السبت, 19 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أكلينك أو بداية التعرف على كاترين بولاك/فصل أول من رواية
حسين عجة
أكلينك أو بداية التعرف على كاترين بولاك/فصل أول من رواية
حسين عجة
لم يكن حليم السهادي من الأفراد الذين يعيرون أهتماماً لما يُطلق عليه بغموض اسم الثقافة. لا لأنه لا يفقه شيئا منهاً، ولكن لسبب لا يرغب في الإفصاح عنه، أو هكذا يتظاهر ويصر على التمسك به، كما لا يعرف كنهه البعض من أصدقائه النادرين الذين تحدثوا معه من حول ذلك الموضوع، تارة بجدية، وتارة أخرى بطريقة لا تخلو من السخرية والتعالي. لم يكن الرجل، حين كان في بلد "منشأه" أو مسقط رأسه أمياً أو بعيداً كليةً عن عالم القراءة وربما الكتابة أيضاً. فهو، على صعيد الدراسة الإكاديمية، كان قد أنهى دراسته في كلية الآداب، فرع اللغة الفرنسية، كما يقول. لكن، بعد قدومه إلى الغرب، وإلى فرنسا على وجه التحديد وعيشه فيها لمدة تقارب الثلاثين عاماً، أصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل على المرء التحدث معه، ليس بلغة وطن الإستقبال، كما جرت العادة على تسمية البلدان بمثل هذه الطريقة المُثيرةِ للضحك، ولكن حتى باللغة العربية. الوسيلة الوحيدة التي يمكن بفضلها مواصلة الكلام ولو لبضعة دقائق معه، والذي يظل في مطلق الأحوال كلاماً مقتضباً ولا يتجاوز القليل من المفردات، المبتورة والمهشمة، والتي كان يلفظها وكأنها دمدمةً، هي لهجة بلده المحلية. وحتى هذه الأخيرة لا يدركها تماماً وفقاً لتنوعاتها الثرية، بل يكتفي باستخدام أسلوب التخاطب الذي تعلمه، منذ طفولته حتى بلوغه الثلاثين من عمره، أي قبل هروبه من ذلك البلد وتشرده في اصقاع وأقطار عديدة، قبل وصوله، في النهاية، بفضل ما الأدري أية مصادفة أو معجزة إلى باريس، هي اللهجة الدارجة لعاصمة بلد منشأه. أي أنك إذا ما خاطبته بلهجة ناس الجنوب، مثلاُ، فسوف لن تكون على يقين بأنه يفهمك بصورة واضحة، أو على الأقل يصغي إليك. إذ سرعان ما تشعر بأن ذهنة "شارد"، على حد تعبيره هو، أي سيكون عاجزاً عن التركيز على اللحظة الزمنية والمكانية التي يجد نفسه فيها، وكأنه يغفو في منطقة ليست بعيدة بالضرورة، لكنها من القوة والإنغلاق الكافيين لخلق مسافة عازلة ومغلقة على نفسها بطريقة تكاد تكون لا إنسانية بينكما. وفي النهاية، سوف تشعر، برضاك أو عدمه، بأن القضية ميؤساً منها حقاً. وبالتالي، عليك، شأت أم أبيت، قبوله هو كما هو، أي تحمل صمته الثقيل والمقلق في غالبية الوقت، والذي وصفه أحدهم بأنه حالة "وجوم" أو "اكتئاب" لا يمكن التخلص منه. ستكون النتيجة مخيبة، إذاً، حين يجري استدراجه إلى الكلام بلهجة أهل الجنوب من وطنه، لكن الأمر سيتضاعف ويزداد سوءً وتعقيداً إذا ما كانت اللهجة أو اللغة المستعملة في حوارك معه هي ذات اللغة التي يتخاطب بفضلها ناس الشمال من قطره الأول. في الحقيقة، عند هذه النقطة، أي إذا ما كان أحدهم يحدثه بلغة أهل الشمال، فكأنما يخاطبه بلغة أجنبية تماماً عليه. وقد تكون كذلك بالنسبة لغالبية سكان بلده الأصلي، كما هي عليه بالنسبة لسكان بلد الإستقبال. كذلك ينبغي التغافل أو بالأحرى النسيان الكامل لرغبة إيصال شيئاً منطوقاً إليه، إذا ما تعمد محاوره أو منْ يتكلم معه ببساطة محادثته بلغة ما يُسمى المنطقة الغربية من البلاد، التي يجهل كل ما كان وما يزال يحدث فيها، ومن ضمنه لهجتها. أمّا لهجة ما يُسمى سكان المنطقة الشرقية، فهو لا يكتفي بعدم أدراكها وصم أذنيه عن إيقاعها أو صخبها الخاص وحسب، بل يكره ويمقت حتى سكانها، تحت ذريعة أنهم قريبون من بلد يحسبه حليم الساهدي بأنه كان وسيظل دائماً أكثر بلدان العالم عدائيةً لبلده. قد يكون ذلك حكماً مسبقاً لديه، وذلك معناه بأن أية محاولة جدية لإقناعه وحثه على تبديل ذلك الحكم المُسبقِ ستخفق لا محالة. كأن يقول له أحدهم، على سبيل المثال، بإن ذلك البلد القريب من المنطقة الشرقية لبلده الأصلي قد أصبح اليوم إن لم يكن من أعز أصدقائه، فعلى الأقل كف منذ زمن بعيد عن عدوانيتة التاريخيه له، لبلده. كل ذلك ربما يمكن تحليله، أرجاعه إلى صدمة قوية في حياته، سواء كان ذلك قد حدث عندما كان ما يزال يعيش هناك أو في البلد الذي حل به، ومن ثم القبض على ما يحلو للمحللين النفسيين تسميته بالعقدة المركزية أو النواة الأكثر تعقيداً في سلوك وطريقة تفكير فرد ما. لكن ما هو محير، في حالة حليم الساهدي، يكمن في أنه شخصياً لا يكترث لكل هذا، وكأن الحدث لم يطرأ عليه هو بالذات ، بل مس شخصاً آخر غيره. لا تبدو المشكلة قضيته الفردية أو الذاتية. مرة سأله جعفر العبودي، بلا أي أثر للتقليل من شأنه، ولكن بغية إطالة الحديث معه :
-أخي حليم، كيف يمكن أن يفهم المرء أو حتى يصدق بأنك لا تفهم العربية وأنتَ خريج جامعة، حتى وإن كان موضوع دراستك هو اللغة الفرنسية ؟ ألست عربياً ؟ بل كيف لا تفهم قسماً من لهجة أبناء بلدك، الجنوب مثلاً، مع أنه لا يبعد في مجموعه كثيراً عن العاصمة ؟

ظل حليم يحملق في عيني العبودي، بنظرة هي الأخرى لا يمكن التأكد من طابعها، هل كانت الدهشة هي من أستولى عليه؟ هل كان ذلك نوع من الإحتقار من جانبه ازاء العبودي؟ هل شعر بالفزع من مباغتة أحدهم له ومحادثته بمثل تلك الطريقة؟ وغيرها من الأسئلة الكثيرة. بعد ذلك التحديق المُلغز والطويل لم يحدث أي شيء. أي أن حليم لم ينبس ولا بمفردة واحدة. ومن ثم خيم الصمت بطريقة جعلت العبودي يتلمس بعض الإعذار لمغادرة المكان الذي كنا قد التقينا فيه بمحض الصدفةِ.

في البدء، أي في الوقت الذي تعرفتُ عليه فيه، لم يكن كذلك. كان اللقاء الذي جمعني به قد حدث منذ زمن بعيد، حين كنا نحضر بعض اجتماعات أبناء ما يُسمى جاليتنا المقيمة هناك، للتدوال والنقاش من حول ممكنات التخلص أو التحرر من نظام قمعي وأستبدادي، كان قد جعل حليم السهادي يفر من وطنه، مع أنه لم يكن ينتمي لأي حزب أو جماعة، دينية أو سياسية. بعد تخرجه من كلية الآداب، فرع اللغة الفرنسية، بقى لسنوات عديدة عاطلاً عن العمل، كآلاف خريجي الكليات من أمثاله، إلى أن عثر له زوج شقيقته على وظيفة في مديرية الضمان الاجتماعي، لم يكن مهيأ لها، ولم يتمكن، بعد بقائه لفترة ثلاثة أعوام هناك، من معرفة النظام أو الميكانيزم الذي يتحكم بشؤون ذلك القطاع من الوظيفة. ومن ثم كانت النتيجة تركه لوظيفته، كما يسرد هو، أو أنهم قد طردوه منها، كما يسرد أفراد غيره.

في ذلك الزمن الذي غدى بعيداً، كانت باريس حقاً مدينة منفتحةً. ليس ضمن مجالات استقبالها العامة، كالمقاهي المنتشرةِ في كل مكان منها، ولاسيما في مركزها أو قلب حركتها : الحي اللاتيني وحسب، بل كان ناسها هم أيضاً يتمتعون بلياقة أدبية لا يمكن نكرانها؛ مدينة عالمية بكل ما تنطوي عليه المفردة. أمّا الكرم الذي كانت تتمتع به نساء تلك المدينة فيمكن القول عنه، في تلك المرحلة، بأنه يصل في بعض الحالات إلى حد الدهشة أو المعجزة. وبشكل ملحوظ مع الشباب أو الأفراد القادمون من أصقاع ومناطق نائية من العالم. كل ذلك كان قد جرى بسلام وبلا ضجة، بالرغم من أن طابع الحكم أو السلطة كان، كما هو الأمر عليه في الوقت الحالي، خاضعاً بإدارته إلى الحزب اليميني "المعتدل"، كما يطلق عليه عادة. بتعبير آخر، لم يكن العداء "للإجانب"، أو الخشية منهم ومن ما يسمونه "عاداتهم" أو "ذهنيتهم" قد أطل برأسه أو وجهه المقيت. حينها، لم يكن عمر حليم الساهدي قد جاوز عتبة الثلاثين بأعوام كثيرة. كان، إذا ما أسعفتني الذاكرة، في عمر الثالثة أو الرابعة والثلاثين سنة. كذلك لم نكن يعرف بعضنا البعض عن قرب، كما أصبحنا عليه فيما بعد. لم يكن واحداً من أصدقائي، ولكن منْ أولئك الذين نسميهم، ربما بنوع من البطر أو الغفلة بـ "المعارف". تسمية غريبة، مما لا ريب فيه! ذلك لأن هؤلاء المعارف يتمتعون بخصلة نادرة ومزدوجة : يمكنهم أن يكونوا، في لحظة ما، من أقرب الناس لنا ويدخلون معنا بحميمية وحب قلما نجدها عند أولئك الذين نظن بأنهم أصدقاؤنا المقربون، لكن، من الجانب الآخر وفي أغلب الأوقات يستطيع المعارف الإختفاء عن أنظارنا دفعة واحدة، وكأن أمواج محيط عاتية قد ابتلعتهم ولم تترك لنا أي أثر قد يكون بمقدورنا إقتفائه وبالتالي الوصول إلى الضفاف التي يقطنونها أو المراكب التي غرقوا في أعماقها، على الأقل. لقد كان حليم الساهدي واحداً من هؤلاء : أمّا أنك تلتقيه كل يوم تقريباً، أو، في أوقات أخرى، مرة أو مرتين في الأسبوع الواحد، وهذا كاف بحد ذاته للتعرف على أحواله وما جرى له بعد آخر مرة التقيته فيها، خصوصاً إذا ما دعاك أو دعوته أنتَ للجلوس في أحدى تلك المقاهي لإحتساء فنجان من البن المطحون جيداً والمقدم بفنجان جميل وإن كانت كميتة قليلة، أو احتساء كأس بيرة باردة إن لم تكن مصعقة. أو يختفي عن أنظارك لشهور وحتى لسنوات بطولها وعرضها.

كنتُ أنا نفسي من قاطني الحي اللاتيني، لأعوام طويلة يمكن للمرء، دون أقل خطأ من جانبه، تسميتها "بأعوام الجمر". ومع أن طبيعة تلك الأعوام لم تتغير في حياتي الحالية، وما زال جمرها متوهجاً؛ إلا أنها، بالرغم من ذلك، كانت تتمتع بجمالها وحلاوتها الخصوصيتين. في الحقيقة، كنتُ أقطن ذلك الحي كأي "كلوشار"، أي رجل ما فقير، مهشم ومهمش ومقصي كلية عن الحياة الاجتماعية، لكنه في رفقة دائمة مع قنينة نبيذه الأحمر الذي لا تفارقه. غالباً ما تمر ساعات وساعات دون أن يرفع ذلك الرجل عينيه لكي يلقي نظرة على المارة، من السواح الصاخبين أو من برجوازي العاصمة، لكنهم هم منْ ينظر نحوه وكأنه كائن قد هبط عليهم، غفلة، من كوكب آخر. غير أن سكان باريس، المنافقون بأغليتهم الساحقة، يتظاهرون بالتعاطف معه، ومن ثم يلقي البعض منهم، من حين إلى آخر، بقطعة من النقد الصغير عليه، كما يُلقي السيد بعظمة على كلبه، أو يدسها على حياء في يده، كما يدس أي زائر لماخور، بعد تمتعه مع الانثى التي وفرتها له سيدة الدار، أو قوادة المنزل، بقطعة ورقية نقدية وهو يشيح عنها بوجهه، وكأنه ما عاد بمقدوره النظر مباشرة في وجه تلك المرأة التي دخل ماخورها، في البداية، وهو يطفح بالفرح ويطريها على حسن معاملتها له في المرة السابقة، هي وبناتها من العاهرات الساحرات. في تلك المرحلة، التي ليس من الضروري تحديد تاريخها، فكل المراحل هنا، كما في أي مكان آخر، متماثلة ويشبه بعضها البعض الآخر، بالرغم مما يُقال ويتعالى اللغيط من حوله عن التحولات والتغيرات الكبرى التي طرأت على العالم. وقد يكون الأمر هو كذلك، أي حدوث تحولات وتغيرات متنوعة في قشرة العالم أو عمقه حتى، بيد أن المراحل لم تتزحزح عن تجذرها الثقيل في أرضية الواقع. بل ويمكننا الكلام عن تدهورها وقسوتها التي لا تطاق بالنسبة "لكلوشار" مثلي، ما دامت أنها لا تزال تحمل نفس بصمات الخسة والوقاحةِ التي تقسم البشر ما بين فقراء وأغنياء.

في تلك المرحلة، إذاً، لم يكن يرافقني في لحظات حزني وغبطتي سوى الشاعر المعروف اليوم حارث أفندي، الذي كان يشحذ معي من المارة القليل من الفلوس لكي نشتري بفضلها "سندويش" من المحل الإغريقي الوحيد الذي كان يبيع السندويشات في ذلك الحي، قبل أن يتحول إلى مرتع خصب لها، أي قبل أن يتم غزوه من قبل أجناس وإنماط لا حصر لها من أبناء القارات الأخرى، الذين جاءوا إلى ذلك الحي يحدوهم حلم الأثراء والعودة بعدها إلى ما يسمونه أوطانهم الأصلية، أو مكوثهم هناك إلى أن تواريهم المنية في أحدى مقابر العاصمة. كان للأفندي، من بين خصال أو مواصفات عديدة، شيء لا يمكنني نسيانه ما حييت : وصوله إلى المكان الذي أجلس عليه، وهو نوع من عتبة أو دكة أحدى المكتبات المعروفة، لكنها قد أغلقت أبوابها، لا أعرف لأي سبب؛ دكة ضيفة لكنها كافية لوضع المرء مؤخرته عليها وأمامه قنينة نبيذه الأحمرٍ. لم يكن بإمكاني يوماً، ولا أعتقد أن بإمكان أحدهم التنبأ أو معرفة الجهة التي سيقدم منها حارث وكيفية وصوله في الوقت الذي نكون فيه في أمس الحاجة إلية، من الجوع. فالرجل، أو الشاب الذي كان عليه مغرم إلى حد الجنون بمفاجئة أصدقائه، كما هو ولعه في خلق أشكال تفوق الخيال من المقالب والفضائح لهم، أو لسواهم، ما أن يقرر مزاجه، أو يشعر بأن أولئك الإصدقاء قد خذلوه، خانوه، تأمروا عليه، أو ببساطة تحدثوا ضده من وراء ظهره. مع أنه نفسه لا يكف عن ممارسة نفس السلوك الذي يدعي نبذه وعدم حبه له. لكنه يبقى، بالنسبة لي، ذلك الرفيق أو "الكلوشار" الآخر الذي كنت اترقب خطواته وأتمتع ببقائه معي إلى أن تحين اللحظة التي يقرر فيها الإبتعاد، تركه لي بنفس الطريقة التي جاء فيها، أي بسرعة ومباغتة لم أفلح يوماً بالتنبه إليها.

قلتُ عن نفسي بأني كنتُ كأي "كلوشار" آخر، بيد أن ما أقوله هنا ليس دقيقاً تماماً. فبالرغم من حاجتي "المادية" المستمرة، أعني عوزي، لم يكن، فيما يتعلّق بمظهري الخارجي، ما يدل على ذلك. فـ "ريعان" الشباب، الذي كان علامة عمري، يبدو أنه كان بمقدوره التغطية على العيوب والنواقص الأخرى، كأن يكون المرء ثملاً، فيما تتمزق أحشائه من الجوع، أو لا يدري أين سيقضي ليلته، مثلاً. إلى جانب ذلك، كنتُ نظيفاً بدنياً نوعماً، أو بالقدر الذي كنتُ أستطيع عليه، كذلك كان السروال والقميص الذي ألبسهما لا تظهر عليهما القذراة الخارجية، التي يمكنها أن تصدم عيون المارة. من جانب آخر، كنتُ كذلك هادئاً بطبعي، كما قيل لي مرة، مع أني ما زلت غير متأكد لا من خصوصية الهدوء تلك ولا غيرها من الأشياء، لاسيما ما يخصني أو يمس حياتي "الحميمية" منها. كما يمكنني القول بأنني لم أكن أتمتع بما يطلقون عليه "رؤية" محددة حيال الآخرين والعالم. اللهم إلا إذا ما كانت قدرة الفرد على التمييز، الغامض والمشوه، ما بين حالة الفقراء والأغنياء وتعامل كل طرف منهما بطريقة خاصة مع الظواهر والعلاقات الاجتماعية، تشكل مثل تلك الرؤية. وبالرغم من ذلك، أعني غياب "الرؤية"، مرت وسالت الأيام والأعوام وكأنها، حيناً، خفيفة الوزن ولا معنى لها، أو ثقيلة وقاتلة في أحيان أخرى. بالدقة، كما هي عليه في أيامنا الحاضرة. وحتى المُغيبةِ منها.

مع مرور العمر، أو السنوات تخلصت، بدرجة ما، من تقسيم كهذا أيضاً : ما بين طرق معاملة الفقراء والأغنياء حيال العالم والعلاقات الاجتماعية، كما من تقسيم الأيام ما بين ثقيلة وخفيفة. في الواقع، كان ما يشغلني، حين يغادر حارث أفندي، بذات الطريقة والأسلوب الذي كان قد وصلَ فيه في اللحظة المطلوبة وعلى نفس دكة تلك المكتبة، هو بحثي المهموم والقلق عن مكان ما أقضي ليلتي فيه. يبدأ بحثٌ كهذا عن مكان يقضي فيه المرء ليلته داخل الرأس أولاً. أي بتحديقه في الفراغ، عله يتذكر اسم أحد أولئك "المعارف"، الذي قد يقبل بمبيته معه، مشاركته مكانه، والذي هو في الغالب مجرد غرفة خدم صغيرة، معلقة في الطابق السابع أو الثامن من بناية شاهقة، على سطحها تقريياً؛ سطح لا يمنح المرء حتى فرصة النظر إلى نجوم الله، المغيبةِ عن سماء هذه المدينة. ينبغي عليَّ القول كذلك بأن الهواتف العمومية لم تكن منتشرة، كما هي عليه حالياً، لكي يتمكن الواحد من مهاتفة شخص آخر، ومن ثم يعرض عليه فكرته أو حاجته لإمضاء الليل معه، تحت ذريعة اشتياقه له، السهر وتمضية الوقت معه، فيما هو لا يشعر بأي أشتياق إليه، وليس لديه أقل رغبة في مسامرته أو قتل الوقت معه. تلك كانت أول أشكال الكذب أو التحايل على الواقع التي تعلمتها، أو التي فرضت نفسها عليَّ، كحل وحيد للبقاء في حالة معلقةً ما بين الحياة والموت في هذه المدينة. لكني، وبالرغم من لهاثي المحموم للحصول على لقمة العيش، حتى ولو التقطتها من الصناديق الكبيرة التي تلقى فيها بقايا مأكولات المطعام وغيرها من الفضلات، لم أحاول أبداً أو لم أتجرأ بالأحرى على السرقة. لا لأن شيء ما يحرمها عليَّ، أعني وازع أخلاقي أو ديني، وأنا في حالتي تلك، بل خوفي الشديد، خشيتي وجبني الذي لا يمكنني وصفه من شرطة باريس. خاصة وأني لم أكن أحمل بعد أوراق أقامة رسمية من الحكومة قد تشفع لي في نهاية الأمر، إذا ما قادوني إلى أحدى مراكز الشرطة، بالقول لهم : سرقت لأني كدت أموت من الجوع، مثلاً. ذلك لأني كنت أعرف غرائزياً، إذا جاز القول، بأنهم لا يأخذون بذرائع كهذه. المهم بالأمر هو أني فعلت كل شيء لتجنب ورطة السرقة، بوعي أو بدون وعي مني. في أمسية ما، وأنا في تلك الوضعية، جاء شاب يحمل هو الآخر قنينة نبيذ أحمر معه، وجلس بالقرب مني. كان شاباً وسيماً، أسمر الوجه بتقاطيعه وملامحه التي تقربه بالأحرى إلى الآخرين أكثر مما تبعث فيهم رغبة الإبتعاد عنه، كما هي العادة مع منْ يحملون قناني نبيذهم ويجوبون فيها الشوارع. بعد جلوسه ليس بعيداً عني، أخرج علبة سجائر من نوع الجيتان أو الغلواس، وهي سجائر فرنسية محلية الصنع، كان الكثير من الناس يدخنونها لا لجودة تبغها، بل على العكس من ذلك تماماً، فرائحة التبغ ذاك كانت أقرب إلى رائحة ومذاق التبن منها إلى أي شيء آخر، لكنها كانت رخيصة جداً، بل زهيدة الثمن. أخرج ذلك الشاب، إذاً، سيجارته، لكنه بدلاً من أي يدسها في فمه ويولعها، قدمها لي مبتسماً، قائلاً بوضوح : تفضل. في البدء، تظاهرتُ بالإندهاش، لكني قبلتها في النهاية بإمتنان منه. بعد أن أشعل السيجارتين، تلك التي قدمها لي والأخرى التي علقها بين شفتيه، وجه لي كلامه :
-أنا أسمي بن حسان المرزوقي، أنا من جربه، في تونس، وأنتَ ما هي قوميتك، أنتَ "تهدر" العربية ؟
-نعم أنا أتكلم العربية ؟
-"اشكون" أنا أتكلم العربية، أنتَ "كاوري" ؟ كاوري هي المفردة التي يستخدمها، كما صار يعرف الجميع، سكان أفريقيا الشمالية أو المغرب العربي والتي تعني فرنسي أو فرنسية.
-لا أنا مو كاوري، أنا عربي.
-"أشكون" يا زبي أنا عربي وأنتَ ما تهدر العربية ؟ كان ثملاً للغاية، بالرغم من صفاء ذهنه، أو العكس كان صافي الذهن بالرغم من ثمالته.
-أنا أهدر معاك العربية. رددت عليه.
-"صافي"، من أي بلد أنتَ ؟ صافي، تعني حسناً. لم أرد على سؤاله، فأنا لليوم أحاول بالقدر الذي أتمكن منه الهروب من أسئلة كهذه، لا لشيء سوى سماجتها. لا سيما في الساعات الأولى من لقائي مع أحدهم، إن كان ذلك رجلاً أو امرأة أو حتى ملاك سماوي. كرر سؤاله ثانية. حينها أدركت بأنه لا بد لي من قول شيء ما، للمزح مع نفسي، قبل المزح معه، قلت له :
-من "الصابونجية"، في باب المعظم. بانت على ملامحه علامات الغضب والإحتقار ربما، وبنفس الوقاحة الأولى، تطلعَ في طويلاً، ثم تابع ثرثرته :
-"أشكون" يا زبي "الصابونجية"، باب المعظم، وين تصير هذه ؟
-لا أعرف. قلتها بقوة وعناد جعلاه يحار من أمره. نهضت من مكاني وغادرت. كنت أشعر بنظراته غير المصدقة تلاحقني من وراء ظهري. لكني غادرت بنوع من الراحة، مع حاجتي الكبيرة لرفقة أحدهم. بيد أن مصادفات من ذلك النوع غالباً ما كانت تحدث في ذلك الحي المتفرد في صخبه وعوالمه الغريبة.

عندما أبتعدت عنه، وكانت الساعة في حدود السادسة مساءً صيفاً، أي وكأنها الساعة الثالثة بعد الظهر في الشرق مثلاً. ذلك لأن الشمس لا تغيب هنا في أيام الصيف الحارة والتي لا تدوم طويلاً إلا بعد العاشرة مساءً. على أية حال، حين تركت التونسي، كنتُ أنوي الذهاب إلى دار محمد غرفة، اسم غريب، أليس كذلك ؟ أجل، لقد أدهشتني بقوة مسألة حمل أحدهم لأسم هكذا. وحين تساءلت من أبناء الجالية إذا ما كان ذلك هو اسمه الحقيقي، ضحك منْ سألته ومن ثم رد عليَّ قائلاً :
-مجيد، يبدو أنك على نياتك. يطلق أبناء الجالية على هذا الرجل اسم كريم غرفة للسبب الذي سأذكره لك. ثم توقف قليلاً، لكي يجلو حنجرته.
-السبب في تسميته تلك هو أنه يبحث طيلة النهار وأحياناً حتى في الليل وفي جميع أحياء باريس الكثيرة عن غرف فارغة. وحين يجد واحدة منها، يقوم بتأجيرها، ثم إذا ما أكتشف بأن أحد أفراد الجالية أو من الوافدين الجدد بحاجة إلى غرفة سيقول له : "أنا بمقدوري أن أعثر لك على واحدة". إذا ما قبل ذلك الشخص بما سمعه من محمد غرفة، سيذهب هذا الأخير لكي يريها له. وإذا ما أعجت الغرفة الشخص المعني سيسأله عن إيجارها، بطبيعة الحال، فيقوم محمد بمضاعفة ذلك السعر تقريباً أو يزيد عليه ما يجعله يتربح ويكسب حياته بهذه الوسيلةِ، أي تأجير عدة غرف لأكثر من شخص واحد من أبناء الجالية. لذا، وبعد أكتشاف هؤلاء الأبناء لسلوكه وخداعه أطلقوا عليه اسم : محمد غرفه. بالمناسبة، هو، كما يقول عنه أصدقاؤه، رسام أو ما تسمونه أنتم فنان، وما لا علم لأحد بأمره سوى الله.

نويت، إذاً، بعد ما جرى بيني وبين التونسي، الذهاب إلى دار محمد غرفة، الواقعة بعيداً عن الحي اللاتيني، لا لكي أساله إذا ما كان يعرف أحداً لديه غرفة فارغة يريد تأجيرها، كما جرت العادة بين أبناء الجالية، ولكن حتى أمضي ليلة مبيت واحدة عنده. لكن لكي أبلغ تلك المنطقة التي يسكن فيها، كان عليَّ أخذ المترو، واسطة النقل الوحيدة التي لا أعرف غيرها إلى اليوم تقريباً. نزلت السلالم المؤدية إلى المترو، لم يكن معي النقود الكافية لشراء تذكرة أو بطاقة الرحلة؛ مررت مع أحدهم عند وضعه لتذكرته في شق الماكنة التي تتيح لكم المرور عبرها. بسرعة تكاد تكون جنونية، خشية أن تعترض طريقي زمرة من مفتشي التذاكر، اللذين يختفون دائماً في أماكن غير مرئية، مُظللةً أو ظلماء لكي يتصيدوا أولئك الذين يجدون أنفسهم في حالة كحالتي أنا، أي دون بطاقة مرور. شعرتُ بشيء من الراحة حين أصبحت على رصيف المترو أو ما يُسمى بـ "البلات فورم". لكن، وبالرغم من تلك الراحة النسبية، الواقعية والمتخيلة في آن معاً، لم أكن متأكداً من الإتجاه الصحيح الذي كان عليَّ أخذه بغية الوصول إلى مقصدي : دار محمد غرفة. ومع ذلك، بقيت على نفس الرصيف الذي أخترته، خشية الضياع ضمن ما يشبه الكهف الملتوي على نفسه كحلزون لا نهاية لحلقات التفافه على نفسه. بعدها، انتظرت طويلاً، غير أن القطار لم يأت، ولأني كنت نافذ الصبر، بل وألهث من أجل بلوغ المنطقة التي يسكنها محمد، قلت في نفسي لا بد عليَّ من سؤال أحدهم لكي اتأكد على الأقل من صحة اختياري لهذا الإتجاه. تلفتُ على يميني وعلى يساري وأمامي، بيد أني لم أر شخصاً واحداً يشجعني وجهه على طرح ذلك السؤال الذي يقلقني. خاصة وأني لم أكن أجيد التحدث بالفرنسية في حينها. فجأة، وكأن معجزة مندفعة بقوة وتتطلب تحقيقها، بزغت أمام بصري، بل وبالقرب مني، إذ سرعان ما لمحت وجود فتاتين تتحدثان بينهما، ليستا على مسافة كبيرة مني؛ فتاتان من الإناقة والإبتسامات التي لا تفارق شفتيهما، وذلك ما شجعني بالتوجه نحوهما ومن ثم طرح ذلك السؤال عليهما، باللغة الأنكليزية التي كنت استخدمها، حينما أكون مرغماً للحديث مع فرنسي لفترة طويلة نسبياً. وهكذا تقدمت نحوهما :
-عفواً، مساء الخير سيدتيَّ، هل هذا هو الإتجاه الصحيح للذهاب إلى منطقة "شارل ديغول أوتوال" ؟ نظرت الفتاتان أحداهن في وجه الآخرى، ابتسمتا من جديد، قبل أن تردا عليَّ بصوت واحد تقريباً :
-مساء الخير، يا سيدي، اجل أنه هو الإتجاه الصحيح. بعدها، أضافت واحدة منهن بأنكليزية واضحة تماماً :
-أنا سأخذ هذا الإتجاه، يا سيدي، عندما سيصل القطار سنصعد سوية، أمّا صديقتي فهي هنا لكي تودعني. وكأني سألتها عن سبب وجود صديقة معها! لكني سرعان ما أدركت بأنها عبرت عن نفسها بتلك الطريقة بحكم اللياقة.
كانت الفتاة التي طمأنتني ذات وجه مستدير بعض الشيء، ذات بشرة بيضاء أو ورديه، مكتنز الجسد قليلاً، أي أنها من تلك الأجساد التي كان بمقدورها، في وقتها، إثارت شهيتي الجنسية بسهولة نحوها. كان أكثر ما فيها إثارة هو لا شك فمها الممتلأ وسواد عينيها الواضح.

انتظرنا من جديد، غير أن القطار لم يصل، وكأنه كان يفعل ذلك عمداً، أمّا لكي يحرمني تماماً من إمكانية الوصول إلى دار محمد غرفة، أو لإتاحة الفرصة لمخيلتي حتى تتصور ما لا يمكن لكائن عاقل تخيله. ولئن لحظات أو دقائق الإنتظار قد أخذت بالتمدد كما تشاء وكأنها توحي لمنْ كانوا ينتظرون على رصيف المحطة بمغادرتها. وبالفعل ذلك ما فعلته رفيقة تلك الفتاة، بعد أن همست لصديقتها بما لم يكن بمقدوري لا سماعه ولا فهمه، غادرت مصحوبة بإتسامتها العذبة.

في هذه الأثناء، لم يكف رصيف المترو عن الإزدحام بالناس الذين كانوا يقفون ضجرين ومتبرمين في تلك المحطة الكبيرة، بسبب شدة الحر والتعب من بعد يوم طويل وربما مرهق من العمل. شعور كهذا لم يكن يسيطر عليَّ أنا، إذ كان يكفيني الوقوف إلى جانب تلك الفتاة والتمتع في النظر إلى قامتها الممشوقة، بالرغم من امتلائها النسبي، الذي ذكرته قبل قليل. لكن لم تمر دقيقتين أو ثلاث حتى وجدتُ في نفسي، مرة أخرى لا أدري كيف، نوع من الشجاعة لكي أتقدم منها أكثر وأهمس لها قائلاً :
-يبدو أن القطار سوف لن يأتي قريباً، ربما هناك أضراب أو حادثة ما قد حصلت، ما رأي سيدتي في الخروج سوية والجلوس قليلاً في أحدى المقاهي القريبة ؟
-أجل، أنا أيضاً صرت أفكر بأن ثمة شيء ما غير عادي قد حدث. أنا بودي الخروج من هنا، لكن ليست لدي أية رغبة في الجلوس في مقهى، يروق لي التنزه قليلاً، فإذا كانت هذه هي أيضاً رغبة سيدي، يمكننا الخروج معاً. لن أصف، هنا، نوعية الغبطة التي أمسكت عليَّ وجعلتني أتحول فجأة إلى كائن آخر، أي أنني ببساطة نسيت من أكون، أو ما هو وضعي الاجتماعي. رددت عليها :
-كما تحبين، يا سيدتي، أنا اقترحت الجلوس في المقهى لأني ظننت ربما أنك متعبة قليلاً، لكن إذا كنتِ ترغبين في التنزه، فلا ما نع لدي، بل العكس من ذلك تماماً يروق لي أنا كذلك التنزه. لم أعد أتذكر جيداً إذا ما قلته كان صحيحاً وصادقاً أم شكلاً من أشكال الكذب الذي تعلمته في باريس لكي أبقى مع أحدهم.

وهكذا خرجنا من ذلك المترو ومناخه الخانق، وكذلك التحرر من فكرة الإنتظار مع عدم المعرفة إذا ما كان القطار سيصل أو لا. ما أن صعدنا سلالم المحطة، وجدنا أنفسنا مباشرة بمحاذاة نهر السين، الذي يمتد على طول شارع لا يبدو أن هناك بداية ولا نهاية له. مرت بضعة دقائق قبل أن يوجه أحدنا إلى الآخر الكلام، لكنها كانت من حين إلى آخر تستدير وتنظر في وجهي مبتسمةً، وكذلك كنتُ أفعل أنا بدوري، ربما من غير تلك الإبتسامة التي ترتسم على وجهها وتترك ثغرة فاتنة على خديها. مرَّ من أمامنا رجل كهل أفريقي، يحمل من فوق كتفيه منحوتات خشبية صغيرة من الصنع المحلي، كما يعتقد الناس هنا، منحوتات خشبية افريقية، وكذلك أنواع لا حصر لها من القلائد والحلى. تطلعت تلك الفتاة نحوه بنوع من التعاطف والرحمة. ومن دون أن أتوقع أي شيء، فاجئتني بقولها :
-أنا أسمي كاترين بولاك ، وأنتَ، يا سيدي، ما هو اسمك ؟
-مجيد الخرافي. رددت عليها برقة وحنان بدتا لي في حينها وكأنهما ذروة الكياسة واللطف. لكن، حين أستعيد هذا المشهد نفسه في مخيلتي، أستطيع القول بأني لم أر في كل حياتي من جمالٍ يضارع دهشتها بسماعي وأنا الفظ اسمي. كانت تلك الدهشة جديرة بأحدى بطلات فيتزجرالد، في روايته الشهيرة "غاتسبي العظيم"، الذي كنتُ قد قرأتها حين كنت هناك، في مسقط رأسي.
-كيف تقول، يا سيدي، ما هو اسمك ؟ كررت عليها ثانية وأنا على وشك أطلاق ضحكة تذكر بضحكات جان دمو، بيد أني تحكمت بنفسي، كما يُقال.
-وكيف تكتبه ؟ اخرجت ورقة مدعوكة من جيبي وكتبت عليها اسمي الأول والثاني بالأنكليزية، مع أنه لم يكن من السهل عليَّ كتابة "خرافي" بتلك اللغة.
-وهل أن مجيد هو اسمك الأول و"كرافي" اسم العائلة.؟ صعقني ذلك السؤال. إذ لم يسبق لي التساؤل حتى مع نفسي إذا ما كان "خرافي" اسم عائلتي أو اسم عشيرتي أو، ثالثة، إذا ما كنت أنا من منحني ذلك الاسم. لكن كان علي، في مطلق الأحوال الرد عليها وشرح القضية لها :
-نعم، مجيد هو اسمي الأول أو الشخصي، لكن خرافي هو اسم العشيرة بالأحرى.
-تقول اسم العشيرة ؟ وهل في بلدك ليس هناك من اسماء عائلية ؟
-كلا، يا سيدتي، في بلدي ليس هناك من اسماء عائلية.
-وكيف يمكن للأفراد معرفة انحداراتهم الاجتماعية، إذا لم تحملوا اسم لعائلة واحدة.
شرحت لها، بالشكل الذي كنت قادراً عليه، طبيعة نظام التسميات في بلدي، وكيف أن هذا الأخير يرتكز على تسجيل الأفراد باسمائهم الثلاثية، أي اسم الشخص الأول ثم اسم ابيه وفي الأخير اسم الجد، كذلك بإمكانه إضافة اسم العشيرة أو القبيلة التي ينتمي لها، دون أن أعرف الفارق الحيقيقي، إلى اليوم، ما بين العشيرة والقبيلة. بعد ذلك دار بيننا الحديث أو الثرثرة في دوائر ومجالات وأفلاك عديدة؛ كنا قد سيهنا خلالها بأننا كنا، في الواقع، قد قطعنا مشياً على الأقدام كل ذلك الشارع الطويل، الذي يمتد عليه نهر السين.

نظرت الفتاة إلى ساعتها، ثم بدرَ منها صوت قريب من الصرخة أو التعجب قائلة :
-الساعة تقترب من منتصف الليل، وآخر مترو سيتوقف عن العمل في الساعة الواحدة، علينا ان نستعجل قليلاً.
-أمامنا، إذاً، ساعة تقريباً! ضحكت من ردي برقة، ثم أردفت :
-يبدو أنك تحب المشي يا مجيد ؟
-أجل.
-إذاً دعنا نتمشى على راحتنا، فأنا يخلبني جمال الجو في الليل.
-وأنا كذلك. قلت ذلك بلا أقل تفكير أو إنتباه لنفسي. تمشينا أو تنزهنا في جو ذلك الليل الرقيق. بعد أكثر من ربع ساعة على ذلك التنزه، سألتني :
-هل تعرف يا مجيد جسر الفنانين ؟
-كلا. ضحكت أو أبتسمت ثانية :
-سأريك إياه أذاً، شيء ساحر للغاية.

توجهنا إلى هناك، وبالفعل كان مكاناً فاتناً؛ جسر للمشاة فقط، لا تمر من فوقه أية عربة أو عجلة وهو جسر خشبي تتوسطه المصاطب. جلسنا على واحدة منها، بطريقة جعلتنا غير قريبين من بعضنا ولا بعيدين تماماً، أي أنها لم تجلس في طرف من المصطبة وانا في طرفها الآخر، لكن وكأننا نجلس في وسطها نحن الاثنين :
-أنا أشتغل ممرضة، قالت كاترين بولاك وأنت يا مجيد ماذا تعمل ؟
-أنا لا أعمل حالياً، لكني حينما كنت في بلدي، كنت صحفياً.
-آه، انطلقت من فمها وكأنها تنطلق بالرغم عنها، أو أنها تظن بأن كون المرء صحفياً يشكل شيئاً عظيماً بحد ذاته.

كانت كاترين بولاك ترغب في طرح المزيد من الأسئلة عليَّ، لكني ما أن سمعتها تقول بأنها ممرضة حتى كان اسم حليم الساهدي قد قفز دون مبرر إلى ذهني، بقوة وحضور غريبين، كما لو كانت مهنة كاترين بولاك للتمريض قد جعلتني أحلم أو عثر فعلاً على مصدر أو إمكانية لا تعوض لأخراج حليم الساهدي من "وجومه" أو "كآبته"، التي بدت، حتى تلك اللحظة، وكأن لا أمل أبداً في وضع حداً لها.


حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث