السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
بورخس؛ مساء عادي في بوينس آيرس
سعد محمد رحيم
بورخس؛ مساء عادي في بوينس آيرس
بورخيس


ما الذي يغري في حياة شخص مثل بورخس*؟ أعمى يقضي جلّ وقته بين الكتب، ويتصور الفردوس الذي وعد به الله الصالحين من البشر مكتبة كبيرة عامرة. رجل مغرم بالكوابيس والأحلام وغير نفور من الواقع تماماً، وفوق هذا وذاك يؤمن إيماناً لا يضاهى بالأدب، لا الكلمات بكينونتها العارية المجردة، فهو ينظر للكلمات بعين الريبة، "رجل الأدب بالكاد يؤمن بالكلمات" كما يقول.. يعشق الشعر والموسيقى، ولا يرى سبيلاً أفضل في مواجهة رعب الوجود من خلق الاستعارات. فهل كان يمكن أن يكتب ما كتب من غير أن يحلم، ويتعايش مع الكوابيس؟ ألم يكن مركز وعيه، أو لنقل منبع إبداعه، في أطلس الكابوس؟!.
يحمل الحديث عن بورخس، دوماً، قدراً من الإثارة والغموض.. إن نمطه يختلف عن نمط همنغواي، لا شك، وعن نمط نيرودا وماركيز وأدغار ألان بو، وحتى رفائيل ألبرتي. ( أنا أفكر بسير هؤلاء التي قرأناها، والتي كتبوها بأنفسهم، أو كتبها عن حيواتهم آخرون ). ومنذ البدء نعد أنفسنا، مع بورخس وحياته، أو مقاطع من حياته، كما لو أننا إزاء قلعة شامخة فوق جبل، تبدو قريبة ومتمنعة.. فارهة، غير أنها كئيبة إلى حد ما.. تفتقر إلى الوضوح لكن ليس من الصواب تجاهلها.. غريبة بعض الشيء وآسرة أيضاً.. مع قلعة مثل هذه نحن موعودون بالحيوية والحيرة والمفاجآت، وبعبارة أدق، باللعب..
ويليس بارنستون هو صديق بورخس لمدة تزيد على العشرين عاماً، اصطحبه طويلاً، وتعرف على أدبه عن كثب طالما كان مترجمه إلى الإنكليزية، وخاض معه نقاشات في الأدب والفكر والفلسفة، وفي أمور شخصية كثيرة. وكتاب بارنستون ( بورخس: مساء عادي في بوينس آيرس )* تسجيل لأفكار وانطباعات ومشاهد ولقاءات على خلفية من أحداث تضيء بعضاً من عوالم بورخس الجوانية، وجوانب من أدبه، ولمحات من حياته التي عاشها.. علاقاته مع النساء والرجال، وأسفاره التي استمتع بها حتى بعد فقدانه لبصره، وآراؤه في أسلافه ومجايليه من الأدباء.
يقول بارنستون أنه التقى بورخس في العام 1968 في أثناء أمسية شعرية في نيويورك، وكان في ذلك الحين قد بدأ يفقد بصره. ومنذ أول لقاء نشأت بينهما علاقة صداقة عميقة. وبورخس من سلالة عسكرية، إذ كان أجداده من الكولونيالات المحاربين، أما هو فلم يكن لائقاً حتى للخدمة العسكرية، وكان عليه أن يكون مبتكراً، مبدعاً، فكان.
وفي العهد البيروني، في بوينس آيرس، عاش على حافة الخطر.. كان يمكن ببساطة أن يكون واحداً من ( المختفين ) أو المقتولين على الطريق.. كان هدفاً سهلاً هو الذي يقطع الطريق ماشياً إلى بيته بشموخ وتأن ولا اكتراث.. لم ينشغل بالسياسة بمعناها وسلوكها التقليديين، لكنه لم يكن بعيداً عنها. كان له رأيه وموقفه الذي لا يخلو مثله مثل المبدعين فاقدي البصر من التهكم. ودائماً يتهيأ لنا أن هناك شيئاً من اللاجدية فيما يقول.. شيء أشبه بالحيلة، كما لو انه يريد إمتاعنا وإثارتنا من خلال تضليلنا، فيقودنا إلى حيث يريد هو، لا إلى ما نرغب نحن الوصول إليه، فمع بورخس عليك أن تكون متفتح الذهن، متنبهاً، وأن لا تفقد احترامك لإبداعه، ودائماً يخيل إليك أنه بعد كل قصة ينهيها يقهقه بصخب كأنه يحدس بحيرتنا وارتباكنا ودهشتنا.
ولما صار أميناً للمكتبة الوطنية في الأرجنتين، حارساً لأكثر من 800000 كتاب كان قد تلقى هبة الظلام.. يقول في إحدى قصائده "بطيئاً في عتمتي، أكتشف/ خيوط الغسق بعصاي المرتجفة/ أنا الذي تخيل أن الفردوس هو الفضاء/ القابع تحت عنوان مكتبة ).
من الصعب تحديد ماهية شخص بورخس، التعرف عليه بدقة عالية، إنه يراوغك دائماً، مستمتعاً بخداعك، ومن هم من نمط بورخس يتملصون من أي تعريف أو تحديد لذا تنسج حولهم الأساطير، أو على أقل تقدير الأقاويل.. يتعرضون لنوع من النميمة طالما كان شيء من الإبهام يكتنف حياتهم ووجودهم، وحتى إبداعهم.. هل "أن بورخس كاتب ذهني، وشاعر ميتافيزيقي، ومحلل لأفلاك باسكال، ومخترع لآلات الذاكرة"؟ ص83. هذه الصورة، في أحسن الأحوال بحسب بارنستون، تشكل نصف الحقيقة، وبحسب بارنستون أيضاً "فبالإضافة لرياضي الوقت والمعلم الذهني، العاطفي والمؤتمن بشكل مكثف، ثمة الرجل الحكيم والهادئ بشكل حصيف والمتصالح مع نقاط الضعف الإنساني، ومع عالم بلا ألوهة، يوحي دائماً بطلسميته لكنه في الوقت ذاته يخفيها باستمرار" ص84.
حرمّه عماه من أن يرى ما نراه، بيد أنه أمضى ما تبقى من حياته كي يرى أعمق مما نرى وأبعد، أو على الأقل بكيفية يعرفها هو ويتقنها. وان يعيش ويكتب، مدركاً أن لا جدوى من العيش من غير كتابة.. في أن يقول ما يفكر به، وما يبتكره من صور وجمل ومفارقات. وقد وجد في العمى نوعاً من المكافأة، طالما كان يمنح إحساساً مختلفاً بالأشياء والذات والزمن، أو هو شيء أعقد من هذا، أن تعيش في الذاكرة، أن تعتاد الخيال، لأنك شاعر "والشاعر يجب أن يعيش بالذاكرة، إذ ما هو الخيال على أية حال؟ أعتقد أن الخيال مصنوع من الذاكرة والنسيان. إنه نوع من المزج بين هذين الشيئين" ص157. ويوماً ما أدهشته عبارة قالها سائق سيارة أجرة أميركي رفض التحدث عن مشاهداته في الحرب العالمية الثانية مؤداها: إن الذاكرة جحيم.
وأعتقد أن مكمن قوة إبداعه هو في عدم تأكده من أي شيء، في تناقضه ومفارقاته وأسئلته، فهو بورخس الذي يظن أنه ليس بورخس، ويستيقظ على ثقل فكرة أنه بورخس، أو أنه ليس أكثر من كائن يعيش في حلم كائن آخر.. إنه هو وليس هو في الوقت نفسه.. هو الواحد المتعدد الذي له ألف قرين.. الموزع في الأمكنة والأزمنة، الضعيف، والقوي في روحه. الأعمى حاد البصيرة، الهش الذي لا يخشى الموت.. يباغته لص ويصرخ به: جزدانك أو حياتك، فيرد بحزم: حياتي، فيهرب اللص. أو يستوقفه شخص في بوينس آيرس ويقول له: بورخس، أنت خالد. فيرد: سيدي، لا تكن متشائماً إلى هذه الدرجة.
كلماته أنيقة مثل هيئته، ذاكرته متخمة أبداً، يحفظ عن ظهر قلب من الشعر والنثر ما يجعله ذو حضور أخاذ في أثناء أي حديث، بارع وماكر إلى أبعد حد، يراقب العالم على الرغم من عماه، ويثرثر مع كل من يبادره بالكلام. وبارنستون يعترف أن كل ما يقوله بورخس له قيمته ويجب أن يسجل "لم يكن بورخس قادراً على التفوه بجملة ليست خالدة وتصلح للتسجيل بين دفتي كتاب" ص180.. ثرثرته خلاقة.. هي جزء من أدبه.. حياته هي أدبه، هو الغارق في ألأدب إلى حد ميؤوس منه، الأدب إذ يجعل من حياته متعة متصلة، وهذا لا ينفي مشاعر الوحدة والعزلة التي تنتابه أحياناً مجللة بالكآبة والتشاؤم.
ومن ضمن ثيماته الرئيسة كان الموت.. يسأله بارنستون: وموتك؟. فيجيب: "يمكن أن يأتي كطائر أسود في الليل، لن أبالي. بالرغم من أنني أقول للآخرين بأنني مريض ومتعب من متعة كوني بورخس كل ليلة، ما زال لدي قصائد لأكتب، كتباً لأقرأ، وأمكنة لأرى" ص65.. ربما لم يكن يهتم للموت مثلما يدعي، بل إنه يرحب به، ذلك الموت الذي "سيحرره من الحياة والآخرة معاً. أما خوفه فأن تكون الآخرة حقيقية، وهذا يعني عذاباً أبدياً، طالما أنها ستكون كالحياة نفسها، وها هو قد نال منها ما يكفيه" ص78.
تتصل فكرة الموت عنده بفكرة المتاهة، وهذه تتصل بالكوابيس، وحتى سريره غير المريح بفراشه المتحرك وغير المتوازن المسنود على نوابض رقيقة مهلهلة كما يصفها بارنستون، كان يتركه نهباً للاكتئاب والكوابيس، ويسلمه للعالم السفلي. وتحت التأثير الطاغي والمخرب لذلك العالم كان قد كتب بعضاً من أجمل أعماله..
يشير بورخس إلى كوابيس جوهرية ثلاثة هي المتاهة، الكتابة، والمرايا. وثمة كابوس يأتي من عماه، وهو كابوس محاولته القراءة وعدم قدرته عليها، وما هو صعب، كما يرى، في كتابة الكابوس، هو أن شعور الكابوس لا يأتي من الصور بل تعتمد على الكلمات، وبالرجوع إلى كوليردج فإن الشعور هو الذي يمنحك الصور.. يقول بورخس "عندما تكتب تلك الصور، فإنها يمكن أن لا تعني لك أي شيء.. الصور مفزعة في حين أن الشعور ليس كذلك" ص160.
وإذا كان يعتاش، نوعاً ما، على عالم ذهنه السفلي فإنه كان مغرماً بالعوالم السفلية للمدينة، يكره الطبقة الوسطى وينجذب للأحياء الفقيرة حيث يتصورها خارجة على القانون أكثر مما هي في الواقع.. كان هيامه أبداً بما هو غير مألوف، وغير اعتيادي ومثير. وهذه سمات يمكن تلمسها في نصوصه الأدبية.
ليست الأسئلة الكبيرة المتعلقة بقضايا السياسة ومستقبل العالم هي التي تهمه بقدر ما تهمه الأسئلة الشخصية، وما يحيره ليس إلا ما يعد بديهيات وحقائق قارة في عرف كثر من الناس.. تحيّره حقيقة وجوده، وتموضعه في جسد إنساني، ونظره عبر عينين وإصغائه عبر أذنين.. يفكر إن كان قد عاش قبل ولادته في العام 1899 كائناً في مئات الأشخاص غريبي الأطوار. وحين يستيقظ في كل صباح يشعر بالإحباط "والسبب هو أنني ما زلت أنا. هي ذا نفس اللعبة السخيفة القديمة ما تزال مستمرة. عليّ أن أكون شخصاً ما" ص152.
لم يحب القيود من أي نوع، حتى ذلك القيد المتمثل بالإفراط في مساعدته، صار اتكالياً بسبب عماه، غير أنه كان يتحرر حتى من الصداقة، كلما شعر بأن الأمر يسلبه حريته. ويضيف بارنستون نوعاً آخر من الحرية لديه "حرية الاختيار والالتزام برفيقته الأخيرة، وحل عقود من الصداقة مع ماريا كوداما عبر زواجه قرب سرير موته. وكان ذلك ذروة حياة بورخس قرب موته، بل حسب رأيي، أكثر أفعاله نبلاً وأخلاقية ورومانسية" ص205. وماريا هذه ولدت في الأرجنتين لأم ألمانية وأب ياباني.
ومثل كتّاب أميركا اللاتينية العظام كان مراقباً دقيقاً لمحيطه، وملتقطاً لعبارات وحكم الناس الذين حوله "من سائقي التاكسي والخدم والموظفين العاديين بنفس الطريقة التي كان يغرف فيها من صاموئيل جونسون وأوسكار وايلد" ص237.
حكمَ إحساسه الأبدي بأنه ما زال طفلاً لم يكبر، وأمامه مدى واسع من الحياة على أسلوبه الأدبي. ونحن نجد نوعاً من القرابة في الرؤية بينه وبين كافكا، بحسه الغرائبي الكئيب في النظر إلى العالم، وتلك المسحة من الشك والحيرة التي تطبع كتاباته، وذلك السيل من الأسئلة العنيدة المستفزة التي يلقيها على ذاته والعالم ليبقى بعيداً عمّا يعرف بسلام النفس وطمأنينة الروح الكاذبة، فكافكا هو سلفه، وله مقالة بعنوان ( كافكا وأسلافه ) يعترف فيها بأن "كل كاتب يخلق سلفه، إذ عمله يبدل من مفهومنا للماضي مثلما يبدل المستقبل" ويستنتج بارنستون بأن كافكا يمثل الابتكار الأدبي لبورخس فبعد "قراءتنا لبورخس تتغير قراءتنا لكافكا بشكل جوهري" ص227. وربما استمد من كافكا حقيقة أن المقولات الوجودية الكبرى ما هي إلا طلاسم ناقصة لا تُكتمل، وأن الكلمة الحقيقية لا تُقال أبداً، بل يجب أن لا تُدرك أيضاً، ولهذا كان مضلِّلاً ومتناقضاً، أعمق كتاباته هي تلك التي تتعلق بلحظة الموت، وسر تلك اللحظة بعد الموت. وكلما سبح أبعد على أمواج السنين وغار في العمى كلما نضج أكثر "وقصائده المكتوبة في سن الثامنة والسبعين هي من بين أكثر النصوص مهارة، وعمقاً وتأثيراً. صارت رؤيته أكثر حدّة، ويده أكثر ثقة. بدأ بالشعر وانتهى بالشعر. ومثل الحكماء ما قبل السقراطيين، وخاصة ( إل غريكو )، التسمية التي نحتها لهيراقليطس الغامض، كتب بورخس الفلسفة شعراً وأمثالاً، وكانت أغنيته مستمرة" ص284.. هذا ما يقوله بارنستون عن بورخس، ويقول عبر 300 صفحة أشياء أُخر غنية، باهرة وممتعة تكشف لنا جوانب وأسراراً لم نكن نعرفها عن أدب وحياة هذا الكاتب الفذ.

*(بورخس؛ مساء عادي في بوينس آيرس) ويليس بارنستون.. ترجمة: د.عابد إسماعيل ـ دار المدى للثقافة والنشر ـ دمشق ـ ط1/ 2002.

سعد محمد رحيم
روائي وباحث من العراق
saadrhm@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث