الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
المعلم عدنان المبارك..ما قبل الطوفان الثاني وما بعده
ميسلون هادي
المعلم عدنان المبارك..ما قبل الطوفان الثاني وما بعده
عدنان المبارك
عدنان المبارك هو معلم روحاني كبير وظاهرة أثيرية بامتياز لا تتواصل مع عناصر الكون الاخرى إلا من خلال موج الهواء المستقيم ..وهذا يفسر عزوف الكاتب عن النشر الورقي الذي قال لي عنه ذات يوم،عبر الأثير طبعاً، إنه يضيق بتفاصيله والصداع الذي يسببه التعامل مع الناشرين..وهاهو بعد ست روايات صادرة عن موقع القصة العراقية الإلكتروني ، يتحدث في روايته الأثيرية السابعة(ماقبل الطوفان الثاني) عن طوفان الورق وليس الماء..عن سيل من الكتب الأرضية التي تغزو الارض والإنسان تقابله بوتقة حلمية لا متناهية هي مزيج من أفكار المبارك وإيمانه المطلق بالظواهر الخارقة التي يمكن أن يكون فيها خلاص الروح من التلوث الذي يحيط بنا من كل الجهات ...و لإيجاد حل لألغاز الوجود والإقتراب من أسرارها، فإنه يلجأ إلى المعرفة الشاسعة التي تناجي العقول والقلوب ويجول فيها من خلال تأملاته مع نفسه ومن نقاشاته المستقيضة(داخل الرواية) مع صديقه ارنستو الذي يكتب رواية ويطلب منه قراءتها وإبداء الرأي فيها فتكون أمامنا رواية داخل رواية .. أوكتافيو هو بطل رواية أرنستو وأرنستو هو بطل رواية عدنان...وهذا هو التناسخ الافتراضي..عدنان وأرنستو وأوكتافيو هم ثلاثة أبعاد لشخص واحد أما البعد الرابع فهو الزمن..وهل إينشتاين لم يكن حاضراً...

الروح واحدة

تطرح الرواية الكثير من الأسئلة المعرفية ذات النهايات أو الأجوبة المفتوحة وهذا الهم المعرفي هو أهم مايميز روايات المبارك جميعها، وكأن السرد لايعني لديه أكثر من وسيلة وحيدة لطرح تلك التساؤلات وإثارة القلاقل حولها ....الأول المعرفة ولاحقاً الوسيلة ..ولهذا لن يكون غريباً أن تكون هذه الوسيلة هي الهواء وليس الورق، كما لن تكون أعمال المبارك من النوع الذي يسهل قراءته لمن لا شغف له بالفلسفة أو بعلوم الفيزياء و الباراسايكولوجي ..إنها متاهة الأسئلة ولعبة الأواني (اللا) المستطرقة التي لا تجعلنا جميعاً متطابقين بالرغم من كوننا تحت ضغط واحد..وأول ما تطرحه الرواية من أسئلة هو عن إمكانية أن يولد الانسان أكثر من مرة أو أن يولد بالمقلوب كما في رواية فيتزجيرالد (الحالة الغريبة لبنيامين بوتون)، حيث يصبح المستقبل ماضيًا والماضي مستقبلاً ؟تلك فرضية يناقشها الراوي ويطرح من خلالها فرضية أخرى هي الانبعاث المتكرر، باعتبار ان الجسم هو لباس يتغير والروح واحدة لاتتغير ضارباً المثل حول ذلك بدودة القز التي تتحول الى فراشة:
"الجزيئات التي خلقت هذا الإنسان قد تعرضت للتبدل. الجسم الأول غير موجود لكن الإنسان نفسه لايزال . بعبارة أخرى لا تعتمد كينونتنا على وجود الجسم.عندما كنا أطفالا راقبنا الدود في حديقتنا وكيف يتحول الى فراشات جميلة. من خلال الشرنقة الشفافة تابعنا نمو جسم الفراشة. من دودة تزحف على الأرض الى طائر يحلق صوب السماء ! الدودة والفراشة مختلفتان تماماً. النفس ذاتها في الإثنتين أيضا. لنفكر بكل كائن حيّ يتعرض للتحولات الجسمية لاغير"**
الشكل االأول والشكل الثاني هو شفرة من شفرات الوصول إلى فكرة الجمع بين المتناقضات الجسدية لنفس واحدة ولكن المبارك وهو يسلك الطرق المعرفية لإثبات وحدة الروح ، لايتطرق إلى فكرة أخرى تعادلها في الإتجاه المعاكس وهي تغير الروح في الجسد الواحد...فإذا كانت هناك تحولات تجعل الأجساد تتبدل بطرق مختلفة للنفس الواحدة..فماذا عن الجسد الواحد لنفوس مختلفة....؟ تلك التي تحبط أو تدمر فتتغير من حال إلى حال خلال اليوم الواحد بله الشهر الواحد والعمر كله . .

لا وعي واحد

لاتكتفي (ماقبل الطوفان الثاني) بلعبة (الرواية داخل رواية) من خلال شخصية الراوي وصديقه التشيلي آرنستو، ولكنهما أيضاً سيحاولان الإنصات لأصوات أخرى تمليها أفكار الآخرين فتبدو تلك الأفكار مكملة لأفكارهما وكأن ثمة لا وعي جمعي واحد مسيطر على العقول في حيز مكاني مغلق هو المطعم حيث يدور الحديث عن عن لغز كوني آخر من ألغاز الوجود هو الإنبعاث:
"إنتبهت الى أني توقفت عن الإنصات الى نقاشات الطاولة المجاورة والتي كان أرنستو يتابعها بفضول نسوي حقا. من حين الى آخر كان يضغط لاشعوريا على ساعدي الأيسر. الثلاثة كانوا يتناقشون بحمية : هل هناك حياة أخرى بعد الممات ؟ هل السماوات الربانية وعالم الأرواح واقع فعلي ؟ أهو أمر ممكن أن يولد الإنسان أكثر من مرة ؟ المرأة كانت تدافع بقوة عن نظرية التناسخ وإنبعاث النفس في أجسام أخرى ، وكيف أن الأفعال الفردية تقرر عدد مرات الإنبعاث. وهنا تكلمت عن الروح حيث لجأت الى التسمية السنسكريتية (آتمان ) كجزء من أجزاء الكون – وأنا تذكرت أن معنى آتمان بالهندوسية هو الزفير لكن تعني ، مجازاً ، النفس الحاضرة في كل كائن حيّ ."**
أرنستو التشيلي (أي القادم من بلد شبيه بالعراق في اضطرابه ) هو بعد آخر من أبعاد الراوي، وهو يبحث عن فرديته الرومانسية في عالم مضطرب جامعاً عقليات الشعراء والكتاب من كل حدب وصوب في رحلة بحثه عن ذات فريدة تتنافس مع نفسها لا مع ذوات الآخرين ولكن تفردها قادم من فرديات سابقة، مقتبساً من غوستاف فلوبير قوله وهو يكتب الى جورج ساند : أعرف واضحا بأني كنا أحيا في شتى الأزمنة ومارست مختلف الوظائف والمهن. فرديتي اليوم هي نتيجة جهود الفرديات السابقة .
وحسب نعمان الراوي فقد كانت رواية آرنستو من مقطعين طولي وعرضي لعالم الإنسان الخارجي..ولكن هذا الزمن الخارجي المألوف يتضاءل أمام الذات الشاعرة التي تتدفق فيها الرؤى والأستشرافات ..حيث أوقف أرنستو بطله أوكتافيو على رمال متحركة :
"من جهة هناك خطر السقوط في شباك الإحباط والعبث وكل ما يحصل للفرد حين يبتعد عن اليومي و الراهن والذكريات من جهة أخرى هناك جولي ، هناك هذا القدر من السعادة بشطريها : الحسّي والعقلي"**.
وهذه الثنائية هي واحدة من ثنائيات كثيرة ترتكز عليها الرواية بقوة، كثنائية الجسد والروح وثنائية الحقيقة والوهم وثنائية أرنستو ونعمان الراوي الذين نستشف تطابقهما من خلال تطابق آخر بين ارنستو وأكتافيو.. فأوكتافيو غير مستعد للتخلي عن ( أسئلته الوجودية ) كي يروح مع إغراءات حياة طبيعية ، أليفة ترعاها أكثر من جهة ، وأسماها ب ( حافة الواقع ). وأرنستو هو الآخر لم يتردد في الكشف عن حقيقة أن هناك أكثر من صلة واحدة تجمعه ببطله.


ذات واحدة

ومن خلال تلك الألعاب السردية التي تشكل بمجموعها مسرحاً لمجموعة شخصيات يتحدثون وينصتون لبعضهم البعض..يطرح المبارك فكرة مشوقة لكارل يونغ هي كوننا أنا واحدة أو ذاتاً واحدة موزعة على الكائنات ..همس أرنستو : ( في الحالات الطبيعية للوعي نعتبر أن انت هو أنت ، وأنا هو أنا ، ولسنا شيئا واحداً. لكن إكتشافات الباراسايكولوجي تقول لنا بأننا مرتبطون بعضنا ببعض. الوعي ليس وحدة فردية مغلقة ولها سيادتها بل هي جزء من نوع ما من الحقل النفسي الذي يصل الكل بالكل. في أثناء الحالة الطبيعية للوعي يوجد ذلك الحقل في منطقة اللاوعي. وليس من المستبعد أن لكل واحد منا إسهاماً في لاوعي الآخرين ، وربما نحن جميعا ، وفي أعمق الطبقات ، أنا واحدة. الوعي من دون شك شبيه بإنسان غريب الأطوار يصعب تفسير سلوكه. وأظنك تتفق معي بأن أسرار شخصية الإنسان لا تزال أسراراً ، والكثير من الأسئلة لم يلق الجواب بعد. )**
يناقش المبارك أيضاً اشكالية الجمع بين الجسم والروح من خلال صديقه الروائي التشيلي ارنستو الذي اخترع في روايته الجديدة بطله أوكتافيو شانكارا ومن خلال تلك الشخصية يطرح إمكانية الجمع بين الشاعر والمفكر... ورأيه أن على كل شاعر أن يعرف أين القلب وأين النفس وأين الروح وأين العقل. ( أوكتافيو ) بطل الرواية شبيه بكثير من أبطال الأدب والتأريخ بدءا بديوجين وإنتهاءا ببطل جويس المتجول في دبلن. يطرح الراوي تأويلات وإيضاحات تقرّبنا كثيرا من الجواب. فالجسد هو بالأساس ضوء خضع للتكثيف فمُنح القوة. والروح ليست إلا تجسيداً للطاقة النقية وذات الجوهر. أما النفس فهي ببساطة روح تنشط في جسم الإنسان. أما ما الذي يدفع الروح كي تكون في حالة مادية ؟ فيجيب عليه الراوي ببعض المعتقدات الشرقية وأحوال المتصوفة وما جاء في العهد القديم والتاوية و إبن عربي .
من ناحية أخرى يشاركنا بطل المبارك قلقه على صديقه التشيلي من الفشل في أن يكثف المعرفة البشرية في عمل أدبي واحد. وإذ يقول عن ارنستو صديقه إنه لم يعر بالغ الإهتمام لقضايا الأسلوب، فإنه يمارس نقداً ذاتياً بحق الرواية ويطرح ثنائية اخرى هي الشكل والمضمون .. "المضمون جاهز لكن أين الشكل ؟ في معرض الإجابة راح أرنستو مع شتى المدارس والتيارات وبدا الأمر كأنه أخذ ينتقي مختلف الثمار ويضعها في سلة روايته. في كل الأحوال لا أظن أن هذا هو أهم شيء في رواية أرنستو التي يصعب حقا القول عنها بأنها عمل ( يروي ) أحداثا بل ( يستعرض ) منعطفات الفكر والروح"**

قطار واحد

ثم يلجأ الراوي في واحدة من ألعابه السحرية إلى جمع كبار الكتاب في عربة قطار ويجعلهم يناقشون فيما بينهم ماهية الكتابة طارحاً آراءهم الطريفة بدون تواقيع تاركاً للقارئ معرفة اسم قائلها بعد وصف موجز له .. أطرفها يقول:
"- برميل القمامة هو أفضل صديق للكاتب. من هناك نصل الى ما يسمى بحقائق الداخل وليس الواجهة.
ثم تصاعد الحوار، بالأحرى نوع من الجدال الناعم لكنه كان ينزع الى التوتر أحيانا :
- لكن سيدي العزيز لابد من الإختيار أثناء النبش في هذا البرميل . فقابلية الكتابة تكمن في فن الحذف."**

واحد من تلك الآراء يقول إن القراءة السهلة هي كتابة صعبة ..ولكن مع عدنان المبارك فالقراءة الصعبة هي كتابة أصعب ...وعندما يمارس بطل الرواية (القارئ) دور الناقد بحق رواية صديقه آرنستو، يختم المبارك لعبته بالقول : " أن التوفيق حالف أرنستو عندما وضع مثل هذه النهاية لروايته : أوكتافيو وجولي يختفيان في زمكان آخر من المحال تصوره ، فهو في غاية البعد عن عالمنا الذي نعته أرنستو بالوهمي. وأنا وجدته نعتاً صائباً في غياب تعاريف دقيقة للوهم والحقيقة."**
ثنائية أخرى من ثنائيات الوجود ...والحس النقدي كان حاضراً مرة أخرى لوصفه تلك الرواية (داخل الرواية) بقدرتها العجيبة في الجمع بين الإثنين ، أي الإبتعاد عن الواقع والإقتراب منه ، لكن بحواس أخرى إستبدل بها القديمة تماماً مثلما يفعل الثعبان حين يبدل جلده .


** اقرأ رواية (ماقبل الطوفان الثاني)لعدنان المبارك على الرابط التالي: http://www.alrowaee.com/article.php?id=858

ميسلون هادي
روائية عراقية
maysaloonhadi@yahoo.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث