الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
دعني اقرأ النص اولا...
ضياء الخالدي
دعني اقرأ النص اولا...
ضياء الخالدي



الحكاية جوهر الفن القصصي، ولا غنى عن ازاحتها او تهشيمها للحصول على نص يقرأ، وربما هذه بديهية عند البعض، وربما عند اخرين علامة على مفهوم قديم تجاوزته النظريات الادبية الحديثة. نقرأ مثلا عن قصة استطاع كاتبها ان يطوع المبنى الحكائي، ويتلاعب بالحدث لضرورة تجريبية. او يقدم لغة شعرية آخاذة اوصلت النص الى دلالات متوهجة، وكل تلك القضايا تدغدغ ذهن بعض النقاد، الذين انشغلوا بالمناهج و الرؤية الاكاديمية للنصوص، فتراهم يستنطقون النص خدمة لتصور معين، وربما يدفعهم هاجس ان النقد عملية ابداعية موازية للنص، فنغرق في النهاية، بمجموعة مفردات وجداول ومصطلحات تتزاحم لتكون دراسة حديثة...
يتهم احد قصاصينا المنشغلين بكتابة القصة القصيرة منذ الستينيات في حديث عابر، القصة العربية بانها لاتزال اسيرة الحكائية، وكأنها تهمة ينبغي الابتعاد عنها، وكان يرثي لحالها وكيف ان الاعلام صنع منها ما لا تستحق، بينما امثاله توصل الى تجارب وفتوحات في كتابة القصة منذ السبعينيات دون ان تاخذ الاهتمام الكافي، ونقصد بالاهتمام هنا النقد العربي، واعلامه، ومؤسساته الثقافية، التي لم تقدر حقيقته. هذا التصور تأسس مسبقا على وجود قارئ ذكي لماح لا غير. يهوى استعراض ما يملكه من قراءات، واستخلاص الدلالة حتى لو كانت غير موجودة. انه هوس بالتفرد افقد قصتنا المتعة وحب التواصل مع ادب عراقي يضج بالمحلية.
كل مغامرة في التجريب لابد ان تاخذ القارئ معها، وتنطلق به صوب الفضاءات الجديدة، واي اخلال بهذا الاتفاق يعني اننا امام اشكالية في التلقي ستودي بالضرورة الى قطيعة تامة، وهذا ما حصل مع قاصنا الستيني الذي ضرب الشيب شعره، وهو يستجدي القراء. لو علمنا ان هناك اسبابا اخرى ادت الى قطيعة القصة والرواية العراقيتين مع قارئها، مثل قيود النظام الاستبدادي السابق وتوجهاته، وغيرها...
اتمنى ان نجد خلال المتابعات القرائية للروايات والقصص المنشورة في صحفنا عن قضية الامتاع، وهل هي موجودة في النص، ام هناك شخصيات شبحية خلقتها مفردات لا يصلها الخيال؟ لا تهمنا ان كانت الرواية لا تعطي نفسها بسهولة للمتلقي، وانها تتعمد الغموض للوصول الى دلالة فخمة، قد يجهلها الكاتب! نحضر الاصبوحات والاماسي ويتحدث المنتدبون عن نصوص المحتفى به، وكلها تتطرق الى النص او النصوص المكتوبة طيلة المسيرة الظافرة، ولكن دون الاقتراب من سؤال واحد لا غير. هل كانت تملك الاسلوب الذي يجعل كل المغامرات النصية متاحة لفهم المتلقي؟ لا احد يستطيع القول ان تلك الرواية او القصة لا تقرأ، لان المثقف عليه ان يتحمل وعورة الاسلوب ليصل الى المعنى، وخشية ان نتهم بقلة الوعي، نترك قارئنا الاعتيادي الذي يمثل الاغلبية الصامتة هنا، وحيدا، وبعيدا عن التفاعل مع ادبنا المحلي...
حشود الروايات ومجاميع القصص المصطفة في تاريخنا السردي المشار لملامحها ستكون في العدم فيما لو كانت في البلاد سوق رائجة للكتاب كبيروت والقاهرة، تزاوج ما بين الابداع والمتعة. يعني اننا امام هاجس تجاري يفرض محددات تلبي مستويات التلقي في السوق، ومع الوقت وكثرة الاعمال الصادرة تتأسس مخيلة لا تبتعد عن هذا الاطار، وهذا غير موجود في العراق، لان دور النشر العراقية المرتبطة بالدولة – الوحيدة بالساحة - ومنذ السبعينيات وحتى اليوم، اخرجت للوجود اعمالا باتت تشكل عبئا عليها. ربما هي محقة فقط باعتبارها مسؤولة عن رعاية الكتاب الشباب في بداياتهم بنشر ما يكتبونه، ولكنها امام سؤال ملح عن طبع روايات وقصص لاسماء اثبتت الايام انها بعيدة عن التلقي.
لذلك ان الروايات العراقية الصادرة من دور نشر عربية مرموقة، وليست تلك التي تنشد المال وخبيرها هو الكاتب نفسه، تجدها قريبة من المتلقي العراقي والعربي، وتتقاطع كليا مع قسمات روايتنا التي كتبتها الاجيال المحتفية باللغة الادبية الخالصة، والتي ترى ان الاقتراب من الريبورتاج الصحفي هو ضعف عند الكاتب، وينبغي ان يطور اسلوبه ليصل لا الى القراء، وانما الى رفوف المكتبات ومخازن دور النشر المحلية...
من بين افضل مئة رواية عربية خلال القرن العشرين، نجد ست روايات عراقية هي "الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي و "الوشم" لعبد الرحمن مجيد الربيعي و "النخلة والجيران" لغائب طعمة فرمان و "سابع ايام الخلق" لعبد الخالق الركابي و "الاغتيال والغضب" لموفق خضر و "رموز عصرية" لخضير عبد الامير ( ترتيب الاسماء حسب التسلسل )، والملاحظ ان جميع هذه الروايات يستطيع القارئ ان يتواصل معها، وينشد الى عوالمها دون ان يصيبه الملل، ولا خلاف على القيمة الجمالية التي تحمله كل رواية من تلك الروايات، وبعضها دخلت منطقة التجريب كروايتي " الوشم" و "سابع ايام الخلق" دون ان تضع المتلقى في متاهات. بل كانت تمد يدها له، لتبحر معه في رحلة ارادها الكاتب ان تكون جديدة.
قد نملك بعض الاسئلة على هذا الاختيار، ولكنه يشي بحقيقة لا يمكن تجاهلها ان القصة والرواية العراقيتين وكأنهما تتعمدان الابتعاد عن الجمهور، من خلال اساليب تكون فيها الشخصية بلا ملامح، شبحية، غارقة باساليب تنشد بالدرجة الاولى ايصال ثقافة الروائي الينا، وتوقه الى اجتراح طريقة روي جديدة تسجل باسمه.
القناع الذي يتخفى به هؤلاء الكتاب هو اختلاف الذائقة ومستويات التلقي، بالتالي فهم غير معنيين بالقاريء الكسول، ويودون متلقيا يشاركهم في صنع الدلالة، ومؤهلا للانتقال معهم في رحلة الى قاع النص لا ستخراج " الدرر" . هذه المساحة لا تخضع الى ملامح واضحة وهذا يعني وجود امكانية ان يتخفى الكثيرون ممن لا يستطيعون ان يكتبوا رواية كلاسيكية، ونتحدث هنا من باب كوننا قراء مقتنعين بان مفردة قصة او رواية، تعنى متعة وتشويقا وثقافة...
لهذا فان اول خطوة ان يقرأ النص بالكامل، وبعدها نطلق الاسئلة لذواتنا. نرى حجم التاثير الذي احدثه النص فينا. يمكن ان نقول ان الروائي او القاص قد فشلا في اقناعنا بما قدماه لنا على شكل كتاب. او نقول العكس، وهذه القضية هي التواصل الذي نتوق اليه. لا ان يرمى الكتاب بعد قراءة صفحات قليلة منه، وليس كل الروايات " يوليسيس " حتى يمكننا ان نبرر بعض الشطحات الابداعية التي تنظر الى هم قصي لا يصله الكثيرون منا كقراء وكسرديين.



ضياء الخالدي
روائي من العراق
deyaairaq@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث