراشات من ثلاث محاولات فقط، كيف وكيف وكيف.

لم يُعلّق يومها كثيراً، تركني حتى انتهيت من فرحتي، ثم تناولَ القفصَ من يدي وقال كلمتين لا زلت أحفظهما لليوم: "دع الفراشات وشأنها". ثم فتحَ باب القفص للفراشات، وتركها تطير.

توسلتُ إليه، أمسكتُ يده.. رجوتهُ وبكيتُ بحرقة طفل، لكنه لم يستجب، حرّكَ القفصَ بسرعة ثم أتاح للفراشات فرصة الهروب، وأنا أكادُ اختنقُ بدموع وخيبتي. وقفتُ مذهولاً لا أعرف ماذا أقول، أو ماذا يمكن لطفل مثلي أن يفعلَ في موقف كهذا.

رفيفُ أجنحة الفراشات وهي تحلّق هرباً، أيقظَ في داخلي أشياء كثيرة لم أكن أعرف أين تختبئ.

طارت الفراشاتُ وكلانا يتفرج عليها، هو يفكرُ في أشياء وأنا أفكرُ في أخرى؛ هو يرافقُ الفراشات ليخرج معها من خيبة عرفت عنها لاحقاً، وأنا رحتُ أحلبُ أولى خيباتي. كنتُ أودُ أن أصرخَ في وجهه، أن أركضَ خلفَ فراشاتي المذعورة حتى ولو بدموعي، لكني لم أفعل شيئاً.. نظرت إليه بأسى، ثم تركتهُ وانسحبتُ لأجلس مكسوراً على عتبات البيت.

فرّت الفراشاتُ مسرعةً.. لكن منذُ ذاكَ اليوم، أقسمتُ ألاّ أدعَ فراشةً تهربُ من أمامي.

أذكرُ تلك الحادثة على الدوام، وأذكرُ أيضاً أنني كتبتُ له بعد ذلك بسنوات: "أردتَ أن تفعل خيراً مع الفراشات فأطلقتها، لكنكَ حبستَ طفلاً صغيراً في داخلي".

زياد أحمد محافظة
كاتب وروائي من الأردن مقيم في أبوظبي
ziadmahafza@gmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث