الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
تشكيل المتخيل في رواية "دموع باخوس"/اللعب الروائي وتعدد المحافل السردية
د. محمد المسعودي
تشكيل المتخيل في رواية "دموع باخوس"/اللعب الروائي وتعدد المحافل السردية
غلاف الرواية
*


تعد رواية "دموع باخوس"* للمبدع الكاتب محمد أمنصور من الأعمال الروائية المغربية الجديدة التي اتخذت من الراهن المغربي منطلقا لتشكيل متخيلها السردي، كما اتخذت من التجديد في الكتابة الروائية منطلقا للكتابة السردية. وقد اتخذت "اللعب الروائي" وتعديد محافل السرد وطرائقه سبيلا نحو بناء عوالمها الفنية والتلميح بأبعادها الدلالية والرمزية. ومن هنا ارتأت هذه القراءة أن يكون الحديث عن المحافل السردية المتعددة في رواية "دموع باخوس" وكيفية تشكيلها للمتخيل الروائي ولعبها الفني منطلقا قصد الوقوف عند طرائق بنائها السردي للنص وكيفية خلقها لعوالمه الحكائية.
وإن الناظر في متن الرواية يجد أن الاشتغال السردي كان متعددا، وقد تمت الاستفادة في بناء قسماته الكبرى والصغرى على السواء من لغة الشعر والحكاية الشعبية والأسطورة والحكاية التراثية العربية والرسالة والتقرير والاستجواب الصحفي، كل ذلك في إطار سردي ملتحم وعالم روائي متكامل وبناء محكم. ولقد حرص محمد أمنصور في سياق هذا التجريب الفني على تحقيق شرط التشويق لنصه الروائي، إذ بالإضافة إلى متعة القراءة التي يتيحها النص، ثمة حوافز تشوق القارئ على الاستمرار في تتبع مسارات الحكاية وتشعباتها، منها تعدد محافله السردية وتنوعها، وبراعة السارد في الانتقال بينها بكل سلاسة ويسر مما مكنه من شد اهتمام متلقيه وتحفيزه على متابعة حيوات شخصيات الرواية وما تحفل به من تنوع وغنى، وما تعانيه من حالات وجدانية ونفسية، وما تخوض فيه من أحداث ووقائع.
تبدأ الرواية لعبتها منذ الفصل الأول الذي يضعنا أمام مشروع كتابة رواية كلف بها علاء الزرهوني صديقه أنور. وعبر تقاطعات حكاية الصديقين وحكاية قرية فرطاسة ومدينة زرهون، ومن خلال حكاية الشخصيات الأخرى التي ارتبطت بهما نجد أنفسنا في متاهة الرواية الأولى، غير أن المشروع الذي يقترحه علاء الميت/الحي على صديقه ينقلنا إلى لعبة الرواية الحقيقية. لعبة مطاردة الكتابة وسبل بناء النص وتشكله. ومن هنا تحضر المحافل السردية المشار إليها باعتبارها وثائق تسعف على كتابة الرواية المفترضة التي لم يكملها علاء وسيتكفل أنور بإتمام عمل صاحبها الأصلي، فحسب، ولكن هذه المحافل العديدة تعد في نفس الآن عنصرا جوهريا في تشكيل المتخيل وبناء الدلالات الرمزية للرواية ككل. وهذه المحافل المتنوعة التي يوظفها السارد لبناء عوالمه السردية تتصل بأحداث الرواية ومحاورها الدلالية ولعبتها الفنية. ومن ثم، فإنها تؤدي دورا فاعلا في توتر الأحداث، وانبناء درامية مشاهدها، وامتداد صورها.
إننا أمام محافل من نسغ النص لا يمكن الاستغناء عنها لفهم حكايات الشخصيات جميعا سواء في رواية "دموع باخوس" أو في الرواية المتضمنة بين ثناياها (منزل البهلوان). وهي التي تتيح لنا معرفة إشكال الرواية التخييلي وكنه شخصياتها وحقائقها وأوهامها.
وهذا اللعب الروائي الذي يشكل بناء متخيل النص يوهم بأن ثمة رواية داخل الرواية، بحيث يبدو أن أمنصور قد كتب روايتين في رواية واحدة، ومن هنا قد نتساءل: أين هي الرواية؟ وهل كتبت الرواية فعلا؟ وهل يمكن لكاتب أن يكتب رواية كاتب آخر حتى إن كان صديقا حميما؟
ما يكشف عنه النص الروائي أن الكتابة نيابة عن الآخر أمر مستحيل، ومن ثم عجز أنور عن مهمة إنهاء نص صديقه علاء، غير أن إيراد حكاية إدريس وشيلا وإيميلي، والنتف التي تركها مع هذه الحكاية باعتبارها وثائق سردية تسعف في صياغة الفصل الأخير من رواية (بيت البهلوان)، تعد استراتيجية فنية تُسهم في كتابة رواية أخرى هي رواية "دموع باخوس". وبذلك يمكننا القول إن الرواية قد كتبت مرتين مرة بقلم صاحبها محمد أمنصور، ومرة ثانية بقلم ساردها وبطلها أنور. ولكن تبقى هذه الأخيرة منفتحة على الآتي والمحتمل بدون تكملة أو نهاية. وكأن السارد يؤكد أن المتخيل غير نهائي وأنه منفتح على المجهول والمفترض أبدا. وهذه ميزته العظمى. وهي نفس لعبة الرواية الأصل التي بقيت منفتحة على أبعاد دلالية ورمزية عديدة من خلال نهايتها.
ولعل هذه اللعبة الروائية تذكرنا بألاعيب الروائي الأمريكي "جون بارث" الذي اتخذ من هذه التقنيات السردية وسيلة لتجديد صيغ الكتابة الروائية ليس بغاية التجديد والتجريب، فحسب، وإنما ليجسد معاناة الكتابة ذاتها والتفكير فيها عبر المتخيل، وتحفيز المتلقي على مزيد من توظيف قدراته التخييلية والتأويلية.
في رواية علاء (منزل البهلوان) نجد شخصية إدريس الموظف نسخة أخرى من أنور ومضاعفا له، فهو على شاكلته مرتبط قدريا بباخوس الذي جاءت إيميلي تبحث عنه، أو بالأحرى عن صورته بالألوان لتكمل ما لم تستطع أختها شيلا إنهاءه: إلحاق صورة الإله الروماني ببحثها الجامعي. ولكن إيميلي منحت الشاب إضافة إلى ذلك اللذة والمتعة ومنته بانتشاله من وضعه ومساعدته على الهجرة نحو أمريكا. وحينما ذهبت بعيدا أخلت بوعدها وطلبت منه أن لا يترك بلده. كتبت إليه تقول:" بلدكم جميل يا مستر إدريس ولا يستحق أن تهجره أنت أو غيرك..."(ص.134 من الرواية). واختفت نهائيا من حياته.
وفي رواية "دموع باخوس" نجد أن أنور الموظف في هيئة الآثار يحلم برد الاعتبار لذاته وذلك عبر الانتقام للأب الذي دمر معنويا وقتل أثناء حملة الحكومة على من اتهمتهم بسرقة تمثال باخوس من سكان فرطاسة الفقراء، وهو يحلم أيضا بإعادة تمثال الإله إلى يمين مدخل مدينة "وليلي" تأكيدا لزيف الحملة وتبرئة لأهل القرية. ولكن هذين الحلمين تحولا إلى رغبة إنهاء رواية شرع في كتابتها صديقه علاء. وهي الرواية التي تصور ما كان في الواقع، كما تقف عند الممكن. وهي الرواية التي جاءته روزالي حليم لتسعفه على انهائها. وهي مثلها مثل إيميلي ستمنحه متعة الفكر والحوار، ولذة الجسد ونشوته، كما منحتهما إيميلي إلى إدريس. وبذلك نجد أن روزالي هي صدى لإيميلي، كما أن أنور صدى لإدريس في مشروع علاء الروائي، والعكس. وإذا كانت إيميلي لم تحقق بغيتها وهي الحصول على الصورة الملونة الموعودة بها، فسافرت دونها إلى بلدها، فإن روزالي هي الأخرى لم تحصل على الفصل الأخير من رواية (منزل البهلوان) لأن أنور لم يستطع كتابته وصياغته من خلال الوثائق والمستندات التي مدته بها. ولكن الشخصيتين معا عاشتا لحظات باخوسية بعيدا عن هموم البحث أو الكتابة. واختفتا لتتركا الشابين لأحلامهما التي يتداخل فيها الواقع بالخيال، والهلوسات والتداعيات والاسترجاعات، بحالات من الإحباط وخيبة الأمل.
وتكشف الرواية عن تمكن صاحبها من اللغة السردية وإحاطته بموضوعه المركب والمتعدد والمتنوع. فهذه المحافل الغنية التي ألمحنا إليها، وحاولنا أن نبين دورها في تشكيل المتخيل الروائي لم تكن نشازا في الرواية بحيث تعددت أدوارها ما بين نقل الواقع التاريخي كما تم خلال فترة من فترات تاريخ المغرب المعاصر، وبين اتخاذ سمت المحاكاة الساخرة (الباروديا) لبعض الكتابات التاريخية التراثية : مخطوط يتحدث عن باخوس كتب بخط قرآني، لخلق المفارقة والسخرية، وبين إيراد نصوص شعرية قصد تجسيد حالات من التهويم والارتباط بالمتعالي في أبعاد رمزية باخوسية، وبين إيراد تقارير ونتف من الصحافة بغاية الإخبار أو النقد والاحتجاج. ومن هنا تتنوع لغة الرواية تنوعا كبيرا بحيث يجد القارئ نفسه أمام لغة صحافية وأخرى تحاكي لغة الكتابة التاريخية العربية القديمة ولغة الشعر ولغة السرد الروائي في شكله الحديث، وكما تتداخل هذه العناصر تمتزج اللغة العربية الفصحى بالعامية المغربية وببعض اللغات الأجنبية (الفرنسية والإنجليزية). وجميع هذه الإمكانات الروائية جعلت من رواية "دموع باخوس" عملا روائيا من متقنا فنيا، وهو عمل يحسب للرواية المغربية لا عليها إذ يمكن اعتباره من بين أجود ما كتب في الرواية المغربية خلال بداية الألفية الثالثة.

* محمد أمنصور، دموع باخوس، منشورات الموجة، الرباط، 2010.

د. محمد المسعودي
ناقد واكاديمي من المغرب
messoudimohamed@yahoo.fr

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث