السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
بطاقة دخول الى حفلة المشاهير/دليل عمل الروائي
محمد رشيد السعيدي
بطاقة دخول الى حفلة المشاهير/دليل عمل الروائي
غلاف الكتاب

ثمة كتب لا ترغب، وأنت تقرؤوها بأن تنتهي، فتتعمد الابطاء في القراءة. أو تضعها على رفّ المكتبة الأقرب الى يدك لتعيد قراءتها، أو لتستعين بها، وأنت تكتب، على تذكر شيء. كتاب (علي بدر)، الروائي العراقي: (بطاقة دخول الى حفلة المشاهير) من ذلك النوع من الكتب.
وهو، أيضا، بمثابة خريطة قراءة، فثمة دائما ما هو مجهول أو بعيد عن النظر في جغرافية الانتاج الورقي، بسبب التوزيع. وهذا الكتاب، أيضا، صورة معبرة عن قراءات علي بدر، وجزء من ينابيعه المعرفية.
يضم هذا الكتاب مجموعة كبيرة من المقالات/ القراءت، غير المفهرسة في بدايته أو نهايته، لعدد كبير من الروائيين والمفكرين وصناع المعرفة، خاصة في العصر الحديث. مكتوبة بطريقة معهودة في بعض روايات (علي بدر) وخاصة (صخب ونساء وكاتب مغمور)، و (حارس التبغ)، هي طريقة المقالات غير المنضبطة بقالب، فيها القصيرة والطويلة والمتوسطة، ولا تبدأ تلك المقالات من (رأس الصفحة)، تجاوزا على نمط الكتابة المعروف والشائع. كما أنها ليست دراسات نقدية، ولا عروض كتب. لكنها مكتوبة بطريقة سينمائية، بالمشاهد أو اللقطات، تعبيرا عن الفحوى الدالة على استيعابه، قارئا، للأفكار والكتب والروايات التي تحدث عنها، وعن متابعته الدقيقة للأصول المعرفية لبعضها، واطلاعه، ووضعه، عناوين النتاج المطبوع، حتى إن كان غير مترجم، للأسماء التي تعرض لها.
لم يتبع أي مخطط كتابي، ولم يعتمد أي منهج زمني أو موضوعي أو حتى مناطقي. بل استعان بالنمط الأقرب له، النمط السيد في النتاج الأدبي المعاصر (الرواية)، عائدا الى الحفلة التي أقامها الروائي الفرنسي (فلوبير) في روايته الشهيرة (مدام بوفاري) لبطلته (ايما). تصور (علي بدر)، أو صور تلك الحفلة مثل حفلات المشاهير من الفنانين، حيث يلتقون تحت أضواء التصوير وكاميرات النقل الفضائي المباشر. فجعل حفلة فلوبير كهذه الحفلة، ليستعرض كبار الروائيين وبعض المفكرين، ليستعرض جمالهم الداخلي، لا ملابسهم وربطات أعناقهم، متحدثا عن أعمالهم وعن أفكارهم.
قد يكون مهما البحث عن سبب كتابة هذا الكتاب، أو التكهن به: فهو ليس استعراضا (قراءاتيا)، كما انه يبتعد عن فخ النقد الأدبي، ولم يكن عرضا للكتب أيضا. لذا فهو، بالاضافة الى كونه خريطة قراءة، دليل عمل للروائي. كيف يقرأ وماذا يقرأ. سرد مفصل بالروايات والروائيين الذين غيروا وجه العالم روائيا، بتفصيلات دقيقة، تتعلق بحيواتهم وقراءاتهم وأفكارهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية. هي اذن دليل قراءة ومنهج عمل لمن يريد أن يدخل مسرح الكتابة الروائية. يقول له (علي بدر): ادخل هكذا مسلحا بالارث الروائي والثقافي الأهم، منذ أولى الاهتمامات، حين" كنت جنديا في الموضع وأنا أقرأ هذه الأبيات في ديوان هاينه"/ ص188.
يرتبط كتاب الروائي علي بدر (بطاقة دخول الى حفلة المشاهير) وكتاب محمد خضير (السرد والكتاب) بأكثر من علاقة، الأولى انتماء الكاتبين الى مدرسة الكتابة السردية (القصة والرواية)، والثانية تمثيل كتابيهما لسيرتهما الذاتية للكتابة والقراءة. فأصبح كتاب كل منهما بمثابة مفتاح عالم ما قبل الكتابة، ومعرفة ينابيعها ومجاري جداولها.
فحين كان محمد خضير، في كتابه (السرد والكتاب) كوزموبوليتانيا بامتياز، فان علي بدر في كتابه (بطاقة دخول الى حفلة المشاهير) فرانكفوني بوضوح، وربما يرتبط ذلك بفردانية وتعدد سبل القراءة لغويا. وكان علي بدر يوضح انتمائه الى "نظرية ما بعد الكولونيالية"، بشرحه لمفاهيمها وتتبعه للأعمال المحسوبة عليها: "وقد فارقت أعمال الروائية الفرنسية بول كونستان الحائزة على جائزة الغونكور الرواية الفرنسية: رواية المستعمرات، أو روايات القدم السوداء، لتلتحق بروايات نقد الخطاب الكولنيالي، وربما تعد أعمالها المدخل التطبيقي الخصب لنظرية ما بعد الكولنيالية"/ 202.
وفي نفس المسار، مسار ما بعد الكولونيالية، وارتباطا برواية (علي بدر) (مصابيح أورشليم)، يأخذ (ادوارد سعيد) مساحة واسعة من الاهتمام، حيث: "تحولت منهجيته الى باعث نحو تيار ثقافي جديد هو الدراسات ما بعد الكولنيالية"/ 30. ولأن (ادوارد سعيد): "انخرط طوال حياته في ممارسة نقدية شاملة لسرديات المنتصر وحكاياته التخييلية، وقد كشف على نحو غير مسبوق ضروب الاستبدال والازاحة التي تقوم بها الاستعارات الثقافية من أجل اذلال الخصم وتحطيمه، لقد كشف عن اغواءات النصوص المفبركة للهوية والذاكرة وطابعهما الهدام الذي يقوم على اسكات، واخراس التاريخ، وذاكرة الآخر"/29.
وحين يتحدث (علي بدر) عن (اورخان باموك)، الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2006، فانه يتطرق لاهتمام (باموك) في رواية (ثلج) بـ: "موضوعه الأثير وهو رسم العاصفة الحقيقية التي تعصف بتركيا، من قوى متصارعة على احتكار المعنى بين الغربنة والتقليد، بين التراث والمعاصرة، بين الدولة العلمانية والعودة الى الامبراطورية العثمانية"/242. وهو نفس الموضوع الذي كان ثيمة رواية علي بدر (الوليمة العارية)، وهو ليس تقليدا، ولا تأثرا من باب التناص، لكنه اهتمام الروائي، شاعر العصر الحديث، والمتحدث بلسان قبيلته (دولته)، والمعبر عن حراكها الاجتماعي. وهو إدراك للموضوع الأهم المتحكم بتطور وتبدل الأنظمة الاجتماعية والسياسية في العراق المشترك مع تركيا بمشتركات متعددة أقربها وقوعه تحت سيطرتها بعنوان الدولة العثمانية (الخلافة الاسلامية).
وإن كان في ذاكرة الكاتب رابط بين كل هذه الشخصيات التي تحدث عنها، فثمة أسباب لدعوة أولئك الذين حضروا حفلة (ايما بوفاري)، فكان أولهم (جان بول سارتر) الذي كتب عن فلوبير كتاب (معتوه العائلة)، ويتسلسل علي بدر ليبين كيفية دخول الثقافة العربية الى عالم سارتر، احالة الى رواية الأول الشهيرة (بابا سارتر). ثم تصبح: "الصورة الأخيرة لجان بول سارتر في الثقافة العربية، هو ما رواه ادوارد سعيد عن اللقاء الذي تم بين المثقفين العرب والاسرائيليين في شقة ميشال فوكو"/ 25، جسرا الى علاقة جاك دريدا بادوارد سعيد. ثم يعود الى الحفلة ليشاهد الجمهور يتزاحم على دوقة الموت (اغاثا كريستي)، معرفا برواياتها وزواجها من عالم الآثار ماكس مالوان الذي اصطحبها الى بغداد ليتعرف عليها جبرا ابراهيم جبرا ولتكتب روايتها: "موعد في بغداد... عن جريمة في شارع المصارف المحاذي لشارع النهر في بغداد"/34.
ويمر (علي بدر) بـ (باسكال كينيار) وكتابه (الظلال الهاربة)، والذي كان: "كتابا هائلا سحرني بلغته وأفكاره، فأنهيت قراءته بيوم واحد"/ 38. ويتوقف طويلا عند (أبولنير) الشاعر الملعون، شاعر النساء. ولا ينسى رامبو، الشاعر الجوال بحذاء مثقوب، المتحول الى تاجر يحمل ثمانية كيلوات من الذهب، ويصرخ ما أتعسني.
ولا ينسى، المنسيَّ لنصف قرن، بول ريكور، منشد الفلاسفة وحامل الصليب الوردي، الذي: "كانت أفكاره عن الهوية مثيرة وملفتة للانتباه"/ 86، و المفكر الأخلاقي الضروري مثل الفريده يلينك الضرورية بخرقها للأخلاق الرسمية، الروائية النمساوية من أصل تشيكي الحائزة على جائزة نوبل والتي عدت خائنة لامتها ذات التاريخ النازي بنقمها على مجتمعها الذي يدفع نحو أوحال السياسة والبورنوغرافية والسقوط"/ 88.
توضح السياسة القرائية لـ (علي بدر) أن تسلقه القمم الشعرية يوازي تمدده على الجزر الروائية، واحتكاكه بالمثابات الفكرية العظيمة مثل سيغموند فرويد: "لم يكن فرويد نقطة فاصلة في تاريخ العلوم الانسانية فقط، أو نقطة فاصلة في تاريخ الطب النفسي حسب، أو نقطة فاصلة في تاريخ الثقافة وكفى، انما هو المادة المتخللة في كل بحث، وفي كل رؤيا، وفي كل ميدان، وهو المثل النادر في كل مقاربة أدبية أو علمية، وهو المثل البارز في كل مقالة أو دراسة أو حديث، ذلك لأن العلم ولأول مرة في التاريخ خرج من سجن العيادة الى الشارع"/ 143. وهو إذ يحلل كلود سيمون وجان ماري لوكليزيو وفرانسواز ساغان وخورخة لويس بورخيس، القائل: "كل شيء موجود سابقا، كل القصص ثمة من رواها من زمان، وإن فن تأليف الحكايات يقوم على إعادة تركيبها وروايتها من جديد"/ 160. فانه يرصد تقدم أعمال (آسيا جبار) الروائية الجزائرية الكاتبة بالفرنسية والمعبرة عن النوازع اللاتاريخية للقوة الامبراطورية العالمية وأثرها على المجتمعات ما بعد الكولنيالية. وحين لا ينسى سولجسنتين القائل: "الحياة قيمة لا يعادلها معيار"/164، فانه يمر بكامو العدمي الذي فضل التمرد على الثورية، ويتطرق لأدب الكتاب البوهيميين: "هنري ميللر الوحيد الذي له قيمة من بين الكتاب الناطقين بالانكليزية، وهو كاتب لا أخلاقي، حسب رأي جورج اوريل صاحب رواية (العالم سنة 1984). ويعرج على "أدب الهامش والخروج على الأنماط السائدة وقصائد الاحتجاج الاجتماعي" عند كاتب المهمشين تشارلز بوكوفسكي. وعلى النسوية متمثلة بـ (سيمون دي بوفوار) المرأة الأشهر في القرن العشرين. ويطوف بسوداوية ت. س. اليوت الصارخ: "جئتكم من العقم العاطفي الى الأرض الخراب"/167. لينتقل الى وسط آسيا معرفا بأشهر كتابها القرغيزي جنكيز ايتماتوف صاحب أجمل قصة حب في العالم (جميلة).
ولا يمكن للخيال العظيم، والفن الأصيل أن لا يتعرف بمولانا جلال الدين الرومي، الذي نطوف العالم معه لكي نحصل على: "اختزال لا يحضر ألا في لغة بسيطة، جزئية، لكنها أشارية ومرمزة، لغة خداعة جوهرية وقلقة، لكنها مختزلة في صورة، تعبر هذه الصورة عن تكرار الفكرة، الفكرة التي لا تحضر إلا عند الوجد والتلاشي"/ 309. القريبة من: "أنا أعتمد على اللغة التصويرية، وأفيد من كل اللغات التي أعرفها، وأحاول أن أرسم العنف والانكسار والانسحاق الانساني عبر الرواية التصويرية، والتي هي شكل من أشكال التعبير السينمائي ولكن بالكلمات"/ 252. هذا الكلام الذي ينقله علي بدر عن عتيق رحيمي، الروائي الأفغاني، والذي ينطبق، الى حد كبير، على كتابات علي بدر الروائية.

محمد رشيد السعيدي
كاتب من العراق
safir_alsalam@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث