الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
شجرة مريم/ مقاطع من رواية
سامية إدريس
شجرة مريم/ مقاطع من رواية
سامية إدريس



1ــ رسالة رجاء .


جئت أسعى نحوك، أحث خطاي الواهنة باتجاه بابك، وحين بلغته ويا للخسارة! كان بابك موصدا. الباب الكبير الداكن كان موصدا. وبدا خشبه العتيق كما لو كان يحمل كتابة مبهمة، ولما دققت النظر رأيت بالفعل كتابة، بم عساها تبوح؟ لا أعرف، هي كتابة دقيقة عارية من كل وضوح بحيث إن البصر ليهتز أمامها، قاصرا عن فك وموزها المتعنتة. بدت مرقشة ورقيقة كما لو كان كاتبها يتعمد الكتمان والتعجيز، لعله يرغب في الإفصاح ويواري خوفه خلف هذا الخط الغامض غير المقروء .

على كل حال هذا هو بابك العتيق الداكن. يكفي أن أسند ظهري إليه وأجلس عند العتبة وأنتظر دوري في الطابور الطويل من المريدين. و يوم يلين قلبك لي لا شك أنك بابك سينفتح. سأجلس وحسب ولأفكر في ذلك الخط وتلك الكتابة.

لقد كان العطش مشكلتي الكبرى ومازال حتى ليبدو في بعض اللحظات الأشد قتامة من نوع تلك المعضلات الأزلية التي أعجزت العقل البشري. منذ الطفولة وأكوام الملح تترسب على حواف كأسي وحلقي يجف، كلما قربت الكأس منها تتيبس شفاهي كجلد العيد تحت شمس أوت المستكبرة. وأنت تتوارين خلف بابك الضخم، وتطلبين أن أحل ألغاز خطك الشائك غير عابئة بما يدخره صدري من كنوزونيران وعواصف ومايجري تحت حجاب الصمت.آه لو تعلمين. وهاهي دهشتي الناصعة تنسكب تحت عينيك المغفيتين أو هكذا تجلى لي. فإما أن تكوني مرقاي الأول أو فلتكوني انحداري السحيق .


رجاء 2

ظل الباب الأصم يعرض عن نداءاتي فعدت أدراجي إلى البيت محملة بالخيبة حيث انسدل مساء ثقيل على القلب. كيف لا؟ وقد عدت بلا سبب واضح القنينة الزجاجية المحكمة الإغلاق، أنت لا تعرفين معنى أن تكون امرأة أي امرأة مجرد قنينة محكمة الإغلاق، أنت لا تعرفين معنى أن يتعتق العطر طيلة سنوات وأن تتعتق الخمر وأن يتعتق العمر، وإلا لكنت فتحت الباب على عجل دون حاجة لكل هذا التكتم. أليست هناك حالات مستعجلة تستدعي التدخل السريع؟

من عنادك استمديت ضوئي، وإن يكن، الأمر يتطلب إذن سباحة ضد التيار فأنا لها لأن الموت واحد، سأسير نحوك حافية القدمين حاسرة الرأس ولو على حد سكين صدئ لأني صممت أن أفتح المدينة المحصنة وأهرق أسرارها. لأجل ذلك عدت إليك في هذا الصباح الندي، حيث بدأت ارتعاشات الحياة الأولى في لغة العصافير وألوان الفراشات وفي ثوبك الزاهي ــ هكذا أراه ــ وفي نظرتك التي تسري كينبوع قديم .

هاقد عدت إلى مرقاك وبصوتي الواهن ناديتك، بصوتي المتكسر وقفت عند بابك العتيق وناديت مترجرجة باسمك: " يا لالاَ، يا لالاَ ــ ناديتك كما السلطانات ــ وقلت كأني حواء تتسلق تلال الأرض: عشر سنين وأنا أحوم حول النبع ولا أشرب، قوافلي عطشى والماء يغور، شفاهي يابسة ولا ندى يبللها، الملح يحتل روحي، أيرضيك هذا المصير؟ تلك صحراء العطش تمتد نحوي تقطف وردة شبابي، كما فعلت مع الريم. قفار الجوع تزحف و أنا جائعة منذ قرون وعطشى منذ قرون، فافتحي بابك، ولو لمجرد انفراج صغير كابتسامة. ألايرق قلبك ولا تهتز شعيرات جسدك أمام هذا الشباب المتهالك ؟ ألا تفتحين ؟

أدور حول الباب كأني أدور حول نفسي، زهرة عباد شمس بلون آخر، أعيتني رقصة المجانين،زوبعة داخل رأسي تنتحب، مسامير تدق في جبهتي،وفيضان يمور نداخلي.الأدهى أني ما عرفت كلمة السر ولا الباب انفرج، فادركيني يا لالاَ،يا لالة النساء، الله يرحم والديك ويرحمك "

رجاء 3

وهذه المرة واعجبا! كان بابك مشرعا في رسالة واضحة تلاشت النقوش الغامضة كما لو أن رياح اللياليالسابقة كنست كل أثر، أأكذب بصري؟ أم أهي بركات الجمعة؟أكنت أجتاز اختبار الصبرأم هي الصدف والأقدار تتكور داخل كومة واحدة ؟ لعلها الاحتمالات جميعا تتزاحم لتعرب عن حضورها.
وها أنا أراك رأي العين كأني أعود إلى رحم أمي الدافئ ومائه وطيباته، كأني أواجه صبحي الأول في أرض الوطن، في منزل الطفولة المغلف بالستوف. أحمل على عاتقي أسئلتي اللجوج كومة بلا جواب، أتراني أجد الجواب لديك، بين شفاهك وطيات فؤادك هذه المرة ؟ أم أنك سترديني خائبة دامعة العين بإشارة وجيزة من رأسك ــ كما فعل غيرك ــ أقول لنفسي هل سأخلص من مخالب الريم ؟ من رائحة الياسمين وذكرياته؟ لأن الياسمين هو زمن الموتى. ومنذ اللحظة علي تجاوز جنائزياتهم الحزينة وبعثرة رمادهم بعيدا في زبد المتوسط. هل سأنجح في اختباري ؟ أيمكنك فك قيودي وتحرير رقبتي من أغلال الريم من بقايا عطرها وحركات أصابعها وطغيان جمالها؟

عندئذ ستكون الندر والصدقات والشموع المتوهجة، ستكون الصلاة والصوم المجاني، ستتناثر الهبات،سينهك الجسد لتسعد الروح وتلتئم جروحها الغائرة، هذه هي القاعدة. أقدم عمري قربانا لهذه اللحظة. فهل ستأتي كغيمة عامرة على جناح الشوق؟



كل جمعة يشرع حمام مريم بوابته السحرية، وعند الفجر تتهيأ طقوسه الخاصة، ويهب نسيم مشبع بعطورالغابات وروائح الربيع، وتندلق الستارة الراعشة كصباح شفاف .
تجلس مريم أمام المقصورة الزجاجية ترتدي الأبيض لباس إحرامها لإضفاء القدسية والهيبة فالمظهر أولا لإقناع العين وملء جشعها فالعين لاتشبع ( العين يملاها التراب) تجلس على كرسي من أغصان السملل لاستقبال الزائرات ورد تحياتهن، والاستماع لخفق قلوبهن، فيما أصابعها تعبث بحبات سبحة بنية. تتناثر نظراتها على العابرات تبتسم باختصار فيما وجهها يحافظ على الهدوء وينقل رسائل اطمئنان للضيوف كأنها ليست من عالمنا مع أني أراها أمامي من لحم ودم وأرى جفنيها يطرفان بتسارع وأرى حمرة خفيفة في أعلى أنفها .

تشرع زهور في تقييد أسماء الحاضرات : الاسم ... السن ... الحالة الاجتماعية . مجرد حواشي خارجية تجمعها من باب التعريف بالواجهة الأمامية التي اعتاد الناس تقديمها أما البقية فيدخل في إطار مانسميه سر المهنة .

ليس هناك شروط محددة أو رخصة لدخول حمام مريم، يكفي أن تأتي فقط وتأخذ موعدا قبل عدة أشهر من أجل الغوص في بخارها العجيب، " يكفي أن تكوني امرأة " ردت زهور باقتضاب .
ــ يمكنك الذهاب وقتما تشائين، من يدري فقد تنحل عقدتك على يديها، الله أعلم أين يودع أسراره،ربما في أضعف خلقه، ولسنا ندري على يد من يكون الشفاء" قالك داوي واكتب والشافي ربي "هكذا قال كمال مشجعا، وأضاف " سأوصلك، عنابة بعيدة " .

بعض الرجال لا يموتون وإنما يغيبون فقط لبعض الوقت حتى نظل في انتظارهم كل العمر، لعل كمال واحد منهم .
اليوم جديد، صباحه مشرق، أين ستذهبين يا مريم" يا محارة البحارالمستحيلة ؟ " قلت . كأنك بجانبي تهمس في أذني مثل حفيف أوراق الدالية . وأين سأذهب ؟ رددت، ليس لي مكان آخر آوي إليه، أنت تعرف، بيت أمي عامر بالأشباح والظلال القاتمة، لا لم أقل هذا أنت في بيتك، ألست امرأتي ومالي هو مالك، أنت ظلي، هل أنت خائفة ؟

خائفة ؟ هل كنت خائفة حقا يومذاك؟ ذلك العصروقد تجاوزت الرابعة زوالا ولم يظهر كمال الذي وعد بإيصالي إلى عنابة ؟ نعم لقد كنت خائفة ومازلت ولا أدري متى سيرحل هذا الخوف الهائل الذي يقبع بداخلي؟ وماذا بعد الخوف؟
ها أنا ذا يوم الجمعة..من شهرماي سنة 2006 أكملت العدة بالتمام والكمال أربعة أشهر وعشرة أيام هي دينك علي، ما تكحلت فيها بغير الغياب ولا تعطرت بغير الحنين ولا استكت بغير ذكراك ولا تخضبت بغير الوحدة فما الذي يريده الرجال أكثر من هذا؟ وها أنا اليوم طليقة، كأني هاجر في العراء، أبحث عن هواء وماء. أهذا كثير؟ . وعلى الرغم من كل شيئ فهناك من بدأ يوسوس في أذني بمكر: ما ذا ستفعلين بكل هذا القدر الهائل من الحرية؟ وهل أنا حرة؟ " خل البير بغطاه يرحم والديك، وما يحس بالجمرة غير اللي عافس عليها ". سأمضي فحسب، سأمضي إليها وأهرق أسراري أمامها، وأبعثر كل السنوات التي خلت بكلماتها وجروحها وجدرانها العالية و سقفها القاتم. سأعلن : هذه أنا يا مريم العمياء ــ كما يسميها الناس، لا سأناديها باسم تحبه، أنت قلت إنها "مريم البصيرة" وسأدق بابها وأغمس روحي في بخارها فقد يكون الشفاء من رائحة كفيها المعطرتين بالحناء والكافور .

تجاوزت البوابة العتيقة ذات الرائحة اللذيذة الصادمة، وقبيل الدرجات الثلاث نزعت نعلي امتثالا للإعلان المكتوب بخط عريض (في درج النعال تبدت الأحوال، أحذية أنيقة، أحذية ملفتة مقمقمة بل ناطقة بالكبر،أحذية عادية ، أحذية مهترئة. لم أر درج الأحذية ولكني رأيت درجات المجتمع صاعدة نازلة، باذخة وصارخة بالعوز والحاجة. أنا شخصيا لدي حكاية طويلة مع النعل الحذاء وإن اختلفت التسمية فقد كنت دائما أقرب مني لأكون حافية القدمين، اليوم يبدو مقبولا لدرجة يمكن القول وبكل ثقة ودون مبالغة إنه أنيق، أما إذا انحدرنا نحو سنوات الطفولة والمراهقة فقد كان وبلا لف ودوران عاري الدائم أستطيع التصريح علنا، وكنت إلى حد كبير سأرضى عن جمالي لولا قدماي الضخمتان الناتجتان عن امتلاء ساقيي، كانتا ويا للبشاعة! تفيضان على جانبي الحذاء، لعله النقص الوحيد في جسدي الجميل، ولكنه النقص الظاهر الذي يسبب الخجل والعيون تنزاح ــ كما بالتصوير البطئ ــ من الأقدام نحو أعلى الرأس من الحذاء المتآكل إلى البلوزة الرخيصة والسترة الصوفية العتيقة، يخجل الصيف من تعرية عيوبنا أما الشتاء فيتعمد أظهارها بوقاحة تحت أنظار مشفقة وحذاء عامر بالذكرى الأولى الطين في تلك المرحلة الحرجة من العمر التي تشكل في حد ذاتها معضلة، ما خلف بعض الآلام وبعض الأشواك في الحلق بعض الوخز في الناحية اليسرى من الصدر. حين أرى قدمي الريم اللطيفتين الرهيفتين كما لو كانتا من زجاج أدرك الفرق بيني وبينها ، لقد كنا متشابهتين في كل شئ إلا في أقدامنا بل إنه التناقض وتلك روح الحياة التي قدمتها عبر تلك الأعضاء).

داهمتني الرهبة وحاولت التماسك قدرالمستطاع، أوازن بين القلب والروح والجسد، لا أريد الارتعاش كورقة ذاوية، سأرتدي ذاك القناع الأبيض اللامبالي الذي يرتديه أغلب الخائفين. وها أنا أتجه نحو البهو بخطى تبدو متوازنة. أتحسس طراوة الزرابي المحلية ذات الطرز الدقيق والخطوط المتقاطعة والألوان الفرحة. ألقيت السلام كما لو كنت أحي نفسي و جلست وثنيت رجلي أرنو إلى الوجوه، أقلب نظري بين الحاضرين والصينية النحاسية العتيقة والفناجين والسكرية، مجتمع صغير قائم على النظام وفخامة التقاليد الموروثة عن عصر باذخ، وامرأة طويلة ( ينادونها حورية الطويلة ) تطوف بأباريقها وفناجينها علينا :
قالت : قهوة ؟ إنها ساخنة تذوقي قهوة خالتك حورية. ولم أجد من مخرج غيرتحريك رأسي نحو الأسفل و قول نعم ــ كما تعودت ــ وحين تذوقت تلك القهوة هبت نسمات محملة بعطور الغابات الأولى والصحارى الشاسعة، كأننا في الجنة حيث النمارق الموضوعة والأرائك المصفوفة والفناجين الفضية اللامعة والروائح التي لم يألفها الأنف. هنا يشتعل الحنين وهذه بؤرته الأولى، وهاهي الرؤوس قد بدأت تطل علي من خلف الثقوب والنوافذ والأبواب .

فتحت أزاري وتجردت من خماري وحللت شعري من شرائطه ونزعت جواربي ــ كما تقتضيه عادات حمام مريم ــ وانسللت داخل الحلقة الواسعة كقطرة ماء في البحر، واستغربت للدموع والشهقات والقهقهات العالية. لسوء حظي أن السيدة زينب قد أشارت إلى انتهاء الفسحة في انتظار أخرى، فمسحت النساء أعينهن بالمناديل وتألقت بعض الوجوه بحمرة شفافة. في انتظار الخطوة التالية .
قالت واحدة بوجه أسمر عريض :
ــ هل قيدت اسمك ؟
ــ كم سندفع ؟ قالت أخرى نحيفة ومزمومة الشفاه .

وجاءت حورية الطويلة بقهوتها وصحن من التمر وضحكت وهي تستلم ثمن القهوة وأمالت رأسها وأغمضت عينيها:" هذا رزق اليتامى، واللي ماعندهاش مسامحة دنيا وآخرة صدقة على روح مَا ".
ــ قهوتك عزيزة خالتي حورية ــ قالت امرأة شابة وأرسلت ضحكة قصيرة ــ ما سرها ؟ تبتسم حورية وتتسرسب في صمت كأنها سحلية، وتستدير في حركة خفيفة نحو مريم التي ما زالت منذ الصباح تدير حبات سبحتها اللامعة وتهمس وعيناها مشرعتان كالبحر.

فجأة ترن أجراس صغيرة ويندفع خرير ماء ويخيم الصمت من شدة المفاجأة. بلغة العصر هو إعلان الدخول إلى عالم مريم، ويعلو صوت زهورالذي كوقع الزجاج فوق البلاط مناديا على أسماء القائمة التالية التي ستدخل المطهر .

حسب ما استقيته من الحاضرات فإن الحمام مقصد كل الزائرات حالات خاصة، لأن المرض لا يفرق بين الناس، وإن كان الكثيرمنها يتواجد على الهوامش المعتمة للحياة في الأحياء الفقيرة والأرياف البعيدة ( ناجيات من الانتحار، مغتصبات، أرامل ومطلقات، شابات وعجائزوحيدات، أمهات فقدن فلذات أكبادهن في البحر أو خلال الأيام الدامية ...)

بعد ثلاث ساعات أو أكثر خرج اسمي من بين شفاه زهور مضغوطا كركوة القهوة، خفق قلبي بشدة وارتعشت وتلاشى القناع الأبيض اللامبالي. أشارت بيدها وأومأت برأسها أن اتبعيني" لا تخافي " خاطبتني بلطف وبصوت خافت. وتقدمت بخطوات مترددة، دخلت رواقا صغيرا نصف مضاء، في المدخل حيث تجلس مريم رأيتها تتطلع نحو رسالة الرجاء تلك التي سلمتها عند دخولي، وسألتني زهور عن نبتي المفضلة، وبلا تردد قلت" إكليل الجبل ". كنت عرفت الإجابة من أفواه الزائرات. ولما وقفت في مدخل الرواق عامرة بالدهشة والتردد ارتسمت أمامي ثلاثة أبواب : إلى اليمين حيث كتب بخط عريض مرتعش ــ مختلف عما في المدخل ــ نكهة الزعتر، وإلى اليسار نكهة الكافور وفي الوسط نكهة الإكليل، انحزت إلى الوسط وإلى رائحة الإكليل الجبلي النفاذ. وأعتقد أن الأمر نفسه في الجوار مع اختلاف النكهة والرائحة، فقد نادت ثلاثا ثلاثا ثلاثا. تسع نساء دفعة واحدة. وها أنا مريم المستحيلة أدفع الباب بارتعاش وألج عالما من العطور والدهشة والغرابة، أقفل الباب خلفي وأخاف ألا ينفتح فأعيد فتحه لأطمئن ما دامت أحوالي لم تتغير بعد، لا أضمن ما سيأتي فيما بعد هل سأخرج هكذا كما أنا أم خلقا آخر ؟ اللهم إني أعوذ بك من المسخ . ثم أدير المفتاح في القفل وأقرأ الخط القابع تحت المصباح الأبيض(الني) في الجدار: هي ثلاث كلمات صغيرة تقعي بخط أخضر يتلألأ بوجل تحت الضوء: الحرية والحب والحلم.

ــ هنا سأدلق كل أسراري، أهرقها أمام المرآة الطويلة، في قلب غرفة البخار العجيبة. هل هذا يكفي ؟ فقط يا مريم حرريني من السر الحرام الذي يعصر روحي ويكبل جسدي .

أقف داخل غرفة صغيرة فارغة إلا من مرآة طويلة تتحداني وسط الجدار أمامها ظرف بلاستكي، أفضه بأصابع مرتجفة: هل سيكون الحل هنا ؟" مرحبا في عالم مريم ... تحرري ... اجلسي كما ولدتك أمك، لا أحد معك واجهي ذاتك، انظري إلى المرأة التي تواجهك في المرآة، تأملي طلعتها ونظرتها ... فاليوم هو يو م الحقيقة والصدق ... وحين تنهين اضغطي على الزر " . أهذا كل شيئ ؟ ألهذا قطعت كل تلك المسافة إلى أقاصي الشرق من أجل كلام عادي أسمعه في كل وقت.

أنظر إلى المرأة التي تواجهني بتحد أرفع بصري نحوها بهدوء وأعيد خفضه، أنظر نحو عينيها المتسعتين أنزل نحو خديها البارزين كتفاحة مقسمة نصفين، إلى استدارة كتفيها الصغيرين إلى صدرها الشامخ وانتهاء إلى قدميها الرقيقتين وأصابعها الطويلة. أنظر إليها من رأسها إلى أخمص قدميها لا ظل لها في الجدار. أزم شفتي فتزم شفتيها، أبتسم فتبتسم، أتحسس عنقي وصدري فتتحسس عنقها وصدرها
قلت لها بصوت عال: لن أسألك هل أنا جميلة ؟ لن أسألك من أجمل الجميلات ؟ ولكن قولي : من أنا ؟ من أنا ؟ ألتف في الإزار وأسألها من جديد : من أنا ؟ .
هذه أنا الغائمة في البخار والضباب والعطور وهذه المرآة تختفي وهذا وجهي وليس وجهي، دم أمي يتأجج في دمي وصوتها يمتزج في صوتي، تمرق الصورة كالبرق، هذا وجهي وليس وجهي، أحدق في العينين الواسعتين المحملتين بعتاب غريب ــ بعد إذ مسحت المرآة بطرف الإزار ــ أجهش باكية : هذه الريم ! هذه حبي وهلاكي ! هذه شبهي وتوأمي. كل من كان يرانا يسأل هل أنتما توأم. فنقول نعم توأم بفارق ثماني سنوات. سبحان الله فولة وتقسمت! ماذا أفعل بوجهها الآن؟ أأفتح الباب وأخرج مبللة بالماء والعطرو رائحة الإكليل؟ أأرمي الإزار في وجهها الضاحك وأخرج إلى مريم عارية فتطردني من بستانها وغابتها ؟ قالت الرسالة : "أنظري إليها بتحد، لا تخشيها تلك عقدتك فحليها بيديك وأسنانك إن استدعى الأمر ".

وضعت يدي اليسرى تحت ذقني وفكرت نصف مغمضة العينين، على الريم أن تموت،عليها أن تعود إلى حفرتها وتربتها وعالمها وتنام إلى الأبد، عليها أن تفسح المجال لي، وأن تعود إلى هامشها الضيق. إذا أرادت عليها أن تحلق بعيدا في السماوات الفسيحة وتترك هذا العالم الأرضي المتهالك لأهله، هل علينا تذكيرها أيضا بمساوئه، هل علينا أن نقول لها إن خللا ما حدث في قلب الأرض، وإن الداء ينخرها من الداخل، فنامي بسلام . صرخت برجاء : " يا أختي الجميلة عودي إلى عالمك ودعيني أحيا في عالمي كامرأة من لحم ودم وعظام كامرأة لها قلب و روح وجسد. " ولكنها عنيدة كما عرفتها دوما لا تلقي السلاح بسهولة

وهاهي تبرز من خلال الصورة المضببة مخترقة كل القواعد المتعارف عليها، تتقدم نحوي بكل كبريائها تكبر ترتسم تقاسيمها بوضوح: فمها الصغير وعيناها اللوزيتان الواسعتان اللتان تحملان انكسارا غريبا. هي نفسها بجفنيها المرتخيين وأهدابها البنية الكثة، يرتفع حاجباها بصلف وتشرع في التحديق بي. فيما يهتز صدرها عاليا وينفتح منخاراها. كانت غاضبة لا شك، ممتلئة بالغضب، رأيت ذلك في نظرتها النارية ظلت تحدق بي لدقائق حسبتها دهرا. ما بك يا ريم ؟ ولم يخرج الصوت من بين شفاهي فقط سمعته يرتطم بحلقي ويعود. وهي مازالت واقفة أمامي بجمالها الباذخ وشموخها كأنها قصر جميل بني خصيصا لامرأة محبوبة. ثم ترتخي عيناها ببطء حتى تنسدلا على سرهما العميق وينزل حاجباها وتنفرج شفتاها فيما يشبه ابتسامة. فأراها كما في المرة الأخيرة؛ في ذلك اليوم بثوبها الأبيض عروسا مسجاة لعريس أبدي بيدين حانيتين لن نعرفه أبدا .


ردمناها عند المغيب حمامة نافقة وعدنا صامتات. خشخشت الأشواك اليابسة تحت أقدامنا، أشواك القرنينة واللداد والزعتر والشيح الهزيل عند أعلى التلة حيث مدينة الأسرار، مررنا بعين " الصمار " حيث تراقصت الينابيع اليتيمة ثم نزلنا بجهد الصخورالبيضاء المرقشة بالطحالب والكلس وبقايا الطيور. مازالت تتوسد بعضها كحلزونات متسلسلة. وقفت أمي تحت شجرة الخروب الضخمة ــ وهي أضخم شجرة في القرية كلها قرية الطريق 100 المسماة التايبة ــ وتنهدت استندت إلى جدعها الكبير أولا ثم ابتعدت بضع خطوات نظرت نحو الأعلى، ظلت أمي تحدق هناك حيث تدلى في الصباح جسد الريم. نظرت حيث تعلق نظر أمي ورأيتها طائرا يتهيأ للتحليق نحو السماء، لكأن الريح بيديها الطويلتين رقت لحالها فألبست رأسها الصغير بكيس أسود من البلاستيك طلبا للستر. ظلت أمي واقفة فيما رحت أتابع الخط الصغير الذي كافح صاحبه لرسمه فوق جدع الشجرة: الريم وناجي معا إلى الممات. غاص الخط عميقا في قلب الشجرة فصار من الصعب محوه نكاية في كل الغربان والمتربصين بالحب،وخلد كتعبير عارم عن لحظته.

كنا جماعة ضالة من النساء لففنا السر الحرام في كفن وردي وأسدلنا عليها ستارة التراب، وبخشوع أدينا الصلاة، جماعة من النساء صلينا على روح امرأة قال الرجال إن الصلاة على روحها لعنة، وستأتي الله يوم القيامة مشنوقة إلى شجرة ضخمة سوداء من أشجار جهنم. قالوا إن المسافة بينها وبين رحمة الله تقدر بألف سنة أو تزيد من سنوات الآخرة لا سنوات الدنيا المستعجلة كلمح البرق . سرا فعلنا ذلك، آه ! لو يعرفون، لو أن السر اللعين يتسرسب من لسان ما، لو أن عينا متربصة رأت المشهد الخاشع الممزوج بالحزن والفجيعة، ماذا سيفعل زوار الليل ؟

قالت أمي : ليفعلوا ما بدا لهم أريد النوم بجوار ابنتي، هل لأحد منكم اعتراض ؟
ــ النساء يصلين في المقابر هذه بدعة منكرة، قال إمام الجامع .
ــ وقتل الريم أليس بدعة منكرة، ردت أمي بغضب .
ــ استغفري مولاك يا الحاجة , بنتك قتلت نفسها، هي بين يدي خالقها ...
ــ ابنتي لم تقتل نفسها، هناك حلوف بن حلوف قتلها، اغتال زهرة شبابها، لأنها وقفت أمامه كالجدار، هي ابنة الأحرار ولن تفعل ذلك . الحرة لا تقتل نفسها، هل تفهم ياالشيخ؟ ليست ابنتك من أزهقت ورود روحها وريحان شبابها هي ابنتي أنا، قطعة مقدودة من كبدي، روح وخل الأمور لحالها، كل خبزك الطري ودع زليخة تفعل ما تشاء.

لا أحد صدق رواية أمي ولكن الكثيرين تعاطفوا معها رأفة بشباب الريم وجمالها الذي لا يهون.ومهما يكن فقد أبكى الرجال والنساء والشباب والشيوخ ، كانت الريم نوارة التايبة بل وبني عمران كلها بجموع قراها المنبسطة عند أقدام المنحدرات.

وتحت شجرة الخروب شرعت أمي تغني بصوت عال( في لقطة درامية بلغت ذروتها في تلك اللحظة) :
عزوني يا ملاح في رايس لبنات سكنت تحت اللحود ناري مقديا
ياخي أنا ضرير بيا ما بيـــــــــا قلبي سافر مع الراحل لبنيــــــا
يا حصراه على قبيل كنا فـي تاويل كي نوار العطيل شاو النقصيـا

من بين السرب المروع قفزت الجدة فاطمة بخفة وأمسكتها من معصمها: " بسم الله، بسم الله.زليخة،زليخة.يا رب زليخة ما هي بخير " وانقادت أمي لها كالطفل، فيما اندفعنا جميعا منحدرات نحو البيوت فيما بدأ الغروب يبسط أجنحته على القرية ويتهيأ لليل آخر. الله وحده يعلم مالذي سيحدث فيه .

قبيل المغرب أعلنت أمي بصوتها المتكسر القاسي أنها ستدفن ابنتها، لقد فتحت الباب أخيرا وخرجت إلى الرجال طالبة منهم الانصراف: أنا سأصلي على ابنتي، أنا سأدفن ابنتي بيدي هاتين " فمن شاء أن يتبعني فليتبعني" لا أحد تبع أمي من الرجال، وقد رأوها تأتي منكرا وتحتجز ابنتها لساعات طوال، جاهدين حاولوا كسر الباب ولكن أمي صرخت وأعلنت من أراد اللحاق بابنتي فليفعل. وعندها تفرق الرجال غاضبين ناقمين وآسفين لقد جنت زليخة لا شك في ذلك.وقال الإمام اسماعيل: في الصباح ستهدأ الأمور وندفنها ".

صعدنا التلة أمي وأنا وأختي نادية والعجوز فطيمة والأرملتان الشاباتان حورية وخديجة والعانس زهية والمطلقات فوزية وكريمة وصباح، وطالبات الجامعة أحلام ونسيمة وسعاد. حملنا الجسد المسجى بكل ما أو تينا من القوة والصبر واندفعنا نحو الأعلى مخترقين الهواء الساخن والأشجار. وفي طريق عودتنا تكومنا داخل حجاب الصمت لا نقوى على تحريك شفاهنا فيما أمي تصدح بالأغنية لأن اليوم هو زفاف الريم إلى بيتها الأبدي وقد رأيت أمي تخضب يديها ورجليها بالحناء وتعطرها وتنثر المسك والطيب على جسدها وتخرج من الحقيبة ثوبا ورديا أنيقا هو ثوب العروس وتلبسها إياه، والجدة فطيمة تحرك رأسها علامة الرضى .
عزوني يا ملاح في رايس لبنات سكنت تحت اللحود ناري مقديا
حطوها في لكفان بنت عال الشان زادتني حمان نفضت مخ حشايا
أحفار القبور سايس ريم القبور لا تطيحش الصخور على لبنيا
سكنت تحت التراب قرة عينيا

منذ لحظات غمسنا زهرة في قلب التراب لففناها بين طياته وعطرناها بعطرها الأصلي البراءة العطر الأول عطر حليب أمها الذي مازال مذاقه في لسانها وانحدرنا باتجاه البيوت وأمي مازالت تغني ونهر الغناء يتدفق من بين شفتيها الزرقاوين مخترقا ستار العتمة الراعش.

في الطريق انسرب ثعبان لاهثا بعد قيلولة قائظة مندفعا نحو هواء الغروب، وفرت فأرة رمادية من بين أرجلنا فيما نقت ضفدعة من الحقل المجاور، إذ اشتمت إنذار الخطر المحدق، هذه المخلوقات تتأهب للوليمة احتفالا بجسد الريم الندي، وتتهيأ لالتهام سنواتها العشرين المشبعة بالماء .

جاء الصوت على لسان زوجها من بعيد من خلف العوسج والستوف الذي يسيج بيته :" أين ستذهبين ؟ أنت لي، بالحرام، ماكنت لغيري، ستكونين لي أو للموت " .

أعرف الآن أنه يمكن للقبح أن يجهز على امرأة، يمكن للبشاعة أن تقتل امرأة، القسوة يمكنها أن تفعل ذلك. تلك الرائحة التي تنبعث من أعماق الروح، من أقاصيها، رائحة الحذاء الثقيل والجوارب والسترة الخشنة، والياقة المتصلبة منذ أزمنة الحنين الأول، كالبصل المتعفن والماء الآسن. تلك هي الرائحة التي قتلت الريم.
شهقة الريم !

هبت نسمات لافحة محملة بروائح الحياة كلها رائحة الكسكس باللحم في موعد الأعراس الذي يتربع على عرش الموسم ــ وعرس الريم أخطأ موعده ــ تتمازج ورائحة القمامة والنعناع البري ورائحة الدجاج وعبيرالليمون المضرب بخضرة غامقة تحت عتمة الغروب الواهن. سقفا يبنى ودثارا ينسدل. في هذه العتمة الجاثية مثل بساط يتوسط الليل والنهار طغت رائحة الموت. لا أحد يصدق أن للموت رائحة ولكني أأكد ذلك، للموت رائحة غريبة فيها الخوف وفيها اللذة. وفي تلك العتمة طغت على كل رائحة أنا تحسستها ليلة زواج الريم،حيث كان الناس يمرحون بوجل وكانت أقدام الراقصات تتعثر بكومة سوداء غريبة لا أحد رآها ولكني حدقت مليا فيها كانت قريبة من يدي تشبه كرة ضخمة، لا يأتي الموت دون رسل أبدا، يبدأ بإرسال خطَابه على استحياء، في أغلب الأحوال لا يراهم أحد حتى المعني نفسه ، ثم يأتي بكل جلاله وأناقته ليأخذ ضحيته. وعندها يتذكر الناس تلك الإشارات والغمزات ثم يشرعون في تفسيرها كما يفسرون الأحلام.

عند أعلى الجسر القديم تجمع الغروب كتلة سوداء مهجورة تمتد على مد البصر تخترق غابة الصنوبر وتتوغل في أعماقها وتصعد في لا مبالاة نحو جبل الشلخة. ومن لا يعر جبل الشلخة وقمته الحجرية؟تلك التي تتسلقها شجيرات التين البري واللوز المر. في السنوات الأخيرة صارت غابتنا وجبلنا غريبان ونحن الذين ترعرعنا في تلك التلال وبين ظلال أشجار السرو والكافور صرنا نخشى النظر إليها مجرد التفاتات خاطفة من ضرب استراق البصر والسمع. الليل والظلام والخوف هي العبارات الجديدةالتي اقتحمت قاموسنا اليومي. لهذا حين اندفع الليل ونحن نعود من المقبرة بعد أن دفنا السر الحرام على عجل لم نقدر على مد أرجلنا فوق الجسرالقديم والجلوس عند حافته الإسمنتية المتآكلة كما تعودنا. عجلنا الخطى تحت نعيق البوم الذي أعلن بصلف عن بداية عصره الذهبي وكان عصر البوم بامتياز، عصر الموت الذي جاء في موسم الربيع وحصد أعناق الزهور والفراشات ونتف ريش الطيور.

عند نهاية الجسر التفت رغما عني ورغما عن تحذيرات أمي حيث ترقد الريم كنزيلة مهمشة حديثة العهد بالحياة الجديدة. تراها ماذا تفعل الآن ؟ هل أجابت عن أسئلة منكر ونكير؟ هل تسام سوء العذاب الآن؟ هل أضئ قبرها وعطر بالمسك ؟ أمي قالت للإمام : " إن ابنتي حمامة من حمائم الجنة ... رغما عنك " .

سأموت. أعلنت الريم بحياد كأن الأمر لا يعنيها. لا أحد صدقها على الإطلاق.ومن يصدق شابة في أهبة العمر تفيض صحة وجمالا؟ فجأة أعلنت قرارها الغريب ذاك ودخلت غرفتها تداوي حزنها العتيق بدموعها، مدت يدها إلى الخزانة وأخرجت ثوب عرسها الذي طرزته بيديها الصغيرتين ورقصت عليه أصابعها الرهيفة. تأملته مليا ثم وقفت إلى النافذة تنظر إلى بيت الجيران حيث كان ناجي يقتات منذ سنتين على ابتسامتها ويقاوم الظلام الجديد الزاحف ويغتسل بماء عينيها الذابلتين. نظرت طويلا إلى النافذة التي ظلت موصدة كقلبه، لأن ناجي لن يفتح النافذة اليوم، لأن ناجي في جبال بعيدة لا يدري ماالذي اقترفته يدا الريم لم يعلم حتى عن زواجها ولا عن هروبها من بيت زوجها، إنه مشغول، هو في قلب المعركة وقلبه في تلك اللحظات كان يخفق للموت أكثر مما يخفق للحياة.

تعيد الثوب إلى مكانه وتستلقي فوق سريرها ثم تطفئ الضوء وتدفن رأسها تحت المخدة. أمي تتركها وتذهب إلى غرفتها لتناجي زوجها الراحل، لتلومه كلما هبت مصيبة في سمائها تسأله لم رحلت وتركتني وحيدة ؟ مالعمل الآن يارب ؟ ما الذي سيحدث ؟ كانت خائفة وأنا على الرغم من كل شئ رأيت ذلك الحزن، ببساطة لأنه تجمع كعقدة محكمة في قلبي أنا. كنت أنام بجانبها وأسمع صوتها وهمسها وأرى ظلال يديها ترقص على الجدار وحركات رأسها وتقلبها في الفراش وطقطقة عظامها .

وفي الصباح رأينا الريم عروسا تتدلى من أعلى شجرة الخروب. أنا رأيتها تتأهب للتحليق نحو السماء فيما صرخت أمي صرخة مدوية مازالت إلى هذه الساعة تخترق قلبي فأرتعش .


سامية إدريس
كاتبة من الجزائر
samiaamine@yahoo.fr
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث