الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
"السرد والكتاب": السيرة النظرية لمحمد خضير
سعد محمد رحيم
"السرد والكتاب": السيرة النظرية لمحمد خضير
محمد خضير



في سلسلة المقالات/ النصوص المتضمنة بين دفتي كتاب ( السرد والكتاب ـ كتاب دبي الثقافية ـ ط1/ مايو 2010 ) يجترح محمد خضير سيرة أدبية لافتة، هي سيرة نصوصه السردية، التي ألّفها في غضون أربعة عقود، قبل أن تكون سيرته هو مؤلفاً.. ففي بؤرة اهتمامه يبرز النص أولاً؛ مرجعيته، وآليات تكوِّنه، وتفاعلاته. شروط انبثاقه. دورة حياته المتجددة، الخ.. وإذ توارى وراء أقنعة نصوصه طويلاً، مفضِّلاً عزلة مشغله السردي ( استعمال الأدب ) على أضواء الشهرة الساطعة ( استعمال الصحافة ) لم يكن مضطراً، في أي وقت، للكشف عن أسرار مشغله وطرق اشتغاله. لكنه ظل يُهرِّب قبسات من تلميحات وملاحظات وإشارات، عن ذلك كله، في مقالاته المجموعة، فيما بعد، في كتاب أول ( الحكاية الجديدة/ 1995 )، وفي كتاب ثانٍ، هو هذا الذي بين أيدينا. وفي هذه المقالات له دائماً زاوية نظر استثنائية، مثيرة، وغير متوقعة.
فضلاً عن مشغله السردي، حيث ديدنه، فيه، إنتاج النصوص، لمحمد خضير، كذلك، ورشة لخرط ولحم، ومن ثم صناعة الاصطلاحات.. لا يتردد في إنتاجها، ولا يحذر من عرضها أمام الملأ. فهو حريص أبداً على إكمال ما يسميه هو؛ سيرته النظرية، لأنه مسكون، لا بهاجس ( ماذا يكتب ) فقط، وإنما بهاجس ( كيف يكتب ) أيضاً. إنه أكثر كتّاب السرد العراقيين والعرب همّاً في هذا الجانب.
في ( الافتتاح ) يخبرنا محمد خضير متى وكيف كتب فصول كتابه وجمعها؟ ولماذا؟.. يطلق على محتواه ( المقالات السردية ) وفيها تتآلف ( الفكرة النظرية، والفكرة السردية ) حيث "تغلّف إحداهما الأخرى، أو تنبثق إحداهما من الأخرى". ثم يبدأ بسؤال؛ أين موضع الكاتب في نسيج ما كتب، في إطار استعمال الأدب، لا الصحافة، في ضمن تقاليد ( الأصالة والتجديد والتجريب، والتأثير )، بعيداً عن مقتضيات الإعلان الشخصي ودواعي الشهرة؟. وهنا يتحدث عن الأديب الذي "تدفعه حقيقة الاستعمال الأدبي إلى موضعة ( ذاته ) الأدبية في سياق رؤيا متحولة احتوت زمانه الشخصي، وزمان أعماله التاريخي، لهذا يتعذر عليه فعلاً أن يتحدث عن ( أنوية ) مسيطرة على حقيقة الإنتاج الأدبي، أو متجاهلة تقاليده العميقة الأصول". هذا الإنكار للذاتية يتأتى من كونها، كما يرى، "ليست موضوعاً صالحاً للاستعمال الأدبي في أغلب الأحوال، وهي في أحسن الأعمال واسطة للتأمل والمراقبة والنقد والكشف". لذا يريدها أن "تتصرف بزمنها، زمن أعمالها، حد الفناء فيه، أو الفناء فيها، كي لا تعيق تطور النصوص الحرة واسترسالها في زمانها الأدبي الذي لا نعرف له حدوداً، أو شكلاً ثابتاً مسيطراً".
في ( السرد والكتاب ) يتحرى محمد خضير عن الخرائط السرية للنص السردي، لاسيما لنصه السردي، كما لو أن المؤلف ليس سوى وسيط بين طاقة أصلية كامنة وإنتاج موضوعي.. هذا الوسيط ليس سلبياً أبداً، وإن لم يكن واعياً تماماً لما يفعل بالضرورة.. إن تلك الطاقة الكامنة ليست عمياء أيضاً.. إنها نظام قائم ومتحوّل.. مجموعة قوانين فاعلة تشتغل عبر الوسيط/ المؤلف: الطاقة اللائذة في النظام هي الخطاب وقوانينه، والوسيط هو المؤلف السارد. وباستعارة اصطلاح أثير لديه نقول أن السارد هو مستعمل الخطاب، هو مستثمره، هو القادر على منح الحياة للخطاب.
وإلى حد ما، يقابل عنده اصطلاح ( الاستعمال ) اصطلاح ( الاستثمار ) مثلما يعرّف في معجم الاقتصاد السياسي؛ "توفير أدوات الإنتاج التي تستخدم بقصد إنتاج سلع الاستهلاك، أو أدوات إنتاج جديدة".
يثير محمد خضير أسئلة كثيرة، محيّرة، ومحفِّزة تخص حزمة من القضايا والمعضلات المطروحة في حقل النظرية الأدبية، وشبكة العلاقات المعقدة والمتغيرة بين الكاتب واللغة والنص والخطاب والواقع، مع عدم إغفال امتدادها لعملية القراءة والتلقي. ومن غير أن يقيّد نفسه بمنهج أكاديمي محدد، أو آليات تحليل صارمة.. إنه يمنحنا وجهة نظره المستقطرة من خلال تجربته الخاصة، وملاحظاته التي استقاها من طريق مراقبة الواقع ومتابعته الصبور لما قاله الآخرون، من قبيلة المؤلفين والنقاد، بهذا الصدد. وما كتبه هو خلاصة خبرة عمل داخل مشغل سردي عريق أسسه منذ أكثر من أربعين سنة، ولم يبارحه قط..
يشرع بالسؤال عن الواقع؛ ما هو؟ ولأنه منشغل بالأدب والسرد فإنه ينتهي بالسؤال عن إمكانية تطابق رؤيتين؛ "رؤية الواقع من خلال وعيه، ورؤية النص الواقعي من خلال كتابته".. سيفضي به هذا إلى المقارنة بين عصر الواقع المرئي، عصر الواقعيين الكبار الذي ينتهي بكتاب روجيه غارودي ( واقعية بلا ضفاف )، وعصر الواقع اللامرئي الذي أُفتتح بكتاب ناتالي ساروت ( عصر الشك ).. يقول؛ "قدمت روايات العصر الواقعي الأول ( بطلاً ) منشطراً على نفسه، يصارع اغترابه الواقعي من أجل توحيد شطريه، بينما ابتكرت روايات عصر الواقع اللامرئي ( راوياً ) بلا خصائص، أخفى انشطاره وراء قناع مسرحي لا تعكس مرآة الواقع الكبرى إلاّ خدوشه التعبيرية وتجلياته السردية المفككة".
وما حدث من جدال نظري خصب حول تطور فكرة الواقع في الغرب لم يتهيأ مثله للكتّاب العرب ( الموهوبين )، كما يسميهم، إلا بعد أفول مرحلة الواقعية الأوربية؛ "آنذاك انشغل النقاد العرب بإلحاق الصفات الإيديولوجية بالفكرة الواقعية، لتصبح القوة الثالثة المكمِّلة لبنية العالم الثالث الاقتصادية والسياسية، والأداة المنقذة من النزعات التأملية والاتجاهات الرومانسية والتاريخية الحكائية". ما يقرره محمد خضير في النهاية؛
"ليست الواقعية بلا ضفاف، وليس النص بلا حدود، وإنما الواقعية محاولة اتصال بين ( بطل ) وعالمه، وكاتب وقارئه، وتحديد مواقع جديدة لهذا الاتصال".
لم يقترب محمد خضير من تخوم الإبداع الروائي كثيراً.. لم ينجز سوى نص ( كراسة كانون/ 2001 )، "ينتسب بصعوبة إلى فن الرواية". وقد سعى عبر تخطيطاته الافتراضية لنصه ذاك اختزال حوادث العقد الأخير من القرن العشرين في العراق. غير أن هوسه بالسرد قاده إلى الاهتمام بالمنجز الروائي العربي والعالمي قارئاً ومستكشفاً ليعايش "أحلام روايات ولّت هاربة أمام أجناس أدبية اعترضت طريقها". وفي مقالة ( استعمال الرواية ) راح يتحدث عن هذه الرواية/ الروايات اللاعبة في أفق رغبته المحتدمة؛ مخططات روايات أُفلتت من بين يديه ويتوجب عليه الآن أن يلحق بها ويستولي على زمامها.. يقول؛ "لذا لن أتكلم على رواية محققة، وإنما على نص روائي لم استحقه، نص غائب قد لا أحققه في القريب العاجل من مستقبلي الأدبي". فيمضي نابشاً في تاريخ الرواية ونصوصها، متلمساً ومستشفّاً قواعدها وأشكالها وممكناتها. مدركاً أن ممارسة الرواية "تقع بين حدّي الوعي والتجربة". وأن الرواية "هي الميدان الوحيد لجمع التناقضات على سبيل الاحتمال والحقيقة، والتقاء الممكن المعقول بالغريب غير المعقول، وحل ثنائية الوعي المحرّم والتجربة المنتهكة". إنه يبني عمارة الرواية نماذج مصغّرة منتظراً الأوان الصحيح لبنائها على الأرض؛ "إن الرواية العظيمة تُكتب في أوانها، وتعاصر الاختراعات العظيمة التي تحاينها". والروائي يعرف بحدسه، بحسِّه الداخلي، ذلك الموعد المرتقب.
يشبه محمد خضير، في مشغله السردي الصيدليَّ في مختبره.. إنه ينطوي على رهافة حس الصيدلي ودقة ملاحظته وأناته وهو يراقب نتائج اختباراته. وهو في الأحوال كلها ليس على عجلة من أمره.. إنه ينتظر بصبر، وربما بقليل من الضجر، أحياناً، ما ستتمخض عنها تجاربه. ومع أنه يبدو مخطِّطاً صارماً، إلا أنه، باعتقادي، هائم بالتجريب، ورحّالة شجاع في مفازاته الساحرة.
من العسير اختزال هذا الكتاب في مقالة واحدة قصيرة، نظراً لمادته الواسعة وأهمية الأسئلة التي يثيرها، وغزارة ما يتضمنها من معلومات وأفكار، والإشكاليات الأدبية الحقيقية، لاسيما المتعلقة بالكتابة السردية، التي يطرحها، ويعالجها بمقاربات جدّية.

سعد محمد رحيم
روائي وكاتب من العراق
saadrhm@yahoo.com
تعليقاتكم
1. نقد ملحمي عن مصادفة شبه روائية
احمد مصارع | 15/6/2011 الساعة 01:16
من يؤسطره الناقد أو الصحفي الكاتب بحروف عربية غريبة سيكون بالفعل موضوعا للشك المتدافر والمتدافع, حيث الفوضى المريعة والفراغ المريع, ومن المؤكد ان مجرد حروف نافرة لن تقدر على أن تجعل الصحراء المقفرة بقوة سحرية تخضر هكذالمجرد الانحياز الأعمى ولمجرد كاتب ما وجد بالصدفة لحظة حدوث فراغ ما وخارج التاريخ, بدون علومية تستحق الذكر, عارية عن سوى التشدق بالطريقة العرضحالية التي تم وصفها بشكل تعسفي وظالم بالحالة الروائية, سحقا لكل تاريخ لايحمل بين طياته الألم الحقيقي ومعاناة الانسان بحثا ورويا وريا..أسماء وأشياء بلا معنى وخلفية , فلتسقط الأشياء والأشياء والأسماء بدون أي معنى لها يستحق الذكر والخلود الكاذب, وهذا اتهام لكل من يحاول المروق بدون احساس ودم وعروق..فلتحييا
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث