الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
قراءة الشتاء والصيف/ فصل ثان من رواية جديدة
عبد الستار ناصر
قراءة الشتاء والصيف/ فصل ثان من رواية جديدة
عبد الستار ناصر
الحياة انقلبت مع الفضائيات* ، الجثث في كل مكان ورائحتها تشبه رائحة البطن المبقورة ، رائحة البشر وهم يغادرون الارض والشهيق ، رائحة ماء آسن مملوء بالثيران النافقة ، ماذا يحدث في دياري ؟ اي اسم اخر للوعة يمكن ان يقال عما يجري هناك من دم مسفوح ولحوم افسدتها الشمس حتى في غروبها ؟
الطيور الجارحة كان هذا كرنفالها العظيم ، يمكنها ان تعيش مائة عام على تلك المؤونة التي جاءتها مجانا ودون عراك او مخالب مع اقرانها ، وانا دون حقيبة ارحل من بلد الى اخر ، ابحث عن وهم يطوف في مخيلتي ويرفض ان يغادرني .
في ذاك الصيف الحراق ، قبل عشرين سنة ، خرجت من العشار نحو بغداد ومنها الى اسكي شهر حتى وصلت انقرة ، وبعد خمسة ايام كنت امشي على رصيف محطة بوخارست في طريقي الى بودابست عساني اعثر على حليمة ، وعلى مشارف فندق تاترا تمنيت ان اراها في الغرفة التي عشنا فيها ثلاثة ايام من الجنون والتأوهات ، جاءني مهرج تاترا واعطاني ورقة مطعوجة ومبلًلة تقول فيها (مادمت اتيت ايها الخائن الحقير فانا عدت الى البصرة ، ربما نلتقي هناك) .
ثمة خنفساء على حائط تاترا ، كان اجمل فنادق الدنيا ، من اين جاءت تلك الخنفساء السوداء القبيحة ؟ وفي اول الصباح رجعت الى صوفيا ، رجعت الى جانيت سخية النهدين والفخذين ، اي صيف رهيب كان ذاك الصيف قبل عشرين سنة ؟ اجلس في مقهى برلين اشرب الكوباتشينو وارى الشارع المرصوف بالحجارة ، اتذكر امرأة اسمها حليمة ظهرت مثل طيف واختفت مثل طيف ، وانا شتاء ومعطف ودموع وذاكرة معطوبة ، اركض وراء وهم يقول لي ( اراك اينما ذهبت ولن تراني بعد اليوم مهما فعلت ) !
ها انا في صوفيا بعد ان تغير جواز سفري ، لاجانيت ولانوم في الحدائق ولا ( يمنع من الدخول الى بلغاريا ) ولم اعد اسيرا لدى تلك الحورية كاليبسو ، وربما ساذهب ثانية الى دمشق احتمي بها من الموت المستعجل الذي جرجر آلاف البشر الى الذبح بالسكين ، لم تزل لوحة ( حليمة سطوع الضوء ) في ذاك الصندوق الخشبي ، رآها ماهود احمد وقال قولته الشهيرة :
ـ ساعطيك ماتريد من اعمالي وانت من يختارها ، اذا اعطيتني هذه اللوحة . وقلت له كما قلت لمحمود بقشيش منذ عشرين سنة : حليمة ليست للبيع ، وهل يمكننا ان نبيع الضوء يا ماهود ؟

**
صوفيا لم تعد كما كانت ، مخنوقة ، قصيرة القامة ، خالية من النساء الجميلات اللائي يشبهن جانيت سخية النهدين والفخذين ، لم اعد اسمع في مقاهيها وباراتها معزوفة فيفالدي ( الفصول الاربعة ) فهذه المدينة باتت منفوخة بالكآبة مع انها مازالت ترقص الديسكو وتقرأ ماركس ولينين ، ربما لم تتغير كما اظن ذلك ، انا الذي تغيرت حياتي وصارت قاب قوسين من النهاية .
لوحة جورجيس غروز مازالت على الحدود بين صوفيا واستانبول ، ليس من شك في انهم رمموها حتى تبقى على حالها كما رأيتها منذ عشرين عاما . والعراق صار مجمرة تحرق القريب والبعيد ، لا احد يمكنه ترميم هذا البلد الناعس البرئ ، الموت يجز الرقاب ، وعزرائيل ترك المهنة بعد ان ازدحمت الشوراع بالجثث المثقوبة والجثث المذبوحة والجثث التي لاقبور لها ، حلت اللعنة من جميع الاتجاهات ، ولم يعد ثمة من صديق ، والفضائيات الحمقاء تسابق نحو مشهد الوباء دون رحمة باعصاب الناس حتى خلت الاسواق من المارة خوفا ورعبا ان تتشظى باحزمة ناسفة او رصاص طائش . وبرغم ذلك مازلت ابحث عنها واعرف طول المسافة ، الشتاء يدخل في عروق الخريف ، والصيف يأكل من حصة الربيع ، وانا دون حقيبة ودون اسئلة ودون خارطة وبلا دليل ، ابحث عن حليمة ، ربما تقفز امامي مثل غزال جامح على حين غفلة ، ربما تكتب لي رسالة اخرى ، حتى انني ومنذ عشرين سنة مازلت على يقيني بانها تمشي خلفي وتضحك من هذا المخبول الذي لايعرف اليأس طريقا اليه .
كنت مرعوبا من فكرة ان العمر سيمضي هكذا دون حليمة ، جسدي يحترق شوقا وأنا اقطع المفازات ابحث عن شبح يترك الرسائل في كل مكان امضي اليه ، بماذا تنفعني كلمات موجزة تزيدني شوقا واحتراقا حتى اكاد افكر في قتل نفسي لئلا ابكي على ذكرياتي التي اينعت وصار لها اغصان وشراشب وجذور تحفر عميقا في سنواتي وعظامي .
اختصرت الحياة كلها في امرأة لم اعد اعرف اين مكانها ، اذهب من اجل عينيها الى بودابست كمن يبحث عن ابرة في محيط قش ، ماذا تفعل ؟ كيف تعيش ؟ كيف تسافر ؟ وكيف حالها وهي تلاحقني في ارجاء العالم ؟ في بوخارست ، في دمشق ، في بودابست ، في البصرة ، حتى في محطة قطارات استانبول قرأت اسمي على جدران المحطة مكتوباً ثمة بالطباشير ( اهلا بك ياعزيزي ) .
اعرف كيف ترسم المفردات والحروف ، اعرف كل شئ عنها ، من الازل حتى نهاية الدنيا ، ارى كيف تفكر واعرف لماذا تبتسم واعرف متى ستبكي ، اعرف كيف تختار ثيابها واعرف مقاساتها ، حتى انني اعرف متى ستقول : احبك ايها الخائن الجميل .

***
ابحث عن اكذوبتي في الوجوه التي تمشي في الشوارع ، كل واحدة من النساء يمكنها ان تكون حليمة ، رائحة مسك عابقة ونعناع وقافلة من الجوري والقداح والخزامى، هل تراها تبحث عني ؟ من المؤكد انها تعرف اين اكون مادامت كلماتها تتراكم في معطفي وذاكرتي ، معلول بها ، وهل من احد يصدق إذا ماحكيت قصتي التي لاتشبه القصص ؟ محض رجل ما يبحث منذ عشرين عاما عن امراة ما !
مليارات الازقة والحانات والحدائق والشوارع الخلفية ، مليارات من النساء والصبايا والحوريات والحسناوات والساحرات والسبايا والنهلستيات في هذا العالم ، كيف يمكن اكتشاف قطرة ماء بعينيها بين تلك البحار والمحيطات والانهار والشطوط ؟ ليس غير غبي من يفكر هكذا ، وانا مازلت ذاك الغبي العابث الذي يؤمن انه سيراها ذات يوم في مكان ما ، ربما في دمشق ، في حاشية من الشام ، ربما في بوخارست ، في زاوية من كاتانكا ، ربما في بيروت، بين رهط من القناصين والرايات الحمر،ربما في البصرة ، في مقهى على شط العرب او في سوق الهنود ، ربما في بغداد ، قرب تمثال السعدون او الرصافي ، وربما في بودابست ، في نونوة شتوية او تحت جسرها الطاعن في السن ، سأراها حتما في كنيسة نطرق اجراسها معا ، في سوق الارانب او سوق الطيور ، ليس من شئ عصي على رجل يبحث عن امرأة !
ادخل دور السينما اينما ولٌيت وجهي ، اغوص في الصقيع واهرب من قطاع الطرق واخاف الخيول الجامحة ، اشعر بها مع كل ممثلة اراها ، هي تشبه الجميلات كلهن ، فيها شئ من ملامح فاتن حمامة ، فيها شئ من عطر مارلين مونرو ، خضوع وانوثة طاغية ، فيها شئ من طعم سعاد حسني ، واشياء من زمرات جريس كيلي ، هادئة وصاخبة ، يانعة وقاسية ، اتوق اليها في صحوي وحطامي ، مخمور بذكرياتها ، هي الانثى الخالدة التي حكت عنها سيمون دي بفوار ، هي الخالة زوجة الاب ( دونيا لوكريثيا ) التي قص حكايتها ماريو بارغاس يوسا ، هي جمهورية نساء في جسد واحد ، ربما كانت هي نفسها الليل في عز النهار ، والضوء الباذخ في منتصف الليل ، وربما لم تكن هكذا ابداً ، لكن مخيلتي تمضي بعيدا جدا في كل مرة اشتاق اليها ، ربما ظننتها اجمل حواء في الارض ، واكثرهن شهوة وجنونا ، مع انها لم تقل ( احبك ) سوى ثلاث مرات وكاد الحياء يقتلها في كل مرة نطقت بها !
منكود وكئيب ، اتجرع الخمرة وارى النجوم تضحك لي ، اسمعها تهمس في وجداني ( تمتع من شميمي مادمت لم تزل حبيبي ) وانا صعلوك معزول عن الدنيا ومافيها ، خرقة مبللة على طريق آسن ، لا اعرف نوع مصيري ، منبوذ ، مدهون بالخزي والافلاس ، خيولي كٌفت عن البحث عنها وانا محض معلول واحشاء مسمومة وكوابيس تصرخ : اين انت ياحليمة ؟

الحرب تبتلع الهدوء والطمأنينة ، من يدري كيف تكون نهايتها ؟ رجال ملثمون ، بالوعات يتسرب منها الدم ، مليشيات ورطانة ورجال من وراء الحدود يقتلون البشر دون احساس ، جثث متفسخة ، جحور مزحومة باسلحة مهربة ، كتائب ذبح ، دواب مفخخة وكلاب مسعورة ، والذباب والغربان والنسور تاخذ حصتها من المأدبة ، اهانة للجنس البشري ، مصرع آلاف الجنود الشبان على طريق الموت ، انقراض الفحولة في بلاد الرافدين ، شفرة سرية لا احد يدري من اين جاءت ، ربما كان الموساد هوالذي اوصى بها ، ينكش لحم الناس ببراعة ، مبضع كالسيف الاول والتالي ، الضرب بقوة تحت الحزام ، ومن ترى يسأل عن بوهيميا الرعب والخراب ؟ حافات مكورة كما الخناجر ، نحن معشرالظاهرة الصوتية والشطط ، لانملك غير الشعارات الرنانة ونحنحات القادة الذين يشبهون القردة، لعنة الله علينا يوم ولدنا ويوم تلوثنا ويوم نبعث ثانية .
رائحة الصندل ماتزال تعبق في اسواقنا ، ونحن كما المشائين نجري بسرعة عسانا نتمكن من انفسنا ونطرق الباب حتى نقامر بآخر ماتبقى في جيوبنا ، وانا وحدي الذي اقامر بالمصادفات والحماقات ، لعل وربما وعسى ارى حليمة ذات سهو من زمان الاوهام !

الخريف يوشك ان يرحل ، مبتورة اصابع هذا الفصل البارع ، اوراقه تتناثر في كل شبر من خارطة الدنيا ، الخريف ردهات ملونة وحدائق جرداء فائقة الحلاوة ، لاشئ كما الخريف يحركني ويراقصني ، وحده بين الفصول من يبعث حمى الخيانة في جسدي ، هو الغريم الذي اضاع حليمة في بداية مشواري معها ، ذهبت حينها الى الشمال ، الى شقلاوة ، كانت معي واحدة من اشرف المومسات ، هيفاء القامة سخية في الفراش لاتقول كفى حتى اذا تكررت اللعبة عشر مرات في ليلة واحدة ، وانا مدمن بشراهةعلى لعبة الغزو واحتلال المسامات ، اعرف نوع المرأة من حشرجة التأوهات ومن هسيس الاصابع ومن تشنجات الفخذين .
تلك جريمة الخريف ، تكررت في كل مرة ياتي فيها لزيارتي ، ضعيف انا موازاة تساقط اوراق التوت وامام عري النساء تحت سماء بيخال وفوق جبال اربيل وعند سفوح المياه في ( كلي علي بيك ) وانا ارتعش شبقاً انتظر الليل حتى اجرجرها الى تلك الغرفة الغافية على جبل عند اقصى اللذة ، الخريف كان ( ضٌرة ) قاسية جدا لحليمة ، ولماذا الخريف وحده ياعزيزي ؟ الخيانة معجونة بك في الصيف والشتاء والربيع ، انت خائن على طول زمانك ، خائن مع سبق الاصرار ، ولم يكن الخريف سوى ذريعة حتى تقول : ان خياناتي مفروضة على جسدي في ايام لاتتكرر ولست ذاك الخائن المكرور في بقية الفصول .
**

ماتزال معزوفة فيفالدي تحوم في الروح ، اسمعها في كهوف الغجر ، هادئة مرة وهمجية تسبح في البراري والغابات مرة ، فصول مرصوصة ببعضها ، الصيف يلتف بقميص الربيع والخريف يدغدغ الشتاء ، وانا لم ازل كما المهابيل ابحث عن وهم في دهليز ايامي عساني اعثر على امرأة قالت كلا ( لم تزل الحرية ممكنة من دونك ايها العزيز التائه ) .
الليالي منسوجة من سياط وغيلان من عسل مسفوح بين الخرائب والضباع ، ليس من قطار ياخذني الى عرق السوس وطعم المانجا ، الليالي محض لعبة كاذبة وسعلوات وطناطل وصرير يخربشني ويحرمني من النوم .
قلت لها ذات عام وانا اركع بين فخذيها اللاٌمعين : بعدك لانساء ولا غزل ولا خيانات ، لكنني هكذا في الشتاء كما في الخريف ، ارى نفسي خارج السيطرة مثل جرٌة ماء مكسورة لانفع منها .
رائحة عباد الشمس مازالت تمشي في عروقي ، تطاردني اينما حللت ، مع انها اليوم ابعد ماتكون عني ، قطيع خرفان وحشرات رنانة وروث بهائم وذئاب وكلاب جرباء وحروب لانهاية لها .
ذلك ما اراه الان ، ولا شئ ينقذني من تلك العفونة غير عبٌاد الشمس الذي اشمه في كل مرة افكر في حليمة ، اعني في كل ساعة يلسعني فيها الندم وفي كل ليلة مخملية ارجع فيها الى بودابست تحت ضياء الفوانيس في هوتيل تاترا قبل ان تسكنه العناكب والغبار والخنفساء السوداء القبيحة .
اتذكر مصاطب المحطات ، وعازف القيثار المفلس ، مذاق بوخارست ، مدلوق جسدي في تعرجاتها ، مطعون من فرط الانوثة التي تحتك بي ، اتمنى طاقية اخفاء حتى افعل ما اشاء في تلك المملكة المشتهاة من البنطلونات وهي تغوص في لحومهن التي ترقص دلعا وليونة وشقوق اكاد اراها من وراء الجينز الفاجر ، انا المسافر دون حقيبة ، اشرب الليمون ممزوجا مع البيرة واصرخ دون كلام : لماذا نعيش حروبا بلا نهايات ؟ من اجل من ؟ من اجل ماذا ؟ اجساد مذبوحة واكفان بلا قبور ، والحياة صارت محض مبولة وخراء ، والقائد ليس غير جرذي بثياب قيصر ، لايهمه غير دخول التاريخ حتى اذا جاء من باب المرحاض .
اختفى بريق بغداد ، ريش الديك يتناثر على القطط ، والوحش المفترس ليس غير عربيد اخرق ، الرعاع يصفقون بقوة ، لمن تصفقون والموت ياخذكم تباعا ؟ من يكنس عن غبائكم ماتراكم من رعونة ورماد وخضوع وبلاهة ؟
غسلت الصحون في مطعم براتسلافا ، وبعد عشرين سنة ادخل المطعم مثل طاووس لا احد يدري ماعانيت ايام غسلت آلاف الفناجين في مقهى باربا بين طقس غائم ونساء فارعات الطول ، الحياة وهبتني الفتافيت والاغنياء يعربدون في المطاعم والبارات ، حتى جانيت قارورة التفاح والعسل رمتني خارج بلغاريا دون رحمة وبلا شفقة ، ترى أين هي اليوم وماذا ستفعل اذا عرفت انني دخلت بلادها ثانية ؟ ماتزال لوحة جورجيس غروز بين الحدود لا احد يعرف لماذا ومن جاء بها بين البلدين ؟ ارى قوس قزح في تلك الغابة ايام كان النوم ممنوعا في الغابات والحدائق والحانات ، انقلب العالم وتكسرت الدروع والخناجر ، انفك الطلسم وخرج العفريت من القمقم بعد مئات السنين ، انظمة الفولاذ والسياط والمعتقلات صارت كما القش بين الرياح بعد هبوب ( البيروسترويكا ) ولم تعد من عبارات تخفي العيوب والاسرار .
الحورية الفاتنة كاليبسو فكٌت سراح اسيرها اوديسيوس الخالد وانتهى عصر الرماد والحجرات المقفلة ، ربما يأتي بعد سنين زمان الكوثر والحرير والخمور ، يوم تنتهي الحروب المستأجرة وتنفق الذئاب المسعورة ونشعر برعشة الامان ونعزف الموسيقى في كل مكان !

**
لم اعد ابحث عن حليمة ، ضراوة الموت العشوائي اخذتني بعيدا عنها ، اسمع صوتها يهمس في ضلوعي ( تمتع من شميمي ) وانا تحت حوافر الخيول اتكسر مرعوبا من فحيح الافاعي ونقنقة الضفادع في اخر الليل ، اسمع طرقعة في عظامي وانا اصغي الى حمى الفضائيات وهي تنهمر وتتجشأ البذاءات وتحكي عن عمليات خطف وجنود يفترسون البراءة في الجنوب ، اترنح هلعا امام طريق الموت حيث الكلاب تنهش في الاحياء على درب ملغوم بالهذيان والعطش .
لم اعد ابحث عن حليمة ، تلك البصراوية المخضٌبة بالحناء ، المتشحة بطعم الشيكولاته والموشومة برائحة الجنة ، انا البدوي المرعوب الذي رسمها سهوا في ساعة سحر لن تتكرر ، حليمة سطوع الضوء التي مات محمود بقشيش وهو يحلم ان تكون في بيته ، لم يلتفت الى المؤخرات السخية ولا الكنائس ولا الحارات الشعبية التي رسمتها طوال عشرة اعوام ، بل اشار اليها وحدها وهو يقول : اريد هذه الجيوكندة العربية .
اشم رائحة الكنافة وانا اتحسس احراشها ونعومة لحمها وامرٌ على سرٌتها ، اضحك من حماقاتي ( كيف اخونها وليست من غجرية في الارض اجمل منها ) ؟
ارعن ، الرعونة صومعتي ومرفأ هذا الرجل ذي الانف القيصري والقامة الباسقة والعينان الصغيرتان ، نفسه من يحمل إسمي وصفاتي ، نفسه الاخرق الرعوي الشاحب الذي لم تحمله سفينة نوح ولم تأنس إليه الشريفات ولم تعبأ به بودابست ولا بحيرة بيلاتون ولا محطة بوخارست ولا دمشق ، حتى رسومات آرثر روسلر وايغون شيلي اشاحت بالوانها عكس مكاني لئلا اراها جيدا في صالة فندق تاترا منذ عشرين سنة .
يابسة ايامي ، حافية سنوات عمري ، ملفوف باليأس ، ضامرة حتى ذكرياتي ، الرعاة في الحقول ، البهارات في الطعام ، وانا مربوط من دمي صوب مخدع يئن من الحنين ، اوردتي تئن من اشتياقي الى البصرة ، الى شط العرب ، الى نفحات النخيل ، التي اعطتني كل ماتملكه يوم هربت من الحرب الى دمشق .
الارانب لايمكنها ان تمسك بالنمور ، هذا الخائف صار يختفي بين البيوت والمجاري ، الطائرات مثل النساء يتمتعن بشئ من الغنج وهن يطاردن هذا الارنب المسلوخ ، الطرق متعرجة في ازقة بغداد كما المسبحة ولا تشبه شوارع القصر الرئاسي ، كيف يعيش الناس في تلك الفروع الشحيحة المخنوقة بروائح البصل والثوم والباذنجان ؟ حشر نفسه مرغما لئلا تطارده القنابل الذكية ذات الندبة السوداء على الذيل ، وفي العراء ترك الجنود عرايا لحراسته ، ياكلون الهريسة ويشربون الماء الخابط ، المهم ان ينجو من خفايا الليالي اذا حشر نفسه في جوف المرحاض ، في خصلات النفايات ، في اي هيكل او اية حفرة ، وبعد ان ينجو يأتي دور الشعراء المخصيٌين لترميم صورته ، الشعراء الرعاع ، حاخامات المحنة وكيفية تجميل الاجرب وتنظيف الوشاح الابيض الذي علقت فيه المزابل والفضلات . ثم يخرج من العار ، الرجل المؤمن الذي تعلم الدروس ، يخرج بعوراته مفضوحا ، وشاحه عاد ابيض لامعاً ، وجرائمه باتت في غاية السرية والنضوج ، تكاد ترى عمامة سوداء فوق رأسه وهو يذكر الله قياما وقعودا ، وهل من احد يجرؤ على ذكر البيوت المسحوقة التي تنفث رائحة الباذنجان والثوم والبصل ؟ لقد عاد من العار وهو في اغلى بدلات السهرة ، عادت القصائد المخصية كاصحابها ، وقسرا راحت التماثيل تجوب الميادين والشوارع ، حتى ادخلوها ( قسرأ ) بين الناس وصارت تتمتع بشهادة جنسية واحوال مدنية ولها كل حقوق المواطن وليس عليها اي شئ من الواجبات ! جسدي معلول من كل ماجرى ، معلول ، معلول ، معلول .

* كان موقع الروائي قد نشر الفصل الاول من (قراءة الشتاء والصيف) في السادس عشر من شباط/فبراير الماضي.
عبد الستار ناصر
روائي عراقي مقيم حاليا في كندا
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث