الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ايزابيل الليندي والفارس الذي كنا نظنه شخصية خيالية
هدية حسين
ايزابيل الليندي والفارس الذي كنا نظنه شخصية خيالية
غلاف الرواية

إنها رواية الثعلب زورو آخر ما أبدعت ايزابيل الليندي من كتاباتها التي تنتمي الى الواقعية السحرية،ترجمة رفعت عطفة ، والتي صدرت عن دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق 2007 بعنوان "زورو وتبدأ الأسطورة".
حين جاءها ورثة زورو بصندوق يحتوي على ما تبقى من مقتنياته التي تمثل بعض تاريخه ،طالبين منها كتابة رواية عنه، لم تعتقد ايزابيل الليندي بأنها ستحقق لهم هذه الأمنية ،فقد اعتادت هذه المرأة أن تكتب رواياتها دون طلب من أحد.
تركوا الصندوق لديها وذهبوا لعلها تغير رأيها ، وعندما تصفحت تلك التذكارات والذكريات والمقتنيات وجدت نفسها تنحاز الى حكاية هذا الرجل الذي يدعى(دييغو دِ لابغا) والتي تبدأ في العام 1790 في كاليفورنيا العليا وهو نفسه زورو الذي كنا نظن بأنه شخصية خيالية.
وكما هي عادة ايزابيل الليندي فإنها تكتب بعد أن تلم بتاريخ الفترة التي عاشت فيها كل شخصية من شخصياتها بكل ما تحفل به من تناقضات وصراعات واضطرابات وقصص عشق وحروب ومغامرات أقرب الى الخيال منها الى الحقيقة.
زورو الرجل الأسطورة يتحوّل بين أصابع ايزابيل الليندي الى حياة تتجاوز الأسطورة،حين تفصح تلك الشخصية عن نفسها بعد أن ظلت على مدى سنوات سرية وغامضة.
تقول ايزابيل الليندي في مقدمة الرواية( هذه هي قصة دييغو دِ لابغا وكيف تحول الى الثعلب - زورو - الأسطوري ،أخيراً أستطيع أن أكشف عن هويته التي أبقينا عليها في السر سنوات كثيرة،وأقوم بهذا بشيء من التردد لأن صفحة بيضاء تخيفني مثلما تخيفني سيوف رجال مونكادا المجردة من أغمادها ، بهذه الصفحات أحاول أن أستبق أولئك الذين يصرون على تشويه سمعة زورو… عليّ أن أروي هذه المغامرات لأنه لا يفيد كثيراً أن يغامر دييغو بحياته من أجل العدالة إنْ لم يسمع به أحد ) ص7 .
تبدأ ايزابيل الليندي الرواية منذ ولادة دييغو دِ لابغا،وهي الفترة ذاتها التي بدأت بها الحملات التبشيرية لتلك المناطق الغنية بالموارد الطبيعية ،مناطق الهنود الحمر الذين لا يعرفون عن الدين المسيحي أي شيء،ولا يعرفون أيضاً سبب أن يقوم الأجانب بغرز علم في الأرض ،ورسم خطوط متخيلة،ثم يعلنوها ملكية لهم،إذ إن فكرة امتلاك الأرض بالنسبة لهم شيء لا يُصدق، يصفونه كمن يقتسم البحر.
ولكن المبشرين بزعامة القس مندوثا واصلوا مهمتهم دون كلل ودونما تصوّر بأن قبائل المناطق تلك ستهاجمهم .. الهجوم وقع إذن، وهذا يعني أن سلسلة من المعارك ستقع .. جاءت الأخبار للقس مندوثا بأن(بطلاً ممسوساً بروح ذئب طلع من عمق الغابة وتمكن من جمع عدة قبائل لطرد الأسبان من أرض أجدادهم التي طالما اصطادوا فيها دون إذن من أحد) بل حتى الذين اعتنقوا المسيحية من الهنود لم يغامروا بحرب ضد أبناء قومهم،لذلك طلب القس المساعدة العاجلة من النقيب اليخاندرو دِ لابغا ،وهو كما تقدمه لنا ايزابيل على الصفحة 14( يقارب الثلاثين من عمره وكان جندياً محنكاً صقلته حروب إيطاليا التي عاد منها موشوماً بندب يفتخر بها.. كان الابن الثالث لعائلة نبيلة.. قاتل أسلافُهُ المسلمين تحت رايات ايزابيل وفرناندو الكاثوليكية ،لكن لم تبق لهم من كل تلك الشجاعة المتغنى بها والدم المراق من أجل إسبانيا من ثروة غير الشرف،وعند موت الأب ورث الابن البكر بيت العائلة .. الابن الثاني طالبت به الكنيسة وكان من نصيبه هو أن يصبح جندياً،لم يكن هناك من مستقبل آخر لفتى من دمه .. تلقى ثمناً لشجاعته التي برهن عليها في ايطاليا،كيساً من الدوبلونات الذهبية وترخيصاً بالذهاب الى العالم الجديد ليحسّن مستقبله)وسنعرف فيما بعد بأنه هو الذي سيصبح والد زورو .
كانت رسائل المبشرين الى مدير البعثات التبشيرية في المكسيك تتضمن الشكوى مما يروه من عادات وطقوس لدى الهنود الذين يفضلون العيش عراة في أكواخ من القش،مسلحين بالأقواس والسهام ، و ،بلا تربية ولا حكومة ولا دين ،غارقين في إشباع شهواتهم المخجلة.. ويفسر المبشرون بأن هذه العادات هي من عمل الشيطان .
على جانب آخر تكشف لنا الرواية بأن القس مندوثا كان في شبابه قد مر بمرحلة خليعة قبل أن يصبح راهباً ، ولذلك كان يتعاطف أحياناً مع السكان الأصليين،ولم يكن متعنتاً مثل الآخرين.
في مثل تلك الأجواء بدأت أولى الحروب.. فقد هاجم الهنود بعثة المبشرين، يتقدمهم زعيمهم المقنع ،وأحرقوا أماكن البعثة وأحرقوا الأكواخ وأمطروا الكنيسة بوابل السهام ثم حاصروها .. ولكن المدافعين عنها بزعامة النقيب اليخاندرو هزموا الهنود وسقط زعيمهم المقنع جريحاً ، وتبين بعد إزاحة القناع بأنه امرأة تدعى تويبورنيا ، في العشرين من العمر تحيطها أسطورة يتداولها الهنود بأنها تتحول الى ذئب ويمكنها الهرب من أي مكان تكون فيه ولذلك ، حين سقطت أسيرة ثبتت بالسيور الجلدية الى السرير الذي تستخدمه ، وأراد القس مندوثا أن ينفذ فيها حكم الإعدام ،غير أن النقيب رفض،وأمام إصرارالإثنين اقترح النقيب أن يأخذ برأي الحاكم الذي سيقرر مصيرها.. وحاول النقيب حين التقى الحاكم أن يؤثر عليه ويقنعه بأنها تحمل دماً أسبانياً .. بينما كان السبب الحقيقي هو إعجاب النقيب بهذه الشابة الخلاسية .. وهكذا أنقذت من عقوبة الإعدام الى السجن، وجاء بها النقيب الى بيت الحاكم وتعهدت زوجة الحاكم أن تحولها الى سيدة مسيحية ، وخُلع عليها اسم رخينا،.. ومرت ثلاث سنوات قبل أن يلتقيها النقيب في حفلة أقامها الحاكم في بيته ، وهناك طلبها النقيب للزواج مضحياً بنسبه النقي .
هذه الشابة هي التي ستصبح والدة زورو ، فقد جاء بعد ولادة عسيرة قضت الأم فيها خمسين ساعة في الطلق.. جاء الطفل الذي سمي دييغو دِ لابغا، والذي سيصبح زورو، أي ، الذئب ، ولم تلد رخينا بعده ولداً.
ومنذ الصغر تعلم دييغو المبارزة وركوب الخيل دون سرج واستخدام السوط والحبل والغوص في البحر وملاحقة الفريسة حتى اصطيادها وتحمّل الألم دون شكوى .. وسيمر بمصاعب كثيرة ولكن الثعلب سينقذه وهو دليله الروحي كما تقول جدته وتطلب منه أن يتعلم مهارة الثعلب في الدهاء والذكاء والاختباء، ولذلك سمي بالثعلب.
حتى الصفحة 104 كانت ايزابيل الليندي قد روت طفولة زورو، وفي الفصل الثاني المعنون( برشلونة 1810 – 1812) تقول ايزابيل في بدايته بأن ما هو قادم أهم من السابق ، ذلك أنها فيما روت كانت قد تناولت مرحلة الطفولة التي تصفها بأنها بائسة ومليئة بالمخاوف التي لا أساس لها.
في هذا الفصل يكون عمر زورو خمس عشرة سنة عاشها دون رذائل ولا فضائل كبيرة .. سيزداد أعداءه وكذلك المعجبون به وخصوصاً من الفتيات ويتملكه الزهو، لكن ايزابيل لا تريد - كما تقول - أن تستبق الأمور،ستأخذنا على مهل موضحة جميع الأدوار التي مرت بالفتى لتبين فيما بعد كيف أصبح بطلاً أسطورياً .
وفي هذا الفصل أيضاً تؤكد ايزابيل بأنها تعرفت على بطلها دييغو الذي أرسله والده للدراسة في برشلونة بصحبة برناردو ، رفيق طفولته، وأخيه في الرضاعة ، وهو ابن آنا التي أرسلها القس الى رخينا ، وكانت حاملاً وترفض أن تعترف باسم من أغواها،عاشت في بيت رخينا وولدت ابنها برناردو في اليوم الذي ولدت فيه رخينا .
وكعادتها ايزابيل الليندي لا تترك صغيرة إلا وتمر عليها لتوضح أدق التفاصيل في الرحلة التي قام بها زورو وبرناردو الى بنما أولاً ، أبخرة نباتات الأدغال المتعفنة ووحول الأنهار التي تتسبب في الأوبئة ، الارتفاع الجهنمي للحرارة، وأهم الأطعمة الشعبية فيها .. ثم يواصل الشابان رحلتهما ويمران بمدن أخرى تفرد ايزابيل خارطتها أمامنا بكل ما تمتاز به، وتحكي عن كل ما يتعلمانه أثناء تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر، ولم يفتها قط أن تطعّم روايتها بالحكايات الخرافية على لسان شخصياتها ،كحكاية الموتى الذين قضوا في هجمات القراصنة الأتراك وأرواحهم التي تستقر في قاع البحر ولا تهتدي،والأخطبوطات العملاقة التي تدمر السفن، والمسوخ ذات الأذرع المميتة التي تبدو على شكل فتيات شبقات ، وحكايات أخرى أكثر رعباً .
وبعد سلسلة من المتاعب تصل السفينة الى برشلونة ليحط زورو وبرناردو في بيت السيد توماس صديق والد زورو، وله بنتان هما خوليانا التي سيقع زورو في غرامها منذ اليوم الأول، وهي فتاة جميلة وذكية ، وايزابيل التي كانت تعاني من انحراف في إحدى عينيها.. وفي الوقت الذي بدأت فيه مشاعر زورو تتعمق نحو خوليانا كان هناك من ينافسه على قلبها ،وهو شاب وسيم يدعى رافائيل مونكادا وستقودنا ايزابيل الليندي الى الصراع الخفي بين الاثنين من أجل كسب ود خوليانا ، ويصل الأمر حد المواجهة والمبارزة ، ثم تدخل أغنس صديقة خوليانا هذه اللعبة،فقد أحبت زورو وحاولت استمالته دون أن تجد لها صدى في نفسه على الرغم من أنها فتاة رقيقة وحيوية .
وتمضي بنا ايزابيل الليندي الى تفاصيل كثيرة وحكايات تتعلق بالغجر وشعبهم الذي تاه منذ أزمنة بعيدة وكيف وصل البعض منهم الى أسبانيا وعاشوا حياة التشرد ، تتكشف حكاياتهم من خلال العلاقة التي ربطت بين برناردو والغجر عندما أنقذ برناردو قارئة الطالع ،الغجرية أماليا التي حاول أحدهم الاعتداء عليها أمام إحدى الحانات.
وسيحل الفصل الثالث(برشلونة 1812 - 1814) الذي يبدأ بالعلاقة الجسدية التي ربطت بين زورو وأماليا دون أن ينسى التفكير بخوليانا ، وهناك تفاصيل خفية في شخصية زورو تكشفها لنا الكاتبة تتعلق بالنساء اللواتي يقيم معهن علاقات جسدية ، فهو لايتذكر إلا النساء اللواتي يضنينه بلامبالاتهن.. ولذلك فهو ينسى السيدة التي كان معها قبل لحظات بمجرد الخروج من بيتها.
وهكذا تأخذنا الكاتبة من واقعة الى أخرى ومن شغف الى آخر ومن مغامرة الى مغامرة ، بحيث لا يمكننا إلا أن نلهث وراء السطور ونتابع زخم الأحداث والحكايات والتفاصيل التي تحتاج الى إعادة قراءة لكي نلمّ بها.
في العام 1812 هُزم نابليون في روسيا بعد ما تقدم جيشه نحو الداخل الروسي ، إذ لم يجد السكان والفلاحون أمام هذا الزحف إلا أن يحرقوا محاصيلهم وممتلكاتهم لكي لا يستفيد منها المحتل .. هذا التاريخ تأتي عليه ايزابيل وتعرضه بطقسه البارد ومرارته القاسية والجوع الذي عمّ بين الجنود ثم انسحاب الجيش وما تبع ذلك من تغير في الوضع السياسي الأسباني .. وفي هذه الأجواء تستمر حكاية الأسطورة الذي تقدم كثيراً في دراسته ولم يتقدم في كسب ود خوليانا .. كما تستمر ملاحقة الجيش الفرنسي للغجر الذين يجدون في زورو مسانداً قوياً لهم .. ولن تكف ايزابيل الليندي عن سرد المزيد من مغامراته المثيرة .
هذه هي باختصار رواية(زورو.. وتبدأ الأسطورة) لإيزابيل الليندي التي تحكي قصة حياة استثنائية لمغامر عاش في زمن الفروسية .. تناولتها ايزابيل الليندي بأسلوب ساخر وبمزيد من التشويق والإثارة منذ الصفحة الأولى وحتى الصفحة 430 . لقد عملت الكاتبة على فضح أسرار زورو بعد أن نزعت قناعه وكشفت فضائله ورذائله واندفاعه وجموح روحه التي ظلت تطوف في مخيلتنا منذ عشرات السنين.

هدية حسين
روائية عراقية مقيمة في كندا
hadiya3000@yahoo.com
تعليقاتكم
1. واقعية سحرية؟
ربيع القرمطي | 30/6/2011 الساعة 18:17
هذه الرواية ليست اخر ابداعات ايزابيل الليندي، وهي غير محسوبة على تيار الواقعية السحرية، كما نعلم
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث