السبت, 19 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أكلينك أو بداية التعرف على كاترين بولاك/الفصل الثاني
حسين عجة
أكلينك أو بداية التعرف على كاترين بولاك/الفصل الثاني
حسين عجة


في وسط أحدى مصاطب جسر الفنانين كنا جالسين، أنا وكاترين بولاك، في تلك الليلة الصيفية العذبة من ليالي باريس المضاءة حد الدهشةِ أو السحر، غير بعيدين عن بعضنا إلا ببضعة سنتيمترات ربما، ومع ذلك كنا نستشعر وكأن مسافة شاسعة غير مرئية ولا تقاس بالأميال تفصلنا عن بعضنا، بقسوة، ببلاهة وعدم تصديق كان بمقدورها دفعنا نحو حالة من التململ أو الضجر الذي لم يكن أيّ منا قد وضعه في حسبانه.

كانت كاترين تلبس فستاناً عريضاً بعض الشيء، مقطوعاً من وسطه بحزام جلدي أسود ونحيف، جعلها تبدو وكأنها في آن معاً واحدة من فلاحات بلدي الأصلي وراقصة عصرية من الطراز الأول. أمّا لون ذلك الفستان، فكان يميل بالأحرى إلى البنفسجي الممزوج ببعض الزهيرات الزرقاء الصغيرة. كما كان عنقها المُرهفِ والمثير للشهوة يبرز من فتحته الواسعة، بطريقة تجعل خصلات شعرها السوداء المتدلية على كتفيها تختلط بلون بشرتها الوردية . لاحظتُ، بطريقة خاطفة، بعض قطع المرايا الصغيرة تزين أو ترصع الفستان، وهذا ما بدا لي غريباً ومثيراً للفضول، ذلك لأني لم أر مثلها على سطح فستان من قبل. كانت ذراعيها الفضيتين عاريتين حتى يديها الصغيرتين والناعمتين، وكانت تحمل من فوق أحدى كتفيها حقيبة نسائية صفراء من جلد البقر، كما أظن، مرصعةً هي الأخرى بدوائر صغيرة من المرايا. كل ذلك كان كافياً لإثارة دهشتي أو فضولي بالأحرى. غير أني لم أجرا على سؤالها عن قطع المرايا تلك، قائلاً مع نفسي، كما هي العادة حين نكون مقيدين من ناحية بقيم الكياسة والحشمة، أو، من ناحية أخرى، عندما لا نفهم ظاهرة ما؛ قلت مع نفسي ربما تكون تلك المرايا تعبيراً عن موضة جديدة أو تقليعة لا يدرك سرها من غير المختصين بما يُسمى "الهوت كوتير"، أي الملابس الفاخرة، التي تحمل علامات أو "ماركات" خاصة وباهظة الثمن أيضاً. باختصار، كانت هي الجالسة وسط تلك المصطبة، الليل، نهر السين الممتدد بوداعة أمامنا وكأنه يلتصق بضفافه بتلك المدينة بصورة حميمية وكأنه لا يرغب في مفارقتها، والممتدد بجريانه، مع ذلك، إلى خارج حدودها المعروفة، وكذلك مرايا فستانها، إبتساماتها، التي لم تنقطع وإن كانت خجولة، كل ذلك وغيره من آلاف الإشارات التي لا يمكن التعبير عنها قد شَكلَتْ ما يمكن وصفه لوحة كرنفالية صاخبة، أو عيد حقيقي. لاحظتُ كذلك، منذ كنا في محطة المترو، بأنها كانت تحمل بيدها صحيفة يومية، مطوية على أوراقها أو ملفوفة تقريباً. هنا أيضاً، لم تخامر ذهني جرأة الفضول لكي اسألها عن تلك الصحيفة، لا في الساعات التي أمضيناها في التنزه، ولا بعدها، حينما جلسنا لأخذ قسطاً من الراحة. هل كنتُ أسعى، عبر لجم رغبة التساؤل، أعطائها أنطباعاً أو صورة جيدة عن سلوكي العام، وبهذا أكون قد تجنبت تحريك فزع ما في داخلها ومن ثم خسرانها مرة وإلى الأبد ؟ لا أظن ذلك، لأني لم أكن منشغلاً بنفسي أو بتجميل تصرفي وطبعي في عينها، من جانب لأنها لم تُوَلدْ هي عندي حاجة كهذه، ومن الجانب الآخر، لأني لم أكن قد بلغت بعد هذا الحد من الزيف.

رفعتُ، في لحظة ما، عيني نحو وجهها لكي أرى شفتيها الممتلئتين، الخاليتين من أحمر الشفاه، والمشتعلتين بطبيعتهما بلون يقترب كثيراً من البني الغامق والذي ذكرني، بقوة برقٍ خاطف، بلون "الديرم" الذي كانت والدتي تضعه وتلوكه في فمها لكي ينعكس، فيما بعد، على شفتيها ويمنحهما شهوانية ذلك اللون المحير؛ كانت لدي رغبة حادة أيضاً للتطلع بعنقها المرمري، الذي حرك بعنف شهوتي الجنسية في تقبيله، شمه، مصه، عضه وترك آثاراً واضحة من فوق جلده الرقيق. لكن، بدلاً من توقف شراهة بصري عند تلك المنطقتين من جسدها، ثبث ذلك البصر، بنوع من المشاكسة والعناد غير المفهومين على صدرها ونهديها المتكورين، المرئيين تقريباً بالرغم من بقائهما تحت فتحة فستانها وحمالات النهود التي كانت ربما تلبسهما. قبضت كاترين، بعينيها السوداوتين الواسعتين، على حركة عيني من حول صدرها وأدركت، كما تخيلتً أنا في حينها، قوة وعنفوان شهوتي حيالها. تَصَنعتْ إبتسامة ما، لكي تمنحني انطباعاً أو تتظاهر بأنه لم يكن ثمة ما هو غير طبيعي في الأمر، ومع ذلك كانت تلك الإبتسامة تمثل بالنسبة لي واحدة من أكثر الإبتسامات براءة وتحدياً في ذات الوقت. وحتى تداري الموقف، إستدارت بكاملها نحوي وذلك بوضعها لأحدى ساقيها على جانب من أرضية جسر الفنانيين الخشبية والساق الأخرى على الجانب الآخر، تماماً كما يمتطي المرء مهرة صغيرة أو دراجة هوائية. وذلك ما أرغمني على أتخاذ نفس الوضعية. عندها أصبحنا وجهاً لوجه، مع بقاء تلك المسافة نفسها بمعنى ما بيننا. وجه لوجه وقد ارتكزت هي على ذراعيها اللتين وضعتهما بحلاوة ورقة أمامها على خشب المصطبة. ثم وجهت حديثها لي، متسائلةً :
-مجيد، لتقل لي بصراحة هل أدهشك وجود قطع المرايا الصغيرة في فساتني وكذلك تلك الموضوعة على حقيبتي ؟ هل أعجبتك المرايا بشكل خاص ؟ لقول الحقيقة، كنتُ قد نسيت إلى حد ما قطع المرايا تلك، مع أني كنت مأخوذاً بجمالها، كذلك كانت رغبتي في لمسها أو تقبيلها قد تضاعفت، لهذا رددت عليها بطريقة مرتبكة بعض الشيء :
-أجل، يا كاترين. تلك كانت هي المرة الأولى التي تلفظت فيها باسمها، دون حياء مبالغ فيه، وكأننا كنا نعرف بعضنا منذ وقت بعيد. مرت لحظة صمت قصيرة بيننا، عدلت هي فيها قليلاً من جلستها، أنسحبت قليلاً إلى الخلف، وكأنها تبغي اراحة ظهرها، ثم إضافت :
-هل تعرف من أين أشتريت هذا الفستان ؟ ثم بعجالة وتدفق صوتي أكبر : هل ترغب أن تقول لي من أي بلد أنتَ وما هي اللغة الأخرى التي تتحدثها، إلى جانب الأنكليزية، ألا تتحدث الفرنسية ؟
-دعينا نأخذ اسئلتك الواحد بعد الآخر، لكي أرد عليها بوضوح أكبر، أليس كذلك ؟ هزت رأسها بعلامة موافقة وكررت نفس تلك النظرة البريئة والمتحدية في ذات الوقت.
-حسناً، تفضل، لتتكلم بالطريقة التي توافقك. أحببتُ اجابتها، حتى وإن لم يكن هناك ما يوجب "حب" كهذا :
-لا يمكنني أبداً معرفة من أين اشتريتِ فستانك بقطع المرايا التي تزينه. أنا من العراق واللغة الأخرى التي اتحدثها بطلاقة، إلى جانب الأنكليزية، هي لغتي الأم : العربية. بالكاد أنهيت أجابتي وإذا بكاترين تطلق صرخة اندهاش، فرح، قفزة مصحوبة بـ "واو..واو". لم أكن أفهم معنى "واو" وكيف يمكن له التعبير عن فرح أو تعجب المرء. تطلع أحدنا في وجه الآخر من جديد :
-يا الأهي، لا أصدق أنك من العراق...
-لماذا ؟
-سأقول لك، لكن بودي أخبارك، قبل ذلك، بأني اشتريت فستاني هذا من طهران، عاصمة إيران. في الصيف الماضي حينما كنت في تلك في المنطقة، ما نسميه بالشرق الأوسط "مديل إيست". هل تعرف إيران، هل قمت بزيارتها ؟ أنها حقاً بلدٌ غاية في الجمال بطبيعته ومناخه الحار الذي أحبه، هل ثمة من تشابه بين أيران والعراق، هل تتمتعون بنفس الطقس الطبيعي ؟
كانت أسئلتها الحثيثة والمتلاحقة قد كشفت لي جانباً من غليان روحها، فورانها المتخفي تحت قناع الهدوء اليومي والتوازن المنطقي الذي لا أعرف كيف تحول إلى ما يشبه المعيار الوحيد أو القانون العام والمفروض على البشر حتى فيما يتعلق بعواطفهم الأكثر بساطة ونبلاً. كنت متلهفاً لسماع ما تقوله بصدد اندهاشها وصرخة فرحها، عندما أخبرتها بأني من سكان العراق. وبالفعل حدث ما يمكنني تسميته بتدخل الكائن المطلق، الخالق نفسه، على الأقل في تلك اللحظة :
-قبل أن أدرس التمريض وأصبح ممرضة، كنتُ قد درست علم الآثار ولدي شهادة ماجستير في هذا الحقل؛ سأجعلك تندهش أكثر، كان موضوع تخصصي مكرساً للبحث في آثار العراق السومرية، الأشورية، والأسلامية-العربية. كنتُ على وشك تحقيق حلمي ذاك، أي السفر إلى وطنك العزيز ومن ثم الشروع مع فرقة صغيرة مكونة من خمسة أفراد، بقيادة عالم آثار معروف بعلمه ومعرفته الدقيقة بالأماكن التي ينبغي الحفر فيها في بلدك. لكن لسوء الحظ كانت حكومة بغداد قد فسخت العقد الذي تمّ بين الجهات المتخصصة في فرنسا وتلك التي تدير اموراً كهذه في العراق. هل تسكن، يا مجيد، في بغداد، العاصمة؟
كانت كاترين تتحدث بإنفعال وحرارة بمقدورها جعل كائن مثلي يقفز ويصرخ كما فعلت هي قبل قليل من الفرح، لا لئن مسألة الحفريات والآثار كان تعنيني، في ذلك الوقت، من قريب أو بعيد، لكن بسبب الأسلوب الذي نطقت به الكلمات، سخونة صوتها، وبشكل خاص وضعها لي مباشرة أمام مجهول لم أكن مهيأ له ولا أتمتع بأية قوة خارقة لمواجهته. ومع ذلك، ساورتني بعض الشكوك النافلة والتي لا مبرر أطلاقاً لها حيال ما تقول. لتدارك الموقف أو السيطرة على نفسي، أصطنعت، بدوري، إبتسامة دهشة لم تكن مفتعلة بكاملها، ثم سألتها بنوع من الصخب أو الجنون العابر :
-ولماذا لم تتم تلك الصفقة التي تحدثتي عنها ما بين الجهات المعنية هنا بأمور التنقيب والحفر عن الآثار والجهات المعنية في بلدي، كما تقولين ؟
-لا أحد من أفراد طاقمنا يعرف حتى الآن سبب ذلك الرفض، أو لمَ توقفت الأشياء عند تلك النقطة.
-وماذا فعلتِ إنتِ وطاقم الحفريات بعد ذلك ؟
-بعد ذلك بشهرين أو أكثر بقليل، بعثَ، كما أعتقد، رئيس طاقمنا باقتراح إلى الجهات المسؤؤلة عن علم الآثار والحفريات في أيران وعرض عليهم، كما اخبرنا هو بذلك فيما بعد، بمشروع مجموعتنا ورغبتها بالقيام في التنقيبات والبحث. وبالفعل لم يمض على ذلك سوى أسبوعين وإذا بنا نصل إلى طهران العاصمة. توقفت بغتة عن الكلام، ثم نظرت في ساعتها و "آوه، مجيد هل تعرف كم هي الساعة الآن" ؟ لم تمنحني لحظة واحدة للرد علييها، قبل أن تضيف : "أنها الثانية صباحاً، قلما بقيت خارج داري حتى هذه الساعة المتأخرة، اللهم إلا حين أكون مدعوة إلى أحدى مناسبات الرقص التي نقيمها أنا وأصدقائي، أي "البارتي"، كما يقول الأنكليز. أنا سأتوجه إلى بيتي من هنا، وأنتَ ماذا ستفعل"؟
كان سؤالها عما سأفعله قد سقط من فوق رأسي بالدقة التي يسقط فيه حجر فوق رأس أحدهم وهو يمشي آمناً في درب لا يعرفه. كاد ذلك السؤال يسحقني. لكن هل يمكن للمرء أن يُسحق أمام أحدهم، لاسيما تحت نظر من يطرح عليه مجرد سؤال وإن كانت عواقبه وخيمة ؟ أجل، يبدو أن أشياء كهذه تحدث في الحياة. حينئذ، ليس هناك ما يمكن فعله سوى محاولة التوافق مع الموقف الجديد. القيام بردة فعل. في حالتي، كان لا بد من إيجاد مخرج من سؤالها مهما كان ضيق ولا معقولية ذلك المخرج. لذا، رددت عليها بعجالة، ومن دون أن أمنح أهمية كبيرة لما ستقوله فيما بعد :
-لكنك لم تكملي حكاية الحفريات في أيران، وفي أي مناسبة أشتريت هذا الفستان الجميل والغريب بمراياه الصغيرة العديدة. أظن أنها تنبهت لإرتباكي وعدم ارتياحي من الوضع الذي جعلتني أعيشه للتو، وذلك ما جعلها تنظر باتجاهي وكأنها ترغب في رد شعور الإطمئنان إلى روحي، ومن ثم الإيحاء لي في أن أكون أكثر هدوءاً والكف عن التفكير بأنها تنوي تركي وحدي تماماً :
-حسناً، سنتحدث عن كل ذلك وربما عن أشياء أخرى غيره في وقت ثان، أو إذا ما زلت ترغب في المشي سنتكلم أثناء سيرنا. سترافقني، إذا شئت، حتى باب داري التي هي ليست بعيدة تماماً من هنا، فأنا أسكن في منطقة "مونمبرناس"، هل تعرفها ؟ وحينما سنصل هناك، بعدها ستأخذ أنتَ تاكسي لكي يوصلك سائقها إلى مسكنك في "شارل ديغول أتوال". هل أنت موافق على ما أقول ؟
لم أكن أصغي إليها تقريباً، ومع ذلك، خرجت الكلمات من فمي :
-أجل، كما تشائين. لكن ألا تسكنين إنتِ أيضاً في منطقة "شارل ديغول أتول" ؟
-كلا، عندما التقينا في محطة المترو كنتُ أنوي الذهاب إلى هناك لزيارة صديق يسكن في تلك المنطقة. أما سكني فهو يقع كما اخبرتك للتو في حي "مونبرناس". هل تعرفه ؟ طرحت نفس السؤال ثانية.
-ليس تماماً. أظن أنني مرت به في يوم ما، مع أحد معارفي.
ما أن سمعت ردي على سؤالها، حتى تراجعت كاترين مسافة نصف متر على الأقل من المكان الذي كانت تقف عليه؛ صوبت نظراتها نحوي وكأنها تراني للمرة الأولى، ومن ثم تساءلت مندهشةً :
-كيف تقول ؟... معارفي ؟
-أجل أحد معارفي، الذي لم أعد أتذكر اسمه.
لكنها، عوضاً عن الإكتفاء بما رددت به على سؤالها، بدت أكثر "إرتباكاً" ودهشة :
-وماذا تعني، يا مجيد، بمفردة معارفي ؟
-ببساطة الأفراد الذين كنتُ قد تعرفتُ عليهم، بهذه المناسبة أو تلك، غير أنهم ليسوا أصدقائي، أو أنني لا استطيع التعامل معهم كأصدقاء.
-وهل تقيم حقاً فارقاً ما بين المعارف والأصدقاء ؟
لم أكن أتوقع سؤالاً كهذا، لا من كاترين ولا من غيرها. لاسيما حين يطرح بمثل تلك المباغتةِ والقوة التي قرأتها على الفور عبر ملامح وجهها. حينها شعرت برغبة لا تقاوم في تدخين سيجارة، كما هو الأمر عندي حينما أجدني في لحظة تتطلب مني أعمال فكري أو الخروج من موقف ما. وكأن الدخان المتصاعد من التبغ بمقدوره جلب بعض الحلول، أو الإشارة في الحدود الدنيا إلى ما يمكن وينبغي عمله. لذا تظاهرت بمد يدي في جيبي سترتي الرمادية، متصنعاً عملية البحث عن شيء ما، عن علبة السجائر. لمحتْ هي ذلك، لكنها لم تنبس بكلمة واحدة. إحسستُ بنفاذ صبري وحرجي، كما تلاشت مقاومتي حيال الموقف، وشرعت بالبحث عن بارقة ما قد تصدر عن مخيلتي كوسيلة لمعالجة الوضع الذي أنا فيه. مرة دقيقة أخرى دون أن يكلم أحدنا الأخر أو ينظر في وجهه. في النهاية، وجدتني مرغماً على الإلتفات نحوها ومن ثم سؤالها :
-هل تتدخنين، يا كاترين ؟
-نعم، وهل أنتَ بحاجة إلى سيجارة، يا مجيد ؟
-آه، أجل، هل لي بسيجارة من فضلك ؟
سحبت حيقبتها الكتفية قليلاً نحو خاصرتها، قربتها من سرتها ثم غمست يدها فيها وأخرجت علبة سجائر "مالربورو" بغلافها الأحمر والورق الرقيق الذي كان يغلفها؛ لم تكن العلبة مفتوحة بعد. نزعت الغلاف الخارجي، أزالت ورقة السيفون التي تسد فتحتها، وها أنها تمد يدها باتجاهي لكي أمسك على السيجارة. مددتُ يدي ثانية في أحدى جيوب سترتي لكي التقط ولاعة كانت لحسن الحظ موجودة هناك، لا أدري منْ اعطاني إياها. قبل أن أولع سيجارتي، نظرت نحوها لكي أرى إذا ما كانت قد وضعت بين شفتيها واحدة. لكني فوجئت بأنها قد ارجعت علبة السجائر ثانية إلى حقيبتها، دون أن تأخذ واحدة منها.
أولعت سيجارتي، وشرعنا بالسير متوجهين نحو دارها. مررنا من قرب حديقة "اللكسمبورغ"، من أمام أبوابها المغلقة بفضبان حديدية، كما هو الأمر في فرنسا عامة، إذ تغلق الحدائق في ساعة محددة من بعد غروب الشمس؛ في السادسة مساءً أيام الشتاء، والتاسعة أو العاشرة ليلاً أيام الصيف. بغتة توقفت كاترين وصارت تنظر إلى تلك الحديقة بنوع من الإنسحار، والغبطة التي تقترب من حالة الهيام والعشق. ابتَسمتْ بحياء وخاطبتني :
-مجيد، هل تعرف حديقة اللكسمبورغ ؟
-أجل.
-وكيف تراها، أنها فاتنة، أليس كذلك ؟
-نعم... نعم، أنها رائعة.
كان ذلك مجرد رداً سريعاً على شخص ما يبغي، كما هو واضح، أن يحصل منا على إجابة ترضي توقعه، ولا تثير عنده مشاعر الريبة بشخصنا أو ذائقتنا العامة. ولأننا نعرف بأنه يستحيل، في لحظة كهذه، التعبير عن مشاعرنا الحقيقية بدقة، لذا نترك لساننا يقول ما يعثر عليه من الكلمات، من دون أن ننشغل بأمر قلوبنا أو مدركاتنا الواعية. ولأن حديقة "اللكسمبورغ" لا تقع بعيداً عن الحي اللاتيني، لذا يمكنني القول بأني كنت أعرفها جيداً، ذلك لأنها كثير ما شكلت لي ملاذاً أنيساً في أيام الصيف الخانقة في باريس، حيث كنتُ أذهب إلى هناك لإمضاء وقت ما بعد الظهر تحت اشجارها المترعة، المتوسطة الإرتفاع والمخضرة دائماً وكأنها توفر للمرء عزلة خاصة تليق بتشرده ووحدته الدائمة. كذلك كنتُ غالباً ما أقصدها بصحبة حارث افندي، بعد أن يكون قد سرق بعض الكتب من المكتبات الكثيرة التي يزدحم فيها شارع "سان ميشيل" و"سانت جرمان دو بريه"، ومن ثم يقوم ببيعها على الطلاب من جامعة السوربون وغيرها من الجامعات؛ بعض أولئك الطلبة كانوا من العرب الذين يصعب عليهم تماماً شرائها باسعارها المكلفة. كذلك كان عنده مجموعة من "الزبائن" الدائميين من غرب الطلبة. أما هؤلاء فكانت غالبيتهم من بلدان أفريقيا الشمالية، كما يُقال هنا، أي من تونس، المغرب والجزائر، الذين يعرفون جيداً الأفندي وفنه البارع في سرقة كل أشكال وأنواع الكتب التي يطلبونها منه، بما فيها المعاجم والقواميس، إن كانت لغوية، طبية، أو فنية بشكل عام. في بعض الأوقات، كان حارث يبحث عن أولئك الطلاب في المقاهي المحيطة بالسوربون، وإذا لم يجدهم هناك، مثلاً، وهو أمر نادر تماماً، يتوجه إلى المطعم الإسلامي القائم في نفس الشارع الذي تقع فيه الحديقة؛ وهناك كان يجد غالباً، إن لم يكن دائماً البعض منهم، ومن ثم يشرع بالتسوام معهم عن سعر هذا الكتاب أو ذاك، هذه "الإنسكلوبيديا" أو تلك. كما كان يسرق أرقى المجلات العلمية والفنية؛ باختصار كل ما كانت يداه تقع عليه ويعرف مقدماً بأنه لا بد وإن يعثر على زبون له. في تلك الأزمنة التي لم تكن فيها الكتب وغيرها من مصادر المعرفة أو الآداب والفنون قد عرفت ما يسمى نظام المغنطة الداخلية ولم يكن هناك أي أثر لمكائن أو حواجز المراقبة التي تطلق صفارة التحذير، إذا ما حاول أحدهم المرور من باب الخروج قبل أن يزيل ذلك الشريط المغناطيسي عن الشيء الذي سرقه. في البدء، كان حارث يصر على مسألة أن ابقى في انتظاره في حديقة "اللكسمبورغ" ويرفض قطعياً مصاحبتي له حتى المطعم الإسلامي. حاولت مرات عديدة معرفة سر سلوكه ذاك، قائلاً له : "أنا لا ارغب في انتظارك هناك، فيما اجهل تماماً في أية ساعة أو وقت ستعود". لكنه كان سرعان ما يقنعني بعدم ضرورة الذهاب معه، متذرعاً بحجة أنه لا لزوم لهذا وسوف لن أكسب أي شيء إذا ما عرف الطلبة بأني رفيق له، إذ قد يظنون بأني شريكه في السرقةِ، وبالتالي ستلحق بي صفة أنا لا أحبها على الأطلاق؛ صفة السارق. ولقول الحقيقة، لم يكن حارث ينكث في يومٍ وعده. فبعد أن يكون قد باع بضاعته، يعود ويبحث عني في نفس المكان الذي كنا قد اتفقنا عليه في الحديقة، ومن ثم نذهب أما لشراء سندوشتين كبيرتين من الخبز اليوناني أو التركي المحشو باللحم والسلاطة، أو نشتري دجاجة مشوية محمصة من أحد المطاعم التونسية الصغيرة التي لم تكن منتشرة في ذلك الحي أو جواره كما هي عليه اليوم. ومن حين إلى آخر، كان يدعوني الأفندي لتناول وجبة من "الكوسيكسي" اللذيذ. على أي حال، صرت، بمرور الأيام، أعرف جيداً كل ممرات وزوايا "اللكسمبورغ". لكن ذلك لا يعني بأن ذكرياتي مع تلك الحديقة تقف عند هذا الحد. مرة طلب مني حارث، على غير عادته، أن انتظره هناك في الساعة الواحدة من بعد الظهر لكي نتغدى سوية. وبالفعل، في صبيحة اليوم الذي تلى تحديد الموعد ذاك، وبعد تناولي الفطور مع حليم الساهدي، الذي كان يسكن في غرفة خدم معلقة في الطابق الثامن من بناية في جنوب باريس، توجهت إلى "اللكسمبورغ، كما أتفقنا. بعد أن انتظرت حارث، وأنا أجلس على أحد الكراسي المنتشرة على طول وعرض المجال المفتوح هناك، وبشكل خاص قرب نافورتها الجميلة، حيث كان يلعب الأطفال مع زوارقهم الخشبية الصغيرة والخفيفة، التي يطلقونها في مياه حوض النافورة الدائري والكبير حيث تستلقي مجاميع كبيرة من سكان باريس ومن السواح من كل أقطار المعمورة ولا سيما من الفتيات شبه العاريات بغية إمتصاص أكبر قدر ممكن من أشعة الشمس ومن ثم جعل البشرات البيضاء تكتسب نوعاً من السمرة المحببةِ ؛ بعد أن انتظرته حتى الساعة الثالثة أو الرابعة مساءً، ولأني بدأت أشعر بالضجر والجوع يمزق احشائي، أخرجت كتيباً إنكليزياً صغيراً من جيبي لهنري ميلر يحمل عنوان "عالم الجنس"، يتحدث فيه الكاتب لا عن تجاربه الجنسية، ولكن عن ما يسميه بردود فعل قراءه حيال كتبه، والذين يقسمهم إلى نوعين من المتلقين : النوع الأول، كما يقول ميلر، يصنف كتبه بعمومها على أنها في جوهرها كتباً دينية أو صوفية ولا يشكل فيها الجنس سوى قناعاً شاحباً وبالتالي يمكن غض النظر عنه أو عدم اعطائه الأهمية الشائعة عنه. أمّا النوع أو الصنف الثاني من أولئك القراء فقد كان يلوم المؤلف على تضييعه لموهبته الدينية العالية، وذلك عبر إنغماسه المجاني بتفصايل "بورنوغرافية" لا لزوم لها. كنتُ قد شرعت بالكاد في قراءة ذلك الكتاب، الذي حرك فضولي بقوة ليس بسبب ما يقوله عنه أو فيه مؤلفه، ولكن بحكم البراءة "الأسلوبية"، إذا ما صح التعبير، التي كانت تتحكم في أكثر تفاصيل صفحاته. في لحظة ما، رفعت رأسي عفوياً أو بطريقة "ميكانيكية" كما يُقال، وإذا بي أفاجىء بزامل الحلاوي يجلس على الكرسي القريب مني. ليس من السهل عليَّ الآن وصف الفرح الذي غمرني في تلك اللحظة وأنا أرى الحلاوي جالساً هكذا، أو بحكم لا أدري أية معجزة، بالقرب مني، بالرغم من كل ما كنت قد سمعته عنه من أوصاف شائنة يطلقها عليه أفراد الجالية، أي مجموعة العراقيين الذين كنت التقي بهم في المصادفة، فهم كانوا يسمونه "بخيل موليير الشهير"، أو "رئيس المخصيين الواقعيين". كان دافع فرحي بزامل الحلاوي نابعاً، في الحقيقة، من حاجتي المرعبة في تناول وجبة طعام، وبالتالي صرت أتخيل بأني ساتمكن من الإستدانة منه شيئا من النقود لشراء سندويشة، على الرغم من شعوري بممانعة داخلية كانت تحذرني من مغبة الإقدام على خطوة كهذه، بسبب كل ما سمعته عن خصاله الكريه وبخله الاستثنائي. ومع ذلك... أي بعد السلام وكلمات المجاملة العراقية، سألني زامل ما الذي أفعله هنا، وكأنه لم يكن يعرف أي شيء عني، ولم يرني جالساً هناك أقرأ. كان قد أرفق سؤاله ذلك بضحكة يمكنني وصفها عن حق، وبدون أية غضاضة، بالصفراء، أي ضحكة خبيثة، تهكمية وشامتة، لا ادري من ماذا. كان الحلاوي طويلاً، كالعملاق، كما كانت كل ملامح وجه وجسده حادةً، ثقيلة، ولا تترك للمرء أية إمكانية للهروب من قبضتها المتحكمة. وبالرغم من ذلك، كان الجبن، إلى جانب البخل، هما أكثر النعوت الشائعة عنه بين العراقيين، إن كان ذلك عن حق أو بحكم كراهية غرائزية غريبة ضده. لم تكن معرفتي به وثيقة؛ كل ما استطيع قوله عن كيفية ومتى التقيته هو أني كنتُ قد صادفته مرة أو مرتين لا أكثر مع مجموعة من معارفي؛ مرة في مناسبة وفاة أحدهم والذي دعيتُ أو في الحقيقة سحبت بالرغم عني للذهاب من أجل قراءة الفاتحة على روحه، وفي المرة الثانية في أحدى المقاهي الواقعة في حي "ستراسبورغ سانت دني"، حيث الحوانيت والمطاعم الهندية، التركية والعربية الرخيصة. لم ارد، بطبيعة الحال، على سؤال الحلاوي. لكنه، من ناحيته، لم يظهر أية علامة قد تشير إلى تذمره، أو اهتمامه، بهذا الشكل أو ذاك، بردي أو عدمه. وعوضاً عن الإنتظار ولو قليلاً، سحب الحلاوي كتيب ميلر من يدي، قائلاً أثناء قيامه بتلك الحركة : "ما الذي تقرأه، خلينا أنشوف". لم تمض لحظة، حتى إضاف : "واي.. واي.. لا نجحنا... شوف شنو يقرا صاحبنا... عالم الجنس ؟ ومنوا هذا حضرته هنري ميلر" ؟ لقد روعتني تلك الوقاحة في حينها، كما يمكنها أن تروعني حتى اليوم، اي بعد مرور أكثر من ربع قرن على حدوثها. في الحقيقة، كانت طريقته الفظة بسحب الكتاب وجملة التعليقات التي قذف بها برعونة لا يخطأها الشعور قد انستني حتى ذلك الجوع الذي كان محور ترحيبي به. سحبتُ الكتيب من يده بطريقة أقل ما يُقال عنها شرسة. ثم رفعت عيني نحوه، وتثبيت نظري بقوة في ملامح وجهه البارزة، وكأني قد وضعت نفسي بدءً في حالة استعداد ليس لشتمه، تقريعه أو تعنيفه، ولكن ببساطة لضربه، إذا ما تجرأ وواصل حديثه معي بتلك النبرة الوقحة والبغيضة :
-أسمعني جيداً، أنا لا أعرفك، ولا اسمح لك بمخاطبتي بمثل هذه الطريقة. ذلك ما قلته له.
-"هاي شنو الحساسية؛ عجيب هو أني شكتلك، سألتك فقط ماذا تقرأ"؟
-أنتَ تكذب، أنك لم تسألني، لقد سحبت أولاً الكتاب من يدي، بدلاً من أن تطلب مني رؤيته بأدب، ثم أخذت بالسخرية الوقحة مني ومن صاحب الكتاب ثانياً.
-"أهو... هاي اشلون مصيبة أحنا ويَّه المعقدين". رد عليَّ زامل الحلاوي، الذي قد أختار، كما أعتقد، متعمداً تجريجي بكلماته تلك.
كدت أجن حقاً حينما سمعت مفردة "معقدين" تنطلق من بين شفتيه الغليظتين. إذ لو كانت ثمة من مفردة في معجم اللغة العربية أو لهجة أهل بغداد المحلية تثير غضبي وتطلق لا ادري أي شيطان جهنمية من قمقم رأسي، فأنها ستكون مفردة "معقدين". ذلك لأني لم أنس ولن أنسى ربما في يوم ما من حياتي كيفية كانت تلك الكلمة تعذبني حينما كنتُ أعيش في عامصة بلدي الأصلي، ذلك لأنها كانت تسمية غريبة ونذلة إطلقها في حينها عن قصد وتعمد متهكمين ومُذلين البعض من "مثقفي" السلطة الحاكمة على مجموعة من الشباب التي كانت ترداد مقهى صغيرة وفقيرة في الباب الشرقي، شارع السعدون، ولا شيء يميزها عن المجاميع الأخرى سوى الظن بأنها تشكل ما كانوا يسمونه خصومهم السياسين أو الثقافيين. على أي حال، أثناء ذلك، كان زامل الحلاوي قد قدم لي نوعاً من الإعتذار الباهت والذي لا يعني أي شيء، وكأن مجرد الإعتذار لشخص مثلي يخلق في مخيلته المريضة تنازلاً لا ينبغي تقديمه بصورة صادقة أو مقبولة على الأقل. أي أنه أعتذر مني، كما يقول العراقيون، من وراء "خشمه". بقينا صامتين للحظات طويلة، جامدة وميتة. بعدها حاولت النهوض من الكرسي ومغادرة الحديقة. لكن، في اللحظة التي نويت فيها النهوض، أمتدت يد زامل اليمنى وقبضت عليًّ من رسغ يدي اليسرى وبدفعة واحدة إعاد جلوسي على ذلك الكرسي :
-ماذا ؟ ما الذي تريده ؟ تساءلت بغضب وقوة جعلاني أدرك بإن هذا الشخص السوقي قد شعر حقاً بأني لن أسمح له بالتطاول علي أكثر من ذلك :
-لا شيء، أريدك أن تجلس. دعنا نتحدث قليلاً.
-عن ماذا نتحدث يا زامل ؟
-سمعتهم يقولون بأنك مثقف، تقرأ بكثرة... ههه...ههه.
-دعني أذهب، لا أريد الحديث مع شخص تافه مثلك.
-"تافه أو مو تافه... هم قبلنا. لكن قل لي هل تغديت أنتَ، أم أنك تنتظر صديقك الحرامي، حارث أفندي".
-أنتَ بالفعل قبيح... لا تُطاق.
كنت أعرف بأن حارث يمقت زامل، لكنه لم يقل لي أبداً أي شيء عنه، فحارث حينما يرغب في الكلام عن أحدهم، إن كان ذلك للثناء عليه أو توجيه الشتيمة له، كان يستخدم تعابير عمومية أو تخص مجاميع بكاملها، كأن يقول مثلاً "هؤلاء الحقراء" و"أولئك الرائعين". وهذا يعني بأنه ليس بمقدور المرء معرفة رأيه بالأفراد بحد ذاتهم. مهما يكن، كان زامل في تلك الإثناء قد تظاهر بالنظر صوب بعض الفتيات الجالسات على مسافة قريبة منا. لم يرد على شتيمتي له والتحدي الذي أبديته ازاءه.
-أجلس، قال. سأريك شيئاً ما. أنا أعرف بأنك جائع، لكن أنظر.
ثم أخرج صكاً من جيب قميصه الصيفي، ووضعه تحت نظري، ضاحكاً بنفس تلك الضحكة الصفراء ولكن بقهقهة أكبر :
-"ها هل شفت الرقم ؟ 1400 فرنك. استلمتها للتو، ساضعها في حسابي، في بنك قريب من هنا. نعم، في الحي اللاتيني.
-وما دخلي أنا بهذا ؟
-ليس لك أي دخل بالطبع، لكني أردت أن أقول لك بأنك حتى لو مت من الجوع أمامي، فسوف لن أعطيك ولا فلس واحد.
-أنت سافل.
نهضت وابتعدت عنه، مصعوقاً ليس من سفاهته ونذالته، ولكن بالدقة من جبنه الذي صرت متيقناً منه تماماً.
كانت قد مرت سنوات عديدة على ذلك اللقاء-الكارثة بزامل الحلاوي، لم أره بعدها، كما نسيت تماماً القصة برمتها. لكن في اللحظة التي سألتني بها كاترين بولاك إذا ما كنت أعرف حديقة "اللكسمبورغ"، كان نفس الشحوب الغاضب الذي غزى وأحتل وجهي ساعة كلامي مع الحلاوي قد عاد وكأنه قوة هائلة قد قبضت عليًّ بعنف وعدوانية لا يمكن لا مقاومتها ولا تفسيرها؛ لقد تحولت مباشرة إلى شخص غير ذلك الذي كان يتنزه مع كاترين بولاك، وكأن وجه زامل الرذيل قد اكتسح وجهها الهاديء واللطيف. وربما كانت هي، من جانبها، قد لاحظت شيئاً ما قد تغيير فيَّ، وهذا ما عرفته من كلامها مباشرة:
-مجيد، تعال، دعنا نسلك الزقاق الضيق على الجهة الأخرى. أنتَ لا تعرف مدى حب الباريسيون التسكع في الأزقة الضيقة الأثرية.
-حسناً، كما ترغبين. رددت عليها.
-دعنا، من فضلك، نعبر إلى الجهة الأخرى.
بعدها مشينا في ذلك الزقاق، الذي كانت جميع المطاعم والمقاهي القائمة على جانبيه مغلقة. أستمر تجوالنا أكثر من نصف ساعة، وإذا بكاترين تتوقف فجأة أمام أحدى الأبواب الخشبية الكبيرة لبناية متواضعة من ثلاثة أو أربعة طوابق؛ باب من طلاقتين مدهونتين حديثاً باللون الأخضر :
-هنا أسكن. هل ترغب، يا مجيد، بالصعود معي إلى الطابق الثاني، لكي تشرب قدحاً من الماء البارد، إذا ما كنت عطشاً ؟
مرت، بطبيعة الحال، صوراً متسارعة في ذهني، غير أنني لم أكن أمتلك الوقت الكافِ للإلتفات نحوها ومن ثم ترك مخيلتي تتصور أشياء ربما لم تخطر على بال كاترين، لهذا رددت عليها بعجالة وكأني أحاول التخلص من شعور ما يضايقني :
-أجل، أنا في الحقيقة عطش تماماً.
-لتدخل، إذاً، لكن فقط من أجل تناول قدحاً من الماء، أليس كذلك ؟ ثم دفعت ذلك الباب الضخم الذي أنفتح بسرعة وخفة لا تتناسبان مع ضخامته.
ما أن تخطينا ما يمكن تسميته عتبة الباب، وإذا بي في مواجهة باحة كبيرة وفارهة تذكر المرء بباحات البيوت الشرقية الكبيرة وقد انتصبت في وسطها شجرة ضخمة تشبه أشجار النبق أو غيرها من أشجار المناطق الحارة؛ شجرة تتفرع منها الأغصان وتتهدل من كل جوانبها تقريباً.
أرتقينا سلماً خشبياً، وقديما إلى حد يشعر فيه المرء بأنين درجاته المُضعضعةِ والبالية حتى، كذلك لم تكن الإضاءة التي تنيره تبعث الثقة أو الراحة لدى الشخص الذي يتسلقه. كانت هي تتقدمني بدرجة أو درجتين، لكنها لم تكف عن النظر من خلفها وكأنها كانت تنوي تحذري لكي أتجنب وضع قدمي بالخطأ على أحدى درجات السلم أو أنزلق فجأة؛ فالسلم كان إلى جانب قدمه وخشبه القديم البالي والمهزوز ضيقاً بصورة غريبة. كنت أنا من ناحيتي أبعث لها بإشارات تمطئنها بأن كل شيء كان على ما يرام. وهكذا وصلنا، في النهاية، إلى الطابق الثاني حيث تسكن كاترين بولاك. أخرجت من حقيبتها مفاتيح شقتها، أو ما كنت أظنه كذلك. دفعت الباب برقة وكأنها تلمسه بطريقة تجعله لا يغضب منها، أو ينكسر تحت أصابعها المرهفة، ثم قالت مبتسمة :
-تفضل، يا سيد مجيد، هذا هو الأستديو الذي أسكن فيه منذ أكثر من خمسة أعوام.
أول ما لفت انتباهي في ذلك الأستديو هو مساحته الصغيرة التي لا تتجاوز العشرين متر مربع، وكذلك هيئته العامة أو ما يطلق عليه عادة اسم معماريته. فجدرانه الأربعة كانت مبنية بطريقة تشعر المرء وكأنها لا تتمتع بأي عمق، بل تميل بالأحرى إلى الإلتقاء مع بعضها، بطريقة تجعلك تظن بأنها ستطبق عليك. بيد أن هذا لا يعني بأن زائره أو منْ يعيش فيه يستشعر، بالضرورة، بالإختناق وكأنه في زنزانة إنفرادية. كلا. فضيق المساحة قد تم التعويض عنه بوجود نافذة كبيرة من جانب جداره المطل على الباحة، بشجرتها الضخمة وأغصانها الخضراء. إلى جانب ذلك، كانت أرضية الأستديو نظيفة للغاية، وتغطيها سجادة فارسية لا شك أن كاترين قد جلبتها معها أثناء وجودها في طهران، كما حدثتني عن هذا من قبل. من فوق تلك السجادة كان هناك سرير خشبي ضيق هو الآخر ويلامس الأرض مباشرة، وكأنه يرفض استقبال شخصاً آخر غير جسد كاترين نفسها. في مواجهة السرير، أو بشكل أدق، على الجانب الملاصق للجدار المقابل له ثمة من طاولة صغيرة للكتابة وُضعتْ من فوقها آلة كتابة يدوية تظهر من فوق فتحتها العلوية أوراق بيضاء تُظهر بعض سطور ما كتب عليها بالحبر الأسود؛ أما بقية الجدران فكانت تنوء، نعم أنها المفردة، تنوء تحت حمل ثقيل من الكتب والمجلات السياسية والأدبية؛ صف كامل من مؤلفات سارتر، ديستويفسكي، روايات عديدة لندريه جيد، رامبو، البير كامو، ماركس، فرويد، نيتشة وغيرها من عشرات المجلدات الأخرى بالفرنسية والأنكليزية. في غضون ذلك الوقت، كانت كاترين قد ذهبت إلى زاوية من الأستديو لكي تجلب لي قدحاً من الماء. حين عادت مبتسمة، رأتني وأنا ما زلت واقفاً، الأمر الذي أدهشاها نوعما:
-هل ترى يا مجيد أين أعيش، لكن لماذا لا تجلس ؟ قالت ذلك وهي تمد يدها إلى مكان الجلوس المفترض، أي على الأرض مقابل السرير، إذ لم يكن هناك سوى كرسي واحداً أمام طاولة الكتابة. قبل أن أجلس، ولكي أرد على سؤالها، قلت لها :
-إنتِ لديك كتباً كثيرة يا كاترين.
-وهل تعرف البعض منها يا مجيد ؟
أخبرتها بأني اعرفها جميعها تقريباً، لاسيما كتب سارتر والبير كامي.
-آه، تعرف سارتر وكامي، هل قرأتهما بالأنكليزية ؟
-كلا، لقد قرأتهما مترجمين إلى العربية.
-آه، وهل حقاً ما تقول، يا مجيد، كتب سارتر وكامي ترجمت إلى العربية ؟
حاولت تقديم صورة سريعة، مقتضبة وربما صادقة أيضاً لها عن الأوضاع "الثقافية" في البلدان العربية، وعن حركة الترجمات المتنوعة، في كل مجالات المعرفة والفنون التي كانت تصل في ذلك الوقت إلى بغداد من القاهرة وبيروت وغيرها من الأقطار العربية، بما فيها بلدان المغرب العربي. في تلك اللحظة، جلست كاترين من فوق سريرها الواطىء والملامس للأرض، فيما كانت قد تركت تلك الجريدة التي كانت تحملها طيلة الوقت في الشوراع مطروحة أمامها. لا اعرف كيف أنفتحت أوراق الجريدة المطوية، وبالتالي لمحت عنوانها الرئيسي "قضية الشعب" La cause du People. جلست أنا قبالتها. بعدها بدقائق، أخرجت من حقيبتها ذات المرايا الصغيرة علبة المارلبورو، ثم نهضت وجلبت كيساً من القماش الرمادي، وضعته في حضنها تقريباً؛ فتحت تبغ السيجارة ومددته في ورق لف طويل ثم أخرجت من الكيس شيئاً ما يماثل الإعشاب المجففة واليابسة حتى وبرمت المحتوى. لم أكن أعرف ما هي تلك الحشائش ولماذا دسته مع تبغ السيجارة، ذلك لأن تلك الحشائش لم تكن تشبه أبداً شكل أو رائحة الحشيشة، التي كنت أعرفها منذ أيام وجودي في عاصمة بلدي الأول. على أي حال، لفت السيجارة، وضعتها بين شفتيها وولعتها. سحبت نفساً منها، ثم :
-هل ترغب في التدخين، يا مجيد.
-لكن، ما الذي وضعتيه مع التبغ.
-مجرد حشائش مجففة تمنح شيئاً من المتعة القريبة من الحشيشة، لكنها ليست بنفس القوة ولا يمكن للمرء الإدمان عليها. أنا أدخن منها، من حين إلى أخر، لاسيما حين أكون سعيدة أو مسترخية على الأقل، مثلما أنا عليه في الوقت الحاضر. دخنا السيجارة سوية. بعدها بلحظات، نهضت وأخذت ورقة من تلك الأوراق الطالعة من فتحة آلة الكتابة مع قلم حبر ناشف، وكتبت عليه ما لا أدري ماذا. أدركت بأني كنت أحدق فيها بنوع من الرغبة أو الإشتهاء الجنسي، إذا صح التعبير. نظرت أمامها، ثم ناولتني تلك الورقة التي كتبت عليها اسمها وعنوانها، لكن من دون رقم هاتف، ذلك لأنه لم يكن لديها تليفوناً، ثم قالت :
-مجيد، بصراحة أنا متعبة الآن، هذا عنواني... لا رغبة لدي أبداً في ممارسة الجنس؛ لكن عندما ستأتي غداً في الخامسة مساءً، سنرى كيف تجري الأمور بيننا. هل ترغب أن أنزل معك لكي أدلك على موقف التكسيات، الساعة الآن هي الرابعة والنصف صباحاً ومترو باريس سيفتح في حدود السادسة، إذا كنت ترغب في انتظار المترو، يمكنك القيام بالمشي قليلاً حتى الحي اللاتيني ومن ثم ستأخذه من محطة "سانت ميشيل".
دسست الورقة التي كتبت عليها عنوانها في جيبي، وقلت لها :
-حسناً، يا كاترين، أنا أشكرك على هذه الأمسية التي قضيناها سوية؛ بالتأكيد سأمر عليك غداً إذا ما نجحت بالعثور على الطريق في المترو.
-شكراً لك، يا مجيد، كنت مسرورة في لقائي معك؛ إلى اللقاء إذاً غداً، سأنتظرك هنا.
خرجت من استديو كاترين والنعاس، إلى جانب الخدر والإنهاك، قد شرع بالتجول في رأسي. عند أسفل السلم، في الباحة المفتوحةِ تلك رأيت رجلاً ممدداً على "كارتون" من تلك التي تشحن فيها البضائع الكبيرة، لم أنظر إليه، بل أسرعت خطواتي لكي أتجاوز الباحة برمتها. حين أصبحت في الشارع، حاولت النظر ثانية إلى بابها الأخضر الكبير والثقيل، لكي أتذكره عندما ساعود لزيارتها اليوم، أي عند المساء، في الخامسة ما بعد الظهر منه. قوامت النعاس والتعب وواصلت بالفعل سيري حتى مترو "سانت ميشيل"، أي في قلب الحي اللاتيني ثانية.


حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث