الثلاثاء, 22 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
سلام عبود و"تغريبة ابن زريق البغدادي الأخيرة"
حسين السكاف
سلام عبود و"تغريبة ابن زريق البغدادي الأخيرة"
غلاف الرواية

"مدّ يده في كيس وأخرج عملة معدنيّة وقال : تأمّل وجهيها!... نظر "المجريطيّ" إلى الوجه الأول فرأى اسم الملك البويهيّ، وفي الخلف قرأ اسم الخليفة العباسيّ القادر بالله... دولة يحكمها خليفة وملك في الوقت نفسه!... لم أكن أظنّ أنّ الحال على هذا العسر في بغداد!..." صورة تعود لعام 1092م، ولكن، هل تبتعد كثيراً عن صورة بغداد اليوم؟ سؤال قد نجد اجابته في رواية سلام عبود "تغريبة ابن زريق البغدادي الأخيرة" (دار الحصاد - دمشق). حيث يتخذ المؤلف من قصيدة وتراجيديا موت "ابن زريق البغدادي" متكأً ورمزاً مستلاً من الماضي للإشارة إلى راهن العاصمة العراقية... الرواية بدلالاتها تشير إلى أنَّ عالم اليوم ما هو إلا صورة مستنسخة عما كانت تعيشه بغداد قبل قرابة الألف عام، وكأنَّ الزمن الفاصل بين الفترتين، وهم أو محض أسطورة.
الرواية، تبدأ حيث قرطبة، ووفاة ابن زريق، "لا حول ولا قوّة إلا بالله، مات العراقي... رُفع الشرشف، رأيت عن بعد وجه ابن زريق متذمّراً، هازئاً كعادته، بلحيته الخفيفة المهذبة وتقاطيع وجهه الصارمة، لكنه رغم ذلك ظلّ يحتفظ بملامح الكبرياء والجمال والتفرد المميزة فيه..." هكذا بات يتحدث "أبا سليمان، عامر المجريطيّ" بطل الرواية، بعد أن أفلح مؤلفها في زرع إعجابه بقصيدة ابن زريق داخل روح بطل روايته ليغريه بالسفر إلى بغداد والبحث عن "قمر" التي قيل بحقها درة من درر الشعر: "إنها ليست أبيات شعر، وليست عقيقاً، هذه بعض دماء القتيل. دماء الزمان والمكان والإنسان يا أبا سليمان. دماء ودموع وآمال لم ترَ البشرّية مثيلاً لها، ولن تسمع بمثلها البتّة.". يقرر "المجريطيّ السفر إلى بغداد باحثاً عن "قمر" ابن زريق الذي تركه في كرخ بغداد (استَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ)... ولم يكتفِ المؤلف بهذا بل جعل بطل روايته مغرماً ببغداد قبل أن يراها، مكتفياً برؤيتها داخل القصيدة: "هل يمكن لبغداد أن تكون رقيقة وعميقة إلى هذا الحد في آن واحد! أصيلة ومجددة في آن واحد! ثائرة ومقيدة في آن واحد! ومن غير بغداد يمكن أن يكون كذلك؟ البداية الغزليّة للقصيدة، التي تشبه تأكيداً على الالتزام بعمود الشعر، كانت تمرّداً خفيّاً عليه...". ولكن، كيف وجد المجريطيّ بغداد؟ "البويهيون ضد الخلافة، والعرب من أهل السنة ضد الشيعة، والأكراد يتقافزون هنا وهناك، والقادة الأتراك يبتزّون هذا وذاك..." ترى هل يتحدث سلام عبود عن بغداد اليوم؟ وأية تهلكة تلك التي زجَّ بها بطل روايته؟
إن كان على المجريطيّ دخول بغداد، فلا بد له من مقابلة مؤرّخها، أو قراءة كتابه الشهير على الأقل... فكرة مقنعة، يستدعي المؤلف على إثرها "الخطيب البغدادي" صاحب "تاريخ بغداد" ليستأذنه في استخدام مؤلفه الضخم مرجعاً لروايته، فيجعله يقابل المجريطيّ فترة قصيرة لا تتعدى الساعات ثم يغيب عن المشهد بحجة السفر، بعد أن سلّم مخطوطة كتابه لأبي سليمان المجريطي... حركة مهمة استغلها المؤلف ليختار مقاطع من الكتاب تتحدث عن بغداد في تلك الفترة ولتعين بطل الرواية على فهم الحال البغدادي الذي يراه للمرة الأولى. وهكذا يدخل المجريطي بغداد مهتدياً بنصائح رفيق رحلته من الحجاز إلى بغداد "أبا مهدي" المتهم على أنه من بقايا جماعة أخوان الصفا وخلان الوفا. ثم يتعرف على بغداد وطبائع أهلها من خلال مخطوطة "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي، تماماً كما اهتدى سلام عبود على معالم وأماكن قرطبة والأندلس معتمداً على كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي كأحد المصادر المهمة لروايته.
يدخل المجريطي بغداد، ويتعرّف عليها، وحالما يجد مسكناً، يخرج مرتدياً ثياب ابن زريق، عسى أن يتعرف عليها أحد، "وهو في ملابسه البغدادية يحسّ كما لو أنه لم يترك خلفه قبراً لابن زريق، وإنما خلّف وراءه قبره الشخصي."... وما هي إلا فترة قصيرة حتى يصير المجريطيّ بغدادياً بشعوره ووساوسه، فقد أصابته عدوى المكان "فما عاد يفرّق بين صديق وعدو، ما عاد يستطيع أن يميّز بين الوعد والوعيد، وأضحى مثل "أهل المدينة"، لا تقود الحياةُ خطاهم وآمالهم، بل يصرّون على أن تقود وساوسهم الحياة... اليقين الوحيد هنا هو الإيمان القاطع بعدم اليقين."... صحيح أن شعوره هذا كان مؤقتاً، لكنه يكشف عن حقيقة الحياة في بغداد منذ ذلك الحين حتى الآن. فـ "حينما يصل الشكّ إلى هذا الحدّ، أن تشكّ في أعمق بقعة في أحلامك، يعني أنّك تشكّ في ذاتك. وهذا ما أسميه عدوى المكان، التي ينكرها الجميع هنا، لأنّهم غارقون فيها من دون تأنيب ضمير."
لم ينسَ المؤلف، شخصية "المخبر السري" فما من حكومة عرفها تاريخ بغداد إلا وكانت تلك الشخصية أحد أعمدتها الفاسدة، فنراه يزرع في طريق بطل روايته، شخصية العبد، الخادم "كوكب" الذي جُنّد لمراقبته وخدمته، إلا أنّ هذا الجاسوس المتعدد المواهب، لا يشبه كثيراً المخبر السري في عراق اليوم، فلقد ظهر في الرواية إنسانياً مرهف الحس، لدرجة تجعله يحظى بمحبة القارئ وإعجابه، خصوصاً حين صار الدليل الذي أرشد المجريطيّ إلى "قمر"، "سيدتي اسمها قمر، وإن زوجها قد توفي بعيداً ولا أحد يدري له قبراً... كاد قلب المجريطي أن يتوقف، جلس وغرق في الصمت... ظل قلبه يرتجف في صدره وهو يسمع اسمها. هي موجودة، حيّة وليست خيالاً محضاً..." وهنا قد يجد القارئ أن كل هذه الأحاسيس التي تلبَّست المجريطي وأذهلته، قد يقف وراءها سبب واهي، فهناك العديد من نساء بغداد يحملن الاسم نفسه، إلا أن الإشارة الأهم هنا، هو دخول المجريطيّ دائرة الوهم بشكل فعلي بعد ما كان حالماً مسحوراً بصورة شعرية سلبت لبّه، وهذا ما تأكده لنا "قمر" على لسان خادمها: "سيدتي تقول لا يوجد شاعر في بغداد اسمه ابن زريق. هل هو من بغداد، بغدادنا؟" ثم تؤكده "قمر" بنفسها في لقاء لها بالمجريطيّ وهي تحدثه عن زوجها الغائب: ""أنا أعرف في أي شيء تفكر! لا تسألني عن ابن زريقك. أنا أتحدث عن زوجي وليس عن وهم شعريّ.". إنها بحق حالة إحباط لرجل حالم، إلا أنها لم تستمر طويلاً، فقد بددتها حالة العشق التي غمرت الزائر الأندلسي من النظرة الأولى إلى وجه "قمر الكرخ" وإن كان الخمار بينهما، وعشقه هذا، جعل منه مغامراً بطلاً أو مشروع شهيد حين تحوم الشكوك حوله ويودع السجن... "يجب أن تهرب، لا بدّ أن تهرب في الحال ومن دون إبطاء. أنتَ وضعت رأسكَ في فم الأفعى. خروجك مميت وبقاؤك مهلك، وعليك أن تختار بين مقتلين." كلمات أودعتها قمر بذهن المجريطيّ همساً، ومنها تيقن أنّ الانتقام هو الحي الوحيد في هذه البقعة الدامية. في بيئة الثأر لا شيء يموت، كل شيء يحيا ويُبعث من جديد.... "دخل المجريطيّ بغداد يوماً من بابها الكبير في وضح النهار، وها هو يتسلل منها تحت جنح الليل مثل طريد."
صحيح أن هناك من يرى في سلام عبود، كاتب تسيطر عليه أحياناً عاطفة كبيرة قد تؤثر على إمساكه بالفكرة الأساس، إلا أنه في روايته هذه، حين استدعى شخصية من الأندلس لتدخل بغداد، كان يريد وجهة نظر محايدة لا تنتمي إلى أية طائفة أو قومية عراقية، شخصية لم يلوثها الخوف ويدفعها للاحتماء بطائفة. شخصية تشبه تماماً المثقف العراقي الذي ينبذ الطائفية، والتعصب لأي معتقد، ليكون رأيه محايداً، وهذا ما يحتاجه العراق اليوم، العراق الذي صارت الطائفية تنخر أنسجته كمرض خبيث.


حسين السكاف
كاتب وناقد فني
halsagaaf@hotmail.com





أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث