السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
جيل دولوز/طاولة مستديرة من حول بروست (الحلقة الثانية)
ترجمة: حسين عجة
جيل دولوز/طاولة مستديرة من حول بروست (الحلقة الثانية)
جيل دولوز
سيرج دبروفسكي : أعتقد بأن هذه المُداخلات الثلاث التي أستمعنا إليها للتو، والتي تبدو للوهلة الأولى وكأن لا جامع بينها، تلتقي ثلاثتها، بالرغم من ذلك، في نفس قماشة العنكبوت، في ذلك النسيج الذي وصفه دولوز بالدقة. أليست هذه هي خصوصية عمل بروست، فهو، في آن معاً، تشظي وعزلة كاملة، ثم، في نهاية المطاف، تواصل واجتماع ؟

رولان بارت : بودي فقط أن أقول لجيرارد جنيت أنه إذا ما قمنا بتحليل المتنوعات، ببحثنا عن موضوع، فأننا نضع أنفسنا بالكامل في موقع تأويلية بعينها، ذلك لأننا نقتفي درباً عمودياً صاعدأ نحو المادة الرئيسية.
لكن (وهنا أعتقد بأن الحق إلى جانب جنيت) إذا ما أفترضنا قيام المرء بتوصيف أو حتى بكتابة تنويع وحسب، تنويع للمتنوعات، حينئذ لا يتعلق الأمر أبداً بالتأويلية، بل ببساطة بالسيميائية. أو بهذه الطريقة على الأقل أحدّد أنا مفردة "سيميائيةِ"، وذلك بأخذي لتعارض كان فوكو Foucault قد طرحه ما بين "التأويلية" و"السيميائية".

جان بيار ريشارد : أمّا أنا، فأرغب بإضافة بضعة كلمات إلى ما قاله جيرارد جنيت. من المؤكد أني أتفق مع التصور الذي تناوله وطوره عن الموضوع du thème، باعتباره مجموعاً، أو سلسلة من التغييرات؛ كما أتفق معه أيضاً في أمنية حدوث أنفتاح أمام المواضعية القرينية thématique contextuelle. لكني أود الإشارة إلى أختلاف بسيط بيني وبينه بخصوص التحدّيد ذاته، الذي قدمه أو أوحى به، عن الموضوع. إذ يبدو لي، على سبيل المثال، بإن برج "روسنفيل"، عبر تحليله، لا يشكل أبداً موضوعاً.
جيرارد جنيت : أنا أسميته "مادة مواضعية" « objet thématique ».
جان بيار ريشارد : ... أراه، لنقل، كباعث un motif، أي مادة يستخدم بروست معاودتها بطريقة واعية تماماً لكي يخلق تأثيرات بعينها، مهمة، وهنا أتفق مع جنيت، بالنسبة للمعنى المؤجل أو المنزاح عن مكانه.
لكن ما يبدو لي بالدقة مواضعي، في مثال برج "روسنفيل"، هو شي آخر : أنه الإمكانية التي يقدمها لنا لفتحه، لجعله ينفجر تقريباً، أو قيامنا، في كل الأحوال، بتحريكه وكأننا نقوم بعملية بعثرة تحريرية لسماته المختلفة الأساسية (صفاته أو وظائفه)، فكّها بعضها عن الآخر، لكي نعاود ربطها بمواد أخرى حاضرة وفاعلة في امتداد الرواية البروستية. من بين تلك الملامح المُحَدّدةِ –أعني التي تحدد المادة، لكن دون استنفاذها أبداً، ولا أغلاقها، بطبيعة الحال، بل على العكس من ذلك فتحها من كل جانب منها نحو ما يُشكل خارجها son dehors- من بين تلك الملامح الخاصة، إذاً، هناك على سبيل المثال مفردة شقرة rousseur (الذي يوحي بها مدلول Roussainville) : تلك الشقرة التي تحيل البرج نحو ليبدو كل الفتيات الشقراوات. أو تلك الشاقولية verticalité (التي سميتموها قبل قليل عن حق بالشاقولية القضيبية phallique) التي تقرب البرج من جميع المواد المنتصبةِ، كما ينطبق الأمر أيضاً على السفليةِ infériorité : ذلك لأن كل ما يتحول من ذلك البرج لكي يصبح إيروسياً يحدث دائماً في طابقه تحت الأرضي. فبفضل تلك الخصوصية سيكون بالإمكان تحوير البرج بطريقة تحت أرضية بغية توجيهه نحو أماكن أخرى أكثر عمقاً وسريةً للبحث، وبصورة استثنائية نحو قبو كنيسة "كومبري"، ونحو السرداق الشرجي للشانزليزيه، الذي تحدث عنه أمس دوبرفسكي، وكذلك نحو مداخل مترو باريس أثناء الحرب، والتي قام "جارليس" بجولاته الغريبة فيها. بل وحتى يمكن القول بأن تحوير الموضوع يظهر هنا بمثابة تحوير أفرويدوياً بامتياز، ما دامنا نلتقي فيه، إلى جانب الحالة الطفولية والإيروسية الذاتية تحت الأرضية (Roussainville)، على تحت أرضية شرجية، والتي هي تحت أرضية الشانزليزيه، ثم تحت أرضية مثلية souterrain homosexuel، متعلقة بالمترو الباريسي. هنا يكمن، من وجهة نظري، تحوير الموضوع. لا يتمثل المواضيعي في الحقيقة بقدرته على إعادة نفسه، أو إنتاجه ثانية بمجموعه، مُتطابقاً أو مختلفاً عن نفسه، ضمن أماكن مختلفة، قريبة أو بعيدة عن النص، بل في ميله العفوي على الإنشطار، والتوزع التجريدي، أو الفئوي باتجاه كل مواد الرواية، بطريقة يخلق معها ضمنياً شبكة واحدة : أو إذا ما شئنا ولكي أستخدم بدوري مجازاً يبدو أنه لا يكف عن مراودتنا هذا المساء، ينسج معها ضمن المجال الإستباقي والتذكري للقراءة نوعاً من القماشة الواسعة لعكنبوت ذا دلالة. آنئذ تكون قراءة المواضيع باعتبارها خطوطاً توجيهيةً لغرض إعادة التوزيع اللانهائي redistribution infini : سلاسل، أجل، لكنها سلاسل مُتناثرة دائماً، مسبوكةً مع غيرها من السلاسل، متقاطعة معها دائماً، أو تعبرها.
أن فكرة العارض traverse هذه تولد لدي الآن رغبة في مساءلة جيل دولوز، الذي تحدث، في نهاية كتابه عن بروست، عن أهيمة العوارض في هذا العمل. من ناحية أخرى، قد يكون بمقدور برج "روسنفل" تقديم مثلاً رائعاً ثانياً عن ذلك : أفكر بشخصية "تيودور". أنكم تتذكرون بأن هذا الولد قد دعيَّ لزيارة قبو "كومبري"، حيث عُثرَ على فتاة مقتولةً هناك حدثنا عنها أمس دوبرفسكي، ولكنه أيضاً واحد من لاعبي اللعب الإيروسية التي تجري ممارستها في البرج، تلك اللعب التي كانت "جلبرت" تشارك فيها. وهكذا نحصل على علاقة قائمة بوضوح، تدعمها مبادلة مع شخصية رئيسية، ما بين نموذجين من التحت-أرضية البروستية، أثنتين من سلاسلنا المكانية-الليبدية spatio-libidinales. أطلب من دولوز، إذاً، أن يقول لي كيف يفهم هو بالدقة فكرة العرضانية هذه عند بروست. لماذا يفضلها على سواها من العلاقات التي تُهيكل المجال البروستي، كالعلاقة البؤرية focalité، أو التناظرية symétrique، والجانبية latéralité ؟ وكيف ترتبط بالدقة مع تجربة الجنون.

جيل دولوز : أعتقد بمقدورنا تسمية عرضياً البعد الذي لا يكون لا أفقياً ولا شاقولياً، إذا ما فترضنا، بطبيعة الحال، بأن هناك خارطة ما. أنا لا أسأل نفسي إذا ما كان ثمة من بعدٍ كهذا في عمل بروست. بل اتساءل ما هي الخدمة التي يمكن أن يؤديها. وإذا ما كان بروست بحاجة له، لمَ يحتاجه. أعتقد أنه ليس لديه من خيار آخر، في نهاية المطاف. هناك شيء يحبه بروست كثيراً، إلا وهو فكرة بأن الأشياء أو الناس أو المجاميع، لا تتواصل. فجارليس علبة، والفتيات علب تحتوي على علب صغيرة أخرى. كذلك لا أظن بأن هذا يشكل مجازاً، على الأقل بمعناه الشائع. علب مغلقة، أو مزهريات لا تواصلية : يبدو لي بأننا نمسك هنا على مُقتنييّن عند بروست، بالمعنى الذي نقول فيه عن إنسان بعينه لديه الأملاك الفلانية، مقتنياته. والحالة هذه فأن هذه الملكيات، وتلك المقتنيات التي يشتغلها بروست على طول وعرض البحث، تتواصل بطريقة غريبة بفضله. في حالة كهذه، أيّ إذا ما كان هناك من تواصل لا يدع نفسه يؤخذ ضمن بعد تواصلي، يمكننا حينئذ تسميته بالتواصل الزائغِ communication aberrante. مثال شهير على هذا النوع من التواصل : اليعسوب والسحلبية le bourdon et l’orchidée. كله مطوق. عند هذه النقطة، يكمن القول بأن هناك رؤية مجنونة، وليس بروست مجنوناً، فالرؤية الجنونية تتمتع بقاعدة نباتية أكثر منها حيوانية. وهذا ما يجعل من الممارسة الجنسية الإنسانية عند بروست شأناً يتعلق بالزهور، ذلك لأن كل واحدة منها ثنائية الجنس bisexué. كل واحد خنثي hermaphrodite لكنه عاجز عن أخصاب نفسه، ما دام الجنسان منفصلان عن بعضهما. لذا فإن السلسلة العشقية أو الجنسية ستكون غاية في الثراء. وإذا ما تكلمنا عن رجل ما، ثمة من جزء ذكري وآخر أنثوي لديه. بالنسبة للجزء الذكري، هناك حالتان أو أربع بالأحرى : يمكنه الدخول في علاقة مع الجزء الذكري عند امرأة أو الجزء الأنوثي فيها، لكنه يستطيع الدخول أيضا في علاقة مع الجزء الأنثوي لرجل آخر أو جزئه الذكري. هناك تواصل، لكنه قائم ما بين مزهريات لا تواصلية؛ كما هناك من انفتاح، بيد أنه قائم بين علب مغلقة. نحن نعرف بأن السحلبية تقدم لنا، وهذا ما هو مرسوم على زهرتها، صورةً عن الحشرة، مع مجساتها، وبأن هذه الصورة هي ما تخصبه الحشرة، وبذلك تضمن تخصيب الزهرة الأنثوية بالزهرة الذكرية : لكي يشير إلى ذلك التقاطع، والإلتقاء الحادث في نمو السحلبة والحشرة، تحدث بيولوجي* معاصر عن تطور لا تناظري، وذلك ما أعنيه بالدقة بالتواصل الزائغِ.
يًقدم لنا مشهد القطار، حيث يعدو الراوية من نافذة إلى أخرى، ويمر من معبر اليسار نحو معبر اليمين وبالعكس، مثلاً آخراً لذات الظاهرة. لا شيء يتواصل rien ne communique : أنه نمط من عالمٍ شاسع مُتشظي. أمّا وحدته، فهي غير قائمة في الشيء الذي تمت رؤيته. ومن ثم علينا البحث عن الوحدة الوحيدة الممكنة عند الراوية نفسه، في مقصورة العنكبوت الذي ينسج فيها قماشته، من نافذة إلى أخرى. أعتقد بأن جميع النقاد قد قالوا نفس الشيء الواحد : لقد صُنعَ البحث برمته، كعمل، ضمن هذا البعد، الذي يلاحق الراوية وحده. أمّا الشخوص الأخرى، كل الشخوص الباقية، فما هي إلا علبٌ، وضيعة أو فائقة الروعة.

سيرج دبروفسكي : هل يمكنني آنئذ طرح السؤال التالي : ما هو موقع "الزمن المُستعاد" ضمن هذا الأفق؟

جيل دولوز : أعتقد بأن "الزمن المُستعادِ"، لا يكّمن في اللحظة التي أدركَ فيها البطل، اللحظة التي يعرف فيها (أستخدم هنا مفردات غير ملائمة، ولكني أقوم بذلك لكي أسرع)، بل في اللحظة التي عرفَ فيها ما قام به منذ البداية. لم يكن يعرف ذلك من قبل. أنها اللحظة التي يعرف فيها بأنه عنكبوت، واللحظة التي يدركُ فيها بأن الجنون كان حاضراً منذ البدء، أي اللحظة التي يفهمُ فيها بأن عمله هو قماشة وعندها يسترد كل ثقته بنفسه. أن "الزمن المُستعاد" هو البعد العرضي بإمتياز. فعن مثل هذا الإنفجار، وذلك الظفر المُتحقق في النهاية، يمكننا القول بأن ذلك العنكبوت قد أدرك كل شيء. لقد فهمَ بأنه يقوم بصنع قماشة، ومن ثم فقد فهمَ بأنه شيء خارق أن يفهم ذلك.

سيرج دبروفسكي : ما الذي تفعله بالقوانين السايكولوجية الكبرى التي يقحمها الراوية على طول سرده ويطلي بها نصه ؟ هل تراها كعوارض مرضية لجنونه أم تحليلات للسلوك الإنساني ؟

جيل دولوز : كلا قطعاً. من ناحية أخرى، أعتقد بأنها محدودة جداً : كما قال جنيت هناك مشاكل طوبولوجية مهمة للغاية. أن القوانين السايكولوجية هي دائماً قوانين السلاسل. ولا تمتلك السلاسل، في عمل بروست، الكلمة النهائية. ثمة دائماً شيء أكثر عمقاً كتلك السلاسل المُنتظمةِ وفقاً للبعد الشاقولي، أو نحو العمق الذي لا يني عن الإتساع. فسلسلة السطوح التي نرى وجه ألبرتين يعبرها تصب في شيء آخر أكثر أهمية ويمسك على الكلمة الأخيرة. والأمر ذاته ينطبق على السلاسل المدموغةِ بقوانين الكذب أو قوانين الغيرة. لهذا ما أن يشتغل بروست القوانين، إلا ويتدخل بعد فكاهي une dimension d’humour يبدو لي غاية في الأهمية وبالتالي يطرح مشكلة التفسير، مشكلة حقيقيةً. أن تفسير أي عمل، كما يبدو لي الأمر، هو دائماً تقييم فكاهته. فالمؤلف العظيم هو ذلك الفرد الذي يضحك كثيراً. في أحدى أولى ظهوراته، يقول "جارليس" للراوية ما يلي تقريباً : أنك تستهين كثيراً بجدتك، أيها الوغد الصغير. يمكن للمرء الإعتقاد بأن جارليس يقول هنا نكتة سوقية. لكن ربما يكون جارليس قد أطلق حينها حكماً استباقياً في الواقع، أي أن حب الجدة، حب الأم، وكل هذه السلسلة، لا تمتلك أبداً الكلمة الأخيرة، فالكلمة الأخيرة كانت : تستهين كثيراً، الخ... وهنا أفكرُ، في الحقيقة، بأن كل المناهج التي تمت الإشارة إليها من قبل تجد نفسها أمام ضرورة أن يأخذ المرء بعين الإعتبار ليس البلاغة وحسب، بل الفاكهي أيضاً.

صوت من القاعة : يا سيد بارت، لقد أوحيتَ بوجود علاقة ما بين البحث والكتاب عند ملارميه، هل لك أن تُدلي بالمزيد حول هذه العلاقة، أم أنها مجرد فكرة ؟

رولان بارت : أنه مشروع تقارب، مجاز، إذا ما شئت. أن كتاب ملارميه هو مجال تحول ما بين النص الذي قُرأ والمشاهدين الذين يغيرون مكانهم في كل لحظة. لقد أشرت ببساطة إلى نقطة أن الكتاب البروستي، أي مجال قراءة هذا الكتاب قد يكون، على طول التاريخ، هو الكتاب الملارمي Livre mallarméen. لا وجود لهذا الكتاب إلا ضمن نوع من المسرحانية غير الهيسترية théâtralité non hystérique، تحويلية بصورة محضة، ترتكز على تحويلات في الأماكن؛ ذلك كل ما كنت أبغي قوله.

سيرج دوبرفسكي : بودي أغتنام لحظة الهدوء القصيرة التي سادت في القاعة لكي أردُ على جنيت. سأكون على أتفاق تام مع ما قاله قبل قليل. أن كل مشاهد البحث يجري معايشتها ثانية، لكن في كل مرة بفارق نوعي يرتبط بتطور الكتاب، بالنص كما هو. لهذا، وبغية تلافي أي سوء فهم، لم أقدمُ تعقيبي الخاص باعتباره بحثاً نهائياً، بل كجهد من أجل تعييّن بعض نقاط الإستدلال في العمل والتي ستخولني فيما بعد على أقامة شبكة من المفارقات. أمّا بخصوص ما قاله دولوز قبل قليل، ربما ما كنت لأقوله بنفس المفردات. لكن كلما زادت قراءتي لبروست، كلما تيقنتُ بأنه ليس مجنوناً، بل –ولتسامحوني على هذا التعبير- كان "مخبولاً" « dingue » نوعما. ولكي نبقى عند هذا المستوى، هناك جمل تبدو ظاهرياً منطقية تماماً، غير أنها، إذا ما نظرنا لها عن قرب أكبر، مُختلةً. إذا كنتُ قد أستخدمت بالأمس لغة التحليل النفسي لتوصيف هذا النوع من الظواهر، فذلك لأنها اللغة المثالية عند الشخص المجنون، أو الجنون المُشفرِ. أستعمل، إذاً، نظام سهل، لكن قد يكون ذلك من أجل تطمين نفسي ثانية.

جان ريكاردو : يمكننا مفصلة المقاربات المتبادلة هنا بسهولة نوعما. ما بودي صياغته، على سبيل المثال، يلتقي بسهولة أكبر مع ما قاله جيرارد جنيت. لذا سأسله إذا ما كان يعتبر التباعد écartement خاصاً ببروست وحده، أي ذلك التناثر الذي يحرك حالياً رغبته النقدية. من ناحيتي، لدي شعور بأن هذه الظاهرة (التي سأطلق عليها طواعية اسم "الجهاز الأوزيرزي" « dispositif osiriaque ») تخصُ كل النصوص. هنا، أفكر بصورة خاصة بأحد الكتاب المعاصرين لبروست (الذي يجري تناوله، للأسف، بشكل أقل بكثير)، أعني "روسل" Roussel. فهو يمارس الكتابة بطريقة يمكننا مقارنتها بتلك التي يستخدمها بروست، بمعنى أن البعض من نصوصه، مثل "انطباعات جديدة عن أفريقيا"، تتركب عبر التكاثر الواضح للعبارات الإعتراضية المقحومة والموضوعة بين هلالين، المتداخلة فيما بينها والتي تباعد ما بين المواضيع، وتنثرها بطريقة لا تكف عن التوسع. بيد أننا نستطيع رؤية ذلك بوضوح أكبر في تركيب نصوص أخرى لروسل. من جانب آخر، ما يُقلقني قليلاً هو أن يتمّ فهم ظاهرة التبعثر تلك وكأنها تشير إلى أنه كان ثمة من وحدة حاضرة في البدء ثم جرى بعثرتها. بتعابير أخرى : يَفْترضُ الجهاز الأوزيرزي، قبل التفكك، حضور جسد ما، جسد أوزرز Osiris. من جهتي، أعتقد أنه من المجدي تصحيح ذلك الجهاز بفكرة أخرى : فكرة "المُربكة المستحيلةِ" « puzzle impossible » (نوع من ألعاب الورق المُعقدةِ. م.م). وهكذا، هناك مجموعة من القطع المفصولة بعضها عن الآخر عبر فاعلية الأقواس الإعتراضية المُتجددةِ دائماً، ولكن، في ذات الوقت، إذا ما إنطلاقنا من هذه القطع المتناثرةِ سنلاحظ، في نهاية المطاف، بأن تركيب تلك الوحدة التي أفترضناها مشطورة، سيوصلنا إلى الشعور بالمربكةِ المستحيلةِ، أي أن تلك القطع لا تتراكب بصورة صحيحة مع بعضها، وقد لا تحصل على هندسة ملائمة لها. ما يُثير أهتمامي، إجمالاً، هو التشديد على أن حالة تلك الوحدة : ليس فقط (كما برهنتهم على ذلك) التمدد والإنتشار espacement et dispersion، بل وأيضاً الأتحاد المُستحيل : ليس ثمة من وحدة أصلية pas d’unité originelle.

*بخصوص هذا السؤال، غالباً ما يستشهد دولوز بعمل "رمي شوفان" Rémy Chauvin، "محاورة من حول الجنس" Entretien sur la sexualité, Paris, Plon, P.205

ملاحظة:
أديرت هذه الطاولة من قبل "سيرج دبروفسكي". الحاضرون هم : رولان بارت، جيرار جنيت، جان ريكاردو، جان بيار ريشارد. دفاتر مارسيل بروست، السلسلة الجديدة، رقم 7، باريس، منشورات غاليمار، 1975، ص 116-87. تمت قراءة النص وتدقيقه من قبل جاك برساني، بموافقة المشاركين. أمّا ترجمتنا لهذه الطاولة المستديرة فهي مأخوذة عن الكتاب الذي صدر بعد وفاة الفيلسوف جيل دولوز والذي يحمل عنوان : "نظامي المجانين" .Deux Régimes de fous


حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث