الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
متى تتخلص الرواية الفلسطينية من فلسطينيتها ؟
عبد الحميد عبّود
متى تتخلص الرواية الفلسطينية من فلسطينيتها ؟
لوحة للفنانة الفلسطينية تمام الاكحل
يَهَلْترى ، لماذا بوسع الروايات السورية والعراقية والمصرية والمغربية والتونسية أن تخرج من حدودها الإقليمية ، إلا روايتنا الفلسطينية كُتب عليها ألّا تكون إلّا فلسطينية ؟ لا بد من مضاعفة الارتياب والسؤال، لماذا لا أشبع أنا الفلسطيني من قراءة رواية "موسم الهجرة "و" بابه سارتر "والخبز الحافي" ثم لا أستسيغ روايات أبناء بلدي ؟ أين الخطأ ؟ قد يكون فيَّ أنا ، جائز.
منذ طفولتي تفتحت عيني على رؤية "اللوغوس" الفلسطينية مرسومة على حيطان المخيم ، كانت تلك أول رواية فلسطينية أقراها ، شعارات وشعارات ورسمات بنادق ، وكلمات ، كلمات من كثر تردادها لم يعد لها أي وَقْعٍ في خيالي ، الخطاب الثوري كان يشل تفكيري ، أسمعه فأصاب بالدوار ، كنت دائما أفكرّ على خطٍ متعرج ، أنا فلسطيني من صنف خاص جدا ، لا أطمئن لليقين ولا للتلقين ، لذا لم أقرأ في حياتي إلا روايتين فلسطينيتين " الصبار " والمتشائل" ، لم أهضم غسان كنفاني ، عندي نفور تلقائي من يحيى يخلف ، مع ابراهم نصرالله حاولت ولم يدخل برأسي ، سميرة عزام ، كيف كيف، كنت دائما أشعر ان الأديب الفلسطيني خطيب لا قصاص، على استعداد وطني خصب ، يحكي ولا يروي، بلغة منمطة ، بدرجة عالية من إنكار الخصوصية ، يتصدى للمؤامرات الصغرى والكبرى ولا يخرج على النص ، عن "القضية" ، فالتزامه بها هو حجاب يحجب عنه ذاته ، الغريزة البيولوجية الفلسطينية تحكم وتتحكم بعقله وتفرض عليه ان يكتب من أجل الوطن ، تماما كما كان جدانوف يفرض على أدباء السوفيات أن يكتبوا للطبقة العاملة ، بحجة ان كل ما سواها هو أدب منحرف وبورجوازي ، تريدون أمثلة ؟ حسناً ، افتحوا أي مقالة من مقالات القاص رشاد أبو شاور ، كلها تبدأ ب "القضية" وتنتهي بها ، كلها تدور حول "القضية" ، كلها تدوِّرها "القضية"، مثلا أخر ! محمود درويش ، الشاعر العام ، أبو عمار الشعر ، فمقروئيته الواسعة تكمن في كونه شاعر القضية لا شاعرا وحسب ، وهو نفسه كان يشتكي من هذا الإيتيكيت ، الأدب الفلسطيني كان ولا زال تابعا للسياسي ومتخلفا عنه ، ولا يعدو كونه أسْطَرَةً للواقع (حسب ماركس فالأسطورة هي الشكل الأسمى التي تعبر به الشعوب المقهورة عن نفسها ) أدب يختزل الإنسان الفلسطيني ،غصبا عنه ، إلى مثاله الأعلى ، يحشره حشرا في هوية محدِّدة نهائية ناجزة ومغلقة ، ما يسمى بالرواية الفلسطينية هو في الحقيقة توليفة عجيبة من مشاعر باتيتيكية مع جرعة حماسة مركَّزة مع شوية بداهات خادعة ، وهي في معظم الأحوال رواية معطلة بالقضية التي تدافع عنها ، منكوبة بالنكبة ، منتكسة بالنكسة ، مُحطّمة بالحطام الفلسطيني ، مجروحة بالجُرح الفلسطيني ، وحاوية على معظم كليشهات الفيلم الهندي المسيل للدموع ، مأساتنا ،هويتنا ،جرحنا ، لوعتنا ، شهداؤنا ،كوفيتنا ، أرضنا السليبة ، لكن الإلتزام الأدبي فضيلة عتيقة عفى عنها الزمن ، والتاريخ يشهد ان الأدب الالماني مات في العهد النازي ، قتله هتلر وغوبلز حين لزّماه في شكل بروبوغندا ، كذلك الحال فإن الأدب الروسي انتحر في العهد السوفياتي ،نحره ستالين وعبدُه جدانوف ، انعدمت العبقرية التي أنجبت دستويسفكي وغوغول وتولستوي ، لأنه تم توظيفها لقضية "سامية" ، القضية دائما القضية ، شغلنا الشاغل ، ديننا وديدننا ، أسَرَتْ روايتنا بأسرها في أسرها ، "القضية" قضت على الرواية ، حجمتها إلى رواية "قضية" تسرف في الوطنية وتفتقر للحميمية ، تخاطب فينا حاسة وحيدة ، الحس الوطني ، لا تشجّع على التفكير بقدر ما تردد شعارات ، الرواية الفلسطينية سلبت من الروائيين الفلسطينيين أفضل ما عندهم ، ذواتهم ، وأعطتهم أسوأ ما عندها، طبيعتها اللاذاتية . صحيح أن كل الأمم المعرضة للاحتلال كان فيها كتّاب يمجدون المقاومة ، بول إيلوار وأراغون وغوركي ولوركا وسواه ، إلا أن الأصح منه هو أن تلك الأمم كان فيها أيضا كتّاب من طراز سيلين الخائن ، وسارتر الوجودي ، وباسترناك المنشق في وطنه ، وأخمتوفا الملسوعة بابنها ، حتى أراغون ولوركا كانا يمجِّدان المقاومة مقرونةً بالحب والشذوذ والفردية ، فهل ثمة كاتب فلسطيني يمكنه ان يجهر بما جهرا به قبل سبعين عاما ، معاذ الله ! لا يمكنه حتى ان يضمر به سرا ، مجتمعاتنا الشرقية متخلفة ولا تسمح ، لكن على الرواية أن تكون متقدمة فتسبق المجتمع قليلا ، هذا وقتها ، فالأمور تغيرت بعد شهادة البوعزيزي ، وبعد خروجنا من الجبر إلى الاستطاعة فقد آن أن نُخرج الروايةَ من النمط الواحد إلى الكثرة والتنوع ، من الالتزام الجدانوفي إلى الالتزام الشقي ، الهامشي والعابر والثانوي ، من الريتوريك إلى الديالكتيك ، من بازار الخطابية المشتعلة إلى الحقيقة الصميمية للفرد ، لا أدعي ان عملية الوثوب ستكون سهلة ، فكل بداية صعبة ، وكل جديد غريب ومريب ، الشيء المهم هو ما لم نفعله بعد ، لنمتح من القضية ما يلائم فرديتنا دون نفي القضية ، لنقلب المعادلة ، من رواية القضية إلى قضية الرواية ، الأنانية هي المحرك الأساسي لكل فعل إبداعي ، قد يصدمكم كلامي وهذا جيد ، فالحرية من حسناتها أنها تسمح بالكلام ،من سيئاتها أنها تصدم ، أعرف ان كثيرين سيعتبرونني هرطيقا أو خائنا ، معلش ، "القضية" ليست زوجتي لأتَّهَم بخيانتها، يعتقد الكثيرون، وأنا لست منهم، "أن على الفرد ان ينكر نفسه ليكرسها للجماعة" ، هراء ! الجماعة لا تحتاج لإمعات مرددين ، وقناعتي أنّ الفرد هو أساس الجماعة ، ثم إن الفلسطينيين بشر ككل البشر ، فيهم التعيس والردئ والمعتّر والسالب والتالف وذو المثال الأدنى ، ناهيك عن ان الأدب نكدٌ بابُه الشر فإذا دخل به الخير فسد ، والجيد منه يمكن ان يصدر من الأشقياء وسائسي الخيل والمهربين ، الرواية لا تختار بين معسكري الخير أو الشر لأنها فوقهما ، موضوعها لا ينبغي ان ينحصر بوطن بل بالعالم بوصفه صندوقا للفرجة ، وبالفرد بوصفه القيمة الأسمى في العالم ، الروائي لا يسكن في وطن بل في لغة ، أنا ابن لغة الضاد أولاً وفلسطيني بالصدفة ، لذا لم أتجنس بأي جنسية أخرى بل اتخذت الكتابة وطنا نهائيا ،من خلالها أعبر عن أي شيء يهمني في العالم العربي ، وفي العالم برمته ، حتى لو كانت قضية الاحتباس الحراري في القطب المتجمد الشمالي، وأول رواية كتبتها كانت عن الصحراء ، خلقت فيها أكثر من عشر شخصيات من عشر دول عربية مختلفة من بينهم الصعلوك والشاعر والداعر والحشاش وقلّاع الأسنان والجمّال والمحتال والمهووس الجنسي ، وليس بينهم فلسطيني واحد ،
هذا مغزى مقالتي ، وأملي ، أنا لا أبني أوهاما ولكن تفاؤلي لا عودة عنه ، بدلا من قضية واحدة لنلتزم باثنتين ، ب"القضية" نفسها وبنفسنا ، مُثُلنا العليا الواطية ، لنفتح أفقا لكتابة مغايرة ، روايةً بديلة مطعمة بالنّفَس الفاوستي ، بالهَمْ الفردي ، بالأراء الإشكاليّة ، بتناقضات الكائن وزلاته ، كتابة متمردة بأسلوبها ، إرهابية بلغتها ، لا مانوية بنظرتها،مشاكسة كالحياة التي تنتج الزين والشين ، وكالأرض التي تنبت الورد والشوك ، رواية تتسع لكل أوجاعنا ، الفردية والجمعية طراً ، توجه صفعة لديكتاتورية الذوق العام ، تضع الإنسان في حجمه الطبيعي وإنسانيته ، تهز القناعات واليقينيات ، وتخوض غمار المحرمات، الطابو والمسكوت عنه اللامفكر فيه ، الدين والجنس ، المرأة ، الرغبة ، الايروتيكية، الشهوة ، الكبت ، الحياة الموت الصداقة الجسد ، الحسد النكد ، الغواية،
إنها وجهة نظر ، وأقولها باسم حرية الرأي التي كفلتها صحيفة القدس العربي ، وأشكرها على نشرها ، حتى وإن لم تكن وجهة نظرها بالضرورة

عبد الحميد عبّود
روائي من فلسطين مقيم في باريس
hamabboud@yahoo.fr
تعليقاتكم
1. تنويه من كاتب المقال
عبد الحميد عبود | 27/5/2011 الساعة 21:19
هدا النص كتبته أصلا لصحيفة القدس العربي ولم ينشر فالسيد محرر الصفحة الثقافية فيها لم ينس اني عاملته كببغاء ثورجي بسبب انضمامه للجنة تحكيم البوكرجية وهاهو يمارس جدانوفيته علينا والشكر على اي حال لصحيفة القدس العربي التي لم تنشر المقال ليس لانه لا يتفق مع خطها بل لأن كاتبه لازم يتربى شوية ، والشكر الاكبر لموقع الروائي الدي سمح بالتعبير عن وجهي نظري حتى وإن لم تكن وجهة نظره لهدا اقتضى التنويه س
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث