الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
في رواية "المحرقة"...التاريخ يتلبّس المخيلة
سعد محمد رحيم
في رواية "المحرقة"...التاريخ يتلبّس المخيلة
غلاف الرواية


يرسم قاسم محمد عباس في روايته ( المحرقة/ دار المدى ـ دمشق 2010 ) عالماً شديد الغرابة والتعقيد، حتى ليبدو وكأنه بإفراطه في التصوير الواقعي لذلك العالم إنما يطيح بالمنطق والمعقول ويخرق حدودَ ما اعتدنا عليه وألفناه، ليدخلنا في حمّى الكابوس ورعبه. إنه يحكي عن واقع خبره وأضحى شاهداً عليه، وربما من أجل أن يتخفف من عبئه لجأ إلى إحالته لنص أدبي.. إنه واقع الحرب، وتحديداً الحرب العراقية الإيرانية، بقسوتها وفظاظتها وعقابيلها كلها. وما خلّفته من جراح ودمار في الأرواح، ناهيك عمّا تطلبته من نزيف إنساني مُهلك كي تستمر ثماني سنين. إنه التاريخ في النص وقد أخذته المخيلة على عاتقها، أو هي المخيلة المشكِّلة للنص وقد تلبّسها التاريخ.
تنقل الرواية قصة طالب جامعي ( مروان ) يطلب منه والده، في لحظة عصيبة التخلي عن دراسته والالتحاق بوحدة عسكرية في البصرة هرب منها أخوه ( غسان ).. أي أن عليه أداء دور غسان في الجيش خشية انتقام السلطة من العائلة. فيذهب إلى هناك؛ يموّه شخصيته ويخدع الضباط، يساعده الشبه الكبير في ملامح الوجه بينه وبين أخيه.. وبخسارته لمستقبله الجامعي سيخسر حبيبته ( ياسمين ) أيضاً، وهي ابنة عمه التي تنصحه برفض هذه الصفقة غير العادلة، لكنه لن يحرِّك ساكناً، فتتزوج من رجل آخر..
يُسجن مروان لمدة قصيرة بسبب تغيبه ( أو تغيّب أخيه ) عن المعسكر ليجد نفسه معاقباً أخيراً بإبعاده للخدمة في ما يسمى ( المحرقة ). والمحرقة فرن مشتعل بدرجة حرارة عالية وظيفتها إحراق الأعضاء البشرية المبتورة في الحرب وتحويلها إلى رماد.. هنا تبدأ تراجيديا حياة مروان.. إن ما يُرمى إلى جوف المحرقة ليس مجرد أجزاء من أجساد آدمية مبتورة بل كل ما تحمله تلك الأجساد من طاقة ورغبات وأحلام وأفكار ومشاعر. وفي كل مرة يقوم فيها مروان بعمله يكون قد خسر جزءاً من ذاته. أو كما لو أنه يلقي بقطع من جسده في الأتون.. إن العطب الذي تخلفه مهمّته الدراماتيكية فيه سيعاني منه إلى الأبد.. وسيبقى يحس بأوجاع أولئك القتلى والمعاقين، وسيتصادى في أذنيه صراخهم وعويلهم وأنينهم. وأينما حل سيشم تلك الرائحة؛ الرائحة اللاذعة والحريفة لاحتراق الأعضاء البشرية. إنه يُعزل هناك، في ذلك المكان الكابوسي ليتشبع برائحة الأجساد المحترقة، المقبضة للنفس، فيتحول شعوره بالغثيان البيولوجي إلى شعور بغثيان وجودي. فهو الآن مقتلع ومهان، وقد سُلبت منه ذاته وهويته من قبل قوى قاهرة خارج نطاق سيطرته، وأحياناً خارج نطاق فهمه واستيعابه. فالمحرقة منفى بمعنى ما، وعقوبة لابد لمن هو مثل مروان من تحمّلها. والخيارات ثمة محدودة ومرّة، وقد دخل مروان عالمها، كما يقول؛ "بقلب مرتعش وروح معذّبة واسم مزوّر". وعليه أن يمارس دوره تماماً مثل شخصيات كافكا في قصة ( في مستوطنة العقاب ) حيث الاستسلام للمصير يجري وكأنه أمر لا محيص عنه. وكأن ذلك الفعل الغرائبي ( الإعدام بوساطة آلة مرعبة ) هو الواقع بعينه والمعقول بعينه.. إن وصف كافكا لتلك المستوطنة حيادي وبارد كما لو أنه وصفٌ لمدينة ملاهي، أو ساعة نزهة مضجرة.. يقول مروان؛ " عليّ أن أذكِّر باستمرار بضعفي وخوفي، وإلاّ كيف أتفهم استسلامي لحياتي هنا في المحرقة، بينما أتجول في وقائع حياتي الماضية وكأنها حياة أخرى لا علاقة لي بها".
تفرض الحرب أسئلة المعنى والهوية والحرية؛ أقانيم الماهية الإنسانية في ذروة مواجهتها لنفسها، على الرغم من أنها ( أي الحرب ) تمثـّل جوهر العبث؛ حالات غيبوبة العقل في التاريخ، وتنصل الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية.. إن الأنانية والكراهية والطمع والحقد والقسوة تجليات، لا تُعنى بالبحث عن مسوِّغ لها في الغالب، لانحرافات أخلاقية يكون ثمنها باهظاً، ويكون على الجميع سداده بلا استثناء؛ القتلة والمقتولين، الظَلَمة والمظلومين، الأبرياء والمدانين.
سيتقمص مروان شخصية أخيه حتى لن يعود مروان مرة أخرى، ولن يغدو غسان بطبيعة الحال. ولن يكون في مكانه الذي تخلى عنه بضغط من ظروف قاهرة، بل لن يجد ذاته ثانية في أي مكان. وإذا كانت الحرب قد شطرت ذاته في ذاتين ظاهرياً فإن الشرخ سينتقل حتماً إلى ذاته الداخلية. وسيحاول من طريق الكتابة أن يمضي بالحوار حتى نهايته علّه يستوعب ما يجري ويفهم ذاته من أجل أن يتصالح معها ويعيد لها وحدتها، بعدما كان يقول؛ "وكأنني أتحدث إلى شخص آخر، لا علاقة له بي". فهل سيفلح؟!.
إن الإشكالية الوجودية الأولى هي إشكالية علاقة الإنسان بالزمن، وحتى فكرة العبث ترتبط بفكرة الزمان، والتي تحددها في النهاية فكرة الموت.. فالوجود الإنساني هش عموماً، وقابل للانكسار، ويتأرجح على حافة العدم، لاسيما في أوقات الحرب. وهكذا هو وجود مروان عند فوهة المحرقة.. ذلك الوجود المعلّق على سؤال المعنى وسؤال الموت، وحيرة الإنسان أمام صورة المأساة؛ "رؤية الوجود المحطّم بصوره العنيفة، رؤية عدم وجود قانون ثابت يمكن أن تستمر عليه الحياة". وهذا، على وجه التحديد، ما يضعنا إزاء المعضلة الكافكوية الرئيسة، وهو غياب اليقين عند الإنسان عن وضعه الحقيقي، وعن موقعه في العالم.. وكان ( ك ) في رواية ( القصر ) يسعى لمعرفة ماذا عليه أن يفعل منتظراً الإجابة من هناك، من القصر ( رمز السلطة ) والذي لا يعرف سبيلاً للوصول إليه. ومروان الذي ستسلبه الحرب هويته وحريته ستشككه كذلك بمعنى الحياة وجدواها، لكن قوة الحياة فيه تبقى عالية. وهذا ما سيجعله يترك محرقته لبعض الوقت، في كل يوم، ليمشي ميلين مقترباً مما يسميه بسور الطبيبات، يستمع إلى الهمسات الدافئة والوشوشات الغامضة الآتية خلل ذلك السور، باحثاً عن التعويض في الحيّز المستفز للخيال، والمعطّر بأنفاس أنثوية، في مقابل ذلك الصقيع الروحي الذي يتركه فيه لهيب المحرقة، وهذه واحدة من مفارقات الحرب.
ستعرّفه الحرب، أو قل المحرقة، بليليان، الطبيبة المقيمة في المستشفى المجاور، واحدة من أولئك النسوة اللواتي كان يصغي لكلامهن عبر السور.. ستجمعهما المصادفة معاً، وسيجدان ما يشتركان به؛ قراءة الكتب. وستتعمق العلاقة بينهما وتتخذ طابعاً جسدياً حميماً، لكن ليليان سترفض مواصلة العلاقة بعد انتهاء الحرب. والسبب الذي ستتذرع به هو أنها من دين آخر، فهي مسيحية وهو مسلم. وأن مثل هذا الأمر له اعتباره في مجتمع محافظ، غير متسامح كثيراً، كمجتمعنا.
إن من يُقسر على خوض الحرب لن يخرج منها أبداً حتى وإن لم يُصب بأي أذى جسدي.. إن الذات التي تدخل الحرب ليست هي الذات عينها التي ستغادرها. وأعتقد أن ليليان تمثلت هذه المفارقة أكثر من مروان، وها هي تعي أن المسألة باتت مختلفة الآن، بعدما سكتت المدافع، ولن تقبل باستمرار العلاقة القديمة فيما تكون حبيبة مروان الأولى ( ياسمين ) قد دفعت قسطها من الثمن أيضاً.
يعاني مروان تشوشاً في الوعي، إنه لا يفهم لم حدث كل شيء بهذه الطريقة السيئة والمشؤومة. وانخراطه في البكاء، في نهاية الرواية، وهو يستحم غارقاً بالبخار صورة مجازية عن سعيه للتطهر، وعمائه في آن معاً. فآخر عبارة في الرواية هي؛ " لم أعد أرى شيئاً".
يكتب قاسم محمد عباس روايته بضمير المتكلم. وفي أية رواية مكتوبة بهذه الطريقة ثمة اقتران سري بجنس السيرة الذاتية، لا من حيث الشكل فحسب، بل من حيث التورط بالاعتراف.. إن روايات ضمير المتكلم، كما أزعم، تعد مخزون اللاوعي لكتّابها، لإنهم يُستدرجون، بحكم إغراءات الطريقة نفسها، إلى البوح الذاتي، واستعارة تفاصيل من التجربة الشخصية يستثمرونها في تعزيز عالمهم المتخيل.
يعتمد الروائي النسقين التتابعي والاسترجاعي في سرده لأحداث روايته. وهذا ما يعطيها شكلاً لولبياً، ويفضي بها إلى نهاية مفتوحة.. إن معضلة بطله الاجتماعية والوجودية لا تنبئ بوجود حل جاهز، وإحساسه بالقهر والضياع يُرغمه على الكتابة، لا لأنه فهم ما جرى، بل على العكس؛ لأنه، حتى اللحظة الأخيرة، لم يفهمه كما يأمل.

سعد محمد رحيم
روائي من العراق
saadrhm@yahoo.com

تعليقاتكم
1. الكلام على الكلام استكناه لخباياه واقتناص لدرره
نوارس الخزرجي | 10/8/2011 الساعة 08:36
كل التقدير والاكبار للروائي والأستاذ سعد محمد رحيم أن جعلنا نغوص معه في ثنايا رواية المحرقة وندرك أنً الكتابة الروائية ليست محاكاة للواقع وليست تسجيلا بل هي أداة للوعي بالذات وسبر أغوارها
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث