الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
بوغيز العجيب/ مقطع من رواية
ضياء الجبيلي
بوغيز العجيب/ مقطع من رواية
غلاف الرواية
صباح يوم من أيام الصيف المؤرقة، في أحد البساتين، قريباً من النهر، على الأرض المعشبة، بين سيقان السوس وحشائش الحلفى التي تنمو على جانبي السواقي الصغيرة، وجدت جثة " عزت رفقي باشا " مغطاة بأوراق البامياء.

كان رأسه مغموراً بعنف إلى رقبته في طمي إحدى السواقي، وما يزال الخنجر الذي طُعن فيه مغموداً في ظهره حتى المقبض. أما بندقيته الانكليزية التي يأخذها معه أثناء خروجه للصيد في مثل هذه الأوقات المبكرة بعد رياضته الصباحية، فقد عُلقت من نوطها على غصن شجرة من أشجار البمبر التي كانت تظلل المساحات المزروعة بالبربين والكرفس والريحان، فضلاً عن أشجار الحور والسدر والجميز والنخيل التي تنتشر بكثافة في البساتين الواقعة على ضفتي نهر العشار.

فجأة.. تعطل كل شيء في محلة الكرخانة : النساء شققن جيوبهنّ وقصصن شعورهن وخمشن خدودهنّ، عندما هجر الرجال مضاجعهنَّ وطوّقوا جنازة القتيل، أخذوا يدورون حولها في طقوس جنائزية، تتخللها الأهازيج الثأرية المشوبة بنبرة الانتقام من القاتل الذي أقسموا على حزّ رأسه وحمله إلى " نظلة خانم " التي لن تتصور بمكان أن يتدحرج نحوها رأس ما، حتى يستقرّ تحت قدميها الصغيرتين الناعمتين.

مراسم الدفن أُجّلت، حُملت جثة القتيل إلى قصره، ولن تُدفن حتى يتم العثور على الجاني. أُقفلت المقاهي والدكاكين، عُطّلت الكتاتيب، وفسدت الثمار في بساتين النخل والعنب، أكلت الطيور ما تيبس منها على الأشجار العطشى، في حين نسجت العناكب بيوتها في المخادع وعلى أسرّة النساء اللاتي بدأن يتأوهن وهنّ يشعرن بالملل، تأكلهنّ الحسرة على ليالِ الإنس التي كنّ يقضينها في الأحضان الدبقة، وقد يأسن من عودتها ما لم يُقبض على القاتل الذي ما زال طليقاً، في الوقت الذي بدأت فيه جثة " عزت رفقي باشا " تتعفّن في غرفة من غرف قصره الوارف، وتفوح رائحتها النتنة في الجوار.

الجميع في محلة الكرخانة يبحثون عن القاتل المجهول، يتحرون عنه في المقاهي والأسواق. من الجوع هزلت أجسادهم وبان على وجوههم اليأس، بعضهم كفّ عن البحث واعتكف مع شيخ المحلة في الجامع، بعيداً عن الطعام والنساء المهتاجات. البعض الآخر امتنع عن أكل الكافور، ولما عادت إليه شهوته شوهد وهو يمارس العادة السرية أو يطأ الحمير والكلاب على ضفة النهر، أو في أحراش البساتين. وحده " بوغيز " السقّا، ذلك الزنجي العملاق يدور في الأزقة، حاملاً قربته الكبيرة، يتنقل من بيت إلى آخر، يزود السكان بالماء الذي يجلبه من شطّ العرب.

كان " بوغيز " الزنجي إذا جاع أصدر صوتاً أجشاً عالياً ومزعجاً، كخوار الثور، يفعل ذلك أثناء تجواله بحثاً عن الطعام. أما إذا أزعجه الصبية فإنه يضرط لتفريقهم، يطلق ريحه الذي ينفرون منه ثم لا يعودون إلى مضايقته إلا في اليوم التالي، عندما يرونه يقوم بتوزيع المياه على البيوت. يقذفونه بالطمي وروث الحمير، فيبرز هذا مؤخرته مطلقاً فساءه الكريه الذي دائماً ما تعبق به مساحة واسعة، في أوقات يتجمع فيها الصبية من حوله، بغية التحرش به، فضلاً عن ذلك هناك أيضاً رائحة إبطيه التي يمكن تنشقها من مسافة بعيدة.


بإمكان " بوغيز " الزنجي أن يطلع على شعور النساء في البيوت التي يزودها بالماء، وإذا ما أتيحت له الفرصة فإنّ باستطاعته رؤية أكثر من ذلك كالسيقان العارية، والأفخاذ المكتنزة، والصدور الناهدة، دون أن يثير ذلك قلق الأهالي، ما دام أنه لا يملك القدرة على المضاجعة، أو حتى التفكير بالاستمناء بمجرد رؤيته ردف امرأة أو ساقها الملساء. وبالرغم من أن قصصاً مهولة ما زالت تُنسج حول عضوه الكبير، إلا أن الاحتراز منه، لم يعد سوى هواجس لا يجد المرء مسوغاً لكي يشعر بها، كون الرجل مخصياً، وليس بوسعه التصرف بشيئه، حتى وإن كان أكبر حجماً مما يتصوره الناس. وهو ما أُشيع عن " بوغيز " منذ فترة طويلة : شخص ينتمي إلى عائلة منقرضة من العبيد المخصيين.

وبالرغم من ذلك، دائماً ما يغضّ " بوغيز " السقّا بصره، ويشعر بالحياء من مشاكسة بعض النساء له، عندما ينفردن به في البيوت والأزقة الضيقة. يشيح بوجهه ناحية لا يلمح فيها ظلّ امرأة، أو يطرق برأسه متأففاً بطريقة دائماً ما تكون مثار سخط الكثير منهنّ. فيركزن النظر على الجزء المثير في جسده، ثم لا يصدقن أن ثمة شيء يمكن أن يكون بذلك الحجم الذي يتحدثون عنه، يختبئ خلف سرواله، مع أن ثمة شيء حقيقي يحتجب هناك، وتظهر عروقه عندما يكون السروال مبللاً، فيبدو واضح المعالم مهما اجتهد الرجل في إخفائه، فيشعرن حينها بالغثيان وتُبدي كل امرأة فضولها لرؤية ذلك الشيء الخرافي الذي يبدو كأنه قدم ثالثة شُدّت برباطٍ على أحد فخذيه العملاقيين.


ملاحظة:
صدرت " بوغيز العجيب " عن مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع في المنامة – البحرين، وتقع في 100 صفحة من القطع المتوسط. أحداث الرواية تدور في مدينة البصرة، جنوب العراق، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
سبق وأن أصدر الكاتب روايتين هما لعنة ماركيز، إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة. ووجه فنسنت القبيح، إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، المشغل السردي – ورشة الرواية القصيرة، بالاشتراك مع الروائي علي عباس خفيف.


ضياء الجبيلي
روائي من البصرة/ العراق
deaa1977@googlemail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث