الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
السرد المؤطر في "نساء العتبات"
د. إبراهيم خليل
السرد المؤطر في "نساء العتبات"
غلاف الرواية


أبرز ما يلفت النظر في رواية هدية حسين الموسومة بنساء العتبات، هو العنوان، فعلى الرغم من أن القارئ محتاج لقراءة عدد غير قليل من صفحات الرواية ليعرف العلاقة بينه وبين الحكاية ، إلا أنّ استكشاف العلاقة بينهما وبين المعنى في الرواية، وتقلباته، وتحولاته، لا يعدو أن يكون من البدائه. ففي القرى، والمدن، على السواء، اعتادت النساء في الأحياء الفقيرة، والشعبية، الجلوس على عتبة أحد البيوت، يقضين الوقت في الحكي وسرد القصص، لكنّ المؤلفة، عن طريق الساردة البطلة، أمل مصطفى، توضح لنا أن لهذه القصص لونا معينا، لأن معظم النساء، إن لم يكن كلهن، يجمعهن الملجأ، وتجمعهنَّ الأحزان، والدليل على ذلك (فطومة) التي فقدت من فقدت في الحرب الأولى، وقد انضمت إليهن بعد تناولهنّ الشاي ذات يوم. فانضمامها إليهن دليل على أنّ باب الانتساب مفتوح لمنْ تعاني.(1) ودليل آخر، هو قول السّاردة عن الأم: " تثرثر بتاريخ طويل من الفقر، والعوز، والحرمان، والموت، وترميه على عتبات البيوت، أو في الأسواق، وربما في حمام النساء، الذي تصر على التردد إليه على الرغم من وجود الحمّام في البيت ". (2) وتتكرر الإشارة إلى العتبات كثيرًا في الرواية، فها هي تتذكر مشاهد الطفولة الغابرة " رأيت عتبة دارنا مزدحمة بالنساء، وأنا طفلة تلوذ بينهن، وتستمع لحكاياتهن، التي تقطر حزنًا، وتذوبُ حسرةً على الرجال الغائبين "(3) وفي موْضع ثان تتذكـّر الأم " أراها وقد حضرت من غيابها، تقترب مني بسرعة عجيبة، وتسحبني من فراشي، وتأخذني إلى هناك، فأجلس معها على العتبات " (4) ولا تفتأ ترى نفسها طفلة: " أجلس على عتبة بيت أمّي الخالي إلا مني ، وأسرد حكايتي على نساء مفترضات يغزلن الحكايات على نوْل أحزانهنّ " وهؤلاء النسْوَة في الغالب " مطلقاتٌ، وأرامل، وباحثات عن رجالهنَّ، يجلسن على عتباتِ البيوت، ويحكين عن حياتهنَّ الفارغة، وعن الحبِّ الضائع. "(5) وعندما تعجب بما ترويه الخادمة - ذات الأصل القروي - من حكايات عن مأساتها، تقول لها الساردة: " لا أملك موهبة الحكي مثلك، يا جمّار، أنت تشبهين نساءَ العتبات " (6) لكنها في نهاية المطاف لا تستطيع التهرب من المصير المكتوب، والمآل المقدر لها في اللوح المحفوظ. فبعد أنْ لحق بها ما لحق، وحاقَ بها ما حاقَ، رأت نفسها، ذات صباح، وهي تحدق في المرآة، وتمعن في رؤية وجهها، ليداهمها شعورُ من فقد شيئا إلى الأبد. " رأيت ملامح امرأة تشبهُ ملامح نساءِ العتبات" (7) ولذا لا تستغربُ أن تعود هي الأخرى إلى العتبات لتخرج الحكايات الموشومة بالندوب من صندوق الرأس ". (8)
العتبات
تقوم الرواية على قصة رئيسة تمثل إطارًا للحوادث، وهي قصة أمل مصطفى، التي تزوجت جبار منصور، أحد ضباط الحرس الجمهوري، على الرغم من أنه يكبرها بنحو ثلاثين عامًا(9)، فهي من سن أحد أولاده. والقصص الصغرى المندمجة في القصة الكبيرة، وهي قصص العتبات. أولاها قصة أو حكاية الأم التي ذهب زوجها في الحرب العراقية الإيرانية ولم يعد، وعاشت بانتظاره(10) دون أن تملّ من الثرثرة بحكاية غيابه، واختفائه، وما تركه ذلك الاختفاء عليها. فقد أضربت عن التزيّن، وعن تغيير الملابس، والاعتناء حتى بنظافة الجسم، فلمنْ يا حَسْرة(11)؟ أما أمل نفسها فقد جاءها الميلاد في غياب الأب، لذا سمّتها (أمل) تعبيرًا عن تفاؤلها بعوْدة الغائب " جاء المخاضُ بكِ في أثناء اشتداد المعارك، كان أبوك قد اختفى قبل أن يعرف بأنني حامل. ولم تكنْ ولادتك عسيرة. لذلك استبشرتُ بكِ خيْرًا . وأينع الأملُ في نفسي. قلت: سيعود مصطفى، ويرى هبة السماء" (12). وتطول حكاية الأمّ، التي توقفَ عمْرها الفعلي عند اللحظة التي اختفى فيها الزوج مصطفى، وغاب، لكنها أخيرًا تفارق الحياة دون عزاءٍ مأساويّ، حتى أن ابنتها أمل، التي كانت قد تزوجت من جبار منصور، وانتقلت للحياة في قصر منيفٍ على طريقة ميسون بنت بحْدَل الكلبي زوج معاوية بن أبي سفيان، لم تشْعر بالحزن لفقدها، ولا بمرارة الفراق: " تحجَّرتْ مشاعري إلى الدرجة التي خامرني فيها إحساسٌ بأنّ كل جزء في بدني ُقدّ من صخر. تحجَّر عبر السنين. كنتُ أتساءل، بينما نعشها على سقف السيارة، ونحن ماضون بها إلى المقبرة: لماذا لا تنفجّر بئر روحي، وتغرقني بالأحزان، مثلما يحدث حين تقد البنات أمهاتهن؟ " (13) وإذا تجاوزنا قصة إيزابيل ألندي " ابنة الحظ " باعتبارها حكاية لا تتعلق أصلا بنساء العتبات، قابلتنا في منتصف الطريق حكاية (جمّار) مع ماجد المرهون، والشيخ كايد، الذي يملك كل شيء: البيوت، والأراضي، والنخيل، وحتى السمك الذي يعيشُ في مياه دجلة، فلا يحقّ لصياد أن يتمتع بسمكة منه إذا راقت للشيخ كايد، أو أحد رجاله(14). والأنكى من ذلك، والأمر، أنه كان يعتزم الزواج من جمّار ابنة الثلاثة عشر عامًا.. مما دفع بالأب إلى الهروب من الجنوب- حيث يعيش - إلى بغداد، وهناك تتصل الحكاية بمزيد من الحلقات(15).
إلى ذلك تظهر حكاية (فطّومة) التي بدا وجودها في الزقاق – بادئ الأمر – وجودا غريبًا، وحين دعتها أم عدنان – إحدى نساء العتبة- ذات يوم، للجلوس معهن، واحتساء الشاي، تبيَّن أنها" امرأة على باب الله" (16) قتل ابنها البكر في معارك شرق البصرة في السنة الأولى لحرب العراق مع إيران، فظفرت بلقب أمّ الشهيد، ثم تهرب ابنها الثاني من الجندية، فاعتقل، وجرت تصفيته، وتسليم جثته لها، وأنعموا عليها هذه المرة بلقب أم الخائن، عوضًا عن لقب أم الشهيد. وعندما قامت بالهجوم على الجنديّ الذي سماها أمّ الخائن، ضربت ضربًا مبرحًا، ولم تصح إلا وهي في أحد المشافي، لتخرج منه، وتكتشف أنهم هدموا بيتها، ومسحوا آثاره بوساطة جرّافة، ولم يكن أمامها من حلٍّ إلا العيش في خَرابَة مع القطط والجرذان والصراصير. (17) تضافُ إلى هذه الحكاية حكاية مالك، والد جمَّار، وهو فلاح من الجنوب، مع مُلكيّة، التي انتهت بزواجهما على الرغم من معارضة كثيرين، لكن الزواج كان قد حدث قبل بدء القصة بزمن طويل، مما يدعو لاعتبار الحكاية ضربًا من الاسترجاع الخارجي الذي يلقي الضوء على حكاية جمَّار ابنة مالك، أو على جزء منها بكلمة أدقّ(18). وثمة قصصٌ أخرى تلتقي تحت إطار الحكاية الكبرى لأمل وجبار، منها حكاية المعلم محمود الذي استطاع التقاط بث إحدى الفضائيات، واعتقل لدى اكتشاف ذلك لمدة تسعة أشهر، نحل فيها، وغدا وزنه قليلا بعد أن كان يزن أكثر من 80 كيلو.. ثم طورد في عمله، ولوحق، بعيد ذلك، مما دعاه لترك الزقاق بصورة نهائية، وإلى الأبد(19).
الذاتي والتاريخي
والواقع أن حكايات العتبة في هذه الرواية كثيرة، والتنبيه عليها جميعًا يتنافي مع مبدأ التركيز، والاختصار في الدراسة، لذا لا بدّ للقارئ أن يلم هو بنفسه بما لم نذكره من حكايات: حكاية صبريّة، وأم عدنان، والملا حمدان..(20)، لكن السؤال هو لماذا لجأت المؤلفة لحشد مثل هذه الحكايات، وإدراجها في إطار الحكاية الكبيرة: حكاية أمل وجبار منصور؟
يبدو من النظر الأول طابع الرواية التاريخي، فهي ترصد مجريات الحرب (2003) يوما بيوم مستعينة بما كانت تبثه المحطات التلفزيونية الفضائية وبعض الوكالات. وهذا المظهر يبدو في رأينا مظهرا خادعا، فالرواية - عن طريق الحكايات التي تجود بها نساء العتبات، وارتباطها العضوي بحكاية جبار منصور وأمل مصطفى، وعلاقة حكايتهما بحكاية جمار وماجد المرهون – تقصي الطابع التاريخي المباشر عن الحكاية، وتضع التاريخ على هامش الذاتي، والشخصي، دون أن يُهمل دوره الفني، فهو يشكل خلفية للحوادث مثلما تشكل الموسيقى التصورية في الأفلام خلفية للمشهد الدرامي.
الراوي المشارك
تعتمد الكاتبة على الراوي المشارك، وهو هنا أمل التي تضطلع بدورين أحدهما تمثيلي، وهو دور السارد، والثاني وظيفي، وهو دور البطلة، الزوجة، التي تدور حولها أكثر الحوادث، وتشير إليها أكثر الضمائر في الرواية، وتكاد تظهر في كلّ مشهد سردي، وفي كل فقرة من حوار، وفي كل استدعاء للماضي، أو سرد لمتواليات زمنية صغيرة، أو كبيرة. زيادة على ذلك هي الشخصية الوحيدة التي يكاد القارئ يعرف عنها كل شيء: الطفولة(21)، الأب الذي غاب في الحرب الأولى(22)، الأم التي انتظرت طويلا بلا طائل، ثم ماتت على نحو فاجع(23).
فالطفولة المحرومة، والفقر، والعوز، وانتظار الأم العبثي لرجل يزعمون أنه على قيد الحياة، دفع بها للقبول بالزواج من جبار منصور الذي يكبرها بثلاثين سنة، فتظنّ- لأول وهلة - أن الحظ قد ابتسم لها. فبيت الفقر، أو الخرابة، بكلمة أدق، تغير فجأة ليغدو قصرًا. وبما أنها تفضل حياة الرخاء على الفقر، والثراء على الكفاف، فقد تشبثت بذلك الزواج، على الرغم من كراهية الأم له، وللزوج جبّار، ممّا كان له أكبر الأثر في موتها العاجل، وهلاكها السابق للأوان: " فقد كان ذلك التشبث سببًا في موت أمي" (24). والنصيب الأكبر من الاسترجاعات السردية الخارجية، والداخلية، على السواء، كانت من نصيب أمل؛ فعن طريق الاسترجاع روت لنا مراحل الحكاية، فأول لقاء جمعها بجبار كان" كنت واقفة تحت مظلة الحافلة في طريقي للجامعة. وكان نثيث المطر ينبئ بأن السماء ستمطر بغزارة. توقفت سيارته بالقرب مني. ونادى باسمي، عارضًا توصيلي، ولأنني أعرفه، فقد لبيت الدعوة بقليل من الارتباك، هي المرة الأولى التي ألبي فيها دعوة رجل، ومنذ ذلك اليوم رحت أغير حساباتي، وأعيد ترتيب أولوياتي. لقد أسرتني هيبته، وشعره الفضي، والنجوم المتلألئة على كتفيه.(25) "
وتنتهي مراسيم الزواج على عجل، وتنتقل للإقامة في القصر الذي لا يبتعد عن ضفة النهر(26) . وتقضي في هذا القصر الذي يلبّى لها فيه جلّ ما تطلب، وتشتهي، وكأنها في دنيا من الأحلام، لا في دنيا الواقع، ثلاثاً من السنين، تحسّ فيها إحساس الأميرة، أو الملكة، التي لا ينقصها إلا أنْ تتوَّج في حفل مهيب(27). لكنّ الرياح لا تجري بما تشتهي السفن. صحيح أنها شعرت بالضجر داخل القصر، لاسيما أن جبار حظر عليها الخروج منه إلا برفقته، ونادرًا ما يتحقق هذا. وأحست لبعض الوقت بأنها كالرهينة فيه، وفي أروقته، وأبهائه، وبين لوحاته، وتحفه(28). وما هي إلا أيام حتى جاءها لاهثا طالبًا منها أن تعد نفسها لمغادرة العاصمة بغداد. ولم يمض إلا وقت قصير حتى وجدت نفسها تغادر المطار متوجهة إلى عمان برفقة الخادمة على أمل أن ينتظرها شاب عراقيّ في المطار اسمه زهير سيتولى تصريف الأمور، فيما يتعلق بالسكن، والإقامة، والمصروف. وداهمها إحساس داخلي بأن ما كانت تتصوره نعيمًا قد آذن نهاره بالمغيب، وأن أياما صعبة بالانتظار، لا سيما وأن تهديدات أمريكا بالحرب تصاعدت وتيرتها في الأيام الأخيرة.
في المكان المعروف باسم تلاع العلي في عمّان تتأجر أمل، وخادمتها جمّار، شقة مفروشة بمبلغ كبير. لكن الأيام تمضي بملل قبل أن تنطلق القذائف باتجاه العاصمة بغداد، وباتجاه البصرة، وأم قصر، والموصل وغيرها من مدن. تتحول الساردة إلى مرويّ لها بأسلوبين: الأول اضطلاع جمار بمهمة الراوي الذي يسلي المروي له، أو عليه، بما يحكيه من حكايات عن الطفولة، والشيخ كايد، وماجد المرهون الذي توفي نتيجة فشل كلوي(29). والأسلوب الثاني الاستعاضة عن الراوي بما تذكرُهُ الفضائيات من أخبار الحرب، بطريقة تذكرنا بالعناوين الصحفية الباهرة. وقد شغلت هذه العناوين، والأخبار، والقصاصات، مساحةً كبيرةً في الرواية، لكنها لم تكن متصلة بل متقطعة، تتخللها حكايات النساء المذكورة عن العتبات: حكاية فطومة، وصبريّة، والمعلم محمود، والملا حمدان، وقصص جمّار عن طفولتها، وعن عشق والديها، وعن ماجد المرهون، وعن غيرها من نساء العتبات. وهذا التقاطع في الحكايات أنقذ الرواية من الوقوع في فخّ السرد التاريخي الخالص ، وأحالها إلى رواية كرواية بنت الحظ لإيزابيل ألندي، أو رواية شعب يوليو لنادين غوردايمر (30) أو صورة دوريان جراي لأوسكار وايلد (31). أي أنها رواية أبطالُها من الناس العاديّين، بل من المهمّشين الذين لا يعترف التاريخ لهم بدور أصلا. فحتى الزوج الذي خدعتْ به أمل لم تتضح شخصيته، فلا هو بالجلاد، ولا هو بالضحية.
عندما سمعها تتلفظ ببعض الكلام السياسي، حذرها قائلا : إنه لا يأمن أن يكون البيت مملوءًا بأجهزة التنصّت السرية، وأجهزة التقاط الصور، والمكالمات(32). وعند سقوط بغداد في 9 إبريل تساءلت أمل، التي انقطعت عنها أخباره بغياب زهير المفاجئ، عن حقيقة جبار منصور، وما الذي جرى له، أهو مختبئ مثلا، أم قتل فيمن قتل، أم هرب مع الهاربين؟ إنه هو الآخر بطل مُهمّش، لا دور له في الأحداث، فعندما يصطرع الكبار، يختفي الصغار من الميدان، ويفقدون دورهم في اللعبة(33).
على أي حال لم يكن ثمة ما يربطها به سوى المصلحة مثلما يقولون(34) فلا مشاعر لديها مما يغلب على المرأة تجاه الزوج عادة، ولا أحاسيس، ولهذا حين تعود إلى بغداد مع جمار لا تفكر حتى في البحث عنه، أو السؤال، فكلّ ما تطمح له هو أن تكرر ما مرت به من حكايات على الأخريات، مجددة بذلك النموذج السابق نساء العتبات.
الوجه الآخر للراوي
من الملاحظ أن الساردة تتخذ في كثير من الأحيان موقف المتردد من الحكم على الأحداث، وهذا ينم عن أن المنظور السردي الذي يراد له أن يعبر عن وجهة النظر غير واضح لذا لا بد من النظر لشخصية جمار الخادمة نظرة أخرى تتجاوز النظر إلى شخصية ثانوية أو حتى شخصية مساندة. فثمة دلائل توحي بأهمية الدور المنوط بها؛ فهي- أولا - فلاحة تنتمي للجنوب، ووالدها مالك فلاح، وقد سماها تسمية لها علاقة بالنخيل الذي له حضوره في حياته اليومية، وهي ضحية من ضحايا الشيخ كايد. وقد عانت كثيرًا حتى بلغت هي وأسرتها بغداد، والتقت بماجد المرهون، وعانت أكثر من حبه، ومن زواج لم يدم طويلا. وعانت الكثير عندما فقدت العديد من أفراد الأسرة، واضطرت للعمل خادمة منزل. أما رأيها بالوقائع فغالبا ما يتصف بالتطرف، أو الاعتدال، لكنه على الدوام يلقي على ما في نفس أمل مصطفى الساردة من هواجس، حتى أنها قالت في أحد المواقف: " حين أخلو إلى نفسي أجد هذه القروية التي لا تفصح ملامحها إلا عن الفقر والأحزان، تعرف من خفايا الأمور أكثر مما تعرف البنت المتعلمة التي تسكنني. "(35)
وتطوّر المجريات الذي يذكر الساردة بحكاية البطل في رواية غادامير شعب يوليو تؤكد لنا أن جمار تمثل على المستوى المجازي، أو الرمزي، الوجه الآخر الخفي لأمل مصطفى، فما لا تستطيع القيام به أو التلفظ تقوم به جمار هذه. فهي – إذا- النصف الآخر لما يعد وجهة نظر الساردة. ولهذا سرعان ما استجابت لدعوتها للعودة إلى العراق بصرف النظر عن مخاطر الطريق.
وإذا نظر إلى الشخصيتين من زاوية التبئير لوحظ أن إحداهما تتمتع بتبئير رئيسي، وهي أمل، والأخرى تتمتع بتبئير ثانوي. وكلتاهما تسترجع وقائع الماضي بدءا بالطفولة ومروا بقصص الحب الأول والزواج وما تلاه. والمصير الذي لقيته كل منها بعد مغادرة بغداد والإقامة في عمان مصير مشترك. وعندما تحاول جمار رواية الحكايات على مسامع أمل كي تنام وتبدد عنها الأرق تغرق الاثنتان في النوم دلالة على وحدة الشعور وتجانس الإحساس.
الرجل المغيّب
مقابل ذلك التكامل السيكولوجي، والوظيفي، لشخصيتي أمل وجمار، ثمة شخصية يفترض أن تكون من الشخوص الفاعلة في الرواية، إلا أنها ظلت هامشية، وكان حظها من التعتيم المُضْمر كبيرًا، فالمرة الوحيدة التي ظهرت فيها شخصية جبار بصورةٍ علنية هي التي عرض فيها على أمل توصيلها بسيارته، وأما ظهوره لاحقاً فقد اقتصر على ما تفضي به الساردة(أمل) عنه. والمَرّة الوحيدة التي استمعنا فيها لصوته غير المباشر هي التي طلب فيها الاستعداد للسفر، والنهي القاطع عن الحديث في السياسة، والتحذير من أن القصر قد لا يخلو من أجهزة تصنت لا يعرف عنها أي شيء. وفيما تجاوز ذلك تظل شخصيته موضع تساؤل الساردة؛ فهي لا تعرف شيئا عن حقيقة الدور الذي يضطلع به، والنجوم المتلألئة على كتفيه، والنياشين على صدره، لا تعرف على أي عمل منحت له، وكذلك تجهل مصيره في أثناء الحرب، وحتى زهير، الذي وعد أن يهتم بهما، اختفى هو الأخر مع بدء الحرب الغاشمة على بغداد. قالت:
- وينك يا زهير؟ فصّ ملح، وذاب.
قلت لها:
- المُشكلة لم تعُد في زهير. يجب أن نتصرَّف.(36)
والزوج الذي اختفى، مثلما اختفى رجال آخرون في حكايات النساء، ليس له من النصر والتجبّر سوى الاسم. أما غرفة الأسلحة في قصره، والتماثيل التي توحي بالأنفة، والكبرياء، والشموخ، فلا تتعدى الافتعال والإدعاء الكاذب. وفي ذلك ما فيه من دلالة تسهم إلى جانب الدلالات الأخرى في توكيد المعنى الذي ترمي إليه الكاتبة عبر المنظور السردي الذي تؤدي فيه الشخصيتان الأنثويتان: أمل وجمار، الدور الرئيس، والأكثر أهمية من أي دور آخر.
النفسي مقابل التسلسلي
وعلى الرغم من أن المؤلفة لا تنفي عن روايتها هذه ما يبدو تاريخيا إلا أن التاريخ فيها يطفو على السطح والنسق الزمني هو الذي يحيل التاريخ فيها إلى مظهر ثانوي. فالسرد التاريخي يتطلب فيما يتطلب أبطالا تاريخيين، مثلما يتطلب نسقا زمنيا مناظرا للحوادث التي يستمدها الروائي من التاريخ. والرواية نساء العتبات لا تعتمد على أبطال تاريخيين، وأما الزمن، فباستثناء يوميات الحرب التي تستغرق ثلاثة أسابيع فقط، امتد ليشمل ماضي الشخصيات البارزة، وماضي الشخصيات الأخرى المساندة ذات الوظائف الثانوية كنساء العتبات والمعلم محمود والملا حمدان وعباس الهايم، وغير ذلك .
أما اتكاء السرد على المونولوج الداخلي والاسترجاع بكثرة، فقد أضفى على الزمن لونا من التداعي النفسي الحر في بعض الأحيان، وهذا يجنب الرواية الوقوع تحت هيمنة النسق التاريخي، فأمل على سبيل المثال لا نعرف من طفولتها الشيء الكثير إلا في نهاية الرواية عندما تتذكر نساء العتبة وهن يستمعن لحكاية الأم عن الرجل الغائب(37) ولا نعرف الكثير عن الحب الأول لجمار وماجد المرهون إلا بعد أن قاربت الشيخوخة وشارفت الرواية على الانتهاء فهي تروي لأمل حكاية الحب في الصغر الذي يشبه النقش في الحجر مثلما يقولون(38). أما ولادة أمل في غياب الأب الذي اختفى في الحرب فيجري تسليط الضوء عليها بعد زمن طويل من زواجها بجبار منصور ورحيلها إلى عمان(39) أما المشهد الذي يحذر فيه جبار زوجته من الحديث في السياسة زاعما أن المنزل قد لا يخلو من أجهزة التقاط فقد ذكر على هيئة استرجاع بعيد المدى وهي في عمان تتابع بداية الحرب(40) والحدث الأهم في حياة أمل وهو وفاة الأم قهرا بعد اقترانها بجبار جرت استعادته بعد زمن(41) من مغادرتها بغداد. والشيء نفسه ينطبق على دعوة الخطيبة لعشاء في المطعم الإيطالي بفندق المنصور ميليا(42). وهذه أمثلة قليلة من كثير طغى عليه الاسترجاع والمونولوج الداخلي، يضاف إلى ذلك أن قصص نساء العتبات، وحكاياتهن، رويت باعتبارها مقاطع استرجاعية تضيء ماضي الشخوص. وعلى المستوى النحوي يلجأ السرد التاريخي عادة لرواية الحوادث بعد وقوعها بأجل طويل لكن الحوادث هنا رويت في الوقت نفسه الذي تقع فيه المجريات، لذا لا نعجب إذا وجدنا المؤلفة تلجأ لاستعمال ما يعرف بالحاضر أو المضارع التخييلي عوضا عن الفعل الماضي، وذلك كثير في الرواية نكتفي بالمثال الآتي منه للبيان: " ها أنا أكشف الكثير من معالم المدينة. أعشق قلبها – وسط البلد- إنه مزيج من الماضي والحاضر...أزج نفسي داخل الضجيج لأهرب من صمت عاشرني حتى صار جزءا مني..اشعر بحاجتي لضياع من نوع آخر. " (43) وفي موضع آخر تروي على لسان أمل " اشعر ببرودة أصابع قدمي وبوجع خفيف في ظهري. أغمض عيني.. فتهطل عليّ صور الماضي..تتداخل.. تصطرع.. تجيء أمي .. تلملم أغراضها وتستعجلني .. الجيش الشعبي!! " (44)
ومن اللافت للنظر أنَّ ما في الرواية من استرجاع، وما فيها من سرد باستعمال الحاضر التخييلي، يعمق الإحساس بأن الرواية تلقي بالضوء كاشفًا على العالم الخفيّ النفسي لشخصية أمل تارة، وشخصية الخادمة تارة أخرى. وهذا شيءٌ قد يهتم به كاتب الرواية التاريخية، لكنّه اهتمامٌ محدودٌ، مقارنة باهتمامه بالحوادث، وبالزمن التاريخي، على عكس الرواية غير التاريخية التي ُتعْنى بالشخصية، وعالمها السيكولوجي، أكثر من عنايتها بالحوادث، التي يؤدي فيها الأبطال التاريخيون دورًا هو الأبرز، والأهمّ، من أيّ دور آخر. من هنا جاء تأكيدنا على الجانب الواقعي في الرواية، ذلك الجانب الذي يغلب على التاريخي، ويتجاوزه، مع أن التاريخيّ يمثل الإطار الذي يحتضنُ الحكاية الكبرى، وما يتخللها من حكايات صُغْرى لنساء العتبات.

الهوامش:
1. هدية حسين: نساء العتبات، فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، ط1ن 210 ص 81
2. نساء العتبات ص 98
3. نساء العتبات ص 125
4. نساء العتبات ص 171
5. نساء العتبات ص 162
6. نساء العتبات ص 164
7. نساء العتبات ص 110
8. نساء العتبات ص 196
9. نساء العتبات ص 12 وانظر= ص 20
10. نساء العتبات ص 19
11. نساء العتبات ص 97
12. نساء العتبات ص 126
13. نساء العتبات ص 107
14. نساء العتبات ص 143
15. نساء العتبات ص 54-60 يُذكر أن حكاية جمار تمثل حكاية موازية لحكاية أمل مصطفى ولا تنتهي إلا بنهاية الرواية، انظر= ص201
16. نساء العتبات ص 80
17. نساء العتبات ص 81-83
18. نساء العتبات ص 141
19. نساء العتبات ص 46-47
20. انظر ص 162 و ص165 و ص175
21. نساء العتبات ص 186
22. نساء العتبات ص 19
23. نساء العتبات ص 99
24. نساء العتبات ص 20
25. نساء العتبات ص 22
26. نساء العتبات ص 25
27. نساء العتبات ص 108
28. نساء العتبات ص 34-35
29. نساء العتبات ص 111
30. نساء العتبات ص 75
31. نساء العتبات ص 160
32. نساء العتبات ص 149
33. نساء العتبات ص 195
34. نساء العتبات ص 147
35. نساء العتبات ص 48
36. نساء العتبات ص 158
37. نساء العتبات ص 186
38. نساء العتبات ص 144
39. نساء العتبات ص 126
40. نساء العتبات ص 117
41. نساء العتبات ص 100
42. نساء العتبات ص 101
43. نساء العتبات ص 39
44. نساء العتبات ص 77 وانظر = ص 97 وانظر= ص 130وانظر= ص 136

د. إبراهيم خليل
ناقد وأكاديمي من الأردن مقيم مؤقتاً في السعودية
ibrahim_ju2004@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث