الإثنين, 25 حزيران 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أمير تاج السر في صائد اليرقات/هلْ أصبحت كتابة الرواية عمل من لا عمل له؟
د. إبراهيم خليل
أمير تاج السر في صائد اليرقات/هلْ أصبحت كتابة الرواية عمل من لا عمل له؟
امير تاج السر



بصائد اليرقات يواصل الكاتب السوداني، أمير تاج السر، مشروعه الروائي بخطى ثابتة، وواثقة. فهي من الأعمال القليلة التي تتخذ من الكتابة الروائية موضوعًا رئيسًا، وسؤالا إشكاليًا، تتصدى للإجابة عنه. فبطل الرواية عبد الله حرفوش، أو عبد الله فرفار- له اسمٌ ولقب- الذي عمل زمنا طويلا مخبرًا في جهاز الأمن السوداني، تتملكه الرغبة في كتابة رواية، فما الذي يعيقه عن ذلك، وقد عرف من قراءة بعض التقارير الصحفية أنَّ كتابة الرواية أصبحت في هذا الزمن عملَ من لا عملَ له؟
تزداد قناعته هذه، وتتوطد، بعد التعرف إلى كاتبٍ لامع رمَز له بالحرفين( أ، ت) وكانَ قد درس الإخراج في روسْيا، ولم يستطعْ أنْ يكونَ مُخرجًا في السودان، فتوجَّه، بسبب ذلك، لكتابةِ الروايةِ، ونجحَ في هذا، لأنه لم يجدْ عمَلا منْ أيّ نوع، فكانتْ روايته " على سريري ماتتْ إيفا " وغيرها من الروايات، التي فتنَ بها (فرفار) وعرضَها بأسلوب ٍساخر، تؤكـدُ لهُ أنّ كتابة الرواية - فعلا - عملُ منْ لا عملَ له في هذه الأيام.
ففي مقهى "قصر الجميز" يتعرف فرفار على ثلة من الكتاب، والكاتبات، ممن يلتفون حول الكاتبِ اللامع، ويسمعونَهُ عبارات التقريظ، والمديح، حولَ روايتهِ الأخيرَة. وفي هذا المقهى، إلى جانبِ مقهى البئر الذي التقى فيه الكاتبُ (أ. ت) مرارًا، تبدأ تجربة فرفار الأولى في الكتابةِ. فقد روى للكاتب الكبير بعضَ ما يساورهُ من شعور بقدْرته على الإبداع في هذا المجال، على الرَّغم من أنّهُ لمْ يقرأ في حياتهِ روايَة واحِدَة. ومن مكتبة "أعلاف " التي يسْخرُ منْ صاحبها لكونِه بطلقُ على الكتبِ كلمة "أعلاف" تشبيهًا لها بعَلفِ الماشية، فهي برأيِهِ غذاءٌ للعقل، كما الأعلاف غذاء للبطن، من تلك المكتبة يشتري نسْخةً منْ رواية " على سريري ماتت إيفا " ويقرأها بشغف، ثم يُحاول أنْ يكتبَ روايته الأولى على النسَق ذاتِهِ. فيختارُ شخصياتهِ ممَّنْ يحيطون به: المدلّك، زوْج عمته، وحفار القبور، الذي يهيمُ بتشجيع فريق نادي الوَطنِ في ملاعب ِكُرة القدم، وغيرهما من شخوص.
يقنعه الكاتب (أ. ت) بسلامة اختيارهِ، ولكنَّ ذلك يتطلبُ منه أنْ يعْرفَ عن هذه الشخصيّاتِ أدقَّ التفصيلات، ويحتاجُ لمزج الخيال بالواقع، كيْ تبدو الشخصيّة مشوِّقة، وصادقة. ولهذا يعودُ عبد الله فرفار، الذي تقاعد من الخدمة بساق خشبيّة لكارِهِ القديم، وهو التجَسُّسُ على الآخرين، وكتابة التقارير عنهم، على أوْراق صُفر، كتلك التي كانَ يسْتعملها أيام عملهِ في جهاز الأمن. وكانَ منْ نتيجة ذلكَ أنْ بدأ في كتابةِ الرواية، مرتديًا بذلتهُ الرماديّة الأنيقة، متبعًا نصيحة الكاتب (أ. ت) الذي وَصَف بتبجّح طقوسَه الخاصَّة بممارسة الكتابة، فخلط – نتيجة ذلك بين الأوراق التي كتبَ عليها بداية روايته، وتلك التي كتبَ عليها تقاريرهُ الأمنية عن أحدِ الناس الخطرين. ليكتشف (أ.ت) من النظرة الأولى في الأوْراق أنّ فرْفاراً لا يعْدو أنْ يكون مُخْبرًا. كأنَّ عبد الله فرفار لا يستطيعُ أنْ يفرِّق بين الكاتب فرفار والمُخبر الذي كان. ومن باب السخْريَةِ المتبادلة بين فرفار والكاتبِ اللامع (أ. ت) ينصح هذا الأخير فرفارًا بالانتظار، وعدَم تعجّل النشر، والشهْرة. فروايته هذهِ تشبه ُاليَرَقة، واليَرَقة تحْتاجُ إلى ظروف احتضان مُعيّنة كيْ تنضج، وتصبحَ حشرةً كاملة، وبغيْر ذلك تظلُّ عرْضة للموْت. ولهذا يسأل فرفار أستاذه عن كيفيّة إنضاج التجربة، فيجيبه الآخرُ مُعدِّدًا بعض مزايا رواياتهِ، طالبًا منه المزيدَ من المعلومات عن الشخوص، وعنه، هوَ، شخْصيًا، بحيث تساورُ فرفاراً الشكوك، والمَخاوفُ، وتساؤلات عن نوايا غيْر بريئةٍ لدى الكاتبِ الكبير، من مثل: هل يعتزم أن يسرق الفكرة، أو الشخوص، ليكتب رواية باسمه هو، لا باسم فرفار، أوْ حرفوش؟
وفي حفل التوقيع، الذي جرى تنظيمُه في "قصْر الجميز" لرواية " لحظة حبّ " التي كتبتها الكاتبة المبتدئة ذات الجينز الكالح(س) يُلاحظ حرفوش وفرة ما في العباراتِ التي يتفوّه بها الكاتبُ اللامعُ منْ تقريظ، مع أنه أخبرهُ في السابق أنّ رواية " لحظة حبّ " سخيفة، ولكنَّ اليرقة إنْ كانتْ منْ فاتنةٍ ذاتِ عينيْن سوداوين، فلا بأس في أنْ يُنظر إليها باعتبارها حَشرَةً. وفي تلك الجلسَة يميلُ الروائيّ اللامعُ هامسًا لفرفار، وقد عرف شيئاً عن ماضيه، قائلا له: " لا بدَّ من الانتباهِ لشخصيّة المُدلكِ، والمُشجّع . صادقْهُ، تعرّف إلى ماضيه، تطلعاتهِ، بشكل جدّي.. فقد تخرُجُ منه بشيء. "
يجْمَع فرفارُ التفاصيل عن المُدلـّك، الذي نشأ في بيئةٍ فقيرةٍ في(سنكة) وعندما عزم على البدء بكتابة الرواية، واختارهُ بطلا لها، وكتبَ، مستخدمًا قلمه الباركر، قام بقراءة ما كتبه لـ (أ . ت ) الذي قال له : " يَرَقة. . لمْ تمتْ بعْدُ. " وعندما سأله عن دلالةِ ذلك، قال: " التزمتَ بالواقع حَرْفيًا. لمْ تضفْ شيئاً من الخيال. نشأ في بيئةٍ فقيرةٍ، لمْ تقلْ شيئًا عنْ تلك البيئة.. "
في نهاية الأمْر يرتابُ فرفار في أنّ الكاتب(أ. ت) الذي أنقذه من الحَبْس، يستدرجُه ليعرفَ المعلوماتِ عن المُدلـّك، وعن المُشجّع، وعن عمّته (ث) وعن الآخرين، ليكتبَ الرواية، هو، وليجعلَ من عبد الله فرفار إحدى الشخصيّات. وبدأ الشكّ يتحوّل إلى يقين عندما تغيّب الكاتبُ (أ . ت) فجأة " حفزني على الكتابةِ الغرائبيّة التي أتوقع ألا تكون يرقة هذه المرّة، ثم اختفى. أين مَنْ كانَ يَسْتمعُ إلى اليرَقات؟ "
سرقَ الكاتبُ اللامعُ الفكرة، والشخوص، فما كانَ منْ حرْفوشَ إلا أنْ شرع ينظف بيته من البيْض الفاسدِ الذي هو الرواياتُ، والكتبُ، التي سبق له أنْ ابتاعها من مكتبةِ أعْلاف: " لست كاتبًا بعد اليوم، أنفذ الأوامِرَ فقط. وكما كنت دائمًا، حتى ورقي الأصفر لمْ يعدْ مُوحيًا. ولكنّهُ يتشوَّقُ للكتابةِ القديمةِ. " فالمفارقة ها هنا هي أنّ الكاتب(أ. ت) لا يُخفي سرقته عن فرفار، فقد أخبرَهُ مزهوًا أنّ روايته الجديدة التي أنجزها بسرعةٍ قياسيّة، غريبة، ستعجبه جدًا.. فهيَ في الواقع " تهمّك شخصيًا. أنتَ منْ أوْحى لي بفكرَتِها. " وهنا يتراءى لحرْفوش (فرفار) أنّ الكاتب سَرَقَ الفكرة، والشخوصَ، فردّ عليهِ نافيًا " المُدلـّك زوْج عمتك، والمُشجّع، وغيرهما من الشخصيات الغريبة، لمْ تعُدْ تستهويني. استهلكتها في رواياتٍ سابقَةٍ. ودائما أبحثُ عن الجديد فيما أكتبُه. لقد ظهَرْتَ أنتَ فجأة . أنتَ شخصية روايتي الجديدة. " ثم يضيف: " لا تعْجَبْ إذا وجدتني في نهاية الرواية أعيدُكَ للخدْمَةِ. لتندسَّ بين الذين عرفوك كاتبًا لتدوِّن التقاريرَ عنهُمْ. وهذه ليست الحقيقة مثلما تعلم، وإنما هوَ الخيالُ، الخيالُ الذي طالما حدثتكَ عنه."


في تلك اللحظة يلمحُ حرفوشُ عنوان الرواية الجديدةِ المَخطوطةِ " صائد اليرقات"
يتضمّن النصّ السرْديُّ في " صائد اليرقات " الكثيرَ من المفارقات التي تضفي على الخطاب مزيدًا من التهكـُّم، والسخرية، والفكاهة، التي لا تقلّ أثرًا عن ذلك الذي عرفناهُ في المسرح الهزلي، والكوميديّ، فقد أظهر لنا الكاتبُ شخصية الروائيّ بمظهَرٍ كاريكاتيريّ، فهو يكتبُ تارة في كامل ِأناقتهِ، وتارة بكامل عرْيهِ، وطورًا في السجن، أوْ في مِرْحاضٍ . وأظهَرَ شخصية الكاتبة ذاتِ الجينز الكالح بمَظهَر المتملقة التي لتي تطري الكاتبَ اللامع لكيْ يثني على روايتها في حفل التوقيع. وأظهَرَ المثقفينَ الذين يتردَّدون على مقهى " قصر الجميز " بمظهر من لا يتقنُ غيْرَ الثرثرة، ومضْغ الكلام الخالي من أيّ معْنىً، في وقتٍ لا يقرؤون فيه شيئاً، ويكتبون أشياءَ غيرَ مفهومة، وتخلو أحيانًا من الذوْق. أما عبد الله حرفوش، فعلى الرغم من طابعهِ الكاريكاتيري، يريد أن يكون روائيًا رغمَ أنفِهِ. وحجّته في ذلك أنّ كتابة الرواية عملُ من لا عملَ له، وقد أضرَّ به التقاعد، فلا أقلّ منْ أنْ يشغلَ نفسَهُ بهذا، شأنُه في هذا شأنُ بائعِ الورْدِ البنغاليّ، والإسكافي الراونديّ، وبائعة الهوى الفيتناميّة، فقد استطاعوا، بعد أنْ تقاعدوا، وأضحوا بلا وظائفَ، وبلا عملٍ، أنْ يكتبوا رواياتٍ جيّدة جرتْ ترجمتهَا إلى لغاتٍ شتى.
إلى ذلك ثمّة نموذجٌ آخرُ، وهو المدلـّك الذي يعشقُ التمثيلَ المسْرحيّ، ويريدُ أنْ يكون ممثلا، ويسند له دور في مسرحية " موت رجل أبله " وفي نهاية العرض يفتعلُ مشْهدًا خارجًا عن النصّ، يؤدي إلى قيام مظاهرةٍ في موقفٍ كوميديٍّ مثيرٍ للضحك، ومن قبلُ أسند إليه دورٌ من أدْوار الكومبارس، يقتضي أنْ يُغمى عليه فيتناول حبوبًا تؤدّي لدخولهِ في غيبوبةٍ، لا يستيقظ منها إلا بَعْدَ ساعاتٍ. وتتكرّرُ هذه المفارقاتُ المضحكة مع مشجِّع الكرة(حفار القبور) الذي يتهم عبد الله بسرقةِ الصحيفة التي نشرت صورَهُ في حفلِ التكريم ليضعَ بدلا منها صورَهُ هوَ. فالرواية تتمتعُ، مع هذا، بتوافر العوامل التي تساعدُ على تماسُك النصّ، ففي عتبات الفصول – إذا ساغ التعبير- يتكرَّرُ - على الدوام - ما كان قد سبق ذكرهُ من حوادث، أو أماكنَ، أوْ شخوص، مع إشارات سريعة لبعض ما ترتب على تلك الحوادث، ممّا يساعدُ على الربط بين الوقائع، والإفادةِ منْ تقنية التخزينِ والاسْترْجاع. فتكرارُه ذكرَ " مَقهى قَصْرِ الجمّيز" على سبيل المثال، يستحضرُ مشهد الشلة الأدبية، وذكرُ" مقهى البئر" يستحضر مشهد البدْو الذين يتردّدونَ إلى المكان. كذلك تكريرُ الإشارةِ للكاتبة ذات الجينز الكالح، يعيد للذاكرة موقفها من رواية "على سريري ماتت إيفا " ومن روايتها هي " لحظة حب ". أمّا تكرارُ ذكر المُدلك، ومفارقاته الغريبة في المَسْرح، فتعمّق لدى القارئ هذا المشهد، ودَوْرَهُ في ربط أجزاء الرواية ببعض. تضافُ إلى هذا تلك الفقرات التي قدِّمتْ باعتبارها فصولا من رواية " إيفا" كلّ ذلك يجعل من الرواية المُركـّبةِ، منْ حيْث ُالمُحْتوى، حكاية بسيطة النسْج، تتوافرُ فيها جلُّ مُقوّماتِ الشفافيةِ التي تسْبُرُ غوْرَ الحكايةِ، وتفضَحُ أسْرارَ اللعْبَة.

د. إبراهيم خليل
• ناقد و أكاديمي من الأردن
ibrahim_ju2004@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث