الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أسياد بلا جياد/فصول من رواية
مصطفى سعيد
أسياد بلا جياد/فصول من رواية
غلاف الطبعة الثانية


الفصل الأول*

دغدغ وجنتي انبثاقُ الشمس الخجولة تخفي نفسَها خلفَ الغيوم تارةً, وتظهرُ في كبدِ السماءِ الشاحبةِ تارةً أخرى, كأنّ شيئاً لم يكنْ, ينكبُّ شعاعُها الخافتُ مثل آمالنا, من ستارةِ بيتنا القديمة, مزركشة بألوان غير متجانسة، كأحلامي تلك الليلة.كابرت على نفسها, لتكسو النافذة ككسوة عروسٍ ثكلى بثياب سوداءَ بالية, قلبُها حزينٌ, لكنْ, مَنْ يرَها يحسبْ تطايرَها معَ هباتِ النسيم مِنْ هول فرحها.
فتحتُ عيني وأنا أخدعُ نفسي, بأنّ النومَ لا يزالُ يطرحُ جسدي, وسواسٌ ثائرٌ ينتابني من ملائكة الحنين كأني بحاجةٍ إلى نومٍ سرمديّ, لا أستيقظ منه إلا فوقَ ترابِ قريتي. نبضاتُ قلبي تلعنني, تدقُّ في شغفٍ كقرع طبول قبائل سوبارتو, حزينةً لا تريدُ تركَ جثتي التي رافقتها عدداً من السنين, لتزيدَ من خفقانها وترسمَ ألوانَ لومِها لعدم يقظتي وطردِ الضيف الثقيل عني.
بينَ حيرتي ولوعتي, قررتُ أنْ أكونَ رسولَ خيرٍ بينها وأظلّ ممدداً في فراشي الملطخ بأحرفٍ متناثرةٍ مبلولةٍ بماء الأسى, علني أرضي في أسوأ احتمالٍ حواسي.
أطلقتُ العنانَ لناظري, تأملتُ الغرفة الحزينة التي لم أعهدِ الاستيقاظَ فيها, أصبحتُ أرتادُها وأنامُ فيها قبلَ رحيلي, لأختصرَ رحلتي عندَ احتضاري, لأنَ الجثمانَ يُوضعُ في أكبر غرفِ البيتِ عندَ النحيب عليه, أملاً في أنْ أجدَ نفسي مقتاداً لقريتي, جثةً هامدة, كهلاً, عاجزاً, شجرةً, صخرةً, لا فرقَ عندي, المهمُّ أنْ أكونَ في مهدي ولحدي.. وأنْ أدفنَ بينَ عظام أجدادي.
تسلل طيفُ جَدي إلى ساحةِ نزالٍ بينَ أفكاري و ذكرياتي.. بعدَ نصرة الذكرى سبقتها دمعةٌ صامتة خرجتْ من طرفِ جفني, شقتْ طريقها إلى ما وراء أذني، كأسيرة كانتْ ولم تصدقْ أنه فُكّ أسرُها بهذه السهولةِ والرجولة, فالأسيرُ بجسدِه يأتي يومٌ, تُعطى له مفاتيحُ أغلالهِ ويساقُ لِمَنْ يبت بحالهِ, أمّا أسيرُ الروحِ مثلي فيظلُّ مكبلاً إلى أنْ يشرقَ نورُ الحريةِ القريبةِ البعيدة. حتى تقاسيمُ وجهي استغربتْ قدومَ طيفِ تلك الدموع السابحة والهاربةِ من شبح السّفر. فبحسب العاداتِ الشرقيةِ البائسة, فإنّ الدموعَ لا تذرفُ من الرجال، صنعتْ لتذرفها النساءُ على الرجال.
تذكرته عندما كانَ يبحثُ بينَ حباتِ العنبِ التي أكلتْ منها الطيورُ وأحدثتْ فجوةً فيها وتمايلتْ لذبولها, كانَ يبحثُ عن تلك الحباتِ, يلتقطها, يأكلها بنهم ٍ,كأنّ أحداً سوف ينتزعُها منه, ويقطف لأحفادِه أشجعَ وأكبرَ عنقودٍ في القرية, قد فاحتْ بعضٌ من صفاتِه, كما تفوحُ رائحة النعجة المختنقة, إنّ البخلَ من خصالِهِ, يحرسُ الكرمَ من شدّةِ حرصِهِ, لكنْ ما أذكرُه أنه لم يبعْ في يومٍ من الأيام حبةَ عنبٍ لأحدٍ, بل كانَ كثيرَ السخاءِ معَ الكلِّ بغيرِ حدود.
أشعلتْ فيّ لهيباً تلك الحادثةُ التي جرتْ عندما أقبلَ على داليةٍ كانتْ قد هُشمتْ وتناثرتْ عناقيدُ العنب على طولِ الطريق وعرضِهِ, ينظرُ إليها بحزنٍ معَ عقدةِ التبرّم في خارطةِ وجههِ, ويقولُ: وهل طلبَ مني أحدُهم يوماً ما اشتهتْ نفسُه أنْ تقطفَ وتأكلَ, أو يأخذَ منها ما يطيبُ له ومُنعتْ عنه؟ إنّ كرمَ العنبِ يكفي القرية والقرى الباقية ويفيضُ, لكنّ ما يحزُّ في نفسي السرقةُ في الجهر لينالوا مبتغاهم دونَ ذرفِ قطرةِ عرقٍ. أدركتُ بعدئذٍ أنّ جَدي سريالي, فيلسوف من المدرسة الفطرية,يبحثُ عن اليقين في أصغر الأشياء, يريدُ أنْ يعبرَ عن آرائِه بقدر ما يستطيعُ, لو عاشَ لعلِمَ أنه أخطأ عندَما ظنَّ أننا سنبقى على تلك البركة, ليتنا بقينا, وويحنا إنْ لمْ نعدْ ونبقَى.
كانَ -رحمه الله - يملكُ ما فقدناه نحن: القناعة, العطاءَ في محلهِ ومكانهِ. بساطته غلبتْ عليه, لم يكنْ يدري أننا نعيشُ وسط أناسٍ حسب المقولة: مثل الديوك تعتقدُ بأنّ الشمسَ لم تشرقْ إلا لتسمعَ صياحَها, ونحن مَنْ أصابتنا الرجفة من صياح الديك, بعدَما كنا نصطادُ الذئابَ بأيدينا ونقتلعُ رأسَ الأفعى بأسناننا. تحولَ الصياحُ بين ليلةٍ وضحاها إلى تنين ٍيملأ بهيجانه أرجاءَ المعمورة، كما في الأساطير اليابانية, لأننا نحن مَنْ صنعناه وألبسناه ذاك الثوبَ, صرنا نسجدُ له, مؤمنين كلَّ الإيمانِ بقوّتِه التي اكتسبها من خوفِنا وجبننا, بأنه يخرجُ النارَ من فمِهِ ليحرقَ قرانا وأرضنا, التي أصلاً لم يبقَ فيها شيءٌ يحزنُ على زوالِه. تكلمْ وثرثرْ على الربِ, ولا تقربْ من خيال التنين.
لم نعدْ نجابه ولا نقوى إلا على أنفسِنا, تناثرتْ بركة جَدي أمامَ رياح الشحّ, صارَ لا همّ لنا إلا أنْ نصعدَ على أكتافِ بعضِنا, نشي بهذا وذاكَ, حسدٌ قاتلٌ حديثُ الولادةِ بيننا وفسادٌ استفحلَ , صارَ يرقدُ على وسائدِنا بعدَما كنا نسمعُ في الماضي عن رجالِ الدولةِ, لم يكونوا ليجرؤوا أنْ يلامسَ لسانَ أبنائِهم طعامٌ وشرابٌ ابتاعوه بمالٍ متسخ, مدُّ اليد صارَ عادة, اشتهرنا بها من دمشقَ إلى قرطبة, يضربُ بضمائرنا عرضَ الحائطِ, لنبيعَ شبابنا وكياننا من أجل حفنةٍ من دراهمَ لا تدومُ, بل تديمُ الفجوة بيننا, تطفئ الدمعَ الذي كانَ ينهمرُ من داخلِنا على ماضي الأجدادِ الذي لسنا جديرين بهِ, لا يدركونَ البعدَ الذي ترسُمه أيدٍ خفيةٌ , ليكونَ كلُّ الشعبِ مخطِئاً, ولكي لا يتعالى أحدُهم و يطلب الصلاحَ, حتى يغرسوا في عينيه ما بَلع من فتات يوماً, وتُطبّقَ كلُّ قوانين الأرضِ على رأسِه. والتنينُ يتفرّجُ, يضحكُ علينا, يعتبرنا قد خنّا القريبَ منا , ولن يستطيعَ أنْ يثقَ بنا, مثلُ الخائنِ الذي قالَ عنه (نابليون بونابرت): سرقَ المالَ من أبيه ليعطيَه بيدِه للسارقِ, فلا السارقُ يشكرُه, ولا الأبُ يغفرُ له ما اقترفتْ يداه.
مِن فعلِ أيدينا صنعْنا الهمّ, وابتلعنا العلقمَ كسيفٍ وصلَ إلى أسفلِ ظهرِنا، والهمُّ لم يتجرعْ منا, حكمنا على أنفسِنا بأنْ نكونَ بمعزلٍ عن الناجحين, أقنعنا أنفسَنا بأنّ أناملنا لا تصلحُ إلا لقطافِ الزيتونِ, وحمل لفافة التبغ، أو لسرقةِ الفتات, وأنّ الأناملَ التي رسمتْ لوحة عبادِ الشمس, نحتتْ تمثالَ موسى, ووضعتْ أحجارَ سور الصّين، هي أناملُ أناسٍ من عالمٍ آخرَ , والعقولُ التي درست الطبَّ والكيمياءَ وصنعت الثوراتِ وحركاتِ التحرر والانفتاح هي عقولٌ مستوردة, سجنا أنفسَنا في سجنِ التحسّرِ دونَ سجّانٍ, وأنّ الأوانَ قد فاتنا , وابتلعنا المفتاحُ لكي لا نرى نورَ الشّمس الساطعةِ التي تصبُّ العرقَ على جباهِ الأحرار, شُلتْ أيدينا, صارتْ هشةً, كالبركةِ الصادقةِ التي كانتْ تجمعُنا, صارتْ عاجزة عن حفر كوةٍ صغيرةٍ لينبثقَ منها شعاعُ نورٍ ضئيل على مسرحِ حياتِنا, وخرجْنا من ديارنا بكلماتِنا, ليسَ من بابٍ مفتوح أمامَنا إلا الهروبُ والهجرة.. هو الحلُّ الذي سينجينا من لهيبِ التنين الزائفِ, وأنّ الترابَ الذي نعيشُ عليهِ لا ينبتُ فيه الأبطالُ.
كنتُ أظنُّ خطأًً في بدايةِ أيام شبابي أنّ الطاقة التي بداخلي قادرةٌ على أنْ تهدَّ جداراً وتثني كومةً من الحديد، معتقداً أني سأعملُ دونَ يأسٍ لأخدمَ وطني الذي حناني له يغطي كلَّ بقاع الأرض, ولن تلهيني لقمةُ العيش عن أهدافي السامية, لكن, حدثَ عكسُ ما أريدُ, فابتعدتُ كلَّ البعد عن كلّ ما يصادفُ طريقي, لأنّ ما سأفعله ليسَ إلا صلواتٍ وثنية لا تلقى عندَ الإلهِ أيَّ حسناتٍ, ليذكرني بأني كرديٌّ, مسلوبٌ من أدنى حقوقي، سببُها حرقة كانتْ تلدغُ كبدي من أحوالِ الكردِ, تناثرُهم مثلُ غبار الطلع في الهواء, حدثَ ما يُسمّى في الفلسفةِ ردة الفعل العكسية, ونمتْ بذرة الأجداد بي, سقاها ماءُ أفعالهم وكلامهم. لا يهمني الشعارُ الثلاثي, فأنا أريدُ أنْ أشعرَ بحريتي من ذاتي, وعالم القمع لطالما ستسعى البشرية لاقتلاعِه, لأنها الطبيعة الإنسانية.
لكنها طامةٌ كبرى, إنْ شعرتُ أنّ المعظمَ صارَ يستنكرُ وجودَك, لتصبحَ محارباً دونَ أنْ تشعرَ-حتى من أقربِ الناس منكَ, ليقحموا في رأسِك أنّ الهجرة مكتوبةٌ على جبينكَ من أوّلِ يوم وطِئْتَ به هذه الدنيا, لتكونَ غريباً في الغربةِ، وغريباً في وطنكَ، وغريباً حتى في قبرك ومماتك.
شعورٌ زائفٌ ملكته عندَما كنتُ أرى (خضر) قادماً إلى المدرسة بسيارةٍ مرفهة بارحة يقودُها سائقه الخاصُّ, الدمُ يجري بينَ عينيهِ، كرشه المستديرُ, كأنّ ازدحامَ المخابز كانَ وما زالَ بسببِ التهامِهِ كلَّ رغيفٍ بطريقهِ, يتدلَّقُ كرشه على المقود، وسوارٌ من الذهب الثقيل يزينُ معصمَه، ليعبّر بكلّ الطرقِ أنّ التخمة أصابته في كلِّ شيءٍ, الأحلامُ لا مكانَ لها بينَ جدرانِ حياتهم لأنها سهلة المنال في أصعبِ الأشياءِ, وما معناها إنْ كانتْ تتحقق بلا تفاصيل باهظةٍ مثلَ التي ندفعُها ولا نبلغُ عتبة بابها.كنتُ أواسي نفسي بأني أعلوه بتفكيري ونظرتي المتفائلة لمستقبلي, أحملُ أحلاماً سأستلذُ بكفاحي لتحقيقها, أنظرُ له بشفقةٍ, تبينُ أنه كانَ شعوراً متبادلاً, وطريقُه الأقصرُ والأنفع، هو برأي المجتمع الهشّ وبرأي أبي, الأذكى والأفضل, يخدعون أنفسَهم ويخدعون حتى أحاسيسَ ألسنتهم، كانَ من دونِ المتفوقين يدبُّ الرعبُ بكلِّ الرسل, لم أكنْ أعلمُ أنّ هناكَ غيرَ اللهِ يهابُه الرسلُ, أصحابُ الرسالةِ وملقنو العلم, لكنْ كيفَ درسَ الهندسة؟ هذا ليسَ بالسرّ, يعرفه الجميعُ, بظنهم أنه مكانهم, يفعلون ما يريدون ونحن مَنْ ليسَ له مكانٌ إلا خارجَ البلادِ, أو أنْ نهتفَ لهم ونصفقَ على ما يفعلونه بنا ونرضى, معتقدين أنّ لا زوالَ لنعمتهم،كما آمنَ ( ستالين ) وظنّ ذلك (هتلر)، والعدالة الإلهية لن تصلَ لبابِ بيتهم ما دامَ أنهم يقتلعون كلَّ رأسٍ يخالفُ آراءَهم, لا يفكرون لثوانٍ, عندما نقمعُ الناسَ, لنضعَ أنفسَنا دقائقَ وننظرَ للحياةِ بعدسةِ عيونهم التي يرونَ بها العالمَ من حولهم، لنرى ما سيكونُ موقفنا وشعورَنا من أنفسِنا. القانونُ والدستورُ المقدسُ مخلوقٌ لنا وليسَ لهم, المخطِئُ يجبُ أنْ يُحاسَبَ، لا شيءَ فوقَ القانون, إلا هم، يُحاكُ كالثوبِ على حجم أردافِهم، متناسين جميعَ القوانينِ والأنظمة الوضعيّةِ والسماويّةِ التي لا تغتالُ الآمالَ. لا أنسى أستاذي عندما استرقتُ السمعَ عليه وهو يجلسُ معَ زميلِهِ، يُراقبُ مسيرةً إلزاميةً حاشدة, خرجتْ تؤيّدُ وتهتفُ، ظانّاً أنَّ المدرسة قد خلتْ، وأخذَ مجدَه في تفوهِهِ بتلك العباراتِ:
- اهتفوا. واهتفوا, باسمهِ ومجدِه. اهتفوا, تظاهروا، لأنّ النعيمَ الذي أنتم فيه سيزولُ بزوالِ هتافِكم, كسرة الخبزِ والخوفِ من الجوع هي ثمنٌ بخسٌ لوطنِكم, تناسيتم حكمةَ اللهِ أنه لم يخلقْ فماً إلا وأطعمَه، ولم يتركْ ظالماً إلا وقهرَه، ولا مظلوماً إلا ونصرَه. وعندما علمَ أني أسترقُّ السمعَ, سكتَ وابتسمَ، وما زالَ إلى يومِنا هذا عندما أراهُ مصادفةً, يبتسمُ في وجهي وأبتسمُ له, لا يعرفُ سرَّ تلك البسمةِ سوانا, إنه كانَ يعلمُ الخطيئة كالملايين غيرِه, لكنه حرمَ مثلي أنْ ينادي بها جهراً.
يقولُ غاندي: لا يستطيعونَ أنْ ينتزعوا منا احترامَنا لأنفسِنا ما لم نتنازلْ لهم عنه, إنّ موافقتنا على ما يحدثُ لنا وسماحَنا به هو الذي يؤذينا أكثرَ بكثير مما يحدثُ لنا.




الفصل الثاني
قطعتْ أفكاري طرقةٌ على البابِ. مثلما تقطعُ زخاتُ المطر صفوةَ رسّامٍ في الطبيعةِ, فخيرُها هو كرسامٍ يحبُّ المطرَ ويعشقُه، وشرُّها أنّ لوحته إذا تركَها تتحولُ بلمساتِ الطبيعةِ إلى لوحةٍ تشكيليةٍ, تجريديةٍ, مثلي تماماً, أردتها أنْ تأتيَ ولا تأتي, كانتْ أمّي تلبسُ زِيَّ صلاتها, شالُها الأبيضُ المسدلُ أكثرُ من حدودِ كتفيها. لا رابطةَ قوية بينَنا, ربما لأني أفرغتُ نهرَ حناني في بحرٍ آخرَ, عوضتُ عن حنانها بهواءٍ عميقٍ أستنشقه من عبقِ طفولتي, بعدَما لمستُ بأنها لن تستطيعَ كباقي الأمهاتِ أنْ تفهمَني, ربما كانَ شعوراً فلسفيّاً دراماتيكيّاً بأنها هي من جاءَتْ بي لهذهِ الدنيا.
دلفتْ لتبلغني بأنّ الساعة أصبحتْ السابعة, حاولتْ إيقاظي بعدَ الفجر لكني لم أستيقظ, فقلتُ لها:
- طالما تأخرتُ دعيني أنمْ قليلاً وسأستيقظ بنفسي. فعادتْ وأعادتْ قولها:
- بنيّ إذا تركتُكَ أعرفُ أنكَ لن تنهضَ, ستعودُ للنظر للأعلى مثل عادتِكَ وتسرحُ بخيالِكَ للأفق. وتلفظتْ بتلك المقولةِ التي مراراً ما تذكّرَها، ذلك المثلُ الكردي.. فحواه أنّ " الفلاحَ ينامُ بينَ روثِ الخيل ويحلمُ بإسطنبول "
خرجتْ من عيوني نظرة تمادتْ بالقسوةِ عليها, انقبضتْ على تمردها, أرغمتْ هذا العقلَ على أنْ يُسبلَ تلك العيونَ بنظرةِ عطفٍ إلى مَنْ فتحَ برمشِها للدنيا، وليس ذنبُ الأمِ القسوة التي بها, تركتُ تلك العيونَ تخاطبُ عظمتَها التي ستفوتني ببعدِي عنها.
أي إسطنبول؟. يا أمّي ليتكِ تعرفينَ, يا مَنْ لم ترأفي بحالي, كنتِ دائماً تذكرينني بفشلي وعدم إتمامِ دراستي, كنتم دائماً تلقونَ بخيوطِ الملامةِ والحرقةِ من أيّ شيءٍ على شواطئ أحزاني, كم حاولتُ الحوارَ معكم؟ كم جاهدتُ في سبيل إفهامِكم أني وهمومي و أحزاني أكبرُ من الذي يجولُ في بالِكم؟ تعتقدونَ أني سأهدمُ البيتَ على رؤوسِكم. وهل بقي بيتٌ في الوطن عامر، و لم يُهدمْ, إلا بيوتَ العناكبِ والدبابير؟. وحسبُكم الهدمُ والردم.
ليتكِ تفهمين يا أمي بأني رفضتُ أنْ أدرسَ تاريخاً مزيفاً, قد كتبوه كما مالَ بهم هواهم، لقد أبيتُ. ما أذكره أنه أولُ رفضٍ لي, أنْ أحفظ خطاباتٍ وشعاراتٍ وأقوالاً خالدة أكثرَ من حفظي لكلام الإلهِ سُبحانه, لم أكملْ تعليمي لكي لا يحشوا عقلاً كانَ بكراً في حينهِ. قررتُ أنْ أنهلَ من العلم الذي لا ينتهي في بحار الدنيا عندَ حدٍّ, أقرأ ما أريدُ وقتما أريد, أعلّمُ نفسي وأولادي تاريخَ الكرد. لن أناقشَكِ يا أمي بأنّ البطلَ (سليمان الحلبي ) هو سليمان محمد أمين أوس قوبار, كردي من قرى عفرين، نسبوه وأسموه مثلما أرادوا مثل الآلاف غيره, ( عبد الرحمن الكواكبي ) أيضاً من ملتنا, ذكر كثيراً وأفردَ طويلاً عن الاستبدادِ والظلم, ولن أخيّبَ ظنّكِ بمثلكِ الأعلى بإسطنبول وقادتها الذين كانتْ ستكسرُ شوكتهم, عندما أعلنتْ بريطانيا في الخامسِ من نوفمبر سنة 1914رسميّاً الحربَ على تركيا واحتلت البصرة في 22من ذلك الشهر. إنه تاريخٌ لا أنساه يا أمي, عرفته وأنا في عمر التاسعة, حفرَ كعمقِ البئر في أعماقي,كيفَ أنّ القبائلَ الكردية تصدتْ للإنجليز قبلَ أنْ تصلَ إلى حدودِ لواء الكوت.كانَ يقودُ الجيوشَ الكردية الشيخ ( محمود البرزنجي ) قُتلَ واستشهدَ العديدُ من الأكراد البارزين مثل رشيد باشا من السليمانية وغيرِهِ كثيرين.
حاربوا الإنجليز ليزيدوا حقدَهم حقداً, لأنّ جدَّنا صلاح الدين, ومازالتْ جراحُهم لم تندملْ, عندما أوقفَ أطماعَ الإمبراطورية الأوروبية تحتَ غطاءِ المسيحية لتتمَّ تصفيةُ الحضارةِ العربية والإسلامية من كلِّ القيم التاريخية, فعلوا وانتقموا وقسّموا بهدية كبرى لنا دونَ وطن, ولتلك الدول التي دافعْنا عنها و ذرفت دماءُ أجدادِنا على مشارفِها, أنها اقتسمتْ زادَنا وبقاءَنا, وهبنا لهم سلاحاً بيدِهم ضدّ بعضِهم بعضاً, ونحن عندما نطلبُ أدنى حقٍّ لنا تتحدُّ كلُّ تلك الدولِ والشرقِ بأكملِه ضدنا, يشتمون ويهتكون عرضَ وطولَ الحدودِ ولا يعترفون بما صنعه الاستعمارُ, عندما يكون الشأنُ خاصاً بهم, وعندما يكونُ الشأنُ عن الأكراد تصبحُ الحدودُ منـزَّلةً ومقدَّسة من آلهةٍ جليلةٍ ومبجّلة..
لا يا أمي لا أنظرُ إليك لأودّعك، لكني أخاطبك من قلبي لتتركيني بهمي. الذي لا أعرفُ هل حملته اختياراً أم اضطراراً. رجعت للحديثِ معي. ربما ظهرتْ عليّ معالمُ الحدّةِ وهدأتْ. كبركانٍ ثارَ وانفجرَ داخلَ نفسِه، حتى سكان القرية الذين يقطنون على سفحِه لم يغادروا البتة. تمتمتْ وهي تُمسكُ سبحتها الخشبية التي طالما حلمتُ بأنْ أستبدلَ بها أخرى من الأحجار الكريمة, أقلّ ذكرى من ولدِها الذي سيرحلُ عنها في أزقة الغد المجهولة. طقطقة حباتها تصدرُ رنيناً كموسيقا الطفل الإلهيّ موزارت لطالما حُببَ إلى سمعي صوتها.
- هذا كلامُك بأنك تحبُّ الذهابَ للقرية والجوُّ باكرٌ وممطرٌ, اليوم هو مرادُك, هيا. هيا انهضْ وكفى لذهنكَ أحلاماً.
- لا بأس أمي أعطيني بعضَ الوقت، واذهبي للنوم، لم تنامي بعدَ الفجر.
رحلتْ وغادرتْ ولحقها تأملٌ مني وراءَها, لأنها تعرفُ أنّ ثالثَ مطلبها سيكونُ جدالاً. فقبضت على لحافي القطني الذي اخترقَ رأسي عبقُ رائحتهِ القروية, كأني أعيشُ الفصولَ الأربعة في اللحظةِ ذاتها ولففته حولَ رأسي, تعرى أسفل جسدي, كمستاءٍ جدّاً من نفسِه, أطفأتُ المذياعَ بحركةٍ من أطرافِ أصابع قدمي وعدتُ لخيالي. لكنْ هذه المرة ليسَ لجدي. إنما إلى شيروان الكردي. (كروبيون). رجلٌ من صلبِ ثنايا الجبال, لم أستطعْ في ليل البارحة البارد الكئيب أنْ أستغلَّ سكونَه لأعيدَ ترتيبَ الكلماتِ التائهة التي كانتْ في لقائِنا, جمعت ثلاثي المآسي على طاولةٍ نحاسية مستديرة.
هذا الذي لبسَ تاجَ فرعون وثوبَ موسى في آنٍ واحد, وجمعَ بينَ نسماتِ فكره وعقله الدهاء والتحرر, مزجَ في كأس حياتِه الحكمة والبوذية والليبرالية ومعاني سامية عن حبّ السلام والإسلام, وإيمانهِ الراسخ بحوار الأديان, وطنيته، اعتزازه الذي لم أرَ له مثيلاً في العصور وكتبِ التاريخ القديمة والحديثة, عاشَ في جسدِه وذهنه كلّ نقيضٍ في هذه الدنيا, لأنّ ما كان يشغله كيفَ يجعلُ شعوبَ العالم تتلاحمُ بمحبةٍ وسلام, دونَ أحقادٍ وكراهية, أحلامُه أكبرُ منه, فكرة اقتناعِه بأنّ السلامَ صعبٌ أنْ يعمَّ بينَ شعبين تقاتلا وسالتْ دماءُ كليهما، كانتْ صعبة, ربما كانَ يظنُّ أنّ الناسَ يحبون ويعشقون السلامَ مثله. لأنه تناسى آلامَه وآلامَ أجداده وتخلى عن أيّ مطلبٍ وثأر, وحلمَ ورضيَ بحياةٍ بسيطةٍ تسودُها الحرية وأجزاءٌ لا تذكر من حقوقهِ، ليقنعَ غيرَه بأنه راضٍ عن أيّ شيءٍ رغم كلّ شيءٍ, لكنْ حتى تلك التي تُسمى أيّ شيء احتاجتْ لانضمامه لنا, لكي يسعى في أنْ يحصلَ مثلنا على أدنى وجودٍ له..
تُذكرني تقاطيعُ وجهِه, حزنُ عينيه, شعرُه الطويلُ الذي يجاهدُ ليصلَ لأكتافهِ, لحيته الكثة بخيال المسيح الذي تناثرتْ صورُه داخلَ الكنيسة, يوم تجمعنا بها في إحدى القرى النائية ووارينا بها الثرى صديق أبي رحمه الله أبا يعرب.
لاقيته في دمشق البارحة, كنتُ هناك لأنهي أوراقَ السفر, لأودّعَ شوارعَها وحواريها, أصدقاءَ الجيش الذي قطفَ من زهرة شبابي عنوةً قرابة ثلاث سنوات. عندما بدأتُ لم أكن لأتخيل أبداً أنه سيأتي يومٌ أنهي فيه خدمتي, وأزور دمشقَ مودعاً وأرحل عنها كما الذي يعودُ محبطاً من الحربِ قاتلَ ودافعَ ورمى بكلّ ثقل جسدِه, ثم تعودُ له قرابينه خاسئة مرفوضة، ويُتوّجُ غيرُه بأوسمةِ النصر رغم أنه لم يسمعْ عن تلك المعركة لكنه حظي بحبٍّ واحتضانٍ لا مثيلَ لهما, عين في وظيفةٍ من تلك الوظائف التي خصصتْ للذين عناهم جدي, لم يعرقوا.
كما قالَ لي العمّ (حميد) ابن عم أبي وهو يضعُ داخلَ يدي نقوداً أسعفتني تلك الأيام حينما قابلته في أحدِ الأحياء مصادفةً في دمشقَ, وأنا لا أملكُ قرشاً واحداً, جائعاً, حائراً، ما كنتُ أملكه أملي بالله الذي قادني بإلهامِه أنْ أمشي في شوارع لا أدري أين تقودني, إلى أين ستوصلني، ربما إلى رحمة الله التي تجلتْ بشخص العمّ حميد ( أبي رشيد) ودونَ أنْ أطلبَ منه أعطاني ما أبتغيه ويفيض, وهو يقول لي:
- لا يدومُ إلا وجهُ الله, كلّ شيءٍ إلى زوال, ستنهي الخدمة وتجد هذه الأيام صارتْ من الماضي.كانَ كلامُه زبد الصواب, أنهيتُ خدمة الجيش, لكن, لم أستطعْ أنْ أنهي كلامي معَه وأجتمعَ به ثانية بموعدٍ أو مصادفةً, لأنّ لقاءَه صارَ أبعدَ من حلم, لكنْ, كنتُ شديدَ الحرص على أنْ لا أنسى ذاكَ المعروفَ الذي زرعه معي، وأحرص كلما ذهبتُ لزيارة أبيه (بافيه خالوه) أن أعطيه ما يقدرني الله عليه جزءاً من ردِّ الجميل, لأنّ الإنسانَ أحياناً يشعرُ بأنه عاجزٌ أمامَ فعل مهما يكنْ بسيطاً لم يلقه من أقربِ الناس منه, لأنه أعطي بسخاءٍ من شخصٍ هو بأمس الحاجة لما عندَه, رغم علمي بأحوالهِ, لكنه لم يترددْ أنْ يقدمَ لي العونَ الذي تجلى بالعطاءِ الحقيقيّ منه, هو عينه الذي قصدَه جبران وقال عنه: (جميلٌ أنْ تعطي مَن يسألك, وأجمل منه أن تعطي من لا يسألك وقد أدركتَ عوزَه).
تلك كقصة الكُرد-لم يلتمسوا العطاءَ حتى من أقربِ الناس منهم, لو أعطوا لكانوا دونَ أدنى شكٍّ مثلي لا ينسون العطاءَ، وإنْ كانَ ذاك العطاءُ الذي سيهبونه لهم ليسَ مما يحتاجونه كما حاجة العمّ حميد لما أعطاني إياه, إنه عطاءٌ من كنوزنا وحقوقِنا ولا نملك إلا كلمة شكرٍ لنقولها, والتي حرمتني الدنيا من ذكرها للعمّ حميد.. لأنه انتهى هو من هذه الضوضاء, رقدَ بسلامٍ فجأة, مبكراً مثلَ العم ( أبي يعرب )..والخال (عبدالله).. وجَدي, كُثر كانوا مَن أخذهم الموتُ, انتزعهم من فم الحياة وهم في عز عطائِهم, ومطرقة العطاء التي ينهالُ بها الحدادُ ليكسبَ عيشه ما زالتْ بيدهم..
كنتُ في طفولتي أحملُ شبقَ التعلق بهم, أحاورُ دائماً نفسي, سيأتي اليومُ الذي أحادثهم بعدما أكونُ نضجتُ وأصبحتُ يافعاً بنظرهم, لأتذكرَ معَهم بعضَ العبارات والأحداث التي مرّتْ علينا, سيكونُ الشيبُ بدا على فروة رؤوسِهم, لكنْ, حتى الشيب استكثرَ أنْ يطولَ بقاؤه عليهم, كم كنتُ تواقاً في صغري للحديث معهم, كم تعلمتُ من حديثهم وصمتهم الكثيرَ وفاتني الأكثرُ منه, لكنّ الزمنَ لا ينتظرُ الأماني والأحلامَ, لا كبيرَ معَ الموت, إنّ الإنسانَ مردُّه إلى مَنْ فطرَه, رحمهم الله. ذهب كل في طريقه, كان آخر مكان أجاهد وألهث لأصل له ذاك القبر الذي نُصب من عبق تراب وصخرتين ترسم مسقط الرأس ونهاية خطوط الأقدام التي جالت الدنيا بنقطةٍ من حلوها وجبلٍ من مرها, الذي قادهم للجنة ونعيمها, وأنا لجهنم التي على الأرض, تركوا شوكةً في القلب لتعصر مر الحياة دون سبب ٍعلى كل برعم ٍ يحاول الانشقاق.
إنَّه قطارُ الحياة يمشي دونما توقفٍ, لا بدّ لكل واحدٍ أنْ ينـزلَ منه, لا بدّ من وصولك إلى المحطة المعيّنة لنـزولك, سينـزلُ غيرُك في محطةٍ أخرى, منهم مَن نزلوا قبلك, لا تستطيعُ أنْ تختارَ متى ومعَ مَن ستنـزل, لتلوّحَ بيدك لجموع الناس الغفيرة ممن ظلّوا في القطار, تودعهم, تذوبُ وسط الزحام, بانتظار الحشر, معَ حزنٍ يبدأ كبيراً داخلَ أعماق محبيك، ثم ما يلبثُ أنْ يصغرَ شيئاً فشيئاً, مثل تلال القرية التي تبتعدُ وتتضاءلُ عندما نغادرُها قاصدين المدينة..
" إنّ سرّ الحياة والموت كانَ ولا يزالُ وسيبقى بيدِ الله, هذه حقيقة, لا تشوبها شائبة ". ألم ترَ أنك تُلف بقماط أبيضَ لحظة ميلادك, وتُلفّ بكفنٍ أبيضَ مثله عند الممات؟ ستجدُ بعدها أنّ الحياة كلها ما هي إلا لحظاتٌ، بضعُ لحظاتٍ آنَ لها أنْ تتبخر.
لم أكنْ أرغبُ في أنْ أترجلَ من القطار دونَ أنْ أعطي للدنيا ولنفسي حقَّها, أنْ أنتزعَه من فم الحياة أو أنْ تنتزعَه الحياة مني لا فرق, آمالي كأيةِ آمال, وأبنائي يجبُ أنْ يكونوا كأي أبناء, عالمٌ كبير يحيط بنا, آفاقٌ نيرة وأخرى مظلمة. عظماء, رؤساء, سلاطين, ملوك،رحلوا، ترجَّلوا من القطار. يُذكر حسنُ فعل بعضهم ويذكر ظلمُ وقبحُ أغلبهم, سجل العمر فيه صفحات يجبُ أنْ تُملأ, أهداف يجبُ أنْ تقطف. ثمة رجال خُلقوا لتُزرع قاماتهم في جبال الصعاب, ما دفعني أنْ أنشئ جمعية (الحزام) لخدمةِ الكرد والإنسانية, والحياة ليستْ إلا أمانة في أعناقنا سنسألُ فيمَ أضعناها إنْ كانَ خيراً لنا ولأبنائنا وإن شرّاً لنا ولأبنائِنا ولعذابنا.
جلستُ مع (شيروان) في مقهى النوفرة, في دمشق العتيقة, كنتُ جديدَ العهد مع الغليون الذي لم أكن أظهره للناس والملأ إلا بعدَ تحرري من العبودية, أظهرته برأيي شعاراً خاصّاً يعبرُ عن جزءٍ مفقود من الحرية, أشعلته ودخانه شكلَ غيمةً وهمية من عبقه، تلاشتْ بسرعة في الهواء, اختفتْ في المجهول كما ضاعتْ نفسي بعدَها في حواشي الغيوم.
جلسَ كعادته السيئة, يلاعبُ لحيته الكثيفة, يستنشقُ من أنفه ليشتمَّ رائحة التبغ التي كانتْ تحلو له من غليوني, والهواءُ يدفعُ بها لترتطمَ بقاياها بوجهِه الصبور, زيّنَ عنقه بسلسلةٍ فضية, وضعَ فيها حرفَ الكاف باللاتينية لتدلَّ على (كردستان) لأنّ ذلك أقصى درجة من الحرية المخفاة التي نمنحها لأنفسِنا, حتى لو علموا ما يرمزُ له ذاك الحرفُ الوحيد لاقتيد وزجَّ به في السّجن.
ينظرُ إلي باستغرابٍ, غيرَ مصدقٍ أني أنهيتُ خدمتي وسأرحلُ بعدَ عدةِ أيام إلى الخليج, كانَ يعتبرُها مزحة مني لأني كنتُ كثيرَ التذمّر عليه, وعلى الإخوة في الآونةِ الأخيرة, كنتُ أطلقُ دائماً عباراتِ التهديد بالانسحاب والتخلي عن كلّ شيءٍ إذا ظلّ تقدمُهم كالسلحفاة, لكنه أيقنَ عندما رأى التأشيرة ألصقتْ على جواز السفر أنّ الموضوعَ خرجَ من قدم السخرية، وتدحرجَ إلى ملعب الجدية, ما ينقصُه صافرة البداية التي ستربكه.
تأهبَ للحديث ومن ثم ضجّ. اتسعتْ قزحيتا عينيه, التقط أنفاسَه, كأنه مصارعُ ثيران يريدُ أنْ يجمعَ قواه في شهيقه, ثم أخرجه بقوّةٍ عارمة لدرجة أني شعرتُ برائحةِ نفَسِه المخلوط معَ عطره.
- أين ستذهبُ ؟ ولماذا؟
- إلى بلاد اللهِ الرحبة. إلى البلاد المقدسة.
- وأحلامك؟. وآمالك؟
كم كنتُ أبله عندما أخفيتُ عليه وآثرتُ ألا أقولَ تلك الحقيقة التي كانت السببَ الرئيسَ وراءَ سفري, وأنّ الحبلَ الذي مددته بيني وبينَ الوسيط مع النظام ( أبي مهران ) التفَّ حولَ عنقي, فهمتُ منه في لقائنا الأخير: اخرج من البلاد سالماً قبلَ أنْ يصيبَ عائلتك أيُّ مكروه, تلك الرسالة,كانت الجوابَ الذي وصلني عندما طلبتُ بكلّ وضوحٍ مقرّاً تدريجيّاً لجمعيتنا, نسي كيفَ أنه حبك مَكرَهُ وتظاهرَ بالتأييد والرضا في البدء, وأخذ يفردُ لي ويلهجُ بحمدِ الكرد, أنّ رؤساء سوريا السابقين (أديب الشيشكلي) و(حسن الزعيم) و(فوزي سلو) هم أكراد, وأنه كانَ معجباً بالزعيم (كمال جنبلاط) ذي الأصول الكردية, وتحدثَ مطولاً عن حرب تشرين التحريرية عندما استخدمَ الجيشُ السوري للتحدث في اللاسلكي اللغة الكردية في الجبهة, حتى لا تلتقط الرادارات ولا يقدر العدو على فهمهم, وأنّ أولَ طلقة كانت ضدّ الاستعمار الفرنسي كانتْ من المناضل الكردي ( محمد أيبو ) من منطقة عفرين. ظلَّ يحفرُ لي إلى أنْ أمسك بخناقي وشد الاعتراف من لساني عمَّا يجولُ في قلبي, سياسة سافلة جوفاء.
لم أكنْ أريدُ أنْ أظهرَ لشيروان أني لم أتمكنْ من الحفاظِ على جلدةِ وجهي, عندما سيعلمُ أني طرقتُ البابَ الذي تأملتُ خيراً وراءَه, بعدما كنتُ أصرخُ في وجوههم بأن يتخفوا ويكتموا كلَ شيء, حتى أمامَ أقربِ النّاس إليهم. قلتُ وسط انغماسه بصمتي وذكرتُ له جزءاً من الحقيقة وكتمتُ الباقي الأهمَّ عنه:
- اسمعْ سأسردُّ لك باختصار. دونَ غيرك, تعلم أني كنتُ في بيروت قبلَ أسبوع, كان الوسيط بيني وبين (رودي) جاءَ من هولندا للزيارة, واتَّصل بي, قال: إنه يحملُ رسالة من المذكور, اندهشتُ عندما علمتُ أنه يقترحُ عليّ تجميدَ نشاط الجمعية لفترةٍ وجيزة, لأنه علم من مصدرٍ موثوق بأنّ الخناقَ سيضيقُ على الأكراد, واعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني (عبد الله أوجلان) ما هو إلا مسألة وقتٍ, حيكتْ مؤامرة كبرى ضدَه وضدَنا, أنت أكثرُ علماً بهم, ليصبحَ العدو بين عشيةٍ وضحاها صديقاً والصديقُ عدوّاً, إنها خيوط أنسجة السياسة التي قال عنها أحدُهم: لا فرقَ بينها وبينَ الدعارة, والمصلحة واللذة فوقَ كلّ شيء.
سيحاولُ (رودي) ويناضلُ من أجل أنْ تكون جمعيتُنا علنية ومعترفاً بها على الأقل في أوروبا, إنه الآنَ في سنـته الأخيرة في فرنسا لينهي دراسته في العلوم السياسية, لن يستطيعَ إلا التفرغَ لها. هوحريصٌ علينا وعلى نشاطِنا الذي سينكب كما النهر يضيعُ في البحر إذا ما حصلتْ اعتقالاتٌ بينَ صفوفِ الأكراد, التي لن يسلمَ منها حتى المناهض والودود وكلّ مَنْ يشك بانتمائِه, فكرتُ مليّاً, وصلتُ لهذا القرار, إني سأذهبُ للخليج لأبحثَ عن مصدر رزق ليعيلَ في أدنى احتمال فكرة تمويل وترخيص المكتب الذي سيحملُ اسمَ جمعيتنا, الذي قررنا أنْ نفتتحَه في مصر أو عمان, ولا يخفى عليكَ أيضاً أنه عصرُ الرأسمالية وقوة الاقتصاد الحرّ الذي يحررُ الشعوبَ, يتقدمُ بها إلى أعلى درجاتِ التطورِ والرقيّ, سأذهبُ للقوم الذين بنوا من الرمال الآمالَ, اخترتُ بلداً عربيّاً لكي أضمنَ لنفسي العودة لعشي، لأنّ الذي يختارُ البلدانَ الأوروبية يذوبُ بالحريةِ وقيمة الإنسان عندهم, لا يفكرُ بالعودةِ لكي لا يقضي بقية حياتِه يتحسرُ على أيامِه, أو يُسجنُ بتهمةِ انتمائِه وموالاته لبلدانٍ تحرضُ على جريمةِ الحرية التي يعاقبُ عليها قانونُ بلادنا الخفي.
قالَ بعدَ حسن إنصاتٍ منه: يعني أنك تأخذُ كلامَه مثل كلامٍ منـزّل, تريدُ منا أنْ نتوقفَ ونراوحَ في مكاننا بعدما قطعنا شوطاً من النضال, وصارَ عددُنا لا يُستهانُ به داخلَ المدن والقرى.
قلتُ: لا. لن أفعلَ مثلما اقترحَ, هو لا يعلمُ الوضعَ أكثرَ من الذي يقبعُ داخلَ جذع الشجرة مثلنا, فنحن متفقون على مبدأ الأهداف والعهود العشرة, والاختلاف بالأسلوبِ نظراً لطبيعةِ البلد الذي يعيشُ فيه كلٌّ منا، لكلٍّ منا منطقته ومكانه الذي هو أعلمُ به, سنتقدمُ بحذر وبطءٍ, نستمرُ على نفس المقدار من السرية وربما أكثرَ والأخذِ بالاعتبار كلَّ خطوةٍ صغيرةٍ أو كبيرة, أنا يجب أنْ أغيبَ عن الأنظار ليسَ لشيءٍ إنما للأسبابِ التي ذكرت والتي تخصُّ التمويل.
قالَ: هل السببُ هو البحثُ عن التمويل أم خوفك من الاعتقال؟
لم أستغربْ من استنتاجه, ولم تَمْرُرِ الكلماتُ على دهائهِ إلا مرور الأذلاء.
قلتُ: كما تشاءُ ,فسرّ على هواك, كما يحلو لك، لكنْ ثقْ تماماً بأنّ الأمرَ هذا هو الأسلمُ والأفضلُ بأنْ أبتعدَ قليلاً لأراقبَ من بعدٍ وأتأملَ كيف يرانا العالمُ, كيف ينظرُ لنا وما هو سرُّ رفضهم لنا.
قال بصوتٍ ترافقه ترانيمُ التوسل: والشباب, هم علقوا عليك آمالهم. تستطيعُ أنْ تختفي عن الأنظار داخلَ سورية, ما أكثرَ مَنْ سيفردُ لك صدرَ بيته إذا ما حدثَ الذي تخشاه, أين كلامُك وأنتَ الذي كنتَ ألدَّ أعداء الهجرة والغربة؟ كانَ دائماً كلامُك للإخوة بأنك إذا سافرتَ وتركتَ ضبابَ الشتاء وراءَك سيكونون بذلك قد اغتالوك وسط صمت القبور، ورفعوا راياتِ نصرهم دونَ معركةٍ ولا حتى رصاصة بندقية، وتكونُ قد وفرتَ عليهم حتى عناء حمل جثمانك لدفنِه.
قلتُ له وأنا أحاولُ أنْ أغلقَ بابَ النقاش أمامَه: لا تتعبْ نفسَك. لقد فاتَ الأوان وقررت.
وبعد صمتٍ قليل عاد وقال:
- هل أبلغتَ الشباب؟.
- لقد تركت لك ذلك, كما حدثتك لن يتغيرَ شيءٌ على العموم سوى بعض النقاط التي سأذكرُها ونتناولها في جلستنا التي أريدُك أنْ لا تظهرَ أيَّ شيءٍ من الأسباب التي ذكرتُها لك. ليسَ أنانية ً إنما لا أريدُ أنْ يكونَ كلامي سبباً لتثبيط عزيمتهم ومعنوياتهم، وستسمعُ في الجلسة أخباراً تسرُّك..
- بالمناسبةِ هل أعلمتهم بالزمان والمكان؟
- اتصلتُ ب( نوزاد) وتركتُ له مهمة إبلاغ (جوان) و(حسين) و(محمد). والباقون سأكلمهم بعدَ قليل.
أظهر كومةً من الأوراق المبعثرة معَه, صارَ يعيدُ ترتيبها من جديد, لكنه كانَ شديدَ الحرص على أنْ لا تطير إحداها معَ هبوب الهواء العليل الذي كانَ ينعشُ المكانَ واختلط مع رائحة النرجيلة التي كانتْ من معالم ذلك المقهى. كنا نرتاده تقريباً كلَّ يوم. قررتُ أنْ لا أقاطعَه لأنه كانَ يبحثُ عن ورقةٍ معينة, ينظرُ لي بتمعنٍ ثم يعيدُ نظرَه للأوراق, ينتظرُ مني أنْ أرجعَ وأمسكَ بطرف الكلماتِ المفقودة. التي تجولُ وتجمعُ شتاتها بذهنه لتشكلَ صيغة سؤالٍ. لا أدري ما جوابُه. لكنّ الحبيبَ الجديد, ذاك الغليون الممتع منعني وصارَ يداعبني معَ القهوةِ الشيقة لأتجاهله هو وحديثه وأتمعنَ المكانَ الذي سأودعُه, كانَ على يساري بابٌ من أبوابِ المسجد الأموي كأنه بابُ الريان من عظمته وضخامته, وقعَ نظري على البيت الذي يواجهه, شبابيكه الخشبية المشغولة باليد ورائحة التاريخ الدمشقي تفوحُ من كلّ أرجائهِ, وصموده الذي أدهشَ الحيَّ, أمضى دهراً وما زالَ كالبنيان المرصوص، يخيلُ إليك أنك ستسمعُ من وراء جدرانه صليلَ سيوفِ الفاتحين، شعرتُ بأنّ الأرضَ تهتزُ تحتي, لقدوم جيش الناصر صلاح الدين.
تجدُ الدكاكينَ تناثرتْ على الطريق المؤدية للمقهى, ملأت المكانَ, بتروا من كل بيتٍ بهواً ليملؤوه بالبضائع التي تثيرُ غريزة الزائر وتغريه, من عملةٍ معدنيةٍ قديمة, ساعات من الأنتيك، وسبح, تبلورت بنظري إحداها, تذكرتُ أمي بها في الحال, لكنّ فقرَ الحال حالَ دونَ الظفر بإحداها, تفترشُ الجدرانَ كتبٌ ثقيلة, منسوجاتٌ يدوية, عباءاتٌ بأشكال عجيبة, الباعة يمكنهم بيعك الهواء الذي تستنشقه, يتكلمون اللغاتِ, يقهقهون, يتجولون ولا يَكلون.
لا أدري ما الذي دفع َبـ ( جلال ) إلى ذهني وعائلته المسكينة. أمضى في دمشق أكثرَ من عشرين سنة لم يستطعْ أنْ يظفرَ بمحل مثل هؤلاء, ربما لأنه لم يستطعْ أنْ يفهمَ فنونَ التجارة مثلهم, ومازالت البساطة الريفية تسيطر على حياته وطريقة عيشه, ربما كان خوفه حتى من النجاح نفسه, ولن يسمح بولادة وجهٍ جديد غريبٍ عن المعتاد, لأن العاصمة هي وكر لأمثال خضر ومن مال مع أهوائهم. كنت أرى أكبر وأثمن مكتبة عرفتها في حياتي داخل تلك الغرفة المنعزلة في بيته, كان كثير الانعزال بها, يقرأ بشراهة لجبران, نيتشه وأرسطو, حياة بدر شاكر السياب، والعديد من أدباء المهجر, يغفل عن قراءة التاريخ الكردي, كانت له آراؤه الفلسفية المنطوية, وكان متأثراً بالنظرية الماركسية إلى أقصى حد, لم أكن قد لمحت له, أو فاتحته بانضمامه إلينا لأني أخذت عهداً على نفسي ألا أحشر الأقارب معي لكي لا تُخلط العاطفة بغيرها, لأني تجرعت من عدم اكتراثهم مراراً, تبين أن ضررهم أكثر من نفعهم, لأنهم مهما كتموا, سيأتي اليوم الذي يبوحون به لغيرهم من العائلة, تلك السرية التي تنتهجها جمعيتنا لا تتوافق مع لا مبالاتهم.
أراد جلال أن يعمل في مجال لطالما أحبه, ذاب فيه وأُذيبَ به, ما زال إلى يومك هذا يبيع الكتب القديمة ويشتريها على أرصفة دمشق, حاله يبكي من كثرة هرولته من سيارة البلدية, وهم لا يعلمون أنه قد باع واشترى كتباً تفوق عدد شعر رؤوسهم جميعاً, لا يدركون بأن جلالاً يبحث عن المكسب الروحي أكثر من المادي, ما يكسبه يكاد لا يغطّي أدنى متطلبات عائلته, لأن الفقير دائماً هو الهدف من قبل عهد فكتور هيجو إلى يومنا، وللمفارقة التي تغرق الحس, تجد كل الممنوع وغير المسموح به على أرصفة دمشق, بين أرفف حوانيتها تارة سرّاً وتارة علانية، وبسطة التبغ المهرب أكثر من الخبز, كلها أظنها لأقارب خضر وحاشيته، وإن لم تكن, فلهم فيها جزء من الضريبة المخفاة التي تدفع كل حينٍ. لا أحد يجرؤ على التكلم معهم، فهذا حالنا نمنع الكتب والعلم ونسمح بالسموم تباع على الملأ, نجعل الباطل حقّاً إذا شئنا والحق باطلاً, هكذا أصبح قانون البقاء. أن الفقير والمعدوم كبش الفداء. لذلك لا تلمني يا ( شيروان ) إن كنت كتمت بعض الأسباب التي قادتني لسفري, أنت كل يومٍ تأكل منها وتشرب, لست من الذين لم تطلهم يد الشر, إن كان بشكلٍ مباشر أو غير مباشر,كلنا مرمى لبنادقهم, طالما في رؤوسنا أسئلة كالتي في رأس أي إنسان له الحق في طرحها، وإن كان الجواب يقبع داخل السؤال وهو السبب فينا، كقول الشاعر :
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
أقولها له بين نبضات قلبي: دعني أهرب لا فرق أملاً أم حرجاً, لأنهم اغتالوا الكلمة, هل سيتركون خصلات شعري يداعبها الهواء وتتنفس تلك الحرية الزائفة إذا ما علموا أني أسعى مع إخوتي إلى اعترافٍ رسمي, أو حكمٍ ذاتي للكرد في بلدي؟.
أنظر إليه فأراه مستغرقاً, منهمكاً. هو ضحية مثلي, لم يكمل دراسته بسبب عمله نادلا ًفي أحد المطاعم ليعيل عائلته التي وضعت كل أملها به, تعلم الألمانية من نفسه لكي يهاجر لكن أمه تضرعت بأحضانه لكي لا يتركهم وحدهم لأنه بارقة الأمل المتبقية لديهم, لا يحب الغربة, ولا التعليم الذي لا يقنع به, لكنه يحمل ثقافة لا يحملها أكبر علماء الفقه والتاريخ, ثقافة فطرية نقية, قال لي مرةً: إنه يقرأ في اليوم نحو خمسين صفحة, ما يعادل ألفاً وخمسمائة صفحة في الشهر, لا يغمض له جفن لو أنه قصر بعدم إكمالها, كم كان يستمتع بها، وكم كان يعيد تلك الجملة على مسامع الإخوة:
- ( فلنقرأ إن لم نستطع أن نقرأ بقلوبنا ما يجب أن نقرأه من تاريخنا ).كان تركيزه ومحط اهتماماته التي كنت غافلاً عنها, إنشاء فرع في جمعيتنا, خاص بالثقافة الكردية موجه لكل البشر, لكن الفكرة لم تولد, لأننا كنا حتى بهمنا وجمعنا كعصافير لا يكسو جسدها حتى الريش, ولم نكن لنخلق لنا همّاً, سوى نهج الكفاح السلمي.
ترك قريته التي هي من أجمل قرى (عفرين) ليقطن في حي ركن الدين, الذي تقطنه الغالبية الكردية. كان أبوه شرطيّاً بسيطاً تقاعد مبكراً, استطاع أن يظفر بذلك البيت خلال سنوات خدمته الطويلة, اعتادوا عليه وضمهم بين كتل جدرانه الإسمنتية الرطبة, له أخ هاجر إلى قبرص, لم تسمع أخبارٌ عنه منذ ثلاث سنوات, يقال إنه غرق في إحدى السفن التي يهاجر بها الناس بصورة غير شرعية, حُرم حتى من قبر لرفاته, لكنه كان رافضاً تقبله ذلك الأمر المرير, ولم يكن ليرضى بحقيقة أن أخاه مات, كان يردد جملته: نحن كلنا أموات. أخته الفاتنة زُوجت في إيطاليا لرجلٍ كردي يكبرها بعشرين سنة لأنها ظنت أنه سيخلصها من الفقر ويجعلها أميرة روما. شتاتٌ في بقاع الأرض. هذا هو حال من لا حرية له داخل وطنه, لا وجود له. أحزن عليه وأراه مجدداً أمامي قد أخرج محفظته وهي تحمل صور أخيه وأخته, والدمع يحتبس بعينيه اللتين تقعرتا في محجريهما, رسمت حولهما تجاعيد مبكرة من هموم حياته وقسوتها, حسرة البشرية كلها تُقرأ في تقطب حاجبيه, لكن رغم ذلك كان يكابر بالابتسامة.
أردت الابتعاد عن التمعن فيه لأنه كان يشعر بالإحراج عندما يُكتشف في لحظات ضعفه, وكم أفهمته أنه إنسان أولاً أو آجلاً.. يحمل أحاسيساً كغيره ويحق له البكاء, والحزن, والفرح الذي هجره منذ أمدٍ بعيد, لكنه لا يُحبذ أن يرى أحد ذلك فيه, أدير وجهي عنه, أشغل نفسي بغيره, ليقع نظري على جموع الناس الغفيرة من كل حدبٍ وصوب, منهم من أعطته الدنيا بسخاء أكثر مما يستحق, منهم مثلنا منّت عليهم بقروشٍ لا تكفي لشراء حتى مرهم لجراحه, جاؤوا بعدما بدأت الشمس تستعد لرحيلها كلٌّ في كرٍّ وفر, لو نظرت لحركة الناس هناك لخيّل إليك أن الحياة لا تنتهي أبداً, كأنك في ميدان معركة لا قتال فيها, إنما هي معركة الحياة والبقاء دون سلاح.
سعل وتفوه بكلماته أثناء سعاله, وهو يناشد الأمل مني.
- بم تفكر؟. وأين وصلت؟ تصاحب مع كلامه نبرة حزنٍ خفية.
-كيف ستترك هذا النعيم لتذهب لصحراءٍ قاحلة؟
رأيت ضعفاً في كلامه لم أره خلال السنوات التي عرفته بها, وأتم.
- أشعر أني سأضيف صورتك لمحفظتي التي سئمت مني ومن أملي, الذي ملني ومللته. لمن ستتركني؟. هل لهذا الزمن الغابر؟ وبدا صوته يختنق ثم يختفي مثل سراجٍ أوشك زيته على النفاد. ومع من سأقلب أوجاعي وأحزاني؟ وأي ظلٍ سأحتمي به؟ وأي وطن سأفكر فيه بعد رحيلك؟
- لا تقل هذا ولا تكن كالنسوة. أقولها له وبي شوقٌ أكبر من المحيط لاحتضانه والبكاء على كتفه. لكننا نكبت أصدق إحساس نشعر به ونواجه العالم ونتعامل مع أنفسنا بأكثر الأحاسيس زيفاً وكذباً, لا نعرف إلى متى سنكتم ما بداخلنا.
لم أشأ أن أدخل معه في نقاشٍ واضح ما هو آخره, بل لم أكن أريد أن أنبش في قبر أحزاني وأوجاعي, وأنا ألون درب سفري بألوان أرجوانية تنسيني هوسي بأرضي وأهلي وكتبي وحبيبتي لبرهة من الزمن.
تجاهلته وعدت إلى رقصي مع فكري الذي افتقدني, لمجرد الغياب عنه قليلاً, لأني كنت حشوته مثلما يحشى بيت ذخيرة بأفكارٍ تساعدني على الهروب, لكي لا أتراجع عن قراري في آخر لحظاتي, وأرجع لموتي, ففي كلتا الحالتين أنا كذلك, لكني إن كنت تراجعت فذلك أشرف لي من أن أموت وجسدي لا يكرم بدفنه.
قطع تفكيري علي هذه المرة ضربات سيف الحكواتي الذي يقبع بالداخل, يسرد سيرة عنترة بن شداد, الناس تجمعوا حوله, منهم من يفهمه, ومنهم من الأصول غير العربية لا يفهم سوى ضربات سيفه لينفعل معه, ويعلو تشجيعه وتصفيقه. يختلط صوت الحكواتي مع تمتمة الناس وصرخة صبي الجمر ليلبي الجمهور. بلال صبي في العقد الخامس من عمره, صار من أعمدة ذلك المكان, حتى لو صار عمره مائة عام سيبقى بنظر الناس صبي الجمر لينادوه: نارة يا ولد. مثل الكرد كتب عليهم أن يلازمهم لقبهم، رجال الجبال.
اشتهر الصبي أكثر من صاحب المقهى الذي كان يقبع بالداخل مثل العراب, أمثال بلال من أتباعه,كل نرجيلة له معها قصة وحكاية, يعرف أصلها وفصلها, لم يعرف في حياته مهنة غير هذه, توارثها وحافظ عليها, يراوده شعور الفخر والعز عندما ينظر الناس والأغراب إلى صورة جده التي افترشت وسط حائط المقهى وقد التف شارباه وجلس الطربوش القديم على رأسه, يجتمع عنده كبار شخصيات دمشق القديمة, ما زالوا يتمسكون بزيهم القديم على الأقل في سهرتهم هذه في ذلك المقهى كل ليلة بعد العشاء, ليتسامروا, ويتبادلوا أطراف الحديث, تكلم عن أي شيء إلا السياسة, إن تكلمت فامتدح الجلاد أو حول كلامك إلى أحاديث مملة وضحكات لا نهاية لها سوى بذوبان رأس النرجيلة ليختلط السعال مع صرخاتهم وأحاديثهم, كأنهم سكارى ثم يتلاشى جمعهم الغفير على أملٍ أن يتجدَّد للقاء في أمسيةٍ أخرى.
آه..من جوف آه.. ما زال أهلك يا دمشق الفيحاء ينشدون منتشين: (زينوا المرجة). رمزٌ باقٍ في دخيلتهم من القرن التاسع عشر, ملتقى مسيراتهم ومظاهراتهم للاستقلال, علقت مشانق عديدة, لأبطال وشهداء أيار. لا داعي لذكرِ إلى ماذا تحولت المرجة وما حولها الآن؟ اسألوا طفلاً في أقصى بقاع الأرض ليبلغكم ما حل بالمكان. يقولون إن الفساد من الصعب كبحه, وإن أرادوا كبحوا جناحي ذبابة مرت من فوق قصورهم, ملء أفواههم قيل لا استقلال بعد اليوم, أنتم يا شعب كساحة المرجة الآن, سُلبت وسلبتم الشرف والكرامة. إن الاستعمار مهما طال مكوثه سيخرج, لكن استعمارهم لنا كيف نستطيع إخراجه من داخلنا؟
قاطعني شيروان, مع نبرة من العصبية بصوته الأجش وهو يحاول أن يلفت كل انتباهي, تردد بالكلام, لكنه عكر مزاجي ولن تجدي العودة مرة أخرى لأفكاري. فتدخلت وقلت له:
- عمَّ كنت تبحث؟. قال - كصوت المذياع والإبرة تحركت عن مكانها لتخلط كلامه بالناس الذين لا يكلون ولا يملون من الحديث، يُخرج الدخان بلينٍ وهدوء, فبدا وكأنها تخرج من كل أنحاء وجهه, وقف على قدميه, كأنه تذكر بأن الصبي لم يدعمه بالجمر مثل العادة, غفل عنه وسط انشغاله بأوراقه, صار يصرخ كالمجنون, يبحث عن بلال, وجلس فجأة ليجيبني بعد ما نسيت أني سألته بالأصل, قال:
- وجدتها.!
- ماذا وجدت؟
- سأقول لك فيما بعد، وربما وقتها ستكون قد بدلت رأيك. لن تسافر عندما أحطم لك تلك الحجة بالتمويل، لأحضر لك مالاً يكفينا لنبدأ مشروعنا الذي سيدعم جمعيتنا وقضيتنا.
بدا وكأنه يريد أن يغير مسرى الحديث، ونظر إلى الساعة وقال فجأة:
- على فكرة سيأتي الآن (رشيد) الذي حدثتك عنه، وعدته بناءً على طلبك, هو دقيق في مواعيده. شاب رائع من أكراد (القامشلي) درس التمريض وتأهب للسفر, لكني نجحت بإخفاق سفره وإقناعه بالاستقرار في لبنان قرب حبيبته و استلام زمام الأمور في بيروت, خاصةً أنه يملك من الحنكة التي تجمع حوله أعداداً لا بأس بها من الشباب الكرد الذين يتأثرون بنظرته وأفكارنا المشتركة. أفهمته بأنه لا بد أن توافق عليه بعد أن تقابله, له قصة حزينة أرجو أن تسمعه لتضيء له شعلة أملٍ يحيا لأجلها، رغم شكي بأنك الآن بحاجة لمن يسمعك وينتشلك من الغفوة التي ستبعدك عن رشدك وتغير مجرى حياتك.
(وكم كان صائباً وحصيفاً)
قلت له:
- ذلك لا ينسيني موضوع الورقة التي ذرفت منك قطرات عرق وفيرة وأنت تبحث عنها. لتطلعني على ما بها.
قال: انس أمرها وكل شيء بأوانه ومكانه.
صوتٌ جبلي من بعيد ينادي بلغة كردية فصحى:(إيفار باش) تعني بالعربية مساء الخير. كان (رشيد) حسب ما توقعت. عرفني عليه. كان اسمي الحركي الذي أعرف به (ستيرك). تعني بالعربية النجم, لكنه يتلاشى بعد أن ينضم لأعضاء مجلس الجمعية, شيروان اسمه ( كروبيون ) كان من اختياره, كان الإخوة يخلطون الكلمة أمامه, ليطلقوا عليه "قربون" المفدى, ما يقارنها بالعربية القربان. كان يردد ويقول:
- معنى (كروبيون) لا أحد يعلمه غيري, دعهم ينادوني بما شاؤوا, المعنى يبقى في قلبي.
جلس رشيد بيننا, شابٌ ناضج في بحور العشرين من عمره, يتوسط وجهه شاربان كثيفان كأنهما مزيفان لممثلٍ يقف على مسرح الجامعة, عيناه داكنتان كحزن الليل, وجبينه العريض كتب عليه بكل وضوحٍ - (كردي). لو وضعته وسط الآلاف من الناس, مثل الغالبية العظمى من الكرد, لكان اكتشاف أصله أمراً في غاية البساطة, ربما لأنه شعبٌ لا يعرف المكر ولا يضع الأقنعة المصطنعة على وجهه. بان على رشيد أنه خجول, وكسول من طريقة مشيه, الأناقة ليس لها معنى في معجم لباسه، خلط الألوان كلها في هندامه الريفي. فرضت المجاملة والسؤال عن الأحوال نفسها وسط الطاولة النحاسية التي تجمعت معها أقداح القهوة والشاي وأخذت وقتاً أكثر من اللازم كالمجالس البدوية, بعد ذلك صار (شيروان) يمازحه: أما زلت تلهث وراء (سلافا)؟
- أي( سلافا). هل بقي منها سوى اسمها؟ ينظر لي بإحراج كيف سيقص أمامي وهو لأول مرة يلقاني, يلعب بنظره, لينـزل بعينيه من رأسي إلى أخمص قدمي, حماسٌ يدفعه ثم يخفيه أنه يريد إفراغ كل ما بجعبته أمامي, بعد أن لمست بفراستي راحةً لي بين حديث عينيه, تبادلنا الآراء. شرب من قهوته وكأن أحداً يلاحقه, برر ذلك قائلاً: لقد اعتدت أن أشرب قهوتي بسرعة, ذلك بسبب إدماني على شرب أكثر من فنجانٍ في جلستي احتسى فنجاناً آخر أبطأ من الذي قبله, ونحن نرقبه ثم ضربه (شيروان) على فخذه ضربة مازحة وهو يذكره:
- هيا يا رجل .( ستيرك) الذي حدثتك عنه. ليس هناك غريب بيننا أولاً و آخراً، ستحكي له أفضل من أن يسمع من غيرك وهو يشير بإبهامه إلى نفسه ويضحك.
هل في الأمر شيء يهمك لترجوني؟ قال تلك الجملة وبدأ بسرد حكايته التي لا أخفي أنها شلت كل تفكيري وأعطيت كل أحاسيسي لكلامه الذي كنت أنتظر النتيجة فيه.
اشترط علينا أن لا نقاطعه أبداً وأعطيناه عهداً بذلك. وجدت عينيه تتلألأان, بدأ يحكي لنا الحكاية, والتي لغاية هذا اليوم لم أعرف مآلها, ولم أشبع فضولي بنتيجة حل معادلتها. صار يسرد، وهو يتأتئ أحياناً، وأحياناً أخرى يسبق نفسه بالكلام.
-كنت وما زلت أبحث عن شيء لا أدري ما هو, المهم أن أبحث. المهم أن أشغل خلايا فكري عمّا سيذكرني بما لا أريد أن أتذكره, من الكره والإجحاف الذي نتعرض له ونبتلعه, عن الاحتقان الذي أصابني, صار ينـزف من داخلي من كثرة الهواجس والأحاسيس الباردة التي تبحر بجثتي في عالمٍ لا أدري أين آخره, قد ضاق صدري, صار غريباً جدّاً ما يبدر من شاب في مقتبل الحياة, في ريعان الشباب, لا تتسع له فوهة الباب حسب وصفهم, لا شاغل له سوى البحث عن حقيقةٍ ضائعة, مثل الذي يبحث عن وكر ثعلب في ليلةٍ ثلجية داكنة. بعد أشهر من البحث يعثر على الوكر، ينتظر الشهور الباردة لترحل, يذوب الصقيع, ليظهر أن ما عثر عليه ليس بالوكر إنما كان قبراً أعد له دون أن يدري. يتخبط بداخلي شيء, كأنه كرة من شوك الصبار لتذيقني الألم, لتضع في نفسي ألا أبقى ريشة تسبح في فضاءٍ واسع لا نهاية له, أن أجد لروحي مهبطاً, ولو كان بين التراب والوحل. المهم أن أعرف نتيجتي, مرقد رأسي, أن أجد لنفسي تحليلاً وتفسيراً لما نعانيه, ونرضى به رغم بساطة مطالبنا. وأتخذ على أثره مساراً لحياتي التي جعلتها هذه الدنيا أكثر من بائسة, يتمنى المرء أحياناً لو أنه لم يولد, لو أنه ولد بغير مكانه وزمانه لعله اختلف وضعه عما هو عليه, يشتد حنيني لأيام الطفولة التي لم نكن نعرف فيها معنى الهم, لم نكن نفكر إلا بالعيد وكم باقٍ على مجيئه, لنلبس الجديد, لم نكن ندري بما حولنا من الحروب والقتال ووحشية البشر،كم هي سخية الدماء التي تهدر بلا سبب, فقط لكي يبقى الصراع بين الخير و الشر.
لا أدري هل كنت نرجسيّاً أيامها, أرى الدنيا حمراء كلون الجوري, أم كانت نقطة دمٍ في عيني من بقايا ولادتي, انبثقت من الحبل الذي وصلني بأمي, ومن طيبها أوحت لي عن الناس من حولي, عن العالم والملائكة التي فيه, لم أكن أرى فيهم ما أراه الآن، ولم أر الآن في نفسي ماكنت أراه آنذاك, أ يا ترى ما أراه الآن حقيقي أم هو ثمرة غير شرعية, لتزاوج أفكاري وأحقادي على كل من في الأرض من البشر؟
حتى عند الخلود للنوم يبدأ مشوار أصبحت أخافه من تداخل المشاهد, مخاطبة من أراه, ومن لا أرى إلا خيالها (سلافا)، وهي تمسك بيدها شيئاً، كأنه مفتاح أحارب لأصل له, تنادي في عتمة الليل كلمة، أفهم منها، الخلاص، الخلاص. تارةً تضحك, تارةً تبكي, بعد ذلك أسمعها, أرى حشوداً من الناس يصرخون بما لا أفهمه.
بينما نقف على مسرحٍ قديم مهترئ, كل ما يشغلني بالحلم ألا ينكسر خشب المسرح من تحتي بينما أحيي الناس, ملامح وجهي ليست ملامحي أبداً, لكن ما أعرفه حينها بالحلم أن هذا هو أنا, تعابير القلق احتلت بانتصار وهزمت صمودي, يتضح أنها تمد يدها وتنبهني على خطواتي التي كنت من نفسي شديد الحرص عليها.
قلتُ:
- من هي؟ وتغيرت معالم وجهه من الحزن للغضب, سَكتَ قليلاً بأنه غير راضٍ عن كلامي ومقاطعتي له, فصمتُّ وأشعلت غليوني مجدداً, أعطيته إشارة الإكمال, مثل التي يطلقها قائد الأوركسترا لفرقته ليبدؤوا بعزف السيمفونية, سيمفونية دون موسيقا, من نسيج الحياة والحرمان. فأكمل وكأن كلامه لا نهاية له سوى الخلاص على يدي, إما أن أطعن الخنجر في ظهره أو أن أدعه بسلام يكمل حياته.
- صدقني, ليس من فراغ ما كنت أراه في حلمي, فالعلاقة بين (سلافا) والوطن والمفتاح واحدة, لم يكن لدي جواب عما كان يحدث, كنت دائماً أقنع نفسي بأنها أحلام عادية تحدث مع أي شخص, الفاصل بينه وبين الجنون هو أقل من طرف شعرة, ويجب أن أتخلص من كل أفكاري وأحلامي المشتتة, أعيش كباقي الناس صاحب أصلٍ متجذرٍ وهوية, حاولت كثيراً, لم أستطع, بين هذه الدوامة والمعمعة, لم أقدر على أن أكون دمية يحركها الناس ويتقاذفونها, تتجمع في ذهني أفكارٌ كثيرة أريد أن أبدأ وأعمل بها, أن يكون أولها بأن أعرف معنى تلك الأحلام المجانية, لو كانت بمقابل أتقاضى عليها لكنت على أثرها من الأثرياء, لكن الحلم فُسر بعد حدوثه.
صار يتكلم بشتات, تمردت حركات يده على جسده, وصار يضرب كفه المنكمش داخل كفه المنبسط.لمَ؟. الأحلام البائسة تتحقق والأحلام الوردية تُسحق؟ انتقلت للعيش في لبنان بعد أن قاطعته: أعرف أعرف. مثلي ومثل هذا الرجل وأنا أشير إلى شيروان. أنهيت خدمتك بين صفوف الجيش. قلتها له لكي لا يغوص من موضوعٍ إلى آخر, ولا يسرد حكايته الغابرة مثل كل شابٍ كردي قادته قدماه من تلقاء نفسه, خدم العلم والوطن فلم ينعم عليه الوطن حتى باحتضانه.
فأكمل وهو يضحك بملامح بكاء ونحيب داخل صدره:
- تدور الدنيا بي, ويُحلق فكري وذهني كطائر الحجل, هارباً من بنادق الصيادين إلى أن يفقد أمه وأباه, يتشابك مع السماء وينسى هل كان طائراً حرّاً, أم سنونو، أم طائر حجل ولد من غير أم وأب, ولد من رحم السماء؟ ما يقصدون بأنهم من جذور التاريخ, ونحن هبطنا عليهم من السماء، وإن كنا كذلك فنحن رحمةٌ لهم، السماء من أبواب الرب ومن رحمته, نحن بذلك أبناء السماء والمطر. يقولون إنهم أبناء هذه الأرض, كلانا من الطبيعة وكلانا من نسيج الله يكمل بعضنا الآخر.
تارةً أفكر بالانتحار ككل الناس, والخضوع للذُل، و بأن أضع رأسي على المقصلة, أو أرفع الفأس مع قاتلي لأساعده على اجتثاثه, ذلك الرأس الذي يحمل دماغاً بائساً, يطالب بالمساواة والعدالة بين أنياب الذئاب والضباع, الأقوى هو الذي يحكم ويأكل لحم الضعيف, لا يترك لوجوده أثراً على هذه الأرض, يدرك ويعلم أن الضعيف لن يقوى على ردعه, إن دافع عن نفسه فلن يستطيع أن يطالب ببقائه. لكن القوي يتناسى أن البعوضة تُدمي مُقلة الأسد, والليل لا بد أن يزول ويظهر فجرٌ جديد, وتأتي فرصة الذي كان ضعيفاً ليصبح هو القوي, وإن كان بعيداً فهو قريب. لا أخفيك بأن النـزعة القومية سيطرت على كل حياتي, صار لا تفكير لي سوى دعم قضيتي التي أومن بها كإيماني الآن بمذلتي, شغلتني عن (سلافا), عن عشّنا الذي بنيناه بين ثنايا ضلوعنا بأن نتوجه مثل كل اثنين تحابا ليكملا بقية حياتهما متلاحمين مكبلين بأعتق قيود الاحتياج البشري للحب.
انتقلت للعيش بجانبها في بيروت, لكي أجمع بين الحبيبين: الوطن وروحها المفعمة بعبق الدنيا، ثم نظر إلى حذائه, استند بيديه على ركبتيه, معه الخاتم الذي ينعكس به ضوء الأزقة, يحاول أن يثنيه لكن دون جدوى. وأكمل: لم أكن أعرف أنه يجب أن أفكر بشيءٍ واحدٍ فقط, إما (سلافا) أو الوطن وأختار بينهما, فنحن بالكاد نستطيع أن نعيش, كيف لنا أن نحمل الحملين بيدٍ واحدة؟ هذا ما حصل معي. سقطت التي كنت أمسكها بإهمالٍ. تركتني سلافا وقالت لي:
- لا أستطيع أن أعيش مع رجل ستكون نهايته المؤكّدة سراديب السجون, اختفت في ليلة مقمرة, تحت أضواء النجوم, بين الضجيج والعجيج.
قاطعته:
- لا يهمك يارجل، أنت أولاً وآخراً رجل لا يُعيبك شيء، تكفي غيرتك القومية ونزعتك الإنسانية التي صارت عملة نادرة في هذه الأيام الرزية. ثم أضاف:
- ليتها تزوجت مثل كل فتاة تحلم بليلة عرسها, وخيال فارسها, يقود خطاها والدها في زفافها ليسلمها إلى الذي وضع حسن ظنه به, ضاغطاً على يديه بأن يحفظ الأمانة ليُكمل مشوار التناسل المقدس الذي وهب لنا من رحمة الرب.
- إذاً ماالذي حصل.؟
- بعد وصول الروح لقابضها من بين أشلاء جثتي. وبعد مشوار لا نهاية له من البحث والسؤال تبين أنها هربت من بيت أهلها مع شابٍ عربي؟ كان مركز خدمته بنقطة تفتيش في لبنان. هربت لأنها عرفت أن أخواها يفضلان فصل رأسها عن جسدها على أن تكون لشخص من غير عائلتها أو ملتها.
قلت له بغضبٍ وعطفٍ معاً:
- وأنت أين كنت؟
- ألم أقل لك بين عشية وضحاها؟ ثم ليتها أعطتني فرصة, كنت دائماً أؤجل الحديث معها, لا أخضعها لتفاصيل تكرهها بنات هذه الأيام. مثل المعتاد نتأثر بالأشياء التافهة في كل شيء ولا نأخذ عبرة من أي شيء, لا شاغل لهم سوى الانجراف بالتيار السلبي الذي رسموه لنا. لا يعرفون أن العائلة الكردية وتماسكها حيرت صغيرهم وكبيرهم, كان من الصعب اختراقها بأي ترهاتٍ, لكن الآن. آه.. اخترقوا عمق وجودنا بالمظاهر, والمال, صار الأخ يخاصم أخاه, والأب يقاتل أولاده من أجل المال, بحثوا عن نقطة الضعف والخلل ونجحوا في إيجادها, واستغلوها ليشتتونا, كان يقلقها المستقبل والعيش, تخاف الفقر لأنه سيحرمها من ترف الدنيا, لم أكن أريد أن أضغط عليها, لم أكن أسألها من أين أتيتِ وإلى أين تذهبين مثل تربيتنا التي اعتدنا من آبائنا بأن نعطي الحرية لبناتنا في الاختيار والقرار في كل شيء يصادف حياتهن, كانت للأسف من غير الجديرات بثقتي وثقة أهلها, كنتُ دائماً أقول: إنها ستأتي غداً لداري لأهذب نفسها, لأفهمها أني صاحب قضية, وأن بناء الوطن يبدأ من المرأة. ووراء كل رجلٍ عظيم. فلم يكمل.؟ ضاع صوته وهو في حال ٍكسيرة.
- وماذا حصل بعد ذلك؟
- حملت ذنب الدنيا كله فوق أكتافي, جاء أخوها ليلومني بأنه كان سيزوجني إياها بدون حتى قطعة حلي ولماذا أجّلت الموضوع؟. لا يفيد الندم بعد فوات الأوان. كنت اشتريت هذا الخاتم لأفاجئها. قالها وهو يصك على أسنانه وانحنى الخاتم تحت يديه فجأة. وأكمل: لكن أخاها لغاية يومك هذا يبحث عنها منذ سنة وهو يتوعد بقتلها, ولو كان ذلك آخر عملٍ ويوم في حياته.
قال شيروان وهو يستهزئ:
- يريد غسل العار, يعتقد أنه بقتلها سوف يُولد من جديد وتعود الفراشات في حقولهن إلى رحيقها. فهذا حالنا, نُصاب أولاً ثم نفكر بما سنفعله بمصابنا, كان من الممكن تدارك ذلك بحنكتك, كنت بقربها, الآن اقترفت ذنبين معاً: ذنب إهمالك لها وذنب إقحام رأسها في قضاياك طالما عرفت أنه لا يهز فيها شيء من ذلك.
- لكنها كانت ستكون أمّاً لأولادي, كيف لي أن أراهم وهم لا يحملون هموم أبيهم وأجدادهم؟ لقد ألحقت العار بنا ولا بد أن تدفع ثمن بيعها لنا، وإن لم يفعلها أخوها فسأفعلها بنفسي. صرخ بوجهه شيروان وهو يقول:
- العار بك إذ لم تكن لتعرف كيف تتعامل معها وتجعلها ذليلةً لساعدك.
قلت بين جدالهما وأنا أصرخ, غير واعٍ، وفقدت السيطرة على نفسي:
- كفاكم يا رجال. كفى تعلقاً بالتفاصيل الدقيقة ونسيان أن السبب فينا, نحتاج لغسل أبداننا وأرواحنا, نحتاج لغسل عارٍ أكبر من ذلك, نحتاج لغسل عقولنا التي لا تريد أن تعلم أننا لن نرى المجد إن لم نر التغيير في نفوسنا, نريد غسل عارٍ أصابنا من حسن ظننا بكل من يحيط بنا وهو ما أوصلنا إلى الذي نحن فيه الآن. نحتاج غسل عار أعرق وأول حضارةٍ في التاريخ, حضارة ميديا القديمة التي قهرت الدولة الآشورية واحتلت عاصمتها نينوى في 612 قبل الميلاد, حكمت لقرنين من الزمن, ثم خضعوا للامبراطورية الفارسية, وعندما أرسل الله حبيبه محمداً (ص )رحمة للعالمين, أشرقت شمس الإسلام، دافع الأكراد عن الدين الجديد بكل شجاعة وبسالة. عارٌ علينا وعارٌ على العرب والمسلمين والترك والفرس والإنجليز أن نبقى بلا وطن. وبلا رقعة في هذه الدنيا. ألم تسمعوا أخبار الكرد في بعض قرى عفرين الذين هم من بقايا اليزيدية؟ يريدون أن يرفعوا قضية لهيئات قضائية محلية ودولية بأن يعودوا إلى الزرادشتية وأن يعترف بدينهم مثل باقي الأديان السماوية, وبأنهم أرغموا في خضم الفتوحات الإسلامية بقوة السيف على أن يعتنقوا الإسلام, أضاف رشيد لـيُكمل الحديث:
- لا تقدر أن تلومهم, لأن الإسلام والعروبة تخليا عنهم.
سكت رشيد قليلاً ثم أكمل.
-لم هذا كله؟ لماذا كتب علينا هكذا أن نعيش؟ لماذا؟ لماذا؟؟ وكلٌ من البشر بأطيافه وألوانه وأديانه وقومياته نال فرصته وعزه إلا الأكراد.
حينها لا أعرف كيف رفعت يدي للسماء وصرت أنادي كأنه مشهدٌ ميلودرامي. إني أرى طيفك الآن يا صلاح الدين بيننا, في هذه المدينة, في دمشق, في طبرية, عكا ونابلس وصيدا وعسقلان وغزة وجبلة واللاذقية, أسمع صوت الأسطول بمصر, وقعقعة سيوف جندك في اليمن, في القدس الشريف, وقفة عيد الأضحى كانت آنذاك يوم الجمعة, تضاعف الناس وتوافدوا بمكة للحجيج, غير أن العيد بالقدس كان صباح الأحد, لم يرى أحدٌ الهلال ليلةالخميس, نصبت أيها السلطان المعظم خارج قبة الصخرة الخرساء, وصلى الناس في قبة المسجد الأقصى العيد, وقد بر خير عملك, ودر بهيج أملك, ووفر عظيم أجرك, وأسفر وانقشع ضوء فجرك, أما كنت لتتذكر من هم مثلنا ما سيؤول بهم الحال من بعدك؟ هل كان حقداً صليبيّاً مخفياً من أشلاء التاريخ بسببك, لأنّ بعضهم يعتبر أن ذنب الشعب الكردي في رقبتك إلى يوم الدين, أنك أخطأت عندما رفعت علم العروبة والإسلام. ونسيت أحفادك. والجنرال غورو الذي كان يحمل جزءاً بسيطاً من أحقاده عاد, وضع قدمه على قبرك وقال كلمته الشهيرة:
- (ها قد عدنا يا صلاح الدين) ووعد بالانتقام وفعلاً انتقموا. واتفق الكل على الضعيف.
أم كان حقداً إسلاميّاً مذهبيًّا، لأنك أرغمت كل من في مصر ومن حولها بالرجوع لسنة رسول الله محمد(ص ) أم السبب في رفضنا الانسلاخ عن الإسلام, لم نطالب بدولة لنا وهذا كان جزاءنا؟.
قاطع شيروان حديثنا لأنه كان يثيره التاريخ وقصصه الذي كان متبحراً به, وأن ما نذكره هو جزء بسيط من الحقيقة الكاملة لسيرة الأكراد الحافلة, ورمى بسؤاله وسط جدالنا:
- هل ستعقد الجلسة بعد غد حسب ما اتفقنا.؟
- إذاً سأذهب لأهاتف باقي الشباب عن موعد وزمان اللقاء, تركني مع رشيد, أتصفح أفكاره وأنصت كما ينصت الطفل لقصص جدته دون أي حراك, لتكون أذناي معه وعيناي تلاحقان المغادر إلى أن يضيع في كتل الناس, لينشغل بالي مجدداً به, كأني لا أستطيع الجلوس دونه, كأني أفقد عقلي, لا أستطيع أن أقرر إلا بمشورته والرجوع إليه, أفتخر في اللحظة ذاتها بأنني أثرت عليه كثيراً وصقلت له روحه حتى صار سيفاً بتاراً, جديراً بالثقة بنفسه, غيَّر أسلوبه الفكاهي في التعامل وصار حازماً أحياناً, أدركت بعدئذٍ أنه كان على حق, وعلمت سر نظرته المتدنية للدنيا, وكما كان يردد, أنها بلهاء لا تحتضن إلا أمثالها, ربما استهتاره وأسلوبه كان كذلك, لأنه رأى منذ عقد, ما أراه الآن في البشر.
كان عند أي حديث عن أي شيء يرمي كلامه بسهام السخرية, يظن المرء أن كلامه لا يمت إلى الصحة بصلة. فذات مرة قال وقهقه وراء ذلك: إن (تشي كيفارا) الأسطورة بال بلباسه, قبل أن يصيبه العقيد برصاصاته. بدأ بالتجريح وهو يهاجم خصمه, ماذا سيفعل الشيوعيون أحباؤك إن علموا أن بطلهم فعل ذلك خوفاً. اعتقد الجميع حينها أنه يشاكس (فرهاد) ليس إلا.
كنت قد لمته في ذلك الوقت وأن (كيفارا) وسيرته البطولية, دخل التاريخ, صار مثلاً يحتذى به من الجيل القديم والصاعد, لا يجب عليه أن يحكي حكايته مثلما قصها, حرام أن نختزل سيرة بطل استشهد من أجل أهدافه ومبادئه. أجابني بنبرة ندم وألم, بأنه كان يريد أن يلقن (فرهاد) درساً لأنه دائم التأثر بالماركسية, يستشهد بأبطالها ناسياً أبطال الأكراد, ثوارهم وشهداءهم الذين يفتخر بهم حتى أعداؤهم.
عاد مجدداً بعد وقت لم يكن قصيراً, أحسسته طويلاً, بدلت تبغ الغليون أكثر من مرة, لأني اعتدت تبديله كل ساعة مرة, لما لاح ودنا منا قال:
- لقد أبلغت الشباب كلهم بأن يأتوا بعد الغد صباحاً. كان (فرهاد) متذمراً بعض الشيء. وأنه مشغول و...!
أجبته بغضب على نفس عادتي التي لم أستطع أن أهذب تلك النقمة في نفسي:
- مشغول؟ ما هي الوزارة التي سيتركها وراءه ويعرقل عملها إذا ما غاب عنها يوماً؟ كل مرة نتكلم بنفس الموضوع, ندور في حلقة كرقص الهنود الحمر حول النار, إنها جلسة كل شهر أو شهرين حتى نتكلم بها ونسأل عمّا هو جديد, لم نطالبهم بالسعي وراء التبرعات أو عقد ندوات ومحاضرات, أفهمناهم مراراً أن لقضيتك حقّاً عليك كما حقك من مأكلك ومشربك وعملك, إن قصرت طرفة عين بإحداها، هل ستعيش.؟ كيف ستزرع هموم وطن داخل أشخاصٍ ما زالوا يبدون غاياتهم على وطن. ما أمكر الإنسان وما أشد لؤمه! يرفض الركوع لربه والانحناء له بعدم الصلاة بينما إن وقفت أمامه أقبح خلق الله ينحني ليزني بها إرضاءً لشهواته, ليغضب من خلقه وكونه غير آبه به, ثم يرفع يده للسماء لدعائه في أشد محنه. ويقبِّل يدَيْ من يذله, يحاول جاهداً إرضاءه, بينما لو أنه بذل ربع جهده في أن يناضل لينشئ كياناً له لفعل, أين مكان الكرد من كفاح هذا العالم يا شباب؟ أين مكانه الجغرافي بقياس حجمه؟ امرأة واحدة تدعى (روزا) كانت الشعلة التي انطلقت من العبيد ليثوروا ويطالبوا بوجودهم, كان قانون أمريكا يحتم على الأسود أن ينهض للأبيض ويمنحه المكان, لا يجلس السود في مطاعم وأماكن يرتادها البيض, وها نحن الآن نراهم يعتلون المناصب السياسية العليا وانصهروا في مزيج الحياة وأنتجوا ,استفادوا وأفادوا.
نظرت إلى رشيد ،كان ينصت.
-لم ننس موضوعك ولم نغير سياق الحديث لأنه كله متشابك في سلسلة واحدة. وطننا وحقوقنا, (سلافا), أحلامنا. لكن نحتاج أن نتشابك كلنا مثل تلك السلسلة لا نفترق, ولا ننام في رقاد عميق.
الوطنية يا رشيد، تولد مع الإنسان عندما تطرحه أمه كتلةً لزجة, مثل الفن والإبداع, المبدع ليس شريطة أن يكون فناناً, الوطني أيضاً مبدع, يسقي تلك البذرة التي بداخله لكي تكبر الشجرة, وتتفرع أغصانها, تتفتح براعم و أزهار خلوده في ربيع حياته. ثق ثقة عمياء أنه " لن يرى وجه سعادةٍ أي إنسان ما دام أنه عاش وفيه نقيصة اتجاه أي شيء كان قادراً على تغييره ولم يفعل " وأنا لم أطالبهم سوى بالمحافظة على بذرة وطنيتهم التي تقبع بداخلهم, لربما منهم من كبرت الشجرة ثم يبست أغصانها وصارت مهددة بالموت، مثل شجرة (فرهاد). وربما غيره أيضاً. لا يعلم ما في القلوب إلا الله، لكنه خير على كل حال أن ماتت الوطنية بداخلهم كموت الشجرة شامخة ناصبة, ضاربة جذورها بقوة في باطن الأرض.
أفردت بذلك لأن (فرهاد) حاول البعد عن جمعنا ونحن من فتح عينيه, كان الكفاح المسلح وحرب العصابات يسيطر على كل عقله وتفكيره, لا يقتنع بفكرة غير ذلك, رغم أننا أفهمناه مئات المرات أن جمعيتنا سلمية, ستظل تطالب بالوسائل السلمية ولن ترضى بغيرها, لكنه دائماً كان يطالب بإنشاء فريق عسكري, يتولى مهامه.كم أقلقني أنه لمح كثيراً من المرات بأنه سيفعل ذلك من ذاته, تلك كانت الشرارة بينه وبين شيروان, وكان يقول أن بدايتنا لا يجب أن تكون على هذا النحو, بين التنافر ومخالب الاختلاف.
استيأس (شيروان) من كلامي, أعتقد أنه نال من بعض العبارات التي وجهت له وما كان له إلا أن يدافع عن نفسه، أو أن يستغل ما ذكرت لطرفه.
- وأنت ألم تؤثر مصالحك على وطنك؟. ستسافر لتكون أيامنا هذه تدون على كراسات الذكريات الغابرة, تنسى أنه روحك تركتها وراءك لتلهث خلفك ثم تختفي وتفقدها في غابة أطماعك.
- ألم أشرح لك أمري؟. غريب. هل فرض علي فوق كارثتي أن أحاضر للناس كلهم عن سبب سفري؟ لماذا لا تكون أنت أول من يدافع عني, يدعم وجهة نظري ويريحني قليلا ًمن عذاب النفس؟. ألست أنت من سيكون المسؤول عن الجمعية والإخوة من بعدي؟ ألم يكن هذا حُلمك؟
برقت عيناه كوميض سيف يلوح بالهواء لبتر ما بطريقه.! وتلعثم لسانه, اضطربت أحواله صار مثل طفل تعلم الكلام للتو:
- أنا؟.
- نعم أنت، ومن تتوقع غيرك؟
- أتظن في دخيلتك , أني أسعى لذلك؟
شعرت ساعتها أنه تألم من تلك الكلمات.
- لن أفعل, لا أريد ذلك, هناك أكثر من شخصٍ أكفأ مني. وأكثر مني ثقافة وحكم. لا تحملني هذا العبء, أنا لم أستعد وأتهيأ لهذا الحمل. لا بل أكثر من ذلك سأكون نقضت العهود العشرة التي بيننا قبل أن تسافر. والأمر لا يستحق منك كل هذا العناء. الأمور ستمشي على ما يرام ومثل ما تكون أنت بيننا. وسترشدنا بكل تعليماتك حتى من بعد, نحن في زمن اختلف كل ما فيه, إلا خمول أكرادنا.
لا يستحق منك كل هذا العناء. هذا ما قاله. أتراه كان يعرف، وبسبب ذلك كان رفضه؟
كنا آخر من غادر المقهى بعد أن تذمر (بلال) ورفاقه, ذاقت أقدامنا أكثر من ساعة مشياً بطيئاً مصطحباً بسكون الأزقة, كأني أريد أن أملأ جعبتي بأكبر قدر ممكن من التمعن بدمشق القديمة التي نخرت حبها بين أوردتي وعروقي.
قصدت حلب على أمل أن أعود بعد غد, لا أدري لماذا كان (شيروان) يحدق بي, لم تغب عيناه عن التمعن, وكأنه يريد أن يصرخ بأعلى صوته, ارجع. ارجع. إني لم أحتضنك ولم أربت على رأسك, سمعت من بعيد صراخ قلبه. ولم أكتشف سر لمعان عينيه إلا بعد ندمي لعدم وداعه.



الفصل الثالث

عدت لوعيي إثر الغرق في بحور الأفكار, تُرهات السماء البعيدة التي تحتضن بكل حنان أحلامنا, لتوصلها إلى الذي يمهل ولا يهمل. بدأت يومي, بعد إلحاح أمي وأوردتي التي كانت تضرب في رأسي, هممت بزيارة قريتي. كان الجو متبدل الحال, وصار يتقلب, تسمع صوت الرعد ثم يختفي ليظهر وميضٌ جديد, تلاشت الشمس وغابت مودعةً وراء الغيوم الحائرة, الدنيا تتعارك مع حبات المطر أحياناً وحبات البرد تارةً أخرى, شتاءٌ قارص مر على البلاد أتلف محاصيل بعضهم وأحيا محاصيل غيرهم, كنا من الذين اعتدنا على أن يكون لنا في الضرر نصيب, هذا ما اعتدنا عليه وهذا ما رضينا به دائماً. قلة أولئك الذين كانوا يحبذون مغادرة منازلهم, كان الناس يراقبون من خلف النوافذ الزجاجية غضب المطر والبرد وسط امتزاج الرياح والضجيج معها, تؤلف نقر حبات المطر نغمةً إلهيةً شجية, منهم من يجلس بهدوء إلى موائد الطعام, مدافئهم المشبعة بالوقود, تواقون للنار المتأججة, فاكهة الشتاء, نقيض قريتنا الفقيرة, يستعملون الحطب الذي جُمع منذ أواخر الصيف, كوموا كتلة منه داخل غرفهم من التكاسل الذي يدب بأشلائهم في فصل الشتاء. انتظرت في كراجٍ هزيل, الناس وقفوا تحت غطائه ليمنع عن رؤوسهم انهمار المطر, تصدر طقطقةً عالية, تُجبر الناس على رفع طبقة صوتهم, وجدت عجوزاً جالساً وحده القرفصاء استند بظهره على جدارٍ, ممسكاً بيده عصاً ربما جاء بها من بين أغصان الأشجار, انعكفت في آخرها بزاوية, تكاد تكون حادة على يده وأحياناً جارحة, لف قُبتها بقماشٍ قطني, أظنه كان وردي اللون في سابق عهده, تحول إلى اللون النبيذي من كثرة استعماله واتساخه, هم بالنهوض وأنا متجه نحوه, نال جزءاً وافراً من العناء, وصلت له بالتوقيت المناسب لأساعده في قيامه, لم أر حاجةً أن أسأله ذلك السؤال، إنك كردي؟ فدار حديثٌ بيننا مباشرةً, كانت الحيرة تشغله وكان متضايقاً من تأخر الحافلة وعليه العودة ليلحق صلاة الظهر في قريته, فسر لي وجهه بطريقة أخرى, بعد قلة تفكيرٍ, لأكسب ثواباً ودعاءً قبيل سفري، لم أتردد أن أخرج من جيبي ورقةً نقدية ثم أضعها بيده, ردت يدي لي بقوةٍ أظهرت بساعده قوة حمل الفأس, ثم ضحك, تكوم فمه في فمه, واختفت الأسنان فيه, صار جسده يهتز من كثرة ضحكه لكن دون صوتٍ يسمع, حجب المطر وانهماره قهقهته الصغيرة, اعتدل وجهه وقال: شكراً لك، الحمد لله مستورة, ولدي يعمل في لبنان, ونملك ما بقي من محصولنا. كأن ذلك موضع فخرٍ عنده, خجلت من تصرفي وتركته في الحال وأدبرت عنه لأنطلق إلى شأني.
شددت رحالي إلى القرية بعد طول الانتظار, ليأتي الفرج مع الحافلة اليتيمة التي كانت وسيلة النقل الوحيدة, يستخدمها أبناء قريتي التي تقع في تلال (عفرين) واحدة من ثلاثمائة وخمس وستين قرية, بعدد أيام السنة الكبيسة تحيط بعفرين, لا يعرف معظم من فيها لماذا جاء إلى هذه الدنيا, لينكب على الشقاء كبّاً, ليحفر طريقه في الصخر بأظافره التي انسلخت عن جلده, ليس له الحق بأن يفكر مجرد تفكير لماذا هو أدنى من الآخرين, لماذا لا يتدخل بالسياسة, ولابالجغرافية ولا حتى بالدين, لا يحق له التحدث بلغة أجداده جهراً, لينادي بأعلى صوته وسط الناس بأنه له كيان كغيره مثلما يفتخرون بعروبتهم, له الحق مثلهم, يسأل نفسه سؤالاً مريراًَ: لو كان عكس الأمر, كان العرب قلة وهم الأكثرية, هل كان سيفعل مثلهم؟ تلك لا يتقبلها على غيره, ويتقبلها الآن من غيره, محصوله يُحصر بالزيتون, يُمنع عليه زراعة ما يريد حتى بأرضه التي توارثتها أجيال تلوَ الأخرى, بعد مصادرة معظم أراضي الكرد, بقي وجوده كما كان عليه, فرض عليه الزيتون لأنه محصول خصص للتنابل والفقراء, لتزيد أشجار الزيتون في بلادنا على السبعين مليون شجرة, عاماً يحمل وعامين لا يأتي حتى بقوتهم اليومي.كنت أرى الأسئلة الكثيرة في وجوه الناس البائسين معي في الحافلة, ذات الألوان الجهنمية, لم يبق لونٌ على الأرض إلا وتدخل في طلائها, عبارات أقرؤها مئات المرات أمامي, مُضحكة مبكية, لكني أقرؤها, مضطرّ إلى قراءتها, لأنها أمامي, كما يضطر الطالب إلى أن يقرأ ويدرس ما يملى عليه, لا انحراف عن كتابه.
أغلبهم, لا بل كلهم تحت خط الفقر بسبعين طابقاً, لبسوا ثياباً نظيفة كقلوبهم, لكنها ليست مكوية ومرتبة كأحلامهم, كما بدا عليها أنها تلبس فقط عند مغادرتهم القرية, ينظرون إلي بدهشة, يراقبون كل تحركاتي, كأنني أنا غريمهم لأني لا أبدو مثلهم, ظهر علي من خلال معطفي والشمسية التي بيدي أني من أصحاب المدينة البعيدة, جئتهم غازياً لأزيد همهم همّاً, لكني احتجت إلى أن أقول إنني منهم وإليهم, وإنهم مرآة حياتي التي أشاهد فيها وجودي, وذاتي تقبع في ذواتهم, ولا أسمع من حنجرتهم إلا صوتي وصوت إنصاف الغد. في آخر الباص يقبع (بحري) يحمل لفافة التبغ الريفية التي أتقن لفها, يسحب بها ويشهق يخيل إليك أنه ابتلع السيجارة من شدة لهفته, معطفه القديم تكاتف الفقر والزمن عليه ليحدثا ثقباً فيه عند نهاية الكوع, استند به على الكرسي أمامه. كتفهُ يتضارب مع من بجانبه ويرتد من أثر الطريق الإسفلتي الوعر, حاله يُبكي من كثرة الحفر التي به, صار الطريق يستغرق ضعف المعتاد, السائق يحاول أن يتحاشى الهجوم الذي يتصارع معه كل يوم لأكثر من مرة, بأن يبتعد قدر الإمكان عمّا يظهر في الطريق ويربك الذين معه, وكي لا ينكب كأس الشاي الذي أمامه, يحاول جاهداً كلما تمهل أن يتمسك بالكأس وسيجارة تعصرها السبابة مع الوسطى, يشتد قهري كلما مررت من الطريق المؤدية لقريتي, ومناظر من الطبيعة الخصبة التي لم يخربشها لا دخان المصانع ولا فضلات ازدحام القوافل, طبيعة نقية كل النقاء, في ذاك اليوم كان الشتاء قد سلب الأرض الثوب السندسي, ترك غيره أرضاً حمراء مبتلة كالدماء التي تحتاجها لكي تنهض, فتشعر لبرهة من الزمن لو أن البيوت خشبية والطريق معبدة بأنك تمر بين جبال الريف الفرنسي, لو كان هناك أدنى اهتمام سياحي بالمنطقة لرأيت السياح انكبوا عليها من جميع بقاع الأرض, لم لا وهي أرض حضارات, توجد العشرات من القلاع التاريخية غير المنقب عنها, وضعوا حولها الأسلاك الشائكة, بعدما نهبوا واقتسموا ما ظهر لهم من ذهب وكنوز دفينة، يبررون فعلتهم بضبط ضد مجهول والطريق الوعرة هي التي حالت دون الوصول السريع إليها, طريق تهريب الآثار إلى أوروبا وأمريكا ليعرض الماضي في متاحفهم أكثر سهولةً عندهم, كيف ستعمل الحكومة على تعبيد الطريق للعبيد, وهي لا تعترف بك كإنسان؟ لا تريد لأرضنا أن تُزرع بها الحمضيات والقطن وغيرهما. لتلبس ثوباً يزيد جمالها ويظهر مفاتنها, يزداد مردود أهلها, ستعكر عقلهم الرفاهية, وسينشغلون ويفكرون بما هو أكبر من كسرة الخبز, أي قانون هذا؟ يحتاج المرء إلى موافقة الحكومة ليزرع أرضه, ويعلمون من يزرع حتى الأفيون والقنب ويتفرجون أو أنهم كما يعلمون يعملون. تذكرت كلام أحد الأصدقاء الأردنيين, الذين زاروا قريتنا, مكث أياماً وليالي طويلة بعدما كان المقرر فقط المبيت ليلة واحدة, قال لي بعد حدثٍ حصل, عندما حان وقت الإفطار, تأخر خالي في العودة من القرية المجاورة لشراء الخبز لأن الفرن في القرية لا يعمل, قال بإشفاق: الدنيا أين وصلت وأنتم يا مساكين إلى الآن بحسرة الرغيف, قالها وتردد بقولها, لأنه كان مخضرماً بالسياسة ويحسن الإنصات لألحانها. الحق معهم يجب أن يشغلوكم وعقولكم بما هو أدنى منكم, يظل رغيف الخبز هو هاجسكم, بذلك يثقون من أنهم يحكمون السيطرة عليكم. ما معنى أن تُصدر مئات آلاف الأطنان من القمح للخارج, وتقطر عليكم النعمة في الداخل. ضحك حتى بانت أسنانه, صار يُكمل واستشهد بما قاله الفيلسوف الإيطالي ميكافيللي.
- ( اجعل شعبك يطمع في مالك ورحمتك, سوف يلهث وراءك ويدهس كرامته ودينه وأولاده, لكن, إذا جعلت آمال الشعب سهلة وممكنة فسوف يفلت منك ويتآمر عليك, كما أن الكلب الجائع سيركض خلفك, كذلك الشعب, فاجعل كلبك وإخوتك وجيرانك جياعاً يلهثوا وراء حذائك ) . أضاف ليُكمل وهو منفعل.
- هل تعرف لماذا قراكم تفتقد للصرف الصحي وجديدة العهد مع الكهرباء, الماء مازال مشكلة بها؟ لو قارنتها بقرية من قرى ريف دمشق أو الساحل, أصغر شوارعه لبس الإسفلت, مدارسهم, مستوصفاتهم والخدمات الأخرى التي يتحلون بها, ستجد أن الميزانية التي تُعطى لعفرين ولكل القرى التي حولها هي ميزانية قرية مسؤول في غير منطقتكم, لرأيت الفرق والبذخ, حتى أنني اكتشفت السبب دون أن أدري وأجبت نفسي دون أن أعلم: لأنه ربما لم أجد من يصادفني من غير الأصول الكردية. أتذكر كيف أجبته وأنا أرى الصمت يشغله وكأنه يحدث نفسه:
- إنها ممارسات على الأكراد بالذات لكي لا ينظروا إلى الأمام. لكي يبقى التخلف دائماً وأبداً معششاً في عقولهم ويبقوا دائماً وراء كل الناس. فهمّ إكمال الدراسة وحده يكفي لأن يصرف والداه النظر عن إكمالها لأن مصاريفها ستكون عبئاً كبيراً عليهم. ويُقال عنا إذا تنفسنا بأن لا نذكر الحكومة بأي سوء لأنها من علمتنا بمدارسها, فإن نجح الطالب للثانوية يحتاج كل يوم ٍ أن يذهب إلى عفرين, فكر معي لو أن امرأة جاءها المخاض وستلد تحتاج أن تقطع أكثر من ثلاثين كيلو متراً لكي تصل إلى أقرب مستشفى غير مختص في (عفرين) لا يقدرون على إسعاف خروف, وفكر أيضاً لو أن أحدهم أصابته نوبة قلبية. وغيره وغيره. هل أحدهم قد حلت عليه اللعنة مثلنا, لماذا لأن قدرنا أننا خلقنا أكراداً؟ وهم أعراب.؟ ضحك ليقاطعني, لكني أكملت. ماذا تسمي القضاء على الورود, سحق الزهور, تضييق الخناق على الشباب في عمر الريحان لكي لا يرى بعينيه سوى الهجرة. الذي يدهشك حال بيوت كل قرية, هرب شبابها إلى كل بقعة في الدنيا من أوروبا وأفريقيا حتى السند والهند لكي يتخلصوا من بؤس حالهم وأحوالهم, لكي يُرضوا آباءهم وأبناءهم.
تنهدت مع أنينٍ في داخلي يذكرني بكلامه, ما وصلنا إليه والجلسة الأخيرة التي كانت مع شباب العائلة في القرية, كنت وسط الضحكات والمزاح أقول لهم: - يا شباب! لنودع بعضنا ربما لن يلتئم شملنا هذا حتى آخر يوم في عمرنا. فعلاً, هذا ما حدث, كلٌ ذهب في همه, يحمل في داخله آماله, أحلامه، بعيداً عن قصص الإحباط: ياسر إلى السويد, عبدو في إيطاليا, حسين مع بشار ومروان في ألمانيا, ربما لحق بهم رامي, بدري في اليونان مع أبناء عمومتي, والآخرون في قبرص, هل يا ترى سيلتئم شملنا مجدداً بنفس تلك الوجوه.؟. أظنه ربما في الجنة.غدا حالنا, لا يخلو بيت ليس له ابن أو أكثر يتخبط مع رياح الغربة فوق نهب أرضنا, بحجة التصحيح, المحاولات البائسة للقضاء على حضارتنا وعاداتنا وتقاليدنا وهويتنا, عربوا أسماء القرى التي تحيط بعفرين, صار كل شيء يحمل اسمين حتى الإنسان, كم هو مقدار تعفن عقولهم! الاسم سيظل مزروعاً بداخلنا مهما عربوا, مهما تمردوا, لن يستطيعوا أن ينكروا أننا نحن من انتصرنا في ذاك الشق, رغم كل التهجير للقبائل الكردية, سياسات التعريب, التتريك, التفريس, غيرها, لازالت عاداتنا, تقاليدنا, لغتنا, لهجاتنا, قاموسنا قابعة بداخلنا عبر التاريخ منذ آلاف السنين. لم يستطيعوا أن يفعلوا ما استطاع الإنجليز والفرنسيون أن يفعلوه في بلادهم خلال أعوم قصيرة من الاحتلال, قلبوا ثقافاتهم, وعاداتهم رأساً على عقب, قسموا البلاد طولاً وعرضاً ونحن ما زال أبناؤنا يحملون أملهم, ما دام باقياً على هذه الأرض طفلٌ كردي رضيع يستنشق هواء الله, فيعني ذلك أن قضيتنا باقية, مهما أبادوا وقتلوا فلن يقتلوا الأمل الذي يتلألأ كل فجر أمامنا.
توقف أنين المحرك, فجأة, قطع استرسال الأفكار بنصل الجمود, نزل بعض الناس في القرية التي بجوار قريتنا غير ناسين الدعوات والوداع, عادت قطع الحديد من جديد للحركة, ربان سفينتنا البرية أنهى كأسه, صار يضرب الأبواق معلناً قدومنا, طال نظري من بعيد أطفال القرية البؤساء يتأهبون للحاق والتمسك بمؤخرة الحافلة, يحزنني حالهم, كنت دائماً أحلم بأني سأجلسهم في يومٍ من الأيام حولي, لأتكلم معهم عن أحلامهم, لأنشئ نادياً صغيراً يتعلمون فيه الرسم والفن واللغات وكل ما تستطيعه نفوسهم, لكي لا يتأثروا بأهاليهم وأفكارهم التي تزرع بهم حب الهجرة. لكن الأوان قد فات. فأنا الآن أحتاج إلى نفسي في تلك الأيام, لتتقلب بين ثنايا أحاسيسي, لعلها تقنع النفس التي لا تشبع بالعزوف عن السفر, كانوا كلهم يتحدثون بعيونهم بأن لا أتركهم, أجيبهم بنفس الطريقة, بأن فاقد الشيء لا يعطيه, تغير لون وجوههم من التربص بالشمس في صيفها الفائت, حتى حلول ذاك الشتاء بقيت آثارها, يسيل لعاب بعضهم, بعضهم أنفه رطب, استعان بساعده لكي يخفي ما يخجله, الآخر يمسك بنطاله المهترئ بيد لكي لا ينـزلق عن جسمه وباليد الأخرى يتعلق بسعادة فائقة بالحافلة. عند وصولنا تجمعوا ليراقبوا الوجوه الغريبة عن القرية, وصار كل واحدٍ منا يتأهب للنـزول, الصغير يدعو الكبير للمجيء لزيارتهم, دعواتهم ترافق عبارات السلام والوداع, فيبادره الأكبر بنفس الجمل والاحترام, هكذا اعتدنا, وهكذا نشأنا, بأن تكون الأخلاق لغة التعامل بيننا, بقيت جالساً في مكاني كوني كنت أصغرهم لأكون آخرهم في النـزول.
وطئت أقدامي تراب القرية, لو كان الأمر بيدي, لكنت اخترت أن يطأ التراب على رأسي. وقع نظري من بعيد على بيت عمي, كان في السابق بيت جدي, دكانه المتواضع, تجمع خليط من الأولاد والشباب أمامه, قدماي تجرانني إلى بيت جدي الثاني, اكتفيت بأن أرمي السلام من بعيد ملوحاً بيدي ثم أتملص بخطواتي إلى المنحدر الصعب, حيث المكان الذي أريده, لكي أوفر على نفسي ساعتين من السلام والكلام, ألحق قبل زوال الشمس لأتناول عشاء الروح الأخير, وألقي النظرة الأخيرة على قريتي من على سطح بيت جدي, قبل سفري بيومين, لأنضم إلى قافلة الذين غلبهم الهم ونجحت معهم سياسة التجويع ثم التشجيع على الرحيل.
دخلت بيت جدي, بعد التهليل والترحيب, قبلت يد جدتي, ألقيتُ السلام على كل الحضور, منهم من كان غير مرغوبٍ فيه فتأهب للمصافحة حفاظاً على أصول المجاملة, منهم من حضنني عناق اللقاء والوداع, لأننا ربما لن نتقابل ثانية, حسب علمي كلانا مسافر على متن نفس القطار الذي كتب عليه كفاح الحياة.
استأذنت. أو بالأحرى هربت منهم, من أحاديثهم المكررة, التي لن توصل إلى أي نفع أو جدوى, لن يقتنعوا مني مهما حدثتهم, وتكلمت معهم وأوضحت وجهة نظري, عن سمعتي التي نثرها أبي في كل جبال عفرين ووديانها, هي التي سادت وظلت كذلك, بأنهم كونوا فكرة لا أحسد عليها, وأن المتجر الذي أقمته فشل كفشلي, لكن الرب عليم بأني بدأت المشروع من نفسي, دون مساعدة أي إنسان على هذه الأرض, كنت ضعيف القلب عندما كان يلجأ لي أي شخص بالشراء بالدين والمؤجل, لا أتردد حتى لو لم أكن أعرفه, كنت أفرح لمجرد أنني رسمت حول شفاههم البسمة, إنَّ لهم الحق كغيرهم بأن يلبسوا, يتمتعوا, يجوبوا الأرض فرحاً بالطول والعرض, ربما كان خطئي أنّي خلطت العاطفة مع العمل, وهذا السبب وحده يكفي وليس له معنى في عالم المال, لست مضطرّاً إلى أن أشرح لهم وأضيع وقتي بالدفاع عن نفسي, لأن ما يغنيني هو قناعتي بأني وسط أناسٍ آخرين, هم إخوتي جمع شملنا في الجمعية والتفوا حولي, ينظرون إلي بجمٍ من الاحترام والتقدير.
وهذا ما عوض قربهم مني ببعدهم عني.
بعد انقضاء وقت المراوغة, لبست معطفي, توجهت لخارج اللعبة لأشبع ما بداخلي من الرياح والمطر, أصوات الحقول, حديث الجبال بعضها مع بعض, تدمدم ما بينها, بأنا لسنا جديرين بحمل اسمها, إننا حملنا لقب أبنائها الذين عرف عنهم في السابق أنهم لا يكونون ريشة في مهب الريح, أنهم كانوا لا يرضون بالذل أبداً, فما الذي بدَّل حالهم؟ صارت ترتعد فرائصهم لمجرد ذكر الوجود. تأملت باحة البيت الكئيبة, صارت تتمايل من بين أقدامي خوفاً من نظراتي التي كان يُقرأ بها, بأني أعد للرحيل وتهيأت. ولن يعرف لذلك البيت قدراً وحبّاً أحد مثلي, كان كل شيء على ما هو عليه, صورة جامدة وسط عالمٍ كبير متقلب, لو عدت بعد عشرين سنة لرأيت أنه لم يتغير شيء, لربما الوجوه فقط قد يتغير بعضها بحكم الزمن, غيّرها إرضاءً للنسل والتكاثر, ما زالت شجرة الليمون قابعة وسط باحة المنـزل, ربما كانت الذكرى الوحيدة الحية من ذكرى جدي رحمه الله, رغم أنه شيد المنـزل كله بزنوده وأنامله, لكن الشجرة فقط تجد أن كل وريقاتها تحمل اسمه, حتى وقوفها بشموخ مثل وقفته, دخلت المستودع الأحدب, رُكنت فيه أغراضه, لألقي نظرتي الأخيرة عليها, لأنهم أسرع شيء يتخلصون منه الذكرى, كانت أشياؤه مبعثرة هنا وهناك, كأنه سيأتي بعد قليل لينهي ما بدأ به, العلبة الخشبية التي كانت تحمل أشياء الحياكة, تذكرت آخر لقاء لنا كان في نفس المكان, كنت أراقبه عندما كان يخيط معطفه الخاكي الذي رافقه دهراً كاملاً, وهو يضغط على الإبرة برفق أحياناً, أحياناً أخرى يرافقها صك بأسنانه, كانت تعابير وجهه تتبدل مثل حال الإنسان, أرى الرفق والجبروت في آنٍ واحد في حركة يده, أراقب بتمعن ذاك الخيط تجره وراءها تلك الإبرة, كيف أنها تكسي كل شيء لكنها تبقى عارية, ترضخ لأصابع جدي التي كانت تارةً تدلل الإبرة, وتارةً تقسو عليها لتشق الطريق للخيط الذي لن يخرج عن طريق الإبرة أبداً. شأنه شأننا منذ تفتحت عيوننا, نحن كنا الخيط, هو كان وما زال الإبرة يشق لنا الطريق لنمشي على خطاه. بعد أن استودعت طيف جدي, عاهدته أني سأحاول جاهداً أن أمشي في ذلك الطريق, لمحت ابتسامته التي تدل على رضاه عني, حتى لو لم آت وأشهد وأصلِّ عليه عند دفنه لكن الملائكة التي بجانبه ستدله على الأسباب التي ألزمتني المكوث في خدمتي بالجيش. وأي تضحية يريدونها أكبر من هذه؟. في ذاك اليوم يبّس ضابط الأمن رأسه, حلف الأيمان أنه سيرفع بي بطاقة بحث تؤدي بي إلى السجن. وأن موضة موت الجد صارت قديمة رثة, فكل مجند يموت جده وجدته عشرات المرات خلال فترة خدمته.. لكن آه. أحاول أن أنسي نفسي وأشغلها, أرى مجدداً أن كل شيء في هذه الأرض من شقاء وحزن له علاقة حميمة مع (خضر) وغيره, بعض الأشياء يُنسى وبعضها لا ينسى, مثل الدرج في بيت جدي المؤدي إلى البيت القديم الذي هجروه, استبدل به البيت الذي يقطنونه حالياً, كان إسطبل خيول. فبدّل بعد أن أعيد ترميمه وبناؤه, تلك الدرجات كالحياة, مر منها مئات البشر يعرف السيئ منهم كما يعرف الخير منهم, تُرك البيت القديم. دون أي حراك. كان ذاك الدرج الذي أذكره من طفولتي كمنحدرٍ قوي يوصل للأعلى, أتذكر أني سقطت منه, بكيت في طفولتي كثيراً من أثره, لأننا كنا نركض على مهلٍ, لا تلبث أن تتحول تلك الهرولة إلى جري أسرع من العدائين بسبب الانحدار القوي وقانون الجاذبية, لم نكن قد سمعنا به, كنت أشعر أنها مسافة بعيدةٌ جدّاً. كان الشعور ربما لصغر سننا وضآلة أحجامنا, أتعجب الآن وأنا أقطع المسافة بثوان, هل لهذا القدر كبرنا, لأصل إلى ذلك البيت المهجور, أفتح بابه بالمفتاح النحاسي القديم, كأنه مفتاح حصنٍ منيع, أرى أول شيء تلك الصخرة التي تجدها عند مدخل أي بيتٍ ملساء ناعمة, توضع لكي يجلس عليها صاحب البيت عند أول وصوله لكي يلتقط أنفاسه المحشرجة, وتدب السكينة بأشلائه. كان الهواء يمر, كأنه هواءٌ من قاع الجنة, يداعب كل نقطةٍ في أجسادنا التعبة من كثرة الهرولة, الطفل الذي كان يظفر بالجلوس عليها, محط أنظار الجميع بأنه أول من يتلقى العيدية عند دخول الضيوف والحسد يمزق قلوب الأطفال البقية الذين كانوا يتشاجرون, ثم يتبادلون الجلوس عليها, كان البيت عبارة عن قسمين خصص القسم الأيمن للنساء, والأيسر للرجال, أستجمع ذكريات الأيام تلك, أذكر منها أن النساء جلسن, تكومن بعضهن حول بعض, يتسامرن, خالاتي, بعض عماتي, أولادهن الذين كانوا يزعجون أحضانهن, بعض الضيوف، أمي, جدتي, زوجة خالي, كثيرات كن يجلسن في ذلك المكان, لا أدري كيف كان يتسع لهن جميعاً, يتكومن بعضهن على بعض, نساؤنا الآن كل واحدة لا تكفيها الدنيا بأسرها ولا تتسع لها, كانت إحدى النساء الغريبات تسألني أمام الجميع, كلما لاقتني: قل لهن كيف يولد الطفل. وهي تضحك, كنت أجيبها: إنّ المرأة تأكل وتأكل لحماً كثيراً وأحياناً تأكل من بين اللحم عظاماً, فيتكون الولد ثم يولد, أرى بعدها قهقهة النساء وبحياءٍ شديد, أدركت فيما بعد لـمَ كنّ يضحكن.
كانت أرضه من الطين, جدرانه من اللبن الذي يكسى ويتساقط بسرعة, الأعمدة قد صفت بإتقان في السقف, تجد عند كل جدارٍ روزنة توضع بها أباريق منقوشة, صحون زجاجية مزخرفة, السنونو بنى عشّاً في سقفها, بين غياهب أعمدتها, يغيب ويأتي ليطعم صغاره, ذلك المنظر البريء تجده في كل بيت دون أن يتأثروا به أو يتأثر بهم, تضع إحدى خالاتي على الأرض تحت العش قطعة من القماش التي خصصت لفضلات السنونو, يستيقظ قبلهم وينام قبلهم, عند كل صباح تجد رائحة التراب الشذي الذي كان ينضح بالماء, رائحة التراب المبلل لم تعرف كهوف صدري أعذب من ذاك الهواء الذي كانت تبتلعه, الجهة الأخرى من البيت كان الرجال يجلسون, يتسامرون, ما عدت رأيت بعدها بحياتي كتلك الملامح, كيف أن البرَكة تطفح من أعينهم, لا يبدو على أحدهم التذمر أو عدم الرضا بسبب ضيق المكان, تربع عليه العشرات, أصحاب البيت يهرولون لخدمتهم بإحضار الوسائد, كان بداخلها شيء يخربش, لربما كان تبناً, لتغوص بها يد من يستند عليها, والوسائد القطنية المعدودة, يحظى بها الضيف الغريب الذي يتربع في صدر البيت, عُلقت صورة في زاوية المنـزل لخالي (حسين) في أيام السبعينيات, شعره طويل, وله سالفان يأكلان نصف وجهه, ابتسامته غامضة, كانت أياماً جليلة مر بها, وأفرد الكثير من سني شبابه وهو ينتعل الأحذية التي ترى انعكاس الضوء بها, يحرص على إبقائها كذلك قدر ما استطاع, تصدر زكزكة النعل بالتراب, كان العهد عهده, ليلبس الجاكيت الذي يضيق عند الخاصرة، وسلسال بسبيكة ذهبية يتدلى من عرا صدره, قد نما به شعر الشباب, افتتاناً لشهقة النساء.
الوسائد والفرش التي كانت تفرد عند حضور الضيوف, نزل نصفها من مكانها, ألوانها تحمل كل ألوان الطيف. توضع فوق مستودع الحبوب الخشبي, يسمى العَبارة, لا تستعمل إلا للضيوف والأقارب في الأعياد والأفراح والأتراح, المرآة التي كانت على الجهة اليمنى عند ذاك القوس, بعض النساء إن خلا البيت من الزوار تتبرج أمامها, لتعقد شال رأسها الكردي, القوس يخفي وراءه كل أدوات الطبخ والترف والضيافة.
أشعلت غليوني وأنا أنظر إلى تلك المرآة الوحيدة المتبقية, لأرى كيف سأنقلها من ذاك المكان، أراها حزينة, لا تريد ترك المكان الذي عاشت فيه دهراً من الزمن ومكثت معه أكثر من أي إنسان, كأني سمعتُ قائلة, أنا المرآة, لو أخذتني أو لم تأخذني, لم يعد أحد يريد أن يرى نفسه من خلالي, في هذا البيت. عندها, شعرت أن البيت أجهش, وصار يصيحُ من خلال جدرانه وحزنه وما آلت إليه حاله. أصبح يُخاطبني, أسمع صوت حجارته وكل حبة من ترابه.
- أنا من ضممتهم بين ثنايا ضلوعي, أنا من زارني عدد لا يحصى من الناس منهم من هنأ بولادة العديد فيه, ومنهم من حزن لوداع الأعزاء فيه, أنا من زارني التجار من تركيا, الأستانة, حتى أكبر شيوخ النقشبندية. فرحت لفرحكم, وضجرت لحزنكم, وخشعت لخطب وأناشيد شيوخكم, أأستحق أن يصل بي الحال إلى هذا؟.. لمَ لم يتكاتف الإخوة على ترميمي وإعادة الحياة ثانية بين جدراني؟ هل صارت الحضارة إسمنتاً ومعادن وكهرباء وإنارة؟. ألا أستحق أنا جزءاً من هذا؟ ألهذا القدر ينسى المرء أصله وفصله وماضيه؟. سكتُّ لأني لا أستطيع الأجابة. خرجت من المنـزل مودعاً وهو لا يزال ينادي. لكني أصررت على المضي ليفهم أن هم كل إنسان الآن نفسه ولا شيء غير ذلك, يحتاج كل منهم إلى ترميم نفسه قبل أن يفكر في ترميم منـزل أجداده, ويحتاج أن يعرف أن التغيير ليس فقط بالمسكن والملبس, التغيير يجب أن يكون في نفسه ولنفسه من نفسه.
أغلقت الباب رغم علو صراخه, صعدت الدرجات التي تؤدي إلى السطح الفسيح, على جزءٍ منه البئر الذي غطي بغطاءٍ من الحديد المقصوص من البراميل المعدنية, بعد أن استوت الفوهة التي تكون, تركت لكي تمسك بالأصابع بعض ألواح الخشب التي أحكمت إغلاقه. يميناً الحجر البركاني القديم, كان يُستخدم ليسوى به السطح، ولدحر النتوءات التي كانت تظهر, ما زال ماكثاً في مكانه كما تركته آخر مرة, شاهدت مثيلاً له في متاحف مصر غطاه الزجاج وحفظ واعتني به, في الجهة الأخرى كانت تقوم جدتي, وتوقد ناراً فوقها, تضع عجيناً عجنته باكراً, بعد أن تصفقه بكلتا يديها, تراقب هيجان النار حتى ينقلب العجين خبزاً ريفيّاً, رقيقاً كورق التبغ, شهيّاً كالسلوى من يد السلوى. وجدت خطواتي تتجه لتلك الفسحة التي تطل على كل القرية, من ورائي ذاك الجبل الأشم وشموخه يذكرني بقصص الأبطال, الهاربين, المحكومين إلى الآن, تروى قصصهم, التي رفضت الانحناء للعدالة غير الكاملة، عدالة الأغاوات, الإقطاعيين والظالمين الذين استبدل بهم الآن آخرون أجمل منهم ربما بالمظهر وأسوأ منهم تحت أقنعتهم. أرى قطيع القرية قد عاد من الجبل, لم يعد يألفه غيره الآن. لم نعد رجال الجبال ولا رجال هذه الأرض, معلقين بين السماء والأرض, الأطفال الذين ما زال بعضهم يلبسون زي المدرسة, جاؤوا يقودون خرافهم وماعزهم إلى الحظائر.. يختلط صوت الأجراس مع نهيق حمارٍ وصيحات بعض الفتية.
يقاطعني صوت خالي وهو يناديني للنـزول وأن الجو بارد. سيقول عني الناس إني فقدت صوابي، أو إني عاشق, نعم، كنت كذلك لكل من حولي, عاشقاً، للجبل والأرض والبيت.
قلت له: أرجوك اعتبرني ضيفاً, لتعمل لي زوجتك فنجان قهوةٍ وسأتي لأخذه. مر قليلٌ من الوقت لأرى (جيهان) زوجة خالي، وبسمتها لا تغادر ثغرها، تمشي مسرعة, تريد إعطائي القهوة والرجوع بسرعة لبرودة الجو, تعتذر, تبرر بأن الجو شتاء, لا أحد يجلس على السطح لذلك لا يوجد أي كرسي أو مكان مخصص للجلوس. وضعت الفنجان على الحافة, قالت لي وهي تلبس وشاحها الصوفي وجوارب شتوية بحتة وحذاء من البلاستيك الفاقع:
- ما بالك تركت الناس جالسين وصعدت إلى السطح؟ كانت تعتذر عنهم معتقدة أني قد أتكبّر عليهم.
قلت لها:
- لا بأس هذا رأيهم وأنا من أنصار تعدد الآراء. ثم تركتني وحدي, تعتقد بأني مازلت حزيناً لكلامهم. لكن حزني أعمق بكثير من الذي يشعرون به ويرونه أمامهم. حزني عليهم, على أحوالهم, حزني على نفسي, على بيت جدي، على ماضينا وحاضرنا, حزني على (سلافا).


الفصل الرابع
قصدت مدينة حلب في نفس ذاك اليوم الطويل, لأرتاح, بعدها توجهت إلى دمشق, وصلت كما أذكر في السابعة صباحاً, أقلني سائق تاكسي أرعن قد أشعل المذياع, صوت فيروز الذي انصهر مع تلك المدينة المقدسة, كان كثير الكلام لم يترك لي دقائق الهدوء التي هي أثمن شيء عندي في آخر صباحٍ لي لأنصت لصوت الصامتة مع صمت الشوارع وسيل من الناس. سيارته ملئت بالخرابيش والزينة الكثيرة العديمة القيمة, كأنها وضعت لتحجب عني رؤية تلك المدينة الضائعة مثلما حجب كلامه إنصاتي. وصلت مقهى القطار الذي كان في مبنى الحجاز. كنا قد اكتشفناه معاً أنا وصديقي (رامي) والذي مأساته بحد ذاتها تحتاج لعدة كتب، جلست في ذلك المقهى, ملأت عينيّ به، ذو طابعٍ كلاسيكي, عبارة عن مجموعة من عربات القطار التي وُصلت بعضها ببعض, كتب عليها باريس دمشق, نُسقت تلك العربات التي ربما كانت من بقايا الاحتلال الفرنسي, سميت كذلك لتكون اسماً على مسمى, رتبت العربات بديكور مزج الحداثة بالقدم, كل عربة صارت غرفة منعزلة عن غيرها, زواره قلة, ربما لم يكن في وقتها عُرف عند الكثيرين, خاصةً أنه كان بمدخل غير واضح المعالم, ولم يمر وقتٌ طويل على افتتاحه, سلم علي صاحب المقهى (عزام) شاب من دمشق ممتلئ الجسم والوجه, شعره الطويل تخفى بعض طوله خلف أذنيه, يشبه إلى حدٍّ كبير شعر شيروان, كان يجلس وراء المنصة كالعادة, الموسيقا الغربية ملأت المكان, الكؤوس صفت فوق رأسه, رتبت بإتقان لتعطي المكان حيوية الشباب, الصحيفة لم تصل، وهو يتصل يتذمر عن سبب تأخرها، ثم يعود للسؤال عني وعن أحوالي, عن (رامي) وما فعلت به الأيام بعد إنهاء خدمته بالجيش, هل عاد مجدداً لألمانيا؟ أجبته: لا أعلم لقد انقطعت أخباره. أضيف لحديثي له أني سأسافر غداً إلى الخليج. يسألني بنهم عن الراتب ثم يضرب ويجمع بالآلة التي أمامه ليجيبني: تعال واعمل معي بنفس الراتب، ثم أردف ليصحح كلامه، كأنه يعتذر: المحل محلك تعال وشاركني. أجيبه بصمت: إني هارب من المجهول ولن تستطيع فهمي, ولو كشفت كل أوراقي أمامك ونثرتها بالعراء.
جلست حتى الساعة التاسعة بعد أن طلبت منه أن يشعل صوت فيروز الذي فاتني عوضاً عن تلك الضوضاء التي لا تسمع في صباحٍ دمشقي بارد.
تركت المقهى, توجهت إلى موعدي لكن هذه المرة كان السائق عجوزاً صامتاً طوال الطريق. كنت بحاجة للتكلم مع ضحكة بداخلي بأن الدنيا وحظوظها تعاكس المرء في أبسط الأشياء. كنت بحاجة لأتعلم من خبرته التي رسمت من خلال تجاعيد وجهه تقاسيم العناء والمرارة. رقبته مدت للأمام بعدما ضعف نظره, دخلت مباشرةً معه بالحديث دون إطراءٍ لأننا اقتربنا من المكان, لا أريد أن أمر عليه مرور الكرام, كالآلاف غيري, أريد أن أكسب من كلامه أي شيء: حجي! مارأيك سأذهب للعمل بالخليج؟. أجابني مباشرة مثل سؤالي, بنفس الجدية التي سألت بها: لا تتوقف اذهب اليوم قبل بكرة, قبل أن تمر عليك الأيام وتصبح مثلنا يركل بك التكرار, كأننا عشنا هذا الدهر يوماً واحداً, لا يختلف عن غيره, وتتحسر على الشباب الذي ضاع بالأزقة, على أرصفة المقاهي, لا شيء في هذه البلاد, لقد كوشوا على كل شيء, ختم كلامه بعبارة "حاميها حراميها". توكل على الله يا بني. فاجأني بأننا وصلنا, أوقف عربته التي كانت خالية من كل شيء إلا المذياع الذي لا يسمع صوته. عكس تلك التي لم أكن أريد أن أبدأ يومي بهذا الشكل. كأني كنت أريد البقاء معه أكثر ليعيد كرة الصباح, رحلت عنه لكي لا يندم على كلامه الذي قاله. وأني مكثت معه لكي أسمع المزيد وسيراوده الشك بأني من الناس الذين يصطادون بالماء العكر. ويرمون الطعم لتبتلعه الفريسة ثم يجهزون عليها دون رحمة.
دخلت ذلك البيت القديم في تلك الأحياء المنتشرة بضواحي دمشق, استقبلني (بهزاد) بعبوس وجهه كالمعتاد وحاجبيه المتلاصقين دون فاصل بينهما, يشد على يدي, يرحب بي لأمازحه: - ألم تبتسم بعد؟. ليجيبني:
- هل هناك شيء في هذه الحياة يستحق الابتسامة؟.
- أين (شيروان)؟ كان ذلك أول سؤالٍ لي.
- لم يأتِ بعد. باقٍ على موعدنا نصف ساعة. ربما تاه في زحمة الطريق. سيأتي عاجلاً أم آجلاً. تعال واسترح من تعب السفر والطريق.
- هل كل الشباب موجودون؟
- نعم. حتى (رشيد) قال (شيروان) أول من أمس إن هناك شابّاً جديداً سيكون بيننا, كان أول الموجودين ربما أخذ العنوان منه, يعرف كل صغيرة وكبيرة, كأنه كان منذ التأسيس معنا.
- أتابع الكلام معه ونحن نجوب الزقاق المؤدي إلى تلك الغرفة في بيت (بهزاد) وأنا أسأله: ومارأيك به.؟
- لا رأي بعد رأيك.
- دعك من هذا الهراء فنحن لسنا في محكمة, قلت لكم: لا أريد التأثر بقدسية الشخص الواحد, نحن كلنا روح واحدة وآمالنا واحدة ونظرتنا للأشياء يجب أن تكون واحدة, نتناقش في كل شيء, لا نخفي أي رأي لنا مهما كان. فإن لم يكن كذلك لم اجتمعنا وخاطرنا؟ أليس... لكي نهرب من سياسة الرأي الواحد والحزب الواحد وحتى المختار المتوارث الواحد؟
- حسناً. لندخل. أوه. نسيت، (فرهاد) لم يأت بعد!
- هذا ماتوقعته، لأن (شيروان) قال لي إنه مشغول عندما اتصل به، وفعل الذي أراد أن يفعله.
- ربما هو أيضاً قادم بالطريق.
- لا. لن يأتي لأن الباص الذي يأتي كالمعتاد معه من (الحسكة) يصل إلى دمشق الساعة الثامنة صباحاً, في كل مرة يكون هو من أول الحضور. أليس كذلك؟.
- نعم لكن ربما هذه المرة اختلفت الظروف.
- فعلاً هذه المرة اختلفت الظروف، وربما تيبست أغصانه.
- دخلنا بعد نقاشنا القصير الغرفة التي تجمع فيها شهيق الشتاء, عندما فُتح الباب لفحني ذاك الزفير المختلط برائحة أنفاس القرى والمدن التي جاء منها الإخوة, قام كلٌ منهم بالمصافحة والتحية.
*(محمد) من أكراد مدينة (الطبقة) مرهف الحس, طيب القلب حتى على من يسيء إليه, ينسى ذلك عندما يراه أمامه يحتاج إلى المساعدة, عادته تلك أوصلته إلى أن يستبدلوا به شخصاً آخر في وظيفته بمشروع سد الفرات, لم يستفد من تجربته الأولى, رغم ذلك لم يتأخر عن مساعدة من طعنه في السابق, حيكت ضده مؤامرة - أنه قد تصرف ببعض المال العام, كان ذلك المال أعطاه للشخص الذي وشى به وناب مكانه, بعدما توسل به ليساعده, مدعياً نقصاً في مستودعات الدولة, لم يعلم أنه فعل ذلك ليوقع به, متدين, أصيل , يخشى غضب الله ولا يقف عن أي شيء فيه منفعة للكرد, قصير البدن وممتلىء, وراجح العقل, متقلب, لايقوى على اتخاذ القرار إلا أن يشجعه أحد عليه.
*(نوزاد) من ( القامشلي) كان من أغنياء القامشلي لفترة من الزمن, يملك ثلاثة محلات في أشهر شارع في وسط القامشلي, شارع الجسرين , تدفقت الأموال عليه كسيلٍ, لم يكن يعلم أن السيل أحياناً يكون جارفاً, إلى أن داهم محلاته, عناصر المكتب السري ليقحموه في قضية اقتصادية, بأنه كان يتاجر بالملابس المهربة، ودفع كل ما يملك ليخرج من تلك القضية, كان شديد الحزن على ما خسر ودائماً يقول: لقد كنت أدفع بشكل مستمر دون انقطاع, للوسيط الذي كان يزعم ويقول: خذ راحتك فنحن نحميك, وهناك غيري يتاجر بالأسلحة والمخدرات ويعرفونه ولا يقتربون منه, لماذا أنا يختارونني بعد ثلاثة أيام من شراء سيارتي لكي يفهموني بأن الرفاهية ليست لي, وهل كنت أتاجر بالأعضاء البشرية, ليست سوى بعض ملابس من الجلود والكتان, كان رشيق القامة, أسمر البشرة كأديم الأرض, مزوحاً صادقاً, يحتسي الخمر كثيراً, خاصةً بعد تلك الحادثة, خفيف الظل وكثير الكلام, عائلته عريقة ولها وزنها وثقلها, أنتجت العديد من الشخصيات الوطنية سُجن بعضهم ونفي غيرهم إلى كردستان العراق.
* (حسين) من (بلبل) فُصل من الجامعة بعد مواجهته أحد الدكاترة الذين أظهروا الحقد عليه, ظل يحمل مادته في كل سنة, أمضى حياته منذ الصغر يساعد أهله بالعمل في حقل الزيتون اليتيم الذي يمتلكونه, كان دائم الاختلاف مع أبويه وأقربائه , تشاجر مراراً مع أبناء عمومته لأنهم كانوا يريدون إرغام أخته على الزواج من ابن عمه الذي كان يعمل في وظيفةٍ مرموقة في قطاعات الدولة, كان دائماً يشتمه ويقول عنه إنه ذيل للبعثيين ومرتشٍ وزير نساء, لو مات بين يدي ما زوجته أختي. عريض الجبين, شعره خفيف, مبتسم الوجه دائماً, صادق في كلامه وأفعاله, لا يحب المجاملة الزائدة, ويخشى على أهله كثيراً لدرجةٍ مفرطة, كان يقول: لولا خوفي عليهم لفعلت العجب.
*(جوان) من (شيخ الحديد) عريض المنكبين لدرجة لافتة,كان محط إعجاب الفتيات به, لما يتمتع به من صفات الرجولة, رياضي العقل والجسم, كان يلعب في أحد الأندية المرموقة لكرة السلة, درب فريق الناشئين وقادهم للنجاح, فشل في إتمام دراسته للأدب الفرنسي واستنفد الرسوب في السنة الأخيرة, أنفه أفطس بسبب حبه للملاكمة إلى جانب رياضته المفضلة, إلى أن أصيبت ساقه في إحدى المبارات الودية, اعتزل الرياضة واتجه للعمل في مصنع للملابس, يجيد تصميم الأزياء وحياكتها, ويتكلم التركية بطلاقة لاحتكاكه بجيرانه التركمان في حي الهُلك بحلب, يهوى السفر والمتعة, يكره كل من يرتدي اللباس العسكري وإن كان من طلاب المدرسة, بعد حادثة جرت معه, قد رواها لنا, عندما ذهب لشعبة التجنيد لاستلام دفتر العسكرية, بعد أن جادل الموظف هناك, رأى أمامه شخصاً يلبس زيّاً عسكريّاً يهوي بيده ليصفعه على وجهه, ثم يلحقه بأخرى وهو يقول له: كيف تقول إنك كردي؟ قل: أنا عربي سوري ياحيوان. ومنذ ذلك الوقت وهو يقول: لم أسمح لأبي أن يمد يده علي يوماً, وكيف ذلك الوغد يرفسني ويضربني أمام الملأ؟ وإن كنت أدرك أني أستطيع بلكمةٍ واحدة أن أجعله يتلفظ أنفاسه الأخيرة, لكني لن أنسى وجهه طوال حياتي, ولن أنسى أن أرد له الصاع سبعين صاعاً.
*( بهزاد )من (ديريك ) يدرس في كلية الفنون الجميلة, رسام وفنان ونحات, يعشق الموسيقا, يجيد العزف على كل الآلات الموسيقية الوترية, يجيد الشعر والنثر ويذوب في الموسيقا الكردية, يعمل مترجماً في أحد المحلات الكبرى في سوق الحميدية, تعلم اللغة الروسية بسرعة نتيجة احتكاكه بالروس, وما زاد إصراره أنه أحب (جولي) المرأة الروسية الصارخة, التي كانت تعمل في التجارة بين روسية وسورية, وظلت تزوره ويتبادلان الحب لحينٍ, يعيش في دمشق بحكم عمله ودراسته, كان ذلك اللقاء آنذاك في بيته الذي استأجره ليعيش فيه, ويختلي في معظم الأوقات بعشيقته.
* (رمزي) من إحدى القرى القريبة من (راجو) تخرج من كلية الآداب القسم العربي, ويعمل حاليّاً سائق تاكسي, الشيب ظهر فجأة في رأسه, كثير الصمت وعديم الثقة بنفسه, لغته العربية نقية وفصحى كحد السيف, تقدم لمسابقة اختيار المذيعين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون, عاد راسباً محبطاً وهو يقول: لم يتركوا أي شيء لغيرهم, حتى السينما والفن والتلفزيون, وإن كانوا غير ذوي كفاءة فالواسطة أم الكفاءات, قاتلة اليأس والآهات, كنت أعرف النتيجة قبل ذهابي لكني غالطت نفسي, قلت: ربما تفتح لي أبواب السماء, فعلاً فتحت لي أبواب السماء, كنت أكثرهم حضوراً وحنكة, لكن أغلقت بوجهي بأيديهم الأبواب من كل الجهات.
*(فرهاد) الذي لم يحضر من (الحسكة) وربما يخبئ لنا ما نخشاه, وأحياناً أتردد, وأقول, لربما ظلمناه, لأنه صريحٌ كالعين, وهذا ما حصل. لأنه وطني بكل ما للكلمة من معنى, متعصب لأقصى درجة, ومنفتح, حاد النقاش, قوي الحجة في حديثه, هزيل الجسد لدرجة أنك تشعر أن هيكلاً عظميّاً غطاه اللباس يمشي, لكن تلك الصحة التي غابت عن جسده عوضت عنه بعقلٍ يزن بلداً, يؤمن كل الإيمان بالماركسية, يعترف في الوقت ذاته أن لها كثيراً من الأخطاء في مسيرتها, لا شيء في حياته سوى كأس الشاي وعلبة السجائر وقضية الكرد, يعيش بمصروف من أخيه الذي يعمل في المهجر, يرسل له كل حين, يدعي أنه مريض لا يستطيع العمل, يذكر لنا جملته دائماً: لن أعمل في حياتي عند ناسٍ ليسوا أكراداً, أمنحهم عرق جبيني وقوة ساعدي ليستفيدوا منه, ولا يرمون إلا بشيءٍ قليل مما أستحق. يحمل أفكار حزب العمال الكردستاني ولكن كان يبتعد عنهم, بقوله إنهم يمشون على سياسة حزب البعث في سورية, سياسة الرأي الواحد, كنت أؤازر وجهة نظره تلك, بخاصة أن أبي الصديق الروحي لـ(عبدالله أوجلان) قد زارنا مراراً في بيتنا وسط حراسةٍ مشددة, كان الحزب وأوجلان في أوج تألقهما, عندما كنت تذكر أخطاءهم كأنك تشتمهم, كنت أقول لأبي أنه سيُعتقل, بحضور زوج عمتي, الذي هجره ابنه وبنته الكبرى لينضما إلى صفوف المقاتلين, كان أبي يبتسم ويقول لا تقترب منهم لكي لا تجد هلاكك وإحدى المرات عندما حضر الزعيم (أوجلان) جاء العديد من القياديين لزيارته, والسماع لخطبته, والتقاط الصور التذكارية معه, بعد وقتٍ من الزمن أرسلت لنا صور العائلة جميعها دون صورتي معه, لأنهم كانوا يعرفون أني لست بمؤيدٍ لهم, ولست كارهاً لهم, فقناعتي التي انصهرت مع أفكاري, لا تتلاءم مع معتقداتهم, بتأهيل الشباب ثم إرسالهم للجبهات, تسمع أخبار استشهادهم بعد فترة من الزمن, فلو كان تم تأهيله ليدرس اللغات والاقتصاد والعلوم والسياسة ويقتحم سماء وفضاء هذا العالم, ليفاوض أعداءه بحنكته, ويتقدم عليه بالعلم والثقافة والمادة, يعطي صورة حسنة عن الكرد, لكان أفضل له من أن يهب روحه للموت والاستشهاد. فالشجاعة والحكمة برأيي تقاس بأن أتمكن من الحفاظ على رأسي الذي يحمل عقلاً على جسدي وبين كتفي، تلك هي الشجاعة والحنكة, وذلك هو المكسب الذي يتضايق منه عدوي.
(ليست الشجاعة أن أخسر فرداً، الشجاعة أن أجعل ذلك الفرد صالحاً).
* و(رشيد) الذي لاقيناه في المقهى, لا يختلف عن بقية الإخوة بإيمانه ومأساته وآلامه.و(شيروان), وأنا.
كان عددنا تسعة قبل أن ينضم إلينا رشيد لنصبح عشرة, فما عدا رشيد يحاول كل من الأعضاء بمنطقته أن يجمع حوله قرابة المئة من الإخوة, كل واحد من المئة يحاول أن يجمع حوله مئة أخرى ليصل لمرتبة أعضاء مجلس (الحزام)، وبذلك ينضم إلينا بمسؤوليته ونشاطه الذي أوصله إلى تلك المرتبة, كلهم كانوا معنا قلباً وقالباً لكن لقائي كان يكون دائماً بأعضاء مجلس (الحزام) بحكم مسؤولية كلٍّ منهم عن منطقته ومسؤوليته المباشرة عن مجموعته وسماع الجديد من الأعضاء والاقتراحات المرفوعة من مجموعته التي يمثلها.
تأسست جمعيتنا في عام 1997م كنا في البداية شخصين أنا و(شيروان)، وقبل طرحنا الفكرة كنا قد التقينا بـ (رودي) من أكراد تركيا و( ريبار) من أكراد أذربيجان, في لبنان، واجتمعنا لأكثر من أسبوع, خرجنا بتلك النتيجة, أن يجمع كل واحدٍ منا حوله ما استطاع من الشباب الكرد, لتحمل جمعيتنا نفس الاسم في كل بلدٍ من أرجاء كردستان, كان الاسم من اختياري: (الحزام) لتجابه أول شيء خطة الحزام التي تبنتها الحكومة لكي تحمي الحدود وتهجر الكرد القاطنين على الشريط الحدودي بأيدلوجية الإلغاء والتذويب, ولتكون تلك الكلمة التي استخدمت لظلمنا, سلاحاً سلميّاً ضدهم.
الحزام كانت تعني بالإنكليزية كلمة (strip). إنها العدالة الإلهية لكي تحمل أول حرف من اسم كل بلد تقاسم كردستان:
سورية Syria
تركيا Turkey
روسية Russia
العراق Iraq
إيران Persia
والاسم الذي واجهنا به الأعضاء الآخرين من الذين هم خارج إدارة مجلس (الحزام) هو جمعية الشباب الأكراد, للحفاظ على سرية الجماعة, التي كنت شديد الحرص أن تكون كسرية قدوم الموت.
بعثنا بثلاثة خطابات من أربع صفحات وضعت داخل ظرف والظرف داخل آخر, كتب عليها هام. إلى رئيس الجمهورية. مختصرها: أننا لا نسعى إلى شق الوحدة الوطنية السورية والتجزئة, ما نسعى إليه أن نعيش بسلامٍ, نتمتع بحقوقنا المشروعة ضمن إطار الوحدة الوطنية, أن يُعترف بجمعيتنا التي لا تنتهج غير السلم للحصول على حقوقها, أن تكون علنية كما الجمعيات الأرمنية والجمعيات الشركسية, والجمعيات الدينية والحرفية وغيرها المعترف بها, ذكرنا بعضاً من أجندتنا الإنسانية, بأننا سنتبنى بكل إصرار قضايا الكرد, الشباب الذين يحلمون بإتمام دراستهم في الخارج, وغيرهم الذين يحلمون بالهجرة أن تكون بطرق شرعية ليس كما هو الحال في سوق تجارة البشر, سنتبنى تعليم الكردية إلى جانب اللغة العربية في المدارس الموجودة في المناطق المأهولة ذات الأغلبية الكردية, سنرعى الندوات الثقافية والمحاضرات الاجتماعية, نساعد في تعبيد الطرق, نجمع التبرعات لتعليم الحرف والمهن المختلفة للشباب الكرد, ومحاولة توظيفهم وتأهيلهم, ولن نخرج عن طريق بناء الإنسان الصالح بكل ما أوتينا من قوة.
ذكرنا أن أول إشارة لنا بأن نخرج من العتمة ونظهر للملأ دون سرية, هي أن تمنح الجنسيات للأكراد الموجودين في (القامشلي) و(الحسكة) الذين هم البدون, وتلك تكون أول بادرة خيرٍ موجهة لنا ولغة سلمية لن تكون إلا نقطة تقدير إيجابية من النظام لنا.
بُعثت الخطابات الثلاثة: أحدها لوزارة الداخلية, أرسلت بالبريد العادي, وثانيها سُلم للسفارة السورية في الأردن, والثالث لمركز للاستخبارات السورية في لبنان, التي يرأسها أحدهم, ويقال وليس مؤكداً أن له جذوراً كردية, اعتقدنا أنه سيتعاطف مع مطالبنا المعقولة, ويحن لأصله, أو ربما أنه زُرع في لبنان ليكون القربان عندما يقع الفأس الحاد على الرأس, تكون حججهم أن ما حدث في لبنان ليس منا إنما من ذلك الكردي الحاقد على العرب, ونحن واللبنانيون شعبٌ واحد ووطنٌ واحد, لتزيد بذلك الأحقاد على الأكراد أكثر مما هي عليه.
لم نلق أي استجابة سرية أو علنية,كأننا لسنا موجودين. ليس من المعقول أن لا يصل واحد من الثلاثة إلى يد رئيس الجمهورية بعدما كتب عليها سري جدّاً, هامة تخص الأمن الوطني, تسلم باليد تحت طائلة المسؤولية, أو ربما وصلت ثلاثتها لكنها أخذت من الوقت ثلاث ثوانٍ لتكون في سلة المهملات, هذا ما دفع بعض الإخوة لمهاجمتي والاستهزاء بي. بأنني أحمل العلم الأبيض, سيتحول إلى الأحمر من دمنا, ولا ينفع السلمُ مع أعداء السلم.
لا أدري في تلك المرحلة شعرت بضعفٍ شديد, بأني لا أستطيع أن أدير الأمور, هل لأني كنت أخشى عليهم و لأني كنت أكره إراقة الدم وإن كان دم نعجة.
كل واحد من الأعضاء الرئيسيين استغرق مني لدراسة حماسه واندفاعه أكثر من شهور عديدة, وبعضهم امتد لعدة سنين, بالرغم من وجود بعض الإخوة أكبر مني وأكثر تعلماً مني لكنهم كانوا يحترمون بشدة قراراتي وتوجيهاتي, لكن دائماً الإنسان لا يخلو من الأخطاء, ربما كنت قد تسرعت حين اخترت فرهاد الذي أخاف أنه خذلني وخذل الشباب باندفاعه, عدم قدومه أكثر من مرة لحضور اجتماعاتنا غير مبرر, كان علي أن أسمع كلام (شيروان) الذي قال رأيه بكل صراحة: إنه مندفع وآراؤه ثورية قديمة لم يعد لها مكان في معاجم الثورات الحديثة, وتأثره قوي بالشيوعية, لكن اندفاعي بأن تكبر تلك الشجرة التي كانت تتفرع أغصانها ببطء دفعني إلى موافقتي عليه عندما جاء به (بهزاد).
نظرت إلى الساعة التي كانت تتوسط حائط تلك الغرفة, المخلوطة بموسيقا (شيفان), الكل يتناقش بما وصل إليه, وسط همهمة حديثهم, البساط المتواضع الذي جلسنا عليه مباشرة دون وسائد بعث البرودة في أشلاء جسدي الحائر, فتات من الخبز قد تنائر مثل أفكاري عليه, تعالى صوت بهزاد: غريب يا شباب فرهاد ممكن أن لا يأتي لأنه اعتذر. لكن أين شيروان؟ صارت الساعة العاشرة والربع. تابع وهو يسألني: ألم تكونوا معاً قبل أمس؟ هل قال شيئاً عن عدم حضوره؟ أجبته باقتضاب: لا.
صمتُّ وأنا أتذكر حديثه عن ذلك الموضوع الذي ذكره, لم آخذ موضوعه على محمل الجد بأنه سينقض العهود العشرة التي جمعت شملنا، ولم أقص لهم عمّا قاله في تلك الجلسة، ربما من غروري الذي خدعني بأني أستطيع أن أمسك بزمام الأمور.
صارت الساعة الواحدة بعدالظهر, كنت قد غفوت لساعة وساعة أنثر أفكاري. أيقظني جوان وهو يقول: حان وقت الغداء والإفطار معاً. سألته مثل طفلٍ تائه يسأل عن أبويه: هل جاء شيروان؟. أجابني بجوابه الذي شل كل أجزاء جسمي:
- لا لم يأتِ.
جلست على تلك المأدبة المتواضعة التي جمعت حواضر الطعام مع الشاي الذي تناثر بخاره لعدم وجود غطاءٍ للإبريق القديم, أكلتُ حبتين من الزيتون, مع قدح كبير من الشاي صب لي, بأحد الكؤوس المختلفة الشكل والحجم, تركتهم يأكلون بشراهة الفلاح العائد من حقله وأحدهم يقول لي: - لِمَ لم تكمل؟ أليس الطعام من المقام؟..
سكتُ دون جواب. ليجاوب عني جوان:
- أزعجك عدم حضور شيروان؟!
كان يريد أن يرطب الأجواء, ذكر أنه التقى بأحد الأشخاص من قريتنا في كراج عفرين أثناء الانتظار، قال أنه سأله عني فقال أنه يعرفني. وأضاف بتردد:
- لا تزعل - وهو يمازح، هذا رأيه. قال أنك أناني, مغترٌ بنفسك ولا تصادق إلا العرب.
- ربما لم يكن ليعلم أني كنت أموه بذلك أي وجودٍ لي. فأضاف جوان:
- ثم عدت وسألته بسؤال فضولي لكي أعرف هل تطبق ما تمليه علينا أم لا؟ وهو يضحك..
- ماذا سألته؟ أرجو أن لا تكون قد لفت انتباهه.
- سألته عن طريق الممازحة. قيل إنّ له مشكلات وبعض الارتباطات مع بعض الأحزاب والجماعات الكردية.قهقه وقال:
- يا رجل! الشخص الذي ذكرت. ألم أقل لك إنه كثير التأثر بالعرب؟ دائماً يحضر إلى القرية أصدقاؤه الفلسطينيون, لا يعرف سوى الجامعة التي يتسكع بها دائماً, حتى أنه لم يدرس بها, متأثرٌ بالغرب, ضيَّع محله الذي كان يملكه من بين يديه, لا من قريب ولا من بعيد يسأل عن الأكراد. لكن ميزته الوحيدة الجيدة أنه ابن أبي أحمد.
صار الجميع يضحك وتعلو الضحكات في تلك الغرفة المختنقة. وزدت على كلامه: يعني كان ينفع أن أصبح ممثلاً؟.
- قال جوان وصوته يشوشه الضحك: والله أشطر ممثل. قاطع كلامنا نوزاد وهو يقول: كنت تحلم بأن تكمل تعليمك في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق, صرفت النظر لمجرد زيارتك للمعهد الذي قابلت به أحد الممثلين ودار حوار بينكما لدرجة أنه أنكر أصله الكردي. أليس كذلك.؟
هيا. قل لنا يا رجل ماهي تلك القصة, من هو ذلك الممثل الفاشل.؟
- لا تنعته بفاشل. ربما يكون هو الناجح بعينه.
لأني بقيت صامتاً لمدة بعدها, قال جوان مجدداً: لا يهمك يا رجل, سأنهي الطعام وأذهب إلى بيت شيروان لأسأل عنه.
أجبته بسؤال: كيف تسأل عنه؟ ألم نوضح منذ بداية البدايات بأن لا يتدخل الأهل والأقارب بيننا مهما كان, لكي لا نخلط العاطفة مع سعينا؟ لا أحد من أهله يعرف أي شيء عن أي أحد منا, لا بالشكل, لا بالاسم, لا بالعنوان, حتى إن جار الزمن علينا في المستقبل واعتقلنا, لتكن الحقيقة التي يذكرها أهالينا وأقاربنا هي الصحيحة, بأنهم لا يعرفون انتماءنا والأشخاص الذين يتعاطون معنا, الأماكن التي تجمعنا, ما هو حجمنا وتعدادنا.
- إذا ما العمل؟ هل سنؤجل الجلسة ليوم آخر؟
- أجبتهم وندمت بعد ذلك:
-ليس من يوم آخر لأني مسافر غداً والوقت خاننا.
توقف معظمهم عن الطعام, مال قدح الشاي في يد (محمد), تناثرت بعض قطراته على ظهر السجادة وسط ذهول ودهشة فاضحة في وجوههم, أكثر من صوتين في آن واحد يسأل:
-لم ستسافر؟ هل ستذهب للعمرة أم زيارة؟ قلت لهم: لا! سأذهب بعقد عمل.
- تراجع (محمد) عن السفرة, لحق به (جوان) بينما ظل (بهزاد) يأكل بعنفٍ شديد وغضب, من تبقى منهم ظلوا جالسين على سفرة الطعام دون حراك أو أكل أو كلام.
كان يستحب مني أن أحسن الكلام والخاتمة وسط تلك المزاحمة:
- أملي كله بالله ثم بكم, نعرف أن جمعيتنا وطريقة تنظيمها لا تكون كالهرم يتلاشى كله إذا ما نقص حجرٌ من الأساس, أنتم الأساس بل البناء كله, تماسكوا لتكونوا مثل حلقات سلسال واحد متشابكة, لا يفرق بينكم أي أحد على هذه الأرض. سيكون(شيروان) المسؤول عنكم, الأوامر الضرورية, البيانات, الاجتماعات هو الذي يصدرها لكم بغيابي الذي لن يطول، ربما سنة أو أقل, وإن كان (فرهاد) تركنا فلا بأس هذا قراره واختياره,كنت أعلم أنه سيفعلها يوماً، سيكون لنا معه شأنٌ آخر عندما نعلم أنه قد سرَّب شيء عنا, يجب عليه أن يرشح واحداً من الذين معه لكي يكون هو المسؤول عن تلك الحلقة. أو ليختره (شيروان) بعد تشاورٍ وتصويت بينكم, لا أريد منكم سوى الصبر والتريث, عدم إثارة المشكلات, عدم المظاهرة لأنه يشتت تركيزنا, كل شيء بأوانه, حكومة هذه البلاد لم ترتق بعد لتتفهم ما تعنيه المظاهرات والاحتجاجات, ابتعدوا كل البعد عن كل ما يلفت الانتباه إليكم, تظاهروا باللامبالاة بكل شيء أمام الناس وأصدقاء العمل, لا تكثروا النقاشات العقيمة مع إخوتنا في باقي الأحزاب. وغيرهم, لا أريد تكرار كل الكلام الذي ذكرته في السابق مراراً.
تجادلنا بعض الوقت واختلفنا, وطُرحت أكثر من فكرة, وأكثر من رأي, لكني عدت للقول:
- يا شباب لا تحملوني فوق طاقتي, هذه التجربة أريد أن أخوضها واتخذت قراري، لم يحاول أي أحد أن يفتح الموضوع مجدداً، لأنهم يدركون ماذا يعني أني اتخذت قراري ومقدار يبوسة رأسي. لكن ليتهم حاولوا وعزفت عن الذهاب. يا ليت!.
عم الصمت والحزن تلك الغرفة, كأننا في مراسم جنازة, أنا حزني أكبر منهم بكثير لأني سأتركهم وأترك روحي عندهم. (شيروان) الذي صارت الحيرة تلعب لعبة الفأر داخل جعبتي أين ذهب؟ ما الذي منعه عن المجيء؟ أسئلة كثيرة.. يسردها الشيطان داخل باحة من الحيرة واللوعة. كان البكاء سيفرد ماءه في وجهي لكني تمالكت نفسي, ليس القدوة من يبكي عند رحيله فماذا سيقول الآخرون عني.
تركتهم كما يترك عرض السيرك من أوله وكما تترك العروس من أول ليلة زفاف, دون عناقٍ أو وداعٍ، لأنهم كانوا يعرفون أن ما أكرهه لحظات الضعف التي ترتسم بالحزن والوداع, ربت على أكتافهم, تركتهم وسط تساؤلاتهم وحيرتهم, الملامة في عيونهم, خرجت مسرعاً بعد أن لحق بي (بهزاد) ليعطيني رقم هاتف جيرانه لأتصل به وأطمئنه عند وصولي, كان يريد الكلام مجدداً لكني قاطعته. مضيت دون أن ألتفت لورائي لكي لا يرى دموعي التي انفجرت بغزارة لا مثيل لها في حياتي كلها. أسرعت بخطواتي لكي لا يناديني مجدداً ويفتضح أمري الذي سيخذلني


الفصل الخامس

وصلت إلى حلب مجدداً وسط ضوضاء عارمة داخل بيتنا الذي تجمع فيه العديد, كأنه يوم زفافي دون علمٍ أنه يوم مماتي, نهاية لكل أحلامي, رصاصة أطلقتها بنفسي على رأسي, ودعت الكل, كان وداعنا اعتياديّاً دون دموع تذرف, ولا ضجيج المفترقين, شقيقاتي تركتهن ورائي, كأن شيئاً لم يكن, اعتدت من الجميع دائماً قلة الاهتمام, هذا ما عودت نفسي عليه, كأني دخيل عليهم,كنت راضياً بالوقت ذاته, لم أحاول إجهاد نفسي ليهتموا بأمري, لأنه لن يشكل ذلك شيئاً مهمّاً لديهم عند اعتقالي. لأنها مشاعرهم وهم أحرار وأنا منهم ولست إليهم, حسب اعتقادهم لو علموا أني ماضٍ في طريقي لأبعد الأذية عنهم, هل يتبدل حالهم؟ لا والله فأنا أعرفهم, لكان زاد حقدهم, وكلماتهم: لقد ورطنا ابننا بأشياء ليس لنا بها, ولا دخل لنا به, كأني ناضلت من أجل الأجل.
توجهت إلى محطة الحافلات, الناس كثر, ملتفون بعضهم حول بعض في ساعة رحيلهم, لو التفوا كذلك قبل الرحيل لاختلف حالهم, منهم مثلي في مقتبل حياتهم , منهم من طافت سنوات حياته عني كثيراً, ليس فيهم أكراد.. بعضهم من (حلب), بعضهم من قراها, منهم من المدن القريبة, كلنا بالهم نشترك بأن بلادنا واقتصادها من بين أغنى البلدان العربية بثرواتها, ونحن نقطع آلاف الكيلو مترات لنلهث وراء لقمة عيشنا, كلنا أرغمنا على المغادرة من البلاد من أجل العيش, هُم كانوا خوفاً من الجوع وأنا خوفاً من قتل الجوع..
توادع الجميع, هذه المرة تختلف عن سابقاتها, عندما كنا نذهب إلى دمشق في أيام الخدمة, نعود بعد أسبوعين أو شهر على الأكثر, أما هذه المرة فالله وحده يعلم يوم عودتنا.
تحركت الحافلة الضخمة التي كانت تقل حوال الخمسين أو أكثر, ودعت أضواء مدينة (حلب), شتاءها, ناسها الذين هم ليسوا أحسن حالاً مني, استسلمت للنوم سريعاً لأني قضيت أكثر من ثلاثين ساعة سفر في الأسبوع الأخير, سأكمل بإضافتي لها عند وصولي مثلها أو أكثر, لكي لا أدع الشيطان يخربش داخل عقلي, يرمي بوسواسه كما شبكة الصيد وتعلق بها الأفكار المتطرفة التي تحبط عزيمتي وتنهش اندفاعي.
غادرنا الحدود مع شعورٍ لا أعرف وصفه, تضيع كل الكلمات وتقف عاجزة عن وصفه, بأنه لم يعد هناك من يدب الذعر بين أشلاء جسدي, وشعورٌ أعمق منه بعدم الطمأنينة حينها, فرحٌ مخلوط بحزنٍ أكبر منه, بأني لن أصل لنشوتي دونما أهلي وناسي, لأني سأكون وحيداً في صحراء الله, لن تمتد يدٌ لتمسح جبيني عند مرضي ولن أرى حناناً كالذي أحياه حتى بعدم الكلام بين إخوتي وأبناء قريتي, وحتى بين همسات الليل وسكونه.

وصلنا الحدود السعودية وبدأت الشمس تغيب, تميل للصفرة مع قليلٍ من الاحمرار, بدا الخجل في وجنتها, تستعد للغياب وراء بساط الصحراء ليعم السكون والليل فجأةً كل أرجاء المكان والزمان, ليس مثل بلادنا تغيب الشمس وراء الجبال ويختفي وميضها تسلسلاً لتشعر بجمال المغيب, تدرك نعمة الشمس التي هي من نور الله, لا يعيش دونه أي كائن ولا تكبر أي نبتةٍ. لكن في هذه البلاد تعرف معنى نعمة الشمس عندما تتحول لنقمة يكاد لهيبها لا يطاق ولا يوصف أحياناً, بلادٌ يظهر ضباب لهيبها لا ضباب شتائها.
الطريق كانت طويلة لا عروج فيها, مبسوطة, ممدودة لا ترى فيها علوّاً وانخفاضاً, نسقٌ واحد, صحراء تلد داخلها صحراء أخرى، لا شيء في الطريق يستدعي النظر من النافذة, سوى القمر الوحيد مع بعض سعوف النخل التي تتراءى في وسط الرمال, حتى وجه القمر تبدل عن الذي كنت أراه من على سطح بيت جدي في القرية, كنت أرى ملامحه بوضوح كما أرى الآن حزنه بوضوحٍ تام, الطريق يطول ويطول, لا ينتهي, التفكير والسكون يعم داخل الحافلة. منهم من صار يدخن سجائره, غيرهم صار نظره يلوح بالأفق, أما أنا فلا تفكير لي سوى بـ (شيروان) وإخوتي الذين تركتهم ورائي, أسترجع الذكريات مع رفيق دربي الذي غاب عني فجأة, كأنه لا يريد وداعي, لا يريد حتى أن يشعرني بأني مننت عليه بتركه ورائي ليدير شؤون الإخوة, كم كان حكيماً عندما قال لي: ستترك هذا النعيم كله لتذهب لصحراء قاحلة, لكن هذه الصحراء تحولت إلى حدائق وأبنية وشوراع نظيفة, لم يسلموا من يد الشر التي طالتهم عندما كلف السلطان العثماني (محمد علي) لكي يقضي على الدولة السعودية الأولى بين عام 1811وعام 1818,ثم عاد الملك عبد العزيز آل سعود وسيطر على الرياض وانتصر على العثمانيين في 1906 وضم الأحساء سنة 1913 بعدما كان يستخدمها الأتراك قاعدة لأعمالهم الحربية ضد الدولة السعودية, ليسوا كغيرهم جاؤوا بانقلاب عسكري, قلبوا موازين البلاد رأسها على عقبها, لا بل صاروا يبحثون في العقب ليجدوا فرجاً لملذاتهم لكي يحققوا مآربهم ويبسطوا هيمنتهم, كان ابن البلد هو الذي يدفع ثمن أطماعهم, تكون روحه هي الثمن لانقلاباتهم, لكي يجلسوا بعدها على طاولة مرخمة, يتقاسمون الغنائم ويعينون أنفسهم وأبناء عمومتهم بالأمكنة التي يختارونها لهم, ويعلو صوتهم: سنضرب بيدٍ من حديد كل أعداء ومعارضي الدولة, متجاهلين أنه حتى الرب خالق الكون والعباد, له من يعارضه من بني البشر ويكفر به, ويكون رحيماً بهم.
وصلنا مدينة (الدمام) التي تقع في المنطقة الشرقية, كان للإرهاق حضورٌ صارم بين أجسادنا, استلمت العمل على عجلٍ من أمري, وبدأت الأيام تتوالى ثم الشهور, خضت تجربةً قاسية, كبلت يداي واقتادوني للمطار لأعود إلى سورية على أول طائرة بعد أشهر قليلة, في خطوب وأحداثٍ لا أعرض لها الآن, مختصر المحنة أنني طالبت بجزء بسيط من حقوقي كإنسان و بشيءٍ من الحرية.
لم أبق سوى عدة أسابيع لإنهاء إجراءات السفر والعودة مرة أخرى بعقدٍ آخر في شركة ذات صيت واسع في الخليج وخارجه, لم أحاول السؤال عن الإخوة لأن الأحداث التي مرت خلال تلك الأسابيع كما توقعنا وكما علمنا, باعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني (عبد الله أوجلان) جعلتني أستعجل العودة خوفاً من المجهول الذي تخفيه الأيام لي, لم أحاول التقصي عن (شيروان) لأني كنت أخذت موقفاً من تصرفه, بأنه لم يحاول حتى الاتصال بي خلال سفري, كنت أظن أنني سألقنه درساً بالانقطاع عنه, تجرعت من كأس التكبر, الذي سيطر على كبريائي, تناسيت أنه في الأخوة والمحبة لا يبقى مكان للكبرياء والكرامة.

عدت مجدداً لديار السلام طائراً كما رحلت منها, استلمت عملاً أفضل من الذي كان في مدينة تبعد حوالي الساعة عن الدمام تسمى (الجبيل). الهدوء يسيطر على كل أشلاء تلك المدينة, كان في استقبالي (فهد) مع (عبد الكريم) من إحدى نواحي السودان تسمى (كسلى), صار صديقاً حميماً بعد ذلك, لبس بدلة أنيقة و غاص بها, بشرته داكنة كسمرة الفراعنة, لا توحي إلا بالطيب الذي ينبع من داخله, متوسط الطول, غلب بعض الشيب شعر رأسه لكن ابتسامته كانت تلغي ذلك الكبر لتطرح بدلاً منه روح الشباب وحيوته, حسن خلقه يروح عن النفس في تلك المدينة الضيقة, أحسست بالبعد فيها عن كل شيء حتى الناس، وسكنت في مجمعٍ سكني, غرفه خشبية, تتجول الجرذان بحرية أحياناً وأحياناً تأكل مع القطط في مزبلةٍ واحدة, حتى قططهم لا تلاحق الفئران من تخمة الشبع، كنت دائم اللهفة من الطفولة بأن أسكن تلك المساكن الخشبية التي تشبه بيوت ريف أوروبا. فتبّاً لأوروبا وتبّاً لمساكنها إن كانت على هذه الشاكلة من السوء, كنت أنكب على العمل وأشعر بقيمتي في خضمه مع نسيجٍ من الاحترام تلقاه من الذين يحيطون بك لا تراه في بلادنا, الهدوء ينساب في ذلك المكان وفنجان القهوة يأتي لك في الصباح على مكتبك دونما إلحاحٍ في طلبه, صرت أكره الساعة التي يبعث الليل فيها بخيوطه لتصبغ السماء بسوادٍ كئيب، أذهب من بعدها لتلك الغرفة البائسة ثم أشغل نفسي بالقراءة وبعض الكتابة في كتاب (نقاط الارتقاء) أنتظر يوم الجمعة لأهاتف التي تعلقت آمالي عليها، وفكرت بجدية تامة أن تصبح شريكة دربي بالسراء والضراء, لم يكن ثمة مفر من القسمة التي كتبها الله لي وكنت أملك سعادة لا توصف عند لقائي بها, مرت الأيام, كان وقع خطبتنا وارتباطنا بعد جهدٍ جهيد منها تجاه أهلها, وأنا تجاه أهلي ومجتمعي, ربما ظلمتها في هذه الناحية, أهم سبب لاختياري لها وإن أحزنها ذلك, أنها وحيدة, تعيش في هذه البلاد مع أمها وأخٍ وحيد, استشهد الأب في الحرب العراقية الإيرانية, وحملت تبعات ذلك التعلق بأصول أمها, والعيش في هذه البلاد, تلك كانت النقطة الهامة, بأنه لن يشكل عائق اعتقالي مشكلة كبيرة لي ولها, سأكون قابعاً في زنزانتي المظلمة وستكون هي ترقد بسلام قرب حنين أمها. توالت الأيام, عشت أيام الخطوبة التي يعيشها كل شاب على هذه الأرض, أنتظر بظمأ يوم العطلة لأقصد بيتهم المتواضع الذي يشع ويمتلئ بطيبهم وحنانٍ لم أعهده من قبل, صارت ترتسم معالم اليأس على جذور مستقبلي وإخوتي, انكشفت أنانية بداخلي أنني كغيري أستحق أن أعيش بضعة أيام جميلة بعد طفولةٍ معذبةٍ وحياة قاسية بلا رحمة ولا شفقة، كنت أعمل في بعض الأيام أو أغلبها لغاية عشرين ساعة, لقد حملت هموم رجل الخمسين، كما كان يردد (شيروان).
وأنا الآن اقتنعت بما قاله ( أبسن): الرجل القوي هو الرجل الوحيد.
توالت الأيام والأحداث في عربة الزمن التي يجرها قطيعٌ من الخيول, الحدوة المعدنية بحوافرها تحدث دويّاً هائلاً في مسامعي, أكثر من فشلٍ ذريع في أكثر من مشروع أقع فيه ليس من غبائي أو عدم دهائي إنما لتعاملي مع أشخاصٍ كالكلاب بأقنعة الإنسان، بل إن الكلاب أفضل منهم، لأنها لا يهون عليها أن تعض اليد التي أطعمتها وآوتها من الشوراع, علقت كتل لحمي بين أنياب حثالة البشر, ما يحزنني أننا بنظر الناس من بلدٍ واحد, فدفعت الثمن للمرة الألف, لم أسمح لتلك الأحداث أن تؤثر على ثقتي بنفسي, توماس أديسون فشل آلاف المرات قبل أن يصل لمجده وحلمه ولم ييأس, هل أيأس أنا بسبب بعض الأنجاس من الناس وكومة من الدراهم؟ لا أخفي أن ذلك الوقت الذي كان يمتد إلى بعد إنهاء العمل لعشر ساعات في الشركة والمعمعة التي كنت فيها أوقعني بوادي البعد والتناسي لما حصل للإخوة, انقطعت أخبارهم, بل ربما قطعتها بيدي, رغم بعدي وشجن أحزاني بعدما غير (بهزاد) سكنه, لم يتصل حتى بي. توالت الأيام والشهور كأن الشهور هنا مربوطة بعقارب الساعة, العمل من جهة, وفض النـزاعات مع الأوغاد من جهة أخرى، الحبيبة وأحلامها الوردية, هموم وعبء التكاليف خدر عقلي وأنفاسي, كم مثلي في الغربة نسوا حتى أسماءهم وأوطانهم.
كانت الشمس حارقة, كنت انكببت على الكتب لأيام متواصلة, داخل غرفتي الخشبية, لا أعرف غيرها وغير العمل وكابينة الهاتف، لدرجة أنني عند خروجي من الغرفة أشعر بحرقة لاذعة في عيني, التي اعتادت الظل وأجهزة التبريد, كنوع من التغيير, لأني بعد مرور السنتين لا يصدق أنني لم أزر قط البحر الذي كان يحيط بتلك المدينة، بالرغم من حداثتها وحسن تنظيمها لا شيء فيها له نكهة الحياة, فتواعدت مع أحد الأصدقاء اسمه (مناحي) كان كثير التردد على مقر عملي, صار صديقاً, نبهني كما الذي نبه (جوان) في كراج عفرين أنني انطوائي لا أحب الخلطة بالناس, تظهر بعض معالم الغرور على وجهي لكنها تتلاشى بعد أول حديث معي, لأثبت له حسن ظنه بي، لم أرفض دعوته للخروج معه في أحد أيام العطلة التي لم أذهب فيها لزيارة ملهمتي.
سمعت طرقات على الباب الخشبي بينما أنا جالسٌ خلف المكتب منشغل ببعض الكتابة، لم يكن مني إلا أن ذكرت كلمة "ادخل", دخل علي وضوءٌ مختبئ خلف رأسه من الردهة, شابٌ لم تكن معالم وجهه واضحة, إذ أغشاني ذاك الضوء الساطع المنكب داخل الغرفة وتحية عربية بصوتٍ نقي يهم ويقول: السلام عليكم, مع رفع يده اليمنى وكأنه يُشهر القَسم في المحكمة, الضوء يتسرب من انفراج أصابعه, أجبته: وعليكم مثل ماذكرتم, تقدم خطوتين بوقار ثم صافحته, كان يشد على يدي, ينظر إلى عيني مباشرة دون انقطاع، وأنا لست بجاهل عن نظراته التي هي من أحد دروس قواعد هندسة العقل في التأثير على الناس.
يهز يده ويقول: أخوك في الله (سلطان) من الطائف.
- أهلاً وسهلاً بأهالي الطائف. أهل الكرم وإكرام الضيف.
- أنا من أكراد سورية. وما أزعجني أنه لم يسمع كلمة أكراد بل سمع سورية وحدها, فزاد شده على يدي وهو يقول: أهلاً بأهل سورية, أهل الخير والبركة.
طويل القامة والبال في سرد كلامه, دشداشته تشع بياضاً, لحية غير متكاملة في وجهه, وسيم البسمة, قوي البنية, مفتول الساعد، هيكله محدب بعض الشيء, رائحة البخور تفوح من كل أرجائه. أطرق بحديثه أن (مناحي) أنزله أمام غرفتي وذهب ليشتري بعضاً من المرطبات لأجهز نفسي حين عودته.
أعجبني حسن خُلقه, تواضعه وكلامه الذي يصحبه روح الدعابة اللامفرطة, كانت ثلاجتي لا تحوي إلا بعض المشروبات الغازية, فعزمت عليه فرفض, بأنه لا يشرب ذلك النوع, له أسبابه كما قال, ويدعو كل من يصادف في طريقه إلى ألا يشرب منها. أسعفني مناحي بصوت السيارة وضجيج عجلاتها التي كانت تعصر الحصى من تحتها, تحدث صوتاً كأنها حبات ذُرة وضعت في قدرٍ مضغوط. خرجت البادرة منه, رحم عذاب إحراجي أمامه, قال: قد حضر. هيا بنا. سنتكلم فيما بعد.

توجهنا لشاطئ البحر الحزين في تلك المدينة, إذ لا أحد يزوره إلا تيهاً, كانت سيارة (سلطان) من النوع المرفه جداً ابنة الأشهر الأولى, لا يُسمع سوى حفيف مبرد الهواء, تتماسك بالطريق وتميل مع ميوله, يُخيل إليك أنها ربما تعلو الآن عن الأرض لتقتحم السماء وتطير بسرعتها التي تسابق الريح, شبابٌ حالم لم يعرف الكدر والحرمان قط, معاملة شراء سيارةٍ جديدة والحصول على قرض ومنحة دراسية, مثل معاملة إخراج قيد من دائرة النفوس في بلادنا, رغم هذا بعضهم لم يقنع بحياته, فلا كمال إلا للكامل, ولم نطالب بهذا, طلبنا القليل وحُجب عنا وطلبوا الكثير وحصلوا عليه, إنهم يستحقونه ونحن نستحق ما بنا.
إنها بلادٌ حارة جدّاً, لكنك لا تشعر بحرارتها مثلما تشعر بحرارة المشاعر وحرارة الجسد في بلادنا, تنكسرحدتها عند أول إنذار من المغيب بأن الليل صار قريب المجيء عندنا, أما هنا فرغم الرطوبة والحرارة والشمس ولهيبها المتكاتفين على البشر فلا تشعر بشيءٍ منها, النسيم المصطنع يجتاح كل شيءٍ بقوة, فالغرفة مكيَّفة, العمل مكيّف, السيارة مكيَّفة, لكن القلوب مجمدة, ككتل الثلج, تأثرت من ذاك التجمد المصطنع في كل شيء صادفني وانجرفت مع التيار. صرت لا أطيق إلا الأشياء المبردة، حتى فنجان قهوتي الذي كنت أرفضه وأوبخ أختي لأن البخار لا يتصاعد منه فكانت تتعمد أن تحضره مع الركوة مغطاة بالطبق الخزفي لترضي تذمري، ولو رأت عاداتي الآن لولولت.
وصلنا البحر وشوقٌ يتعملق ثم يتقزم داخلي, بسبب عدم وجود أي بشر على شاطئه الهزيل, إلا نحن وبعض الهنود في الجهة البعيدة مع أطفالهم يلهون على الشاطئ, لا يبتعدون بالسباحة, ويلهون معظم الوقت.
كان انعكاس الضوء على مرآة وجه البحر لا يُطاق, البحر يلاعب الموج , يتقاذف به على رمال الشاطئ, تسبق إحداهما الأخرى أو تقصر عن سابقتها, زرعت الأشجار والزهور في الطريق المؤدية لكنها لا تحول عن الكآبة التي تعمقت في كل مكان, زهورٌ لامعة بلا رائحة, أشجارٌ ونخيل بلا ظل, ثلاث سيارات من بعيد شكلت حاجزاً منيعاً عن النظر والتنفس والهواء وتعجز حتى طلقات بندقية عن اختراقها, يجلس داخل المثلث بالأغلب بعض النساء وهن يتجادلن, ينقل الهدوء المفجع بعض أصواتهن, أظنهن كن يرددن لأزواجهن: هل جئتم بنا إلى هنا لكي تغلقوا علينا ما بسطه الله من الفسحة والهواء؟ هذا كان تحليلي من هول المنظر, لربما كن يتجادلن على شيء غير ذلك.
لبس كلٌ منا لباس السباحة لكن (مناحي) بقي في السيارة يستمع لأغاني تراثه لتعلو, تندمج مع صوت الهدير الضائع ولا يفارقها, كأنه جاء فقط لكي يخرج قليلاً من عزلته مثلي من العمل والنوم والروتين, طلب مني (سلطان) أن نذهب لنمشي بمحاذاة الشاطئ, لم أتردد لأن السباحة تحتاج من الوقت لأكثر من ساعتين أن تمرا-كي تحلو بدون لهيب الشمس, تقدمنا باتجاه الشاطئ, تركنا النعال وراءنا, كم ندمنا على ذلك, بينما نحن نمشي هاربين ومسرعين, خفت وطأة لهيب الرمل الذي امتص غله من الشمس عند الشاطئ, لأن الرمل كان مبللاً مع زبد البحر ومائه, بدأ سلطان بالكلام وأنا خيالي يسرح للأفق البعيد, يسبح بروحي كما يسبح أولئك الصبية الآسيويون في دوامة هذا الماء المالح. يفرض (شيروان) نفسه على وديان هذا العقل الحائر. أين أنت الآن يا ترى.؟ هل أنت باقٍ على ما كنت عليه, أما زال كل الوطن بداخلك.؟ أم ارتمست قناعة بداخلك أنه من كان يمنعنا من السفر, يعطينا دروس الصبر والإصرار وعد بسنة من الغياب امتدت لسنتين, من يدري ربما لأكثر؟. تذكرت وجوه الإخوة عندما غادرتهم و(جوان) الذي قال إنني لن أستطيع المكوث سوى لعدة أيام لأجمع الزوادة لأعود مرة أخرى إلى رحابة صدورهم وكرم عفوهم, طار النظر من أمامي إلى نهاية امتداد الماء.
كنت محتاجاً جدّاً في تلك اللحظة إلى أن أبتعد عن الدنيا, أتخيل نفسي كطائر يحلق إلى أبعد المسافات التي يحتاجها هذا العقل لكي يتأمل الحياة جيداً بهذا البُعد.
بعد بعض الوقت كرر كلامه وهو يرفع من طبقة صوته ظنّاً منه أن الرياح على الشاطئ أخفته على مسامعي, ذكرني بسائق التاكسي الذي أقلني في آخر صباح بدمشق, ولأنه كأي إنسان كان, فيجب أن أعيره اهتمامي وأسمع له وأترك تأملي لحينٍ آخر, فاتني بعض جمل وعبارات أطلقها من حلقه. لكني وسط تأملي تأخرت بأن أرد عليه.. ماذا قلت.؟ لم أسمع.
- أخافتنا بضع حباتٍ من الرمل حملت شيئاً لا يذكر من حرارة الله. فما بالك بحرارة نار جهنم؟ أبعدها الله عنا وجنبنا إياها وكل مسلم على هذه الأرض. وبقناعة من داخلي, ولأني لم أعتد أن أبتلع رأيي في بلادهم, يكفيني ما ابتلعته من سكوت في بلادي, أو ربما كان ردي كذلك لأني أشبعتُ أزقة العقل برائحة الأخوة, وصرت أبحث بين حديثه عن أي شيء يُشعل ما بداخله, ولأنه لم يقل جنبها لكل مسلم ومؤمن على هذه الأرض، بل قال: لكل مسلم, لأني مقتنع في دخيلتي, هناك الكثير غير مسلمين, لكنهم مؤمنون بدينهم أشد الإيمان, من الأديان السماوية, لا يرتكبون المعاصي, يخافون الله, ويترددون على دور عبادتهم التي هي أيضاً من رحمة الله, هم والمسلمون مؤمنون بالله وبدينهم, بين صفوفهم وصفوفنا الذي يعكر صفوة الحياة ولا يجب أن يشمل الجميع بهم, لم أرد عليه بعد تفكير ملي بعقلي إنما بقلبي الذي ثار من العواطف التي مزجت بحناني للإخوة, بل انزلقت من لساني تلك الكلمات:
- أبعدها الله عن كل مسلم ومؤمن وكردي و عربي وأعجمي على هذه الأرض. قصدت بأن يحمي الله الكرد ليس من نار جهنمه بل من جهنم البشر الذين نعيش معهم, ليكوونا بها ليل نهار, لا أدري لماذا هذا الإحساس دائماً ينتابني, كأني أعرف حق المعرفة أن الكرد سيدخلون الجنة دون حساب على صبرهم في هذه الدنيا, من الظلم الذي تعرضوا له, ربما لأن من حولي إيمانهم حقيقي, تبادر لذهني خالي (نور): إنه مؤمن أكثر من أن يكون مسلماً, هل سينساه الله, هل سيتركه لأنه عاش خيراً؟ هجست في ذهني تلك الأيام التي كان يبحث بها لشراء بيتٍ, عندما قال له دلال البيوت: انتظر قليلاً لنصادف أحداً احتاج المال وسيبيع بيته بثمن رخيص. غضب عليه خالي أشد الغضب, وقال له: لا تقبل نفسي مثل ذلك الأمر, إن رأيت أحدهم محتاجاً, فأذله بمالي, وأشتري منه منـزله وأتحكم به؟ لم يكن خالي يصلي, كان يقول دائماً: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, وأنا والله عليمٌ بحالي لم أفعل فحشاء ولا منكراً بحياتي لتنهاني صلاتي عنها, لم أؤذ جيراني في يوم من الأيام, ولم أتجرأ أن آكل حق أحدهم في هذه الدنيا, انظر للحاج أمين, إنه يعطي ماله, ويذل الناس به رغم الفائدة التي نهى الله ورسوله عنها, يأخذها سلفاً في سندات الأمانة التي يوقع عليها أكرادنا, ويرهنون أرضهم وأشجارهم وبيوتهم عنده, إنه يحلل ما يريد ويحرم ما يريد, تجاهل قول الرسول (ص) عندما قال: الربا سبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه. هل هناك أشد وطأة من ذلك؟ رغم هذا يقال عنه حاج, ويطلق لحيته ليصلي ويسبح في باحة صدره, ويمسك سبحة يسبح بها الله.
كنت غصتُ عنه سارحاً, كسر حاجز الصمت دون حماسٍ منه. وربما لم يسمعني هذه المرة أيضاً, الحمد لله أنه لم يسمع وظل صامتاً لبرهةٍ, عاد مجدداً. كأنه يعيد الدور الذي قمت به أمامه بالصمت ثم إعادة السؤال، لكني كنت عفويّاً بتصرفي إنما هو بدا عليه أنه كان يرتب سرير الكلمات التي ستنام بذهنه ليوقظها عندما حان وقت سؤاله:
- ماذا قلت؟ كردي.؟
لم يسمع هذه المرة كل مؤمن ومسلم و عربي وأعجمي إنما سمع كلمة كردي، كأن الكردي لا يُقرن بالمؤمن والمسلم، فأجبته وكلماتي تستمد أنانيتها من الإحساس الذي يشعره كل الناس على هذه الأرض, حتى شعوب الاسكيمو تحسب ذلك, بأنهم أهم ما خلق الله, وذاك الإحساس بجوف كل إنسان, بأنه أهم شخص على هذه الأرض, يشعر به حتى الناس البسطاء, الأغنياء, الأشقياء والأقوياء.
- أجل كل كردي ومسلم ومؤمن. لأنني ذكرت هذه المرة الكردي في بداية الكلام, حسب طريقة سؤاله. تبدلت حاله وهو يعيد على الفور السؤال بإلحاح:
- لِمَ قدّمت الكردي على المسلم في سياق كلامك؟ لم هذا التعالي والتعصب؟
أجبته بنفس طريقته:
- بكل بساطة لأني كردي ولي الحق مثل غيري أن أفتخر بأصلي. فهل تمانع؟.
- قال بعد حنكة وصمت: صحيح قلت لي إنك من أكراد سورية!
- ماذا؟ ماذا قلت؟ وأنا مندهش, مشدود.!
اعتقدت أنه لم يسمعني, لا بل سمعني لكنه تجاهل كلماتي, تجاهل وجودي, سمع ما يريد وابتلع ما يريد, لا يختلف عن (خضر) لا يخلتف عن (أبي مهران) ، لا يختلف عن الآخرين بتجاهل غيرهم حتى في أبسط الأشياء تحلل لهم وتُحرم علينا, نظرت له باحترامٍ وتقدير وإجلال، ونظر هو لي, بإذلالٍ وسفاهة، بأني لا شيء, رغم أنه يدعي التمسك بالدين, بل إنه يغضب من أنزل الدين, إن من آيات الرب اختلاف ألسنة الناس وألوانهم, مثلها عند الله كخلق السموات والأرض, كما ذُكرفي قرآنه.
عبرت من أمامنا سفينة خفر السواحل، وصوت المحرك يطن في أسماعنا مثلما تمر ذبابة هوجاء من قرب آذاننا, عاد الصمت من جديد, ليحتل المكان, أمواج البحر كأنها تحدث شهيقاً وزفيراً مثلنا تماماً, زفير أمواجها يقتلع كل شيء كان من غضب. مثلي أنا عندما أحدثت الزفير بغضبٍ من طريقة كلامه وأسئلته, لكن زفيري لا يحدث سوى نفحةٍ من هواء, فقال بعد قراءته لملامحي ولكي لا يدعني كثيراً من الوقت أحدث نفسي, وينسيني:
- حدثني عن الأكراد بالله عليك.
كانت تلك العبارة مثل حقنة مخدر تسللت لكل غرفة وزقاق في جسدي الملتهب والحائر من لهيب الشمس:
- هل تحاول مجاملتي؟
- لا بالله, أريد أن أسمع منك, لأننا طالما سمعنا عنكم وعن قضيتكم من وسائل الإعلام, وهذه فرصة أمامي لأني أول مرة في حياتي أحاور كرديّاً أشم مثلك.

- لست أشم, ولا حتى شهماً, بل لأني عشت المأساة بكل حذافيرها وبأدق تفاصيلها, لامست التفرقة في مدارسنا, في العمل, جهراً وسرّاً,خدمت الوطن قرابة ثلاث سنوات, في عز عطائي وشبابي, خسرت كل ما ادخرته في سنيّ خدمتي, عشت الحرمان من حنان الأب الذي أضاع عمره لكي يطعمنا, لم نكن نراه إلا قليلاً, تشتتنا وتفرقنا أنا وإخوتي وأبناء جلدتي في هذه الدنيا, وتجمعت قناعة في داخلي أننا سنبقى كذلك إن لم نسع للمطالبة بوجودنا ونقطع وريد الذل بنصل الحرية والإنسانية.
رأيت ملامحه وغالطت نفسي, تذكرت ملامح (أبي مهران) كانت مثل ملامحه, لكن لا شأن له بي, ووجودي لا يعكر صفوة في حياته كما كان الوسيط والنظام يعتقدان أن وجودي له عواقب. لكن لا يسألون أنفسهم: إلى متى الهروب من المشكلة؟ لتظهر العواقب, أليس أفضل من عقاب البشرية والتاريخ؟
صرت أشرح وأعيد له بغوصٍ في ينابيع التاريخ, أحياناً من تبسيط الأمور كما تُعلم الأبجدية في الطفولة ونراها صعبةً, بأن الأكراد كغيرهم من العرب والفرس والترك وأغلبهم من الإسلام السني, بعضهم الشيعي, قلة من المسيحي, واليزيدي, وربما اليهودي, حضارة بحد ذاتها, لغة, عادات, آمال, وأماني, تختلف اللهجات في بقاع كردستان كما تختلف اللهجات العربية في الجزيرة العربية عن لهجة بلاد الشام ومصر والمغرب وغيرها، لأنه لا اطلاع له على التاريخ كان كثير السؤال ليقطع ترابط الأفكار في رأسي, لم أتعمق في الجذور بل نثرت كلامي من على سطح السنوات القريبة وعن شتات الأكراد, لأنه أدنى واجب أن أشرح لكل من يصادف طريقي ممن ليس له اطلاع على الأكراد ومشكلتهم التي هي أطول المشكلات عمراً وأسحقها عمقاً في الشرق الأوسط وأن الشعب الكردي عانى منذ الأزل من الظلم والاضطهاد, ذكرت أن آخرها كان على يد شيطان الأرض (صدام) كيف أنه هجّر الأكراد من مناطق إقامتهم الخضراء الخصبة بالطبيعة والنفط مثل خانقين وكركوك, نقلهم إلى مناطق صحراوية جرداء, دمر أكثر من أربعمائة وخمسين قرية كان يقطنها الأكراد, سردت له بعض المجازر في تركيا وحلبجة, ثم قاطعني,كمن وجد شيئاً وحجة قوية بين سياق الحروف، وقد بدت ملامحه أكثر وضوحاً لا أجتهد في ترجمتها:
- صحيح سمعت عن أحداث حلبجة، كان يعرض برنامجا وثائقيا تقشعر له الأبدان في برامج على التلفاز بعد احتلال صدام للكويت، لكن دعني أخبرك: صدام بعثي, ينادي بالقومية العربية, أنت دون أن تشعر لا تختلف عنه الآن, وتنقد غيرك ولا تلحظ نفسك.
- ماذا تقصد؟
- أنت مسلم أم لا؟
- نعم والحمد لله.
- إذاً لم هذا الاندفاع باتجاه القومية الكردية ولا يكون اندفاعك للغيرة على الإسلام والمسلمين، وإحياء علومها ودعوة شبابها للجهاد في سبيل الله، ونفض التراب الذي لصق بثوب سمعتها؟
- قلتها داخلي دون أن يسمعني:
(لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين)
ونحن من لدغنا من المسلمين مئات المرات وتفرجوا علينا، خلافنا ليس مع الإسلام الذي نسلم له، بل مع المسلمين الذين تناسوا تضحياتنا وتناسوا شهداءنا وتناسوا صلاح الدين وأحفاده، قال - وبدأت عيناه بالنطق قبل لسانه, ولا أرى أمامي سوى (أبي مهران) يتحدث معي, اختلطت الوجوه, خضر, فرهاد, لكن الضباب غربل الوجوه, وبقي وجه الوسيط وحده:
- لا تزعل من كلامي، عندما تبدي القومية على دينك, تبتعد عن الله والدين ووصايا الرسول (ص) لا يشغل تفكيرك سوى أن يلتئم شملك مع أبناء قوميتك, هذا ليس الذي أوصانا به الرسول (ص) بأن يجمع شملنا دين الله وتكون الشريعة الإسلامية المنصف بين البشر كعهد الرسول (ص) والصحابة رضوان الله عليهم, لذلك نسيكم الله من رحمته لأنكم آثرتم اللسان على الدين كما فعل بنو إسرائيل.
ضجرت قليلاً لما قاله, لم أظهره, وعدت مجدداً لأقول له: يا صاحبي أنا لا أبتعد عن الله عندما أفكر بقضيتي، فإنما أترك أمر الدين لكي لا أخلطه مع أشياء هو أنقى بكثير من أن يخلط بها, الدين للجميع والسماء فاتحة أبوابها, الله هو أرحم الراحمين يهدي من يشاء, يضل من يشاء, كما أن الآية الكريمة هي كلام الله سبحانه: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
ثم قال وهو يترنح:
- ها. يعني أنك تبعد الدين عن حياتك وتنادي بالحرية الغربية التي غزت عقولكم؟ سكت، ثم تردد، صار يفرد شعر لحيته بيديه, فرقٌ واحد بينه وبين الوسيط, تلك اللحية, أراه أمامي بصفاء البحر ولمعانه, نعم إنه هو بعينه وأكمل تلك الكلمات:
- إنه إلحاد. قالها وكأن قنبلةً ذرية انفجرت داخلي, صار العرق يتصبب من تحت القبعة التي على رأسي، رفعتها, مسحت عرقي, صار النبض يضرب من تحت جلدي ضرباتٍ موجعة, ومازلت قادراً على أن أحدثه:
- برأيك إن كان الأكراد يريدون شأناً قوميّاً يجمعهم فهم ملحدون, لماذا هم دون غيرهم من سبعين ألف قومية تناثرت في بقاع الأرض, التموا ونادوا وافتخروا بأعراقهم؟ بقيت أحدث نفسي: الحكومة تقول عنا متمردون إذا طالبنا بوجودنا وأدنى حقوقنا, هو وشرذمته يقولون عنا ملحدون إذا تحدثنا عن قوميتنا, غيرهم يقولون عنا خونة إذا استعنا وطلبنا مساعدة الدول الكبرى لنا, من بقي للكرد غير الله الذي يغطينا برحمته, حتى ذاك الغطاء يريد أن يقشعه, ما الذي أسمع, ما هذا المنطق, من أين جاؤوا به؟ أكمل، وأنا ما زلت ذاهلاً وسارحاً عنه: بالتأكيد ليسوا كلهم، لا يخلو الأمر من الخيرة التي تهدي للجهاد.
عم الصمت والسكون وكأن الدنيا توفقت للحظات، حتى من كان يسبح توقف وكأنه شعر ووصلت له ذبذبات غضبي وتشردي. شعر بشيءٍ من القسوة وقال: لا أعنيها يا رجل، بل أعني أن الذين جاؤوا بتلك الفتن التي فرقت المسلمين, نادوا بالقومية العربية والقومية الكردية والتركية والفارسية، ومن اتبعهم ضل عن طريق الإسلام ولم يعد شأن دينه يهمه كما يهمه شأن قوميته.
رفعتُ القبعة من على رأسي مجدداً, أواصل نفخ زفيري, اشتد غيظي وطفح الكيل, صرتُ ألوح بالقبعة يمنةً ويسرة كأني أحمل سيفاً بيدي, أعيش التاريخ الذي سأرويه بتفاصيله, أنفس عن غيظي وأشرح له ولو جزءاً منه, ماعاناه الأكراد من إخوتهم بالدين والذي يدعوني الآن أن أقع بتلك الحفرة مجدداً, قفزت عن التاريخ القديم, الذي ذكره زينوفون (أكزنيفون) في كتابه الشهير (الزحف) في سنة 400 قبل الميلاد, أن شعباً جبليّاً يدعى (الكاردوخي) ضايق مسيرته وزحفه نحو البحر, تجاهلت الحضارات القديمة, قصدت أن أنير له تلك البقعة من التاريخ الكردي والإسلامي التي غابت عنه وضاعت أو تجاهلها كما تجاهلها المؤرخون العرب وكتابها, صاروا يمرون عليها مرور الكرام:
- اسمع يا أخي: رغم كل شيء يقول الكرد للعرب: أخي, ولن يقولوا غير ذلك، وإليك بعض القصص التاريخية والتي أرجو أن تعود للكتب القديمة وتبحث عن حقيقتها:
عندما حاصر القائد الكردي (عماد الدين زنكي) إمارة (الرها) التي تسمى الآن أورفة في كردستان التركية, بعد ثمانية وعشرين يوماً, استولى عليها, كانت تلك ضربة موجعة للصليبيين فقد كانت (الرها) أول إمارة صليبية قامت على أرض الشرق, كانت تلك المدينة ترتبط بتراث المسيحية الباكر, كما أن سقوطها بعد أقل من خمسين عاماً على استيلاء (بلدوين دي بويون) عليها نذير شؤم للصليبيين, ومكسب كبير للمسلمين لأنه جعل وادي الفرات كله منطقة إسلامية, ضمن للمسلمين السيطرة على طرق المواصلات التي تربط بين شمال الشام والعراق والجزيرة, وتُوج القائد الفذ بقتله على يد خدمه غيلة, ونسي المسلمون أفضاله, وأفعاله.
من تريد أن أذكر لك ومن تريد أن لا أذكره؟
هل أحدثك قليلاً عن ثورة الشيخ (عبيدالله النهري) أم عن ثورة محمد كور باشا (الراوندوزي) الذي أعلن الطاعة للسلطان العثماني من تلقاء نفسه, ليس خوفاً إنما من إيمانه لأنه رأى إثماً كبيراً بأن يجابه الخليفة, وأن أموت ولا آمر مقاتليّ بأن يحاربوا أشقاءهم في الدين, وعندما عاد من القسطنطينية اغتيل غدراً وطعن في ظهره, وقتل حبه وإيمانه بداخله, ودفع ثمن نقائه, وصفوته, وهل في الدنيا أشد دنساً من ذلك؟
(عبيدالله النهري) الذي هدد المجتمعات المسيحية في أورمية كانت القوات الفارسية بطريقها للانقضاض عليه, وأقنعته البعثة التبشيرية التي كانت تعالج زوجته - وكتمت عنه حقيقة علمها بزحف الفرس عليه - بتأخير زحفه لعدة أيام, حتى وصلت إليه القوات قبل أن يتجهز وهرب أتباعه والفرسان إلى مناطق كردستان التركية واندحر هو ونفي ثم نقل إلى أراضيكم في مكة المكرمة، ومات هنا في ديار خاتم الأنبياء. إن التاريخ مليء كما امتلأت قلوب الكرد. سعيد النورسي الذي قابل السلطان عبد الحميد, طلب منه إنشاء جامعة في تركيا على غرار الأزهر تدرس بها باقي العلوم بالإضافة للعلوم الدينية, وعندما هاجم السلطان بكلامه وذكره بالاستبداد والدكتاتورية اتهمه السلطان بالجنون وحوله لطبيب نفسي يبت في أمره, وكان معلماً هامّاً من معالم الكرد الإسلام ماضياً وحاضراً.
كثيرون غيرهم: (سليمان الحلبي) لم يهن عليه القسوة والعنف الذي مارسه (كليبر) على علماء الأزهر وقمع ثورة القاهرة الثانية بكل بشاعة, تطايرت الرؤوس على الأرض, غرقت الأرض بالدماء في معركة (عين شمس) ضد العثمانيين بعدما انتصر (كليبر) عليهم، فكانت روحه فداءً لإخوانه في الدين، اغتيل القائد (كليبر) على يده ليخلفه (مينو) الذي استسلم بسهولة وقبل بشروط العثمانيين وتم جلاء الحملة الفرنسية على سورية.
من تريد أن أذكر لك؟ هل أحدثك عن (إبراهيم هنانو) أم عن (يوسف العظمة)؟ سأحتاج إلى الكثير من الوقت لأذكر لك جزءاً من بطولاتهم وشجاعتهم, ناهيك عن تلك البطولات التي قطفها الناصر صلاح الدين والتي بظني لا تحتاج للذكر ولا تحتاج للبرهنة, هكذا يكون رد الجميل, لماذا ندفع ثمن صفائنا آلاف المرات والعرب يفتخرون بتاريخهم, سماحتهم, كرمهم, من تريد أن أذكر لك؟ هناك الألوف من علماء الأكراد المسلمين كشيخ الإسلام (ابن تيمية) والإمام (محمدعبده) و(ابن حجر) و(ابن الصلاح) و(أبي الفداء) وغيرهم كثر, بذلوا عمرهم للدفاع عن الإسلام والمسلمين ولم يلقوا منهم سوى الطعن في الظهر وتكاتفهم لعدم الاعتراف بهم.
عندما هاجم صدام حلبجة لم نسمع صوتاً إسلاميّاً ليصرخ ويندد بالكف وتحكيم ضميره أن لا يرضوا لنا ذلك كما كنا لا نرضى بهم أي أذية, ما يفعله بأحفاد حامي الدين (صلاح الدين) لم نسمع كاتباً عربيّاً وإسلاميّاً يدافع عن أطفالهم وشيوخهم الذين أبيدوا دونما رحمة, كان أغلبهم يتغنى بتلك الكلمات: " إنه شأنٌ داخلي " لم يتسن بالذكر وأنت كما قلت عندما احتل صدام الكويت تصدرت قضية الأكراد نشرات الصحف العربية والإسلامية ونشرات الأخبار والأفلام الوثائقية التي تابعت أنت إحداها ولم تخرج من أرشيفهم إلا عندما أرادوا أن يخرجوها لماذا؟ لماذا عندما يستشهد مسلم من الشيشان تقوم الدنيا ولا تقعد هنا عندكم, تجمع التبرعات والمؤن لترسل لهم, يدعى لهم ليل نهار من منابر مساجدكم, بينما لم يتذكر أحدٌ منهم إخوتهم الذين أبيدوا كالحشرات بالأسلحة الكيماوية ودُمرت أكثر من أربعمئة قرية داخل كل منها مسجد؟ هل يجوز لنا أن نفرق حتى بين مسلم ٍ ومسلم ٍآخر ورسول الله (ص) من علمنا الكرم والأخلاق والتسامح والدفاع عن أي مسلم على هذه الأرض تنتهك حرماته؟ وتقول لي: تخلى الأكراد عن الدين فتخلى الله عنهم. لا بل الله لن يتخلى عن أي إنسان على هذه الأرض، لم يخلقه ليتخلى عنه, إنما يمتحن الله صبر عباده ويرى مقدار تعلق كل منهم بدينه وملته ورسله وكتابه, إن مزيج الحياة الذي تكونت منه البشرية من اختلاف العرق واللون والدين والعادات إنما هو أساس الحياة, لا تستطيع أن تجبر أي أحدٍ أن يتخلى عن إحداها، حتى الموت لن يقضي على حب أي كائن كان في شرق الدنيا ومغربها لدينه ولحريته ولآماله, أسمعت؟ حتى الموت لا يقضي على الدين, والهوية, والحب, والحرية.
تعالى صوت (مناحي) وهو يلوح بقميصه الذي انقشع من جسده, لم نعره أي اهتمام بسبب نقاشنا الذي تفاقم وجرتنا أرجلنا إلى مكانٍ قريب على الشاطئ لنحتمي بظل الشجرة الصغيرة المتواضع, جلسنا ونحن نُكمل كلامنا ونتنفس بصعوبة وسط الحرارة الممزوجة مع الرطوبة التي تنبعث من الأرض والرمل وكثافة البحر، ثم عاد مجدداً ليقول:
- ليكن عندك قناعة أن لا نصرة لنا إلا بالإسلام, لن يرفع منا عالياً إلا إصرارنا على نصرة ديننا الذي صار حاله يبكي في هذه الأيام وسط هذه الضوضاء, تحزنك تلك الأيام والفتوحات الإسلامية والخلفاء الراشدون والصحابة, من كان يدري أن العرب والمسلمين ستصل بهم الحال إلى هذا الحد من النفور وترك أمر الدين بأنه آخر شيء يفكرون به وصاروا مسلمين بالاسم فقط؟
" قال: العرب والمسلمين, وكان للتو يقول عني ملحد لأني ذكرت وجودي, إنها تحل لهم القومية وتحرم علينا,لم يستطع ولن يستطيع أن يكتم أنه عربي, لم يدعوني لأكتم أني كردي؟ "
لماذا؟ لماذا؟ سأفني حياتي وسنوات عمري لأجد الإجابة. قلت له وقد ارتخى فمي, وبطؤ الكلام من أثر تعامد الشمس:
- إنها العدالة الإلهية.
- ماذا تقصد؟ العدالة الإلهية على من؟
- تقول بأن المسلمين والعرب وصلوا لحالة يرثى لها, دعني أفسر لك سبب ذلك, لا أقرأ الغيب إنما أحلل الأحداث التي تتوالى رويداً رويداً لتترك لنا المجال لأن نصحو على أنفسنا ونرى الخطأ الذي يكون أمام أعيننا، لكن الظلام دامس حولنا من الجهل والشوفينية القاتلة التي تفشت بيننا والله لا يغضب على عباده والناس دون سببٍ، إنها عدالة الله التي ما بعدها عدالة، ألست من بلد الخير والإسلام وإيمانك بالله لا حدود له؟ هل تؤمن بعدالة الله على الأرض؟
- قال: طبعاً ولا تحتاج من سؤالك لجوابي.
قلت له: تعرف حديث الرسول (ص): من أخذ شبراً من الأرض بغير حق, طوقه من سبع أرضين؟
سأذكر لك غيره: قال ابن مسعود: (قلت: يا رسول الله! أي الظلم أعظم؟ قال: ذراع من الأرض ينقصه المرء المسلم من حق أخيه, فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض, لا يعلم قعرها إلا الذي خلقها).
وبدأت أتمايل مع الموج في حديثي كالذي يهذي, لم أعد أملك زمام السيطرة على نفسي وقلت: من أخذ شبراً من أرض أخيه, طوق إلى سبع طبقات في بواطن الأرض. بالله عليك إن كنت تدعي التمسك بالدين, ماذا يكون حكم من ابتلع وطناً بأكمله؟. ابتلع شعباً ووجوداً. ابتلع حضارة ورجالاً..؟ ما يكون حكمه بالله؟
أكملتُ بعد أن هدأت: إن كل من أساء إلى الأكراد الذين كانوا من خيرة المسلمين, أحفاد صلاح الدين, الذي لم تحرر القدس إلا بإيمانه ولن تحرر مجدداً إلا بأن يصلح العرب والترك والفرس والمسلمون الأخطاء التي اقترفوها بحق الأكراد من الظلم والاضطهاد. انظر للأتراك أين وصل حالهم؟ فالإحصائيات تشير بأن نسبة الرجال العاجزين جنسيّاً تجاوز الستين بالمئة, سيطل نهار عليهم ليجدوا أن الكرد أصبحوا أكثر منهم عدداً وعتاداً ورجالاً, ولا تنس الزلازل, الوضع الاقتصادي المتدهور, تبرؤهم من الدين ورفع شعار العلمانية لكي ينضموا للنادي المسيحي المسمى الاتحاد الأوروبي, الذي لن ينضموا له حتى يصلحوا شأنهم مع الكرد, لأنها عدالة الله في الأرض.
والإنكليز زرع لهم الله المشكلة الأيرلندية التي هي من أعقد المشكلات في التاريخ, يظنون أنها نامت لكنها ستهب من جديد.والعراق الذي لن يكتفي الله بحساب من أباد الشعب الكردي على الأرض في يوم القيامة, إنما بقدرة قادرٍ سيريهم عظمته وجبروته ويذيقهم المر ويشرد عوائلهم ويبديهم أمام أعينهم، ليريهم أن الظلم لا يدوم والعين بالعين والسن بالسن, إنها العدالة الإلهية. وروسية لن يفعل الله أكثر ما فعل بها ومزقها. وإيران التي هي إلى الانقسام قريباً بعدما ابتلعت مهاباد. وسورية، آه.. الله وحده أدرى وأعلم بما سيحدث لسورية, إلا إذا صحت من الغيبوبة ونظرت إلى الكرد والشعب السوري كله الذي حاله ليس أحسن حالاً منا. قال مستغرباً:
- لقد ربطت أحداث العالم كله بقضيتكم.
- نعم حتى قضية فلسطين, ستحل عقدها جنباً إلى جنب القضية الكردية في الشرق الأوسط, يحركها الله بعدالته بنفس القدر الذي تتحرر فيه حقوق الكرد في أوطانهم, سنرى ذلك بعيوننا وندرك ذلك بحواسنا, مستقبلاً والله من يحرك الأيام والزمان والناس.
قال وهو غاضب: ما بالك يا رجل؟ يكفيك من الغرور والاعتزاز الذي سيقتلك عن الأكراد!وكيف تدعي أن شيخ الإسلام (ابن تيمية) كردي وغيره الذين ذكرتهم؟ لم يبق إلا أن أسمع منك أن الأنبياء جميعهم أكراد.
- لا بل جميع الأكراد كلهم أنبياء عند الله.كما عانى الأنبياء في نشر رسالتهم عانى الكرد في هذه الأرض من إخوتهم. أليس الإنسان خليفة الله على الأرض, اذهب وانتهل من العلم والتاريخ جيداً. وها أنت قد سمعت القليل عنهم وستسمع الأكثر بكثير إن شئت مستقبلاً. اذهب لكي لا تطالك العدالة الإلهية التي اختزلت إرضاءها بالصلاة وإطلاق اللحية, وتناسيت وأشباهك الرحمة والحكمة وحسن الاستيعاب حتى مع العدو والاقتداء برسول الله(ص) .
كان خلفي ونحن مازلنا نمشي, وما علمته أنه كان على يساري، لكن, ما الذي رمى به ليصبح على يميني لا أعلم, وبحركة لا شعورية وأنا ألوح بالقبعة. انهالت على وجهه دون أن أراه خلفي, عندما رست يدي على يمناي, لم يمهلني لكي أعتذر منه, وما حصل خرج عن علمي وإرادتي، رأيت منه لكمة حطت بعنفٍ على خاصرتي قطعت أنفاسي، رددت عليه بنفس القدر من السرعة وردة الفعل بلكمةٍ في وجهه, تحول الحديث لعراكٍ بالأيدي, وقعنا على الأرض يُمسك أحدنا بعناق الآخر, تصاعد الغبار وتناثر من الرمل والأرض السبخةُ, كأن خيولاً مرت من جانبنا, جاءت ضربة على ظهري قصمته نصفين, وارتميت على الرمال التي لسعت وجهي, لم أعرف كم من اللكمات غيرها انهالت من فوقي, رأيت شخصين أمامي, كان (مناحي), هاجمني من خلفي ليفزع لصديقه, ونسي صداقتي معه: "أنا وابن عمي على الغريب" مثلٌ شعبي من عصارة الحياة, يطبق بحذافيره على رأسي, ونحن وأبناء عمومتي من الكرد نتقاتل بيننا, أو لنُرضي غيرنا, فكرت بالألم الذي خفت شدته, اتضحت الصورة مجدداً أمام عيني: كان (سلطان) يؤنب (مناحي) وأنا ما زلت مرمياً على الأرض, أمره بالعودة لمكانه, أطرق ثم أذعن لكلامه, عدت وحيداً مجدداً معه, لا بل كنت دائماً وحيداً, استجمعت قواي, ونهضت, فكرت أن أستأنف القتال مجدداً معه, لكني لم أقاتله في البداية لكي أكمل قتالي, إننا نضرب كل يوم في كل أرجاء الدنيا وليس لنا من يحمي ظهرنا حتى من إخوتنا, شريطٌ صاخب مر علي وأنا أنهض, ومنها كلمات (جوان) : إن صفعَنا أحدٌ ليس لنا من يدافع عنا, إنها بلادهم, وهل أتمرد عليهم في عقر دارهم؟ لم أتمرد في دياري لتكف الأيدي عني, هل أعود مجدداً لتلك التجربة, تُكبل يداي وأقتاد للمطار مرحلاً وأنا لم أقترف ذنباً؟ أُضرب وفوقها أُهجر إرغاماً, إنني كردي, وكم من المرات ضُرب الكرد وهُجروا مرغمين. أدرت وجهي عنه, سال الدم على قميصي القطني من فمي وأنفي, نزعت القميص ومزقته, مسحت الدم الذي اختلط مع الرمل, تركته وهو يبرطم بالكلام, ربما أطلق عبارات ليست إلا شتائم:
- ها هو البحر أمامك، اشرب منه حتى يكبر الحلم الكردي أكثر منه. اختفى صوته عندما غطست أذناي في الماء, شعرت بالرجفة متأخراً من برودة عمق الماء, تحولت الرجفة إلى غيظٍ، كدت أعود بالحال وأعيد الاقتتال بجدية معه, لألكم وأحطم أنفه, ليس له الحق أن يشمت بأحلامنا, لكني كنت وحيداً وسأبقى وحيداً, الكثرة غلبت الشجاعة في الحاضر والماضي, وكم سكتُ وسكتنا، هل سأبدأ الكلام الآن, في غير الزمان والمكان.
استدرتُ, صرتُ أسبح على ظهري لأجهض الألم الذي تخلخل بيَّ, بدا الجميع بعيداً وصغيراً على الشاطئ, سبحت وسُحِبت، نفست عن الغيظ بحركات يدي المتواصلة, ظل هو جامداً بمكانه كما تركته, اختلطت الدموع بالدم والماء, كما في مشهد حلبجة، استقرت حركاتُ يديَّ مع قوى الماء إلى تناسقٍ مكرر مريح, كدتُ أبلغ بعزمي جزيرةً رملية,كانت بعيدة عن الشاطئ, لكن قارب خفر السواحل صار قريباً, التفت حول قدميّ أعشاب وطحالب كدتُ أغوص للعمق من تمسكها وكأنها تحاول إيقاظ العقل الشارد من عدم المضي أكثر من ذلك, جاءتني قوة إلهية لتدس برأسي عدم الاستسلام. بقيتُ في الماء أطفو ثم أسبح، يعلو الماء ليقتحم أذني ووجهي وبينهما صوتٌ يظهر ويختفي, كانت صرخات أطفال حلبجة, بقيت كذلك حتى مغيب الشمس.
غادر الاثنان معاً وتناثر غبار الرمل من خلف عجلات السيارة, عدتُ للشاطئ مرهق الحس والجسد، لم أذكر كم نمت, كم جلست وحدي، لكن ما أذكره أني لبست لباسي فوق بللي, مشيت مسافةً كنت حسبتها قريبةً وأنا بالسيارة, لكنها طالت وأطالت بنجاتي, وصلت الغرفة بعد بزوغ الفجر, ربما مشيت عدة ساعات ارتحت خلالها وهرولت بدلاً منها, ارتميت على السرير, أشعلت جهاز التبريد, حضرت كل معايير الوصفة التي تحتاجها تركيبة المرض في ذاك الفجر كما تحضر خلطات الشعوذة, لم أذهب للعمل في ذلك النهار، طرحت في الفراش لأربعة أيام ولياليها مع إجازة مرضية مدتها خمسة أيام, شعرتُ بمعنى تلك الكلمات التي تُطلق من ساذجٍ يخاف الغربة بأنه لا من مواسٍ ولا من يرأف بالحال إذا ما هاجم المرض أو الغدر المرء فجأةً في غربته, وكم كنت بحاجةٍ لمنديل أمي لكي تبرد من حرارة جسدي وشوقي, تمسح به وجهي لينصهر مع الدموع, لتغرق بالمنديل الهزيل.
لقد كذبت يا أمي.
كذبتُ عندما قلت أن لا رابطة قوية بيننا, بل رباطي بك كرباطي بوطني, لكني كبقية الكرد ابتعدت عنها كما ابتعدت عن وطني.

*صدرت الرواية اولا عن الدار العربية للعلوم – بيروت 2003 ثم صدرت لطبعة الثانية منها عن دار رشاد برس – بيروت 2010

لزيارة مدونة الرواية
http://akraad.blogspot.com/


مصطفى سعيد
روائي من سوريا
wwwstrip5@yahoo.com

تعليقاتكم
1. حمامة ناصعة
البندري وردة | 26/5/2011 الساعة 19:19
لم اعرف انك عانيت من كل هذا ولم اعرف ان الرواية حين تصير سياسية لا تفقد جماليتها يا مصطفى قلبي معك ومع سورية ولاكراد اتمنى لو اكملت الرواية ارسلت اكثر من مرة على اصدقاء مصطفى سعيدولم ترسل لي الرواية انت اديب اشعر باني عندما اتكلم عن اديب بكل بهائه هو انت
2. اللاخيالي
أمجد العاني | 29/5/2011 الساعة 13:28
أجزم أنها من أجمل الروايات العربية والمنفردة في الأدب اللاخيالي Nonfictionهذا الصنف من الأدب يكاد يكون منقرض في وقتناكان آخرها كتاب توفيق الحكيم يوميات نائب في الأرياف والتي تحولت إلى فيلم وسيرة الصبا لسليم بركات وقليلة مثل هذه الروايات التي تحكي عن سيرة وقضية في إطار الأدب
3. اكراد اسياد بلا جياد
بلين | 28/8/2011 الساعة 15:33
ما شاء الله .. رواية رائعة وفكر عميق .. وعندما قرأتها احسست ببعض المقاطع والعبارات كأن الكاتب يتحدث عني .. وعن عشقي لوطني وعن جرحي .. بتمنى التوفق لكاتب الرواية .. بلين من كوردستان العراق
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث