الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
جيل دولوز/طاولة مستديرة من حول بروست (الحلقة الثالثة)
ترجمة: حسين عجة
جيل دولوز/طاولة مستديرة من حول بروست (الحلقة الثالثة)
جيل دولوز

رولان بارت : أرى بأننا ندور دائماً من حول نقطة الشكل، الموضوع والتنوع. في الموسيقى، هناك شكل أكاديمي ومعياريّ للموضوع، تنوعات براهامز Brahms، مثلاً، من حول موضوع لهايدن Haydn؛ في البداية لدينا موضوع ما، ثم عشرة، أثنتى عشرة أو خمسة عشرة تنوع عنه. لكن لا ينبغي التغافل عن وجود عمل عظيم، ضمن تاريخ الموسيقى، يتظاهر بتناول بنية "الموضوع والتنوعات" « thème et variation » معاً، غير أنه في الحقيقة يقوم بتفكيكها؛ أنها تنوعات بيتهوفن التي تدور من حول رقصة الفالس لديابلي Diabeli، على الأقل كما يصفها ويشرحها "شتوكهوسن" Stochausen، في الكتيب الرائع لبوكرشلف Boucourechliev عن بيتهوفن. يلاحظ المرء هناك بأن المسألة تتعلق بوجود ثلاثة وثلاثين تنوع بلا موضوع. ثمة من موضوع، مُعطى في البداية، وهو غاية في الغباء، لكنه مُعطى بالدقة كموضوع للسخرية. يمكنني القول بأن تنوعات بيتهوفن تلك تعمل إلى حد ما بذات الطريقة التي تعمل فيها عند بروست. يتشتت الموضوع برمته عبر التنوعات، ولن تبقى ثمة من معالجة متنوعة للموضوع. وذلك يعني بأن المجاز قد تحطم بطريقة ما (لأن فكرة التنوع نموذجية). أو، في مطلق الأحوال، قد تمّ تحطيم أصل المجاز؛ أنه مجاز لكن لا أصل له c’est une métaphore, mais sans origine. أعتقد أن ذلك ما يجب علينا قوله.

سؤال آخر من القاعة : بودي طرح سؤال سيكون بمثابة حجارة تلقى في ماء ساكن. أيّ أني أنتظر إجابات متنوعة وتقدم لي قكرة واضحةُ عما تبحثون عنه عند بروست. ذلك السؤال هو التالي : هل يمتلك الراوية منهج ما ؟

جيل دولوز : منهج الراوية ؟ حسناً، لديه العديد منها. الراوية هو في آن معاً شخص يتظاهر بالعيش ويكتب. وذلك ما يطرح العديد من المشكلات المختلفة. ويوصلني كذلك إلى أصل المجاز : علاقة أصلية، علاقة مع الأم، علاقة مع الجسد، علاقة مع تلك "الأنا" « je » التي هي آخر autre والذي نحاول أبدياً إعادة بنائها –لكن هل يمكننا واقعياً بلوغ ذلك بفضل مناهج متنوعة للكتابة ؟

جيرارد جنيت : عندما يتحدث أحدهم عن الراوية في "البحث عن الزمن الضائع"، عليه أن يحدّد إذا ما كان يستخدم هذه المفردة بمعناها الدقيق أو الواسع والغامض، أي إذا ما كان يشيرُ بذلك إلى السارد أو إلى البطل le héros. فيما يتعلق بمنهج البطل، ليس لدي سوى إعادة ما كتبه دلوز عنه : أنه يتعلم منهج فك الشفرات، الخ... ذلك هو منهج البطل، الذي بمقدورنا القول عنه بأنه ينبني تدريجياً. أمّا إذا كان الأمر يتعلق بمنهج الراوية بحد ذاته، فمن الواضح أنه يظل خارج نطاق السؤال المطروحِ.

نفس المحاور : إذا كنتَ تقول بأن منهج البطل، أي الراوية بمعناه الواسع، ينبني تدريجياً، ألا تعتقد بأنك عند هذه النقاط على خلاف مع دلوز ؟ أنا فهمتك جيداً يا سيد دولوز، فكرتك هي أننا لا نكتشف ذلك المنهج إلا في النهاية. في البداية لم يكن هناك سوى مسار غرائزي بمعنى ما، أي مسار لا يمكن أدراكه، لا يحيل على أي شيء ولا يمكن تحليله إلا ضمن "الزمن المُستعاد".

جيرارد جنيت : قلت تواً ما الذي أتفق به مع دولوز.

جيل دلوز : نعم، أنا لا أرى ما تراه من تعارضٍ فيما قلناه.

نفس المحاور : أرى تعارضاً ما بين فكرة أن المنهج ينبني شيئاً فشيئاً، ومن الناحية الأخرى، فكرة أن ذلك المنهج لا يكشف عن نفسه إلا في النهاية.

جيل دلوز : عفواً، لكن ذلك يبدو لي نفس الشيء. عندما يقول المرء أن المنهج يتأسس ضمن نطاق موضعي، فهذا يُشير أولاً إلى أن ما كان موجوداً في البدء، أي هنا وهناك، هو قطعة ما من المحتوى التي تمّ القبض عليها ضمن قطعة ما من المنهج. كذلك حين يقول الراوية مع نفسه : تلك هي النقطة، فهذا لا يعني بأن كل شيء قد تجمع فجأة؛ تبقى القطع قطعاً، والعلب علباً. لكن ما يتم الإمساك عليه في النهاية هو، بدقيق العبارة، أن تلك القطع هي التي بنت العمل بحد ذاته، لكن دون أحالته إلى وحدة متسامية. لذا لا أرى أي تعارض ما بين البناء الموضعي لقطع المنهج والكشف عنه في النهاية.

نفس المحاور : أريد العودة إلى كلمة قلتها في مداخلتك الأولى. لقد قلت في لحظة ما : لكن، ما الذي يفعله الراوية ؟ فهو لا يرى شيئاً، لا يفهم شيئاً؛ ثم إضفتَ : ولا يريد فهم شيئاً.

جيل دلوز : ذلك لا يُثير أهتمامه، هذا ما كان عليَّ قوله. حسناً.

نفس المحاور : حسناً، أتساءل إذا ما كانت إرادة عدم الفهم تلك تُشكل جزءاً من المنهج ذاته. فكرة الرفض: أتخلص من هذا الشيء أو ذاك لأنه لا يُثير أهتمامي. عن طريق الغريزة، أعرف بأنه لا يعنيني. ثمة إذاً من البداية منهج ما، إلا وهو ثقة المرء بغريزة ما. ما يتمّ أكتشافه في النهاية هو أن ذلك المنهج كان من البدء جيداً.

جيل دولوز : ليس لأن ذلك المنهج كان جيداً، بل لأنه أشتغل بصورة جيدة. لكنه ليس منهجاً شمولياً. لذا لا ينبغي القول : كان المنهج الأحسن؛ بل المنهج الوحيد الذي كان بإمكانه العمل بمثل هذه الطريقة التي تولدَ عنها العمل.

نفس المحاور : لكن ألا يتولد الإلتباس بالدقة من مسألة أنه لو كان لدى الراوية، منذ البداية، منهجاً فأنه سيكون منهجاً لا يفترض الهدف الذي يسعى نحوه ؟ لم يكن الهدف مطروحاً في البداية، لكنه يَرتسمُ في النهاية.

جيل دولوز : لكن لا شيء مطروحاً. ولا حتى المنهج. ليس هدف المنهج لم يكن مطروحاً وحسب، بل وأيضاً المنهج نفسه لم يكن مطروحاً.

نفس المحاور : إذا لم يكن مطروحاً، فعلى الأقل كان يتم التلميح به.

جيل دولوز : هل كان يجري التلميح به ؟ سأخذ مثلاً مُحدّداً : كعكة المادلين. أنها تجعلنا نفكر بأن ثمة من جهد قد بُذلْ من قبل الراوية، جهد تمّ تقديمه بصورة مكشوفة باعتباره جهداً منهجياً. ليس هناك حقاً سوى قطعة من منهج في طور الممارسة. والحالة هذه سنعرف، بعد مئات الصفحات، بأن ما تمّ العثور عليه في تلك اللحظة لم يكن كافياً وبأنه ينبغي البحث عن شيء آخر، التقدم في البحث. لذا، أنا لا أعتقد أبداً –ويبدو لي بأنك شرعت، بدورك، بمناقضة نفسك- بأن المنهج كان مطروحاً منذ البدء. لم يكن مطروحاً، بل يعمل هنا وهناك، مع سقوطات تشكل جزءاً من العمل، وحتى عندما يشتغل، لا بد من إعادة تناوله بنمط آخر. وهذا ما يتواصل حتى النهاية، إلى أن يتدخل... نوع... كيف يقول المرء ؟ منْ الكشف. في النهاية وحسب يجعلنا الراوية نلمحَ ما كان عليه منهجه : أنفتاحه على ما يشكل بالنسبة إليه أرغاماً، أنفتاحه على ما يواجهه بعنف. هذا منهج. يمكننا في مطلق الأحوال تسميته بهذا الأسم.

سؤال آخر من القاعة : يا جيل دولوز، أرغب في العودة إلى صورتك عن العنكبوت، وهي صورة مُثيرة تماماً لكي أطرح عليك السؤال التالي : ما الذي تفعله بفكرة الإيمان، التي غالباً ما نعثر عليها عند بروست؟ لقد قلت بأن العنكبوت لا يرى أي شيء؛ لكن بروست يقول في الغالب الأعم بأن هذا المشهد أو ذاك كان يعوم في إيمان ما، أي ضمن أنطباع بعينه يسبق ذلك المشهد، على سبيل المثال، ما يتعلق بأشجار الزعرور، والانطباع الذي تولد عند البطل في الصباح قبل القداس.

جيل دولوز : مرة أخرى، هذا لا يتعارض مع ما قلته عن العنكبوت. ما يتعارض، إذا شئت، هو عالم الإدراك أو العالم الذهني، من جهة، وعالم الإشارات من الجهة الثانية. في كل مرة يتدخل فيها الإيمان، يكون ذلك بمثابة تلقي المرء لمحفز ومن ثم ردة فعله حياله. بهذا المعنى، يكون للعنكبوت إيمان، غير أنه إيمان بإهتزازات قماشته. فالمحفز هو ما يحرك القماشة. وبالقدر الذي لا يكون فيه العالم ضمن تلك القماشة، لا يؤمن العنكبوت على الإطلاق بوجود العالم. لا يؤمن به. لا يؤمن بالذباب. بالمقابل، يؤمن بكل حركة تحدث في القماشة، مهما كان صغر تلك الحركة، وهو يؤمن بها باعتبارها ذبابة، حتى وأن كانت شيئاً.

نفس المحاور : بتعبير آخر، لا وجود لأية مادة إلا تلك التي تدخل في القماشة...

جيل دولوز : إلا إذا بعثت بمحفز يحركُ تلك القماشة، يحركها ضمن الحالة التي وجدت نفسها فيها في تلك اللحظة. ذلك لأنها قماشة تَصنعُ نفسها، تتكون، كما هو الأمر عند العناكب، وهي لا تنتظر حتى تكتمل كلها لكي تشعر بالضحايا. الإيمان الوحيد عند بروست هو إيمانه بوجود الضحية، أي إيمانه بما يحرك القماشة.

نفس المحاور : لكنه هو من يراقبها، تلك الضحية، أي يجعلها تغدو ضحيةً.

جيل دولوز : كلا، يراقب القماشة. ثمة مادة خارجية، لكنها لا تتدخل كونها مادة، لكنها تتدخل باعتبارها باعث للمحفزات.

نفس المحاور : وقد وقعت داخل القماشة التي كان العنكبوت منشغلاً بمراقبتها.

جيل دولوز : أجل.

سؤال آخر من القاعة : بودي طرح سؤال على السيد دولوز والسيد دبروفسكي. يا سيد دولوز، لقد استخدمت لأكثر مرة مفردة جنون : هل يمكنك شرحها بصورة أدق ؟ من ناحية ثانية، يا سيد دوبرفسكي، لقد قلت بأن الراوية ليس مجنوناً، لكنه "مخبول" « dingue » : ذلك يتطلب تفسيراً.

جيل دولوز : لقد انطلقتُ من ذات الإستعمال الذي يستخدمه بروست لهذه المفردة. هناك صفحة رائعة في "السجينة" Prisonnière حول هذا الموضوع : أن ما يُقلق الناس هو ليس الجريمة، ولا الخطأ، لكن شيء أسوء من كل ذلك، أنه الجنون. وهذا ما تقوله أم تكتشف أو تستشعر –وهي غبية تماماً بالمناسبة- بجنون جارليس؛ وحين داعب خد أحد ابنائها وسحب أذنيهما، ثمة هنا شيء أكثر من المُثليةِ، شيء ما لا يُصدق وينتمي لنظام الجنون. وبروست يقول لنا : هذا هو ما يُقلق. أمّا فيما يتعلق بمعرفة ما هو ذلك الجنون وفي أي شيء يكمن، أعتقد، من ناحيتي، بأنه يمكننا القول بأنه شيزوفرنيا schizophrénie. أن عالم العلب المغلقة، الذي حاولت وصفه، وكذلك حالات الإتصال الزوغانية، هو بالتأكيد عالم فصامي schizoïde.

سيرج دوبرفسكي : إذا كنتُ قد أستخدمت مفردة "مخبول"، فذلك لأنني لا أعتقد بأن الأمر يتعلق بالجنون. لا اظن بأن الراوية كان مجنوناً تماماً، مع أنه بمقدورنا إضافة نصاً آخر إلى تلك النصوص التي استشهد بها دولوز، أعني ذلك النص الذي يخبرنا فيه الراوية بأن "فنتايّ" كان قد مات مجنوناً. يحاول البطل النضال ضد جنونه، لنكن على يقين من ذلك، وقد لا يكتب كتابه. لقد رغبتُ، إذاً، في إدخال عنصر الفكاهة الذي تحدث عنه دولوز، وذلك عبر استخدامي لتلك المفردة الإصطلاحية.
لن أكرر ما قلته الأمس عن العصاب النفسي névrose. ما أثار انتباهي، لكي أبقى على مستوى الكتابة وحدها، هو أن نفس القصص، ذات الشخوص، ونفس المواقف لا تكف عن المرور في كل مرة مع تنويع طفيف. أن هذه الظاهرة، التي رجعَ إليها جنيت قبل قليل، كان ليو براسني قد حللها بدقة كبيرة في كتابه عن بروست. تُكرر الأشياء نفسها بطريقة مهوسة، والمصادفات كبيرة جداً، كل شيء يحدث وكأن السرد أصبح إستحلامي إلى حد بعيد. لم نعد ضمن نطاق واقعية سردية بعينها réalisme narratif quelconque، ولكن ضمن هذيان يقدم نفسه بإعتباره سرداً. ينبغي علينا تبيان ذلك عبر سلسلة من الأمثلة، لكن دون الأخذ بعين الاعتبار سوى المُثل البروستية الكبرى، التي طبعها أحدهم في كتيب، والتي إذا ما قرأناها بالتعاقب ستترك آثراً خارقاً : يفتحَ الراوية كنوزاً من العبقرية لكي يبرر تصرفات ضالة جذرياً.

سؤال آخر من القاعة : يا سيد رولان بارت، لدي سؤال لا أستطيع صياغته، ما دام أنه يشير إلى نص لم أفهمه جيداً، أنا أتكلم عن المقدمة التي كتبتها لكتابك "ساد، فوريه، ليولا" Sade, Fourier, Loyola. الأمر يتعلق بـ "لذة النص" « plaisir du texte »، عبر مفردات تُذَكرْ بوضوح واف ببروست، ومن الناحية الأخرى، يتعلق بنوع من الفاعلية النقدية كونها فاعلية تهديمية أو التفافية، ليست بعيدة عن التأويل الذي تحدث عنه جنيت بخصوص التنوعات. يبدو لي شيئاً كهذا مُلتبساً كفاية، وذلك بالقدر الذي يكون فيه تأويل التنوعات قريباً من نمط بعينه من المحكاة pastiche، الذي يمكن أن يوصلنا إلى أسوء أشكال الضياع النقدي.

رولان بارت : لا أرى جيداً التباس المحاكاة.

نفس المحاور : اريد التحدث عن تفسير التنوعات الذي يبدو أنك توافق على تعريفه كونه فاعلية نقدية، والذي أربط أنا بينه وبين لذة النص التي قمت أنتَ بوصفها. بودي معرفة موقع شيء كهذا.


حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث