الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
السيرة والمتخيل في حيثُ لا تسْقط الأمْطارُ
د. إبراهيم خليل
السيرة والمتخيل في حيثُ لا تسْقط الأمْطارُ




يستخلصُ، من يتأمل أسماءَ الأماكن، التي جرى تداوُلها، وتكرارُها، في رواية أمجد ناصر " حيث لا تسقط الأمطار " حرصه الشديد على التلميح، وتجنب التصريح، فالحامية، والمدينة المطلة على البحر، وجزيرة الشمْس، والمدينة الرماديّة والحمْراء، ومدينة السندباد، ومقهى الزنبقة السوداء، وغيرها، ما هي إلا أسماءُ مستعارةٌ لأمكنة حقيقيّةٍ، قد تكون الزرقاء تارة، أو بيْروت، أو قبْرُص، أو لندن، أو بغداد، تاراتٍ أخَرَ.
تضافُ إلى ذلك الأسْماءُ التي أطلقها على الشخوص: يونس الخطاط، وأدهم جابر، فهما اسمان لشخص واحدٍ، جرى شطرُهُ نصفين، أو شخصيَّتيْن، بكلمةٍ أدقّ، الأولى تمثل أدهم جابر قبل أن يغادر مدينته(الحامية) والثاني يونس الخطاط بعد أنْ عادَ إليها، كلٌّ منهما يؤدي دوْرَ الآخر، وفقًا لموقعه من المكان الذي اغتربَ عنه مدةً غيرَ قصيرة: عشرين عامًا قضاها ملاحقًا بتهمة الاشتراك في محاولةٍ فاشلةٍ لاغتيال آمر المدينة، وبعْد عودة البطل منْ منفاه، يكتشف أنَّ كل شيءٍ قدْ تغيّر: الإنسانُ، والمكانُ، فيحاول أن يعتصر ذاكرته اعتصارًا في مَسْعىً لتقريب الصورة لنفسه، أولا، وللآخر القارئ، ثانيًا. ومن خلاصةِ ذلك تتشكّلُ بنية الرواية على مُسْتوى الحدَث، والزمن، والمَكان، والشخوص.
فعلى مستوى الحدث، يكتشفُ أنَّ أقاربَه، وأفرادَ أسرته الأدْنين، الذين جاءوا لاستقباله، في المطار، لم يستطيعوا التعرُّفَ عليه، بادئَ الأمر، وهو لا يستطيع بدوره التعرُّف على الكثيرين منهم. " كاد أنْ يجتازهم دون أنْ يعرفوه. لم يصدقوا أنه الشخص نفسه الذي كان طويلاً، رشيقًا، مثل مطرق خيزران "(ص32) فالسنوات العشرون التي غابها عن المدينة كانت كفيلة بتغيير مَلامحِه هو، مثلما كانت كفيلة بتغيير ملامح الكثيرينَ منهم. الأبُ، والأمّ – مثلا- رحلا، وأصبحا دفينيْن في مقبرة تغيرت هي الأخرى. أخوه الأكبر (سند) وأسرته، باتا من المقيمين في الخليج، وأخوهُ شهاب بات ربَّ أسرة كبيرة، وقد أطلق على أحد أبنائه اسْم يونس، ليذكّرَهم بالغائب الذي فرَّ ذات يوم، ملتحقا بتنظيم يساريٍّ يتخذ من شعار " إلى العمل " اسْمًا له، لأنه يؤمن بالأفعال، لا بالأقوال، ولكنْ لا الأفعال، ولا الأقوال، نجحت في تغيير الأحْوال على النحو الذي يريدُه التنظيم، أو يريدُه يونس- أدهم.
المعارضة أين هي؟
فعندما عاد أدهم- يونس لاحظ أنَّ من كانوا يقفون في صفِّ المعارضة، ممن تلاحقهم أجهزةُ الأمن، أصبحوا حلفاءَ للسلطة، فيما غدا حلفاءُ السلطة، في السابق، هم الملاحقونَ، الذين تتعقَّبُهم أجهزة الأمن، وتمتلئ بهم السجون. وَبعْد أنْ كان كتابٌ مثل " الدولة والثورة " يُحظر اقتناؤه، ويُعاقب من يضبط بحوزته بالكيّ بصليبٍ من الحديد المُحمّى على البطن، وهو الشيء الذي تعرّض له يونس، وتركَ في جسده علامة مستقرّة، ثابتة، بات معروضًا على الأرْصِفة، وفي أكشاكِ الكتب، والصحُف، والمجلات. فيما أصبحتْ كتبٌ أخرى كانتْ تتراكم، وتتكدّس لدى الباعة، وفي المكتبات، هي التي تصادرُ، وتمنع.
وهذا محمود أبو طويلة – الذي كان من أنصارهِ، وعضوًا في التنظيم، ورافقه في رحْلة الهروبِ ذات ليلة بعد أن اختفيا في المزرعة- عاد إلى الحامية مُعَزّزًا، وأصبَحَ يشغلُ وظيفة مُهمّة في جهاز إعلاميٍّ رفيع. كذلك فهمي، وغيره. وأما خلف، الذي لقي حتفه في مواجهةٍ مع الجهاديِّين، فهو الآخر كان قد تغيَّر كثيرًا. ورُلى، التي أحبّها كثيرًا في أوْج المراهقة، وكتبَ لها قصيدة " سيدة المدينة " التي شاعتْ في الأوساط يومئذ، واستمات في سبيل الاقتران بها، على الرغم من مقتل أبيها الضابط الأمنيّ في إحدى المحاولاتِ الفاشلةِ التي استهدفتْ اغتيال زعيم المدينة، هذه المرأةُ، باتت سيدة كبيرة، ذاتَ أسْرةٍ، فبعد أن أصابها اليأسُ من عودته نجحت في أن ( تُطلقَ) وأنْ تقترن بآخر، وأن تسمّي ابنها البكْر بدْرًا، باسم الشاعر الذي كانَ يونس يعدّه شاعرَهُ الأثير.
قراءة تلقائية للواقع
تقترنُ عودة البطل برحلة استكشاف، وقراءة تلقائية للواقع، إذْ يحاولُ الراوي، الذي يخاطبُ البطل بشخْصَيْهِ: يونس وأدهم، تذكيرهُ بالأشياء، والحوادث، والأشخاص، متوقفًا عند أدقّ التفاصيل، بما فيها تلك التي تكادُ لا ُتلاحظ. كأنه بذلك يُفصِحُ - بطريقة غير مباشرة - عن تداعياتٍ داخلية، لكنّ التعبير عنها يجري باعتماد ضمير المُخاطَب بدلاً من المتكلِّم. ومن هذه التداعيات المتناثرة تتجمَّع أجزاءُ حكايةٍ لها بداية، ولها نهاية، غير مباشرتين. فعندما عاد طلب منه موظفو الأمن، في المطار، أنْ يمرّ بهم عندما يكون جاهزًا. لاستكمال تحقيقٍ كان من المفروض أن يبدأ قبل عشرين سنة، " لم يسمّوه تحقيقا، بل قالوا لك: تعال نشرب معا فنجان قهوة"(ص24). هذا على الرغم من إتلاف الملفات، وعلى الرغم من أنه لمْ يُتهم صراحةً بالاشتراك في اقتحام سفارةِ الحامية في المدينة المطلَّةِ على البحْر. (ص28) وما إنْ يقع بصره على المدينة، بعد العودة، منطلقًا من المطار، في سيارة يقودُها واحد من إخوته، حتى يلاحظ ما أصابها من تشوُّهات بصريّة، ومنشآت، حوَّلتْ حقول القمح، والذّرة، وأجمات الصنوبر، والعَرْعَر، إلى ذكرى بعيدَة.(ص35)
عقارب الساعة إلى الوراء
يتوقَّفُ الزمن مُحرِّكًا عقارب الساعة إلى الوراء، فقُبيْل سنواتٍ تعرف على زوجته المتحرّرة في جزيرة الشمس(ص43) كانت قد طلقتْ لأسباب تتعلق بأفكارها الجريئة، والحادّة.(ص44)مثلما ُطلق هو. كلٌّ منهما له ماضيه الذي لا يتوارى منه خجلاً، واتفقا على أنْ يحترمَ كلٌّ منهما خصوصيَّة الآخر، بيد أن حكاية الورقة التي عثرتْ عليها الزوجة مصادفة في طريقهما إلى منزل في الريف، وفيها قصيدة بخطهِ، تشعلُ الجدل بينهما. فالشكوك تساورها، فتكرّر السؤال عن (رُلى)، وقد بلغ بها الشطط الاتصال بشهاب، والاستفسار عن رلى ظنًا منها أنها قد انتقلت لتعيش في منفاهُ الأخير (ص51 ) ومن حين لآخر تعبث بأوراقه، وكأنها تفتّشُ عن دليل آخر يثبت أنّه ما يزالُ عالق الفؤاد بتلك المرأة، التي كان على وشْك الزواج بها قبيل فراره(ص52).
يتوقف الزمن في مفارقة سرْدية ثانيةٍ، قافزًا بعقارب الساعة إلى الوقت الحالي، الوقت الذي يقارن فيه حال المدينة اليوم بحالها في الأمس البعيد، قبل نحو عشرين سنة، وهو نفسه الوقت الذي يجري فيه التلفظ بالحكاية، فيلاحظ- على سبيل المثال- أنَّ الأسواق ببضائعها أصبحت مختلفة عمّا كانت عليه، لقد جعلت العولمة الاستهلاكيّة من العالم، بما فيه الحامية، موحّد البضائع، ويتداخل يونس الخطاط بأدهم، وهو يتذكَّرُ ملصقاتٍ سياحيّة ضخْمة لصحراءَ، وجمال، ومضارب بَدْو، رآها في لندن، وإلى جانبها لافتة كتبَ عليْها بالبنط العريض: حيث لا تسْقط الأمطار.(ص72)مفارقة غريبة تلك التي يعيشها في مدينة يشقّها النهر. ففي المعرض الذي أقيم برعاية السفارة في لندن يَظهر محمود أبو طويلة على نحْوٍ مفاجئ، ذلك الشخص الذي طالما دافع عنه يونس، وأدهم، فإذا هو في دائرة الاتهام: " فإما أنه متساقط، وإما أنه مجرّد بورجوازيٍّ صغير قصير النّفس، كنتَ منْ مؤيّدي التفسير الثاني" (ص 80) وأما اللقاءُ الذي جرى بينه وبين أحد مسئولي الحامية في جزيرة الشمس، فيرجّح التفسير الأول. وتتضخَّمُ صورة البورجوازيّ الصغير، المُتساقط، في عين يونس(وأدهم) بعد اللقاء الذي جرى بينهما في إحدى المقاهي، على شاطئ النهر، بمدينة الضباب، ومن الحديث الذي يدور بينهما، يتأكَّدُ البطل – والعُهْدة في ذلك على ذمّة الراوي- أنَّ محمودًا شخْصٌ دَبِقٌ، وقليل حياء، وغادر بالأصدقاء، أكثرُ منْ كوْنهِ مُتَساقِطًا.(ص97) لقد حاول أنْ يضفي على نفسه مزيداً من الوطنية التي تبلغُ حدَّ المزايدة، لأنه سمح بنشر قصيدة ليونس في مُخْتاراتٍ صدرتْ عن مؤسَّسَةٍ رسميّةٍ في حين استبعدت قصائد خالد رسْتم شاعر الحامِية الرسْميّ.(ص98)
محمود أبو طويلة
تحتلُّ شخصية محمود في تداعيات أدهم موقعًا مهمّا في أحداث الرواية، باعتبارها شخصيّة تمثّلُ نقيضًا للإنسان النظيف، الملتزم، النقيّ. فمع أنه بدأ شاعرًا غيْر ناجح، وتحوّل إلى القصة القصيرة التي لم يكنْ فيها بارعًا، ولأنَّ لديه الرغبة في أنْ يكون شيئا؛ فقد تحول للمقالة الصحفية، وأصبح كاتبَ عمودٍ يوميّ، ملتهب(ص102) وشرَع - من خلال هذا الموقع- يسعى لتزيين وجه السلطة، وتقريب اليَسار، واستبعاد اليمين. إجراءٌ رآه مناسبًا في هذه المرحلة بالذات، بعد انتشار الجماعاتِ التكفيرية، والجهاديّة، والأصولية المتشدّدة.(ص103) ومحمود أبو طويلة هو نفسه الذي أغْرمَ بهالة، على الرغم من أنها ليستْ منْ صِنفه، فقد كانَ يُؤْملُ منها الكثير، ولهذا ظلَّ محمود- الذي تزوجها بالفعل - يشتبه في أن لها علاقة بيونسَ قبلَ فرارهِ.
حتى خلف، صديق يونس في الدراسة، وهو الشخص الذي يتراءى لنا في صورةٍ عُلقت في البيت إلى جانب سالم والبطل يونس، هذا الخَلف لم يستطعْ التعرُّف على البطل (أدهم) ولا على(يونس) الذي عاد من منفاه زائرًا. على الرغم من أنهما صديقان منذ زمَنٍ مُبْكر.(ص119) ملامح يونس تغيرت، ليصبح أدهم، وكذلك تغيرت الأوضاع ليصبح خلفُ شخصًا آخر. لقد أصبح مسئولا في أحد الأجهزة التي تفتش القادمين والمغادرين(ص126) لكنه لا يدقق في تفتيش أمتعة المغادرين كثيرًا مثلما يفعلُ بأمتعة القادمين. ثم جاء موته في مواجهةٍ مع الجهاديّين الذين نقضوا ميثاقهُم معَ السلطان.(ص138)
مواجهة الماضي
وفي مواجهة أدهم للماضي يتذكر أفراد الأسرة، واحدًا تلو الآخر، يتذكر سالما صديق التدخين، وأحلام اليقظة، الذي أصبح كوالده ضابطا في الأمن(ص144) ويتذكر المقهى الذي كان يتردد إليه مع الحناوي، حيث إحسان الشطي وابنه تيسير، ويتذكر الديوان الذي قدمه له الحناوي على سبيل الإهداء، وهو الديوان:" نبي يقاسمني شقتي" لشاعر من مدينة السندباد(ص146-147) وحامد علوان، العراقي الذي لا يعجبه الديوان، كونه خفيض الصوت أكثر مما يجب.(ص149) أما غيث، فقد تغير كثيرًا هو الآخرُ، وأصبح مولعًا بالكتب التي ُشغف بها أبوه، وهي الكتب القديمة ذاتُ التجليد الفاخر، والكعوب المذهَّبة.(ص164) ومن خلال المقارنة بين مقاهي اليوم والأمس يلمس القارئ ما في الرواية من تهكّم احتجاجي على التغيير من سيء إلى أسوأ: " من قبل كانت تتردّد في جنبات المقاهي أغاني نجوم الطَّرب، أغانٍ بمقدّماتٍ موسيقية طويلة، ولازماتٍ تتكرَّر، وآهاتٍ تطلع ُمن الأحشاء. اليوم يحتلُّ التلفزيون ركنًا أساسيًا فيها، وثمة نجومُ غناء جُدُدٌ لا تعرفهم، يستخدمون أنوفهم بدلا من حناجرهم، يتكاثرون كالنبت الشيطاني، في فضائياتٍ لا حصر لها، تتلوى معهم فتياتٌ لا تدري من أين يحصلون عليهن، فلا أثر لطولهنَّ الفارع، وخصورهنّ الدّقاق، وسراويلهنّ الضيقة، أو تنانيرهن القصيرة، في شارع يندر أنْ ترى فيه امرأةً حاسِرَةَ الرأس"(ص167).
تضيف مثلُ هذه لمقارنة إلى ما سبق بقعة لونية كامدة للوحة التي رسمتها ذكريات أدهم- يونس لهذا الفضاء الذي سماه من باب التمويه الحامية. عندما يلتقي بأستاذه شكيب، الذي علمه العربية، وتنبأ له بمستقبل شعريّ، لا يتعرف أيٌّ منهما على الآخر، إلا بصعوبة كبيرة(ص169) وقد منعه الحرج من السؤال عمَّنْ يكون. في لقائه بفهمي – الذي جرى بالصدفة في شارع الأمراء – تذكر المهمّة الأولى التي كلفه بها التنظيم، وهي إيصال الرسالة التي جرى إخفاؤها في كعب حذائه، إلى مسئول التنظيم في بغداد(ص171) وهذه المهمّة، وما ترتب عليها، تصلحُ أنْ تكونَ بداية جيّدة لتشرع آلة الذاكرة باسْتعادةِ ما مضى على نحْوٍ مُختلف.
يُدحْرج كبة الصوف
فابتداءً من الحديث عن صالون الخميس (ص177) حتى نهاية الرواية، يعودُ الكاتبُ إلى كبَّة خيوط الصوف فيحاول دحرجتها مرة أخرى. لنبدأ - إذًا - من الأب ، والتلبُّس بقراءة الدولة والثورة، واللحظة المشئومة التي لمْ تُثرْ والده، وقراره الحاسم بالفرار من الحامية إلى المدينة المطلة على البحْر، فالعودة إلى غرفته للمرة الثانية، ليرى في كلِّ جزء منها ما يذكِّرُه بما مضى، برُلى - مثلا - التي يراها من شرْفة الغرفة لأول مرَّة منذ سفره، فتعود الأحداث السابقة لتتصدَّر المُخيلة من جديد(ص201-202)إلى أن تنحسر خيوط الذاكرة في المقبرة، بإعاد الحارس قطعة النقد الكبيرة، زاهدًا فيها، وفيمَنْ سُكَّ عليها، وفي عيدِه.
على مسافة من الرواية والسيرة
تبدو – للوهلة الأولى – جلُّ الشخصيات في الرواية من صنع الخيال، الأب، محمود، خلف، سالم، رُلى، غيث، يونس.. والتغيير الذي يحيط بالأمكنة التي يعود إليها البطل زائرًا ، بعد غيبة دامت عشرين سنة، يجعل منها أمكنة من صنع الخيال، فالذاكرة أحيت، في الذهن، صورًا من الماضي تتعانق في ثنائية درامية مع صور الحاضر، لتضفي على الفضاءِ كلِّه ضرْبًا من التخييل، الذي يسانده لجوءُ الراوي، وهو الوجه المشترك الآخر لكلّ من أدهم ويونس، للمفارقات الغريبة التي لا تخلو من سخرية، ودهشة. ولا يخفى على من يعرف المؤلف، ويتابع عطاءه الشعريّ، والنثريّ، والصحفيّ، وقرأ بعض ما كتبه، ومن ذلك كتاب " خبْط أجنحة "، وحياة كسرْد متقطع، وغيره.. الصلة المتينة، والقوية، بين المؤلف أمجد ناصر، من جهة، وكلٍّ من يونس، وأدهم جابر، من جهةٍ أخرى، فيظُنُّ، وهو غير بعيد عن اليقين في ظنه هذا، أنَّ الرواية لا تعدو أنْ تكون سيرة بقناع ٍروائيّ. بيْد أنّ الطريقة التي اتبعها في سرده لحوادث هذه السيرة، ورسْم ملامح الشخوص، الإيجابيّين منهم والسلبيّين، الأثيرين أوالبغيضين المنفرين، وعن طريق الخلط بين الأزمنة والأمكنة، واللجوء المكثف للتداعيات، والاسترْسال المفرط في الاسترجاع، الدافع إلى العدول عن السرد المتسلسل إلى السرد المتكسّر، ضاعف حظ هذه السيرة من التخييل، الذي هو جوهرُ العمل الروائي، وأساسه، الذي لا غنى عنه، وبه تتميَّز الرواية عن غيرها من الأجناس. كذلك قِسْمَة البطلِ على اثنين، هما: يونس، وأدهم، ومجاوَرةُ الراوي القرين لهُما في الموْقع، وفي زاوية النظر، لعبة ذكيّة استبعدَتْ خضوع الرواية ها هنا وامتثالها لسَطْوَةِ السيرة. فالكتابُ، والحقُّ يُقال، نصٌّ مرتبكٌ بين السيرة والرواية، لكنه في المحصلة النهائية على مسافة واحدة من الرواية والسيرة.

د. إبراهيم خليل
ناقد وأكاديمي من الأردن
ibrahim_ju2004@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث