الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
المتاهة/ فصل من رواية في حدائق كافكا
زوليخا موساوي الأخضري
المتاهة/ فصل من رواية في حدائق كافكا
زوليخا موساوي الأخضري




يقررخالد قبل التوجه إلى الجريدة أن يمر على الوزارة كي يسأل مرة أخرى عن الملف.
الباب الأول مغلق. الثاني موارب. يقرع نقرات خفيفة بأطراف أصابعه المعقوفة على الباب الخشبي الذي كان رماديا قي وقت مضى لكن الآن و قد تآكل خشبه من البرد و الرطوبة فقد أصبح بلا لون. أصاخ السمع . لا أحد يجيب. دفع الباب برفق. نظر إلى الداخل. في الحجرة مكتبان. الأول على اليمين مصفوف بعناية. الأوراق في ملفات مختلفة الألوان. الأقلام في مقلمة من البلاستيك بلون أحمر زاه على اليسار. على خشب المكتب شبه المهترئ فرشت يومية من الحجم الكبير خطت عليها بأحرف كبيرة عربية و لاتينية اسم شركة تتاجر في مواد البناء. يخرج. يغلق المكتب وراءه. المكتب الثالث مغلق. ماذا يجري؟ أين ذهب الموظفون؟ هل هم مضربون عن العمل؟ لماذا أرى المكاتب مغلقة أو فارغة في وقت من المفترض أن تكون مفتوحة على مصراعيها تستقبل عموم المواطنين؟ الصمت المريب يغلف المكان كجناحي طائر خرافي. وقع الخطوات على الأرض وحدها تربك سكون الأبواب التي لا تفضي لشيء. المكان مهجور. فراغ و صمت ووقع خطوات مرتبكة تبحث عن أثر للحياة . قد يرى بعض المحللين في هذا الحدث بالذات أن الشخصية ترمز إلى الضوء في العتمة المحيطة بكل شيء و أن وقع خطواته تلك ستكون حجر الزاوية لصرخة ستمتد لتملأ الفراغ الذي يحيط بكل واحد منا. لكن لا عزيزي القارئ ماعليك إلا أن تتوجه إلى أي مكتب من إدارتنا المقتدرة كي ترى بأم عينيك نفس ما وقف عليه خالد و أكثر.
يصادف خالد رجلا متوسط العمر يغالب النعاس فوق أحد الكراسي ، يتجه نحوه ، يسأله بلطف زائد:
سيدي ، هل يمكنك أن تدلني على المكتب المكلف بتسليم الرخص؟
هو هناك في آخر الممر يجيب الرجل بنبرة متكاسلة و هو يتمطّى في محاولة فاشلة لطرد النعاس عن عينيه. لكنك لن تجد أحدا الآن. يضيف و هو يرجع إلى جلسته الأولى.
لماذا؟ يسأل خالد بصوت خافت كأنه يتهيب من خطورة الإجابة.
يرفع الرجل بصره نحوه و ينظر إليه كمن ينظر إلى شخص معاق أو غريب عن المدينة ثم يقول :
لأن الموظفين رجعوا إلى منازلهم لتناول الغذاء.
لكني ظننت أن التوقيت المعتمد هو التوقيت المستمر. يرد سماح بلهجة فيها من الإستغراب الشيء الكثير.
هو كذلك يجيب الرجل الذي تبين أنه الحارس.
وإذن ؟ يسأل خالد و هو يزداد حيرة تجاه ما يرى و يسمع.
إذن ماذا؟ يقول الحارس. أليسوا بشرا عليهم أن يقتاتوا؟ يتحدث عن الموظفين.
نعم. أكيد! نعم. لم يستطع منع نفسه من إجابة الرجل المتكاسل الذي ينظر إليه بعينين مليئتين غضبا كأنه يود أن يهاجمه في أية لحظة .
يقرر خالد مغادرة المغارة التي وجد نفسه محبوسا في ردهاتها الخالية بعد أن تبين له أن إجابة الحارس لن تزيده إلا حيرة. و بعد أن عرف منه أن المكاتب ستفتح ثانية عند الساعة الثانية ظهرا و بطبيعة الحال سيغادر الموظفون عند الساعة الرابعة.
عليه إذن أن يذهب الآن و يرجع بعد ساعتين. سيرجع مكرها لأنه لم يحب يوما الإجراءات الإدارية المعقدة لكنه هذه المرة مضطر لذلك.
لن يستطيع العمل في مجلة خاصة ليست تابعة للدولة و لا لحزب سياسي دون إذن من الوزارة. كما أنه يطمع في بعض المساعدة المادية كالمنحة التي تحصل عليها الجمعيات ذات المنفعة العامة. ستساعده رغم ضآلتها. و لو أنه لحد الآن لا فكرة لديه عن كيفية تدبّر بقية المبلغ لطبع و توزيع العدد الأول الذي جمع مواده و صفّه منذ وقت طويل و هو الآن يعمل على محتويات العدد الثاني.
كل أصدقائي ومعارفي مفلسون. موظفون بسطاء لا تكفيهم أجرة آخر الشهر حتى لسداد ديونهم المتراكمة عليهم من مرحلة البحث الماراطونية عن الوظيفة و التي لا تخلو من كثير من المتاعب والمهالك.
الوحيد الذي ليس من بين أصدقائه بل فقط يعرفه من فترة المرحلة الثانوية، درسا معا في نفس الأقسام قبل أن تفترق سبلهما في اتجاهين مختلفين تماما هو سعدان.
سعدان ينتمي لفئة ما يسمى اليوم بالأثرياء الجدد. لا أحد يعرف كيف و لا من أين أتته الخيرات التي ينعم فيها . أموال لا تعدّ و لا تحصى. سهرات باذخة كل يوم في بار أو فندق خمس نجوم حيث يستقبل استقبال الأبطال. يتربع على الطاولة المليئة بأنواع فاخرة من الأكل و قناني البيرة و الويسكي، ينفش ريشه كالطاووس و هو يدندن مع الأغنية الشعبية التي يصدح بها مغني شاب وسط القاعة المليئة بالرجال وفتيات يتمايلن على الإيقاع الصاخب ثم حين يستبد به الطرب يقف مترنحا يتجه صوب المطرب و بصوت نزق يصهل كلمات الأغنية.
لا.لا.لا! لن اذهب إليه رغم إلحاحك يا عمر.
لن نخسر شيئا يا صديقي ستكون قد حاولت على الأقل ما دام سعدان لا يحسب للمال أي حساب فلن يبخل عليك.
لن يبخل عليّ لكنه سيتبختر و سينفش ريشه أكثر من أي وقت. أليست هذه فرصته الوحيدة كي يظهر تفوقه علينا نحن الذين يسمينا الفقراء. بالنسبة له كل مثقف = فقير ثم من يدريني من أين أتى بكل تلك الاموال؟ لا لا لا لن أذهب إليه و ليكن ما يكون.
الغاية تبرر الوسيلة يا صاحبي
لكني لست ماكيافيل. غايتي نبيلة و الوسائل التي سأستعمل لتحقيقها يجب أن تكون كذلك.
من أين سيتدبّر الأموال التي سيبدأ بها مشروع المجلة الأدبية الذي يؤرقه؟ كل يوم يمر دون نتيجة يجعله يدرك أن حلمه الذي عاش كل هذه السنين من أجل تحقيقه يتجه إلى الباب المسدود.
حين كان في فرنسا التقى بالكتاب ، الشعراء و المفكرين العرب. في محاولات يائسة للهروب من خيبات أوطانهم التي تلاحقهم حتى في غربتهم كانوا يحاولون النسيان في التوهان و الترحال من عاصمة إلى أخرى و أحيانا من بار إلى آخر. وهناك اتفق هو وحبيبته على ملء هذا الفراغ المخيف مباشرة لدى عودتهما للوطن . حلمه أن تكون هذه المجلة وسيلة لجمع الشتات. يريدها مختلفة التشكلات، متنوعة التوجهات و المشارب، بالإختلاف ستكون أغنى. يعرف أكثر من أي أحد آخر أن مثل هذه المنابر تكاد تكون شبه منعدمة في الوطن العربي. عانى كثيرا كي يجد له موقع قدم في الغابة التي يسمونها الساحة الثقافية حيث لا مكان لمن ليس له سند قوي أو وسائط في كثير من الأحيان. مع الأسف هذه الوسائط تجعل بعض الأسماء تلمع دون أن تستحق ذلك و أخرى في تبقى في الظل رغم أنها تستحق التشريف. ساحة فيها كل الشرور التي تسري في المجتمع: المحسوبية، الغش و حتى السرقة. لكن مع ذلك لا يكرههم . ’’ اترك الكراهية للضعفاء الذين ليس في مقدورهم أن يحبوا’’ هكذا قال ميشال ديل كستييو في روايته ’’تانجي.’’
سمع عن بعض ’’ الكتّاب’’ الذين لا يتوانون عن سرقة أفكار الآخرين و يجعلون منها إنتاجات لهم و قد يحصدون عليها بعض الجوائز. لكن ذلك لا يهمه إطلاقا. لا يصح إلا الصحيح! هي تعويذته.
يحلم إذن و لو بشكل طوباوي شيئا ما : ’’ليس من عادتي أن أكون متشائما ’’ يقول مع نفسه ، أن هذه المجلة ستكون صوت من لا صوت له و مأوى من لا مأوى له.
كم يسعده أن يرى مشروعه يتحقق أمام عينيه. يتشوق للإمساك بالعدد الأول بين يديه . سيشعر حتما بنفس الشعور حين وضعت زوجته الحبيبة بين ذراعيه طفلته الوسيمة و هي تقول مبتسمة:
هاك طفلتك الأولى!
يا للشعور الرائع! كأنه يمسك الدنيا بيديه أو ليست هذه القطعة من الحياة التي يمسكها بكل خشوع ورهبة هي التي ستتحول إلى امرأة في المستقبل؟ من كان يظن أني سأحب هذه القطعة من اللحم بهذا الشكل أنا الذي لم أطق يوما أن أمسك طفلا. كنت أعتبرهم مقززين ولا يفعلون شيئا غير الأكل، الصراخ و البراز. سيراها تكبر كل يوم، كل شهر و كل سنة. ستعتمد عليه الصغيرة في سنواتها الأولى لكن شيئا فشيئا ستستقل بذاتها و ستصبح بدورها مسؤولة عن أسرة ثم آه لو ينجح المشروع من سيكون أكثر أمانة من ابنتي لتكون مسؤولة على استمراريته.
بمثل هذا الشعور سيتصفح العدد الأول. يقرأ أسماء الشعراء، الكتاب و المبدعين من كل الأقطار سيتلقى الرسائل وسيجيب عنها بكل حب و بكل اعتزاز.
يقرر أن يجرب حظه مع الوزارة و لو أنه غير مقتنع بجدوى هذه الخطوة أيضا. يعرف أنه غير مسنود من طرف أحد أو شيء كي يوافقوا على طلبه حتى قبل أن يطلبه. ليس من عادته أن يتملّق المسئولين و لا أن يبحث عن وسائط لحل مشاكله. كل مرة يواجه فيها عائقا يعتمد فقط على كده و عمله ليصل إلى مبتغاه . لم يحصل أبدا على شيء لا يستحقه . كل ما وصل إليه كان بفضل جهده و سهره الليالي منكبا على أوراقه و كتبه ومعتمدا حين كان شابا على مساعدة والديه اللذين لم يدخرا جهدا كي يتعلم و ينال شهادة كما سيفعل هو أيضا مع أبنائه. سيعلمهم الكد و الاجتهاد و خاصة الاعتماد على النفس و على النزاهة.
يتذكر بفخر شديد ما كان والده يردد على مسامعه:
لا تعتمد على غير نفسك يا ولدي. ستكسب محبتك لنفسك قبل محبة الآخرين لك. ستكون راضيا تمام الرضا و أنت تحقق نجاحك بمجهودك فذلك شعور لا يماثله شيء في الدنيا.
يبتسم خالد في وجه أبيه و هو يتطلع إليه قائلا:
وستكون فخورا بي يا أبي؟

زوليخا موساوي الأخضري
كاتبة من المغرب
zoulikhal@hotmail.fr
مقالات اخرى للكاتب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث